Indexed OCR Text

Pages 321-340

وهو أقوى من النقض ، لأن الوضع إذا فسد لم يبق إلا الانتقال . والنقض
يمكن الاحتراز عنه .
قال ابن السمعاني : وذكر أبو زيد وغيره أن هذا السؤال لا يرد إلا على الطرد ،
والطرد ليس بحجة . وأما العلة التي ظهر تأثيرها فلا يرد هذا السؤال . ونحن
نقول: نعم، وإن كان الطرد ليس بحجة، وإظهار التأثير لا بد منه، ولكن
السؤال يبقى ، وهو أن يقول السائل : لا يجوز أن يدل الدليل على صحة مثل هذه
العلة ، أو يقول : لا يجوز أن يظهر له تأثير ، فلا بد في الجواب من نقل الكلام
إلى ذلك وبأن الدليل قد قام على صحة هذه العلة . فبهذا الوجه صححنا
السؤال. وقال الأصفهاني في ((شرح الحصول)): فساد الرضع عبارة عن كون
الدليل دالاً على محل النزاع ، وهو مقبول عند المتقدمين . ومنعه المتأخرون ، إذ لا
توجُّه له ، لكونه خارجا عن المنع والمعارضة .
تنبيهات
الأول : ما ذكرناه من تغاير فساد الوضع وفساد الاعتبار ، وأن الأول بيان
مناسبة الوصف لنقيض الحكم ، والثاني استعمال القياس على مناقضة النص أو
الإجماع فهو أعم : هو اصطلاح المتأخرين . وأما المتقدمون فعندهم أنهما
مترادفان . ذكره ابن المنير ثم قال: وعندي أنهما ليس باعتراضين زائدين، فإن
المناسبة للنقيض إن كان المعترض رد الاستشهاد إلى أصل المستدل فهو (قلب)،
وإن ردّه لأصل آخر فإن كانت جهتا المناسبة للنقيض مختلفتين فهو (معارضة)،
وإن اتحدت الجهة فهو (قدح في المناسبة) . وإن لم يرد المعترض إلى أصل والجهة
مختلفة فهي (معارضة لمعاني الأصول بالمرسلات) فلا تسمع. وأما فساد الاعتبار
فحاصله (معارضة) . فإن كان التوقيف أقوى أو تساويا تمت المعارضة ، أو
أضعف قدم ، على طريقة الإمام .
الثاني : نقل خلاف في استعمال السؤال على موافقة النص ، هل يكون فساد
وضعٍ أم لا ؟ قال ابن المنير : فلا حاصل عندي لهذا الخلاف ، فلا يتصور الجمع
٣٢١

بين دليلين إلا على تفسير واحد ، وهو أن يكون الدليل أحدهما ، أما إذا سبق إلى
الفكر الظنُّ بأحدهما استحال أن تظن بالآخر ظنا آخر مجامعاً للأوّليّ . (انتهى)
وهذا خلاف طريقة الناس المشهورة وأوِّل إطلاق العلماء باجتماع العلة على أنه إذا
انفرد واحد كفى في حصول الغرض .
الثالث : قد يورد هذا السؤال على قواعد أصحابنا في قياس العامد على الناسي
في ترك التسمية ، وفي جبر الصلاة بالسجود ، وفي قضائها عند الترك ، وفي إيجاب
الكفارة في اليمين الغموس وغير ذلك . فيقال : كيف يصح الإلحاق مع أن الشرع
عَذَر الناسي ورفع التكليف عنه ، ولم يعذر العامد ، فلا يلزم من إعذار الناسي
٣١٧/ب إعذار العامد . وقد كثر التشنيع علينا في هذا / ، ويمكن الجواب بأن العمد
يفارق النسيان فيما يتعلق بالإثم وعدمه . فأمّا ما يتعلق بالصحة والبطلان ، أو
التحليل والتحريم ، والإيجاب وعدمه فلا فرق بينهما ، بدليل أن من ترك الطهارة
عمداً فصلاته باطلة ، وكذلك ناسيا . وكذلك ترك النية في الصلاة والصوم
وغيرهما من المأمورات . وإنما يختلف حكمها في المنهيات .
وقد يورد أيضا قياس المخطىء على العامد في إيجاب كفارة الصيد ونحوه .
وجوابه أن فيه تنبيها على وجوبها فيما دون ذلك ، كقوله تعالى : ﴿فإذا أُحصِنّ فإن
أتين بفاحشة . .﴾ [الآية [النساء / ٢٥] فذكر الجلد في إحصانهنّ الذي هو أعلى
ليبين أن ما دون ذلك يكفى فيه الجلد . وقيل : فيه وجهان : (أحدهما) أن
التنصيص على العمد لينبه على قتل الآدمي عمداً في إيجاب الكفارة ، والتنصيص
في قتل الآدمي على الخطأ لينبه على خطأ العمد . و(الثاني) أنه إنما ذكر العمد لأنه
رتب عليه العقوبة في العود فقال: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة / ٩٥] ولا
يمكن العقوبة إلا في حق العامد .
الحَادِي عَشر: المَنع
قال ابن السمعاني : الممانعة أرفع سؤال على العلل . وقيل : إنها أساس
المناظرة وبه يتبين العوار (انتهى) . ويتوجه على الأصل والفرع :
٣٢٢

أما الأصل فمن وجوه :
أحدها - منع كون الأصل معللا : بأن الأحكام تنقسم بالاتفاق إلى ما يعلل
وإلى مالا يعلل ، فمن ادعى تعليل شيء كلف بيانه . وقد اختلف في هذا فقال
إمام الحرمين : إنما يتجه على من لم يذكر تحريراً ، فإن الفرع في العلة المجردة
يرتبط بالأصل بمعنى الأصل . قال الكيا : هذا الاعتراض باطل ، لأن المعلل إذا
أتى بالعلة لم يكن لهذا السؤال معنى، وقبل العلة لا يكون آتيا بالدليل إلا أن يبقى
(تقسيما وسبراً) .
وقال المقترح : التحقيق أن منع كون الأصل معللاً لا يرد ، لأنه لا يخلو إما أن
يحرر المستدل العبارة أم لا ، فإن لم يحررها لم يرد عليه المنع ، لأن المنع إنما يرد على
مذكور ، وهو لم يذكر شيئا ، بل قوله : أجمعنا على تحريم الخمر فليحرم النبيذ ،
فهذا ليس بدليل ، فلا يتجه منع كون الأصل معللاً ، بل لا يخاطب حتى يصرح
بالجامع . وإن حرّر فلا يخلو: إما أن يسلم له كون ما ادعاه علة أو لا . فإن سلم
لزم من ذلك كون الأصل معللا ، وإن لم يسلم لم يرد عليه ، فيرد عليه منع كون
الوصف علة لا منع كون الأصل معللاً .
وقال ابن المنير في منع كون الأصل معللاً : هل يقبل أم لا ؟ مبنى على قاعدة
مختلف فيها ، وهي أنّا : هل نحتاج في كل صورة إلى دليل خاص على أن الحكم
فيها معلَّل ؟ أو يكتفى بالدليل العام على أن الأحكام معللة . والحق هو الثاني ،
لاستقرار الإجماع على أن الأصل في الأحكام التعليل ، فالمطالبة بكون الحكم
معللا على هذا القول كالمطالبة بكون القياس الصحيح حجة ، فهذه القاعدة هي
المسقطة لهذا الاعتراض . لا ما ذكره الإمام أن المسقطة له الكفاية عنه بتصحيح
العلة المعينة ، فمتى صحت لزم كون الحكم معللاً ضرورة لزوم المطلق المقيد ،
لأنّا نقول : المصحح لكون الوصف علة مثلاً المناسبة والجريان ، لا بالذات ،
ولكن بالشرع ولا يلزم من المناسبة والجريان كون المناسبة علة ، فلا يلزم حينئذ
كون الحكم معللاً لولا قيام الإجماع على تعليل الأحكام بالأوصاف المقارنة لها
بشرطها .
٣٢٣

الثاني - منع ما يدعيه الخصم أنه علة كونه علة ، بعد تسليم التعليل ، ويسمى
( المطالبة) أي بتصحيح العلة . وإذا أطلقت (المطالبة) في عرف الجدليين فمرادهم
هذا ، وحيث أريد غيرها ذكرت مقيّدة ، فيقال : المطالبة بوجود الوصف أو ثبوت
الحكم في الأصل ، ونحوه . ووجه الاعتراض به أن من الناس من يتمسك بما لا
يصلح كونه علة ، فيجعله كالتمسك بالطرد أو بالنفي . قال ابن السمعاني :
وهي عائدة إلى محض الفقه ، وبها يتبين المحقق من الفقهاء وغيرهم . وقال
الآمدي : هو أعظم الأسئلة الواردة على القياس ، لعموم وروده على كل وصف ،
واتساع طرق إثباته وتشعّبها .
وقد اختلف فيه . والمختار قبوله ، فإن الحكم لا بد له من جامع هو علة .
واحتج الآخرون (١) بأنه لو قبل لاستدل عليه بما يمكن منع المناسبة فيه ،
ويتسلسل (٢) وبأنا لو لم نجد إلا هذه العلة فعلى المعترض القدح فيها (٣) وبأن
الاقتران دليل العلية . وأجيب عن (الأول) بأنه إذا ذكر ما يفيد ظن التعليل وجب
التسليم ولا يتسلسل . وعن (الثاني) الطعن بالاستقراء . وعن (الثالث) منع
الاكتفاء بالاقتران ، بل لا بد من المناسبة .
تنبيهان
الأول : أطلق الجدليون هذا المنع ، وينبغي تقييده - كما قاله ابن المنير - بما إذا
لم تكن العلة حكماً شرعياً ، فإن كانت وجوزنا بها ، فمنع المعترض وجود الحكم
المنصوب علة اتجه في قبول الاستدلال عليه الخلاف الآتي في الاستدلال على حكم
الأصل إذا منعه .
والثاني : أن المعترض لا يُمكّن من تقرير العلة بالاستدلال على نقيض ما ادعاه
المستدل ، ولا يجري فيه الخلاف السابق في المنع . والفرق أن صيغة المطالبة
بتصحيح الوصف لا تتضمن إنكاراً ولا تسليماً ، بخلاف المنع فإن المانع جازم
٣٢٤

ينفي ما ادعاه المستدل ، فكان لتقريره وجه ، نعم ، لو أورد هذا السؤال بصيغة
المنع كقوله: لا أسلّم أن هذا الوصف علة جاء الخلاف، فيمكّن من التقرير على
أحد القولين ، وهو أمر اصطلاحي لا يتعلق به فقه والقياس أن المنع والمطالبة
متساويان، لأن المقصود لكل منهما التماس، فما جرى في أحدهما جرى في الآخر .
٣٢٥

فصْل
قال الغزالي : مجموع ما رأيت أهل الزمان يقولون عليه على دفع هذا السؤال
سبعة مسالك :
الأول - قول بعضهم : القياس رد فرع منازع فيه إلى أصل متفق عليه
بجامع ، وقد حصل . قلنا : لكن بشرط أن يغلّب الجامع ظن صحته ، إما
بإخالة أو شبه معتبر ، ولم يوجد .
الثاني - قولهم : عجز المعترض عن إبطال العلة دليل على صحتها ، وهو باطل
للزومه صحة كل دليل وجد فيه عجز المعترض .
الثالث - قول بعضهم : إِني بحثت وسبرت فلم أجد غير هذا الوصف علةً .
قلنا : ذلك لا يوجب علماً ولا ظنّاً بالعلية .
الرابع - قول بعضهم : لو قُبل سؤال المطالبة لتسلسل، فإنه ما من دليل يذكره
المستدل إلا ويتوجه عليه المطالبة. قلنا: إذا بين أن أصل قياسه مجمع عليه، وأن
١/٣١٨ علته ثابتة بطريق معتبر انقطعت عنه / المطالبة ، أما ما دام متحكّماً بالدعوى
فلا .
الخامس - قول بعضهم : حاصل هذا السؤال يرجع إلى منازعة في علة
الأصل ، وعلة الأصل ينبغي أن تكون متنازعاً فيها (١) حتى يتصور الخلاف في
الفرع . قلنا : لسنا نطالبك بعلة متفق عليها ، بل بأن تنصب دليلا على مدعاك
ولا تقتصر على التحكم .
السادس - قول بعضهم : الذي ذكرتُه شَبَه ، والشبه حجة . قلنا : فعليك
بیان الشبه .
(١) في النسخ كلها (فيه).
٣٢٦

السابع - قول بعضهم: الدليل على علية الجامع اطرادها وسلامتها عن
النقض . قلنا : لا نسلم أن الطرد حجة (انتهى). وإنما الطريق في جوابه
الاستدلال على تصحيح العلة بطريق من طرقها .
الثالث(١) - منع الحكم في الأصل :
كقولنا في إزالة النجاسة: مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل حكم النجاسة،
كالدهن. فيقول: لا نسلم أن الدهن لا يزيل النجاسة بل يزيلها عندي. واختلف
في أنه انقطاع للمستدل على مذاهب:
أحدها - أنه انقطاع : لأنه إن شرع في الدلالة على حكم الأصل كان انتقالا
لمسألة أخرى ، وإن لم يشرع لم يتم دليله .
والثاني - أنه لا ينقطع إذا دل على محل المنع ؛ جزم به إمام الحرمين وإلكيا
الطبري والبروى. وقال ابن برهان : إنه المذهب الصحيح المشهور بين النظار .
واختاره الآمدي وابن الحاجب ، لأن دلالته تتميم لمقصوده لا رجوع عنه ، بل هو
تثبيت ركن قياسه ، فهو حكم الأصل ، كما يبحث في تحقيق علة الأصل ،
وبالقياس على منع سائر أركان القياس .
والثالث - إن كان المنع جليا فهو انقطاع ، أو خفيا ، أي يخفى على أكثر
الفقهاء فلا ، لأنه معذور . وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق ، ونقل ابن برهان عنه
في المنع الظاهر أن يتقدم منه في صدر الاستدلال هذه الشريطة بأن يقول : إن
سلمت وإلا نقلتُ الكلام إليه فلا ينقطع .
والرابع - يتبع عرف ذلك البلد الذي فيه المناظرة : فإن الجدل مراسيم ،
فيجب اتباع العرف ، وهو اختيار الغزالي .
والخامس - إن لم يكن له مدرك غيره جاز القياس، وإلا إن كان المنع خفيا لم
ينقطع، وإلا انقطع. واختاره الآمدي في ((غاية الأمل)). ثم إذا قلنا : لا
(١) هذا هو الثالث من (توجهات المنع على الأصل) والأول قبل أربع صفحات.
٣٢٧

ينقطع ، فهل يلزم إقامة الدليل على حكم الأصل ؟ قال الشيخ أبو إسحاق : لا ،
فإنه يقول : إنما قسمت على أصلي. وهو بعيد ، لأنه إن قصد إثباته لنفسه فلا وجه
للمناظرة ، وإن قصد إثباته على خصمه فلا يستقيم منع منعه على حكم الأصل .
ووهم ابن الحاجب فحكى عن الشيخ أبي إسحاق أنه لا يسمع ولا يفتقر إلى دلالة
على محل المنع. والموجود في ((الملخص)) وغيره للشيخ سماع المنع .
ثم إذا قلنا : يلزمه الدليل ، فإن استدل بنص أو إجماع فذاك ، أو بقياس فإن
كان بعين الجامع الأول ، فقيل : لا يصير منقطعاً ، لأنه طول من غير فائدة .
والصحيح خلافه ، لأنه قد يكون قصده إظهار فقه المسائل والتدريب فيها وتكثير
الأصول الدالة على اعتبار الوصف . وإن كان بغيره فقال البروي : يصير
منقطعاً ، لأنه إن حققه في الفرع فقد انتقل إلى علة أخرى ، وإن لم يحققه فقد
اعترف بالفرق بين الأصل والفرع . وذهب أبو الوليد الباجي وجماعة إلى أنه لا
ينقطع ، لأن أكثر ما فيه أنه اعترف بأن الأصل الأول قد اجتمع فيه علتان ، ولا
امتناع فيه . نعم ، يلزمه إثبات كل واحدة من العلتين : فإن أثبت ذلك تَمّ له
مقصوده ، وإن عجز انقطع حينئذ .
ثم إذا قلنا : لا يُعَدّ منقطعاً وله أن يقيم الدليل ، فإذا أقامه فاختلفوا في انقطاع
المعترض ، فقيل : ينقطع حتى يسوغ له بعد ذلك الكلام لأنه يبين فساد المنع ،
وحسماً لباب التطويل(١). والمذهب الصحيح ما قاله ابن برهان وغيره أنه لا
ينقطع ، فإن قبول المنع إنما كان يدل المستدل الدليل(١) على محل المنع ، فكيف
يقنع منه بما يدعيه دليلاً فيجب تمكين الخصم من الكلام عليه ، فإن عجز فعند
ذلك ينقطع (قال) : فأما إذا أقام المستدل الدليل على إثبات الحكم الممنوع في
الأصل فعدل المعترض عنه وأخذ يعترض ثانيا على الدليل المنصوب على الحكم في
الفرع ، فهاهنا أجمعوا على أنه يعد منقطعاً .
(١) هنا بياض في المخطوطة الباريسية، والكلام في غيرها متصل.
(٢) كذا في جميع النسخ ولعله (بذكر المستدل الدليل).
٣٢٨

تنبيهان
الأول : هذا المنع إنما يكون فيما إذا قاس المستدل على مسألة خلافية فإنه لو
قاس على مسألة إجماعية لم يمكِن المعترضُ منعُ حكم الأصل ، لكونه على خلاف
الإجماع ثم ليس كل خلافية يتوجه عليها هذا السؤال ، بل يختص بكل موضع لا
يخرج المعترض بالمنع فيه عن مذهب إمامه ، لأن طريقة الجدليين أن كل واحد من
المتناظرين لا بد أن ينتمي إلى مذهبٍ معين حذراً من الانتشار. وفي
((المحصول)): إن كان انتفاؤه مذهباً للمعلّل والمعترض كان متوجّها، وكذا إن
كان مذهب المعلل وحده . وإن كان مذهبا للمعترض وحده لم يقبل .
وقسم ابن برهان المنع الصحيح إلى ثلاثة اقسام :
القسم الأول - يعلم أنه لا يختلف مذهب صاحب تلك المقالة في تلك المسألة .
وله في الجواب طرق :
أحدها - أن يفسر كلامه بما يكون مسلُّما عند الخصم ، كاستدلال الحنفي في
الإجارة تنفسخ بالموت ، لأنه عقد معاوضة ، فوجب أن يبطل : وأصله عقد
النكاح - فيقول الشافعي : الحكم في الأصل ممنوع ، فإن عندي النكاح لا يبطل
بالموت بل ينتهى . وليس كل ما ينتهى يبطل ، بدليل عقد الإجارة إذا انقضت
مدته ينتهى ولا يبطل ، فإن قال المستدل : عنيت بقولي : فوجب أن يبطل ، أي
يرتفع ولا يبقى قُبل .
الثاني - ان يبين موضعا متفقا عليه ، كاستدلالنا في فرضية الترتيب في
الوضوء : عبادة مشتملة على افعال متغايرة فوجب أن يجب فيها الترتيب ،
كالصلاة . فيقول الحنفي : الحكم في الأصل ممنوع ، فإن الترتيب عندي في
الصلاة لا يجب ، بدليل أنه إذا ترك أربع سجدات في أربع ركعات يأتي بها دفعة
واحدة بلا ترتيب . فطريقه أن يقول : أبين موضعا متفقا عليه من الصلاة يجب
فيه الترتيب فأقيس عليه فأقول : أجمعنا أنه لو قدم السجود على الركوع لم يجز
فأقيس عليه .
٣٢٩

الثالث - أن ينقل الكلام إليه ، كاستدلالنا في التعفير من ولوغ الخنزير بأن هذا
حيوان نجس العين ، فيجب غسل الإناء من ولوغه ، قياساً على الكلب . فيقول
٣/ب الحنفي : الحكم في الأصل ممنوع ، فإن عندي لا يجب التسبيع / في غُسل الكلب
وجوابه أن ينتقل الكلام إليه ويبين أن هذا الحكم في الأصل منصوص عليه .
القسم الثاني - أن يعلم أن مذهبه مخالف :
كاستدلالنا في الصَّرورة إذا حج عن غيره ، كما إذا أطلق الإحرام . فيقول
الحنفي : الحكم في الأصل ممنوع ، فإن عن أبي حنيفة رواية أنه إذا أطلق لا
ينصرف اليه .
القسم الثالث - أن لا يعرف المعترض مذهب صاحب المقالة في تلك المسألة :
كاستدلال الحنفية في المشرك يسلم على خمس : أن هذا جمع محرّم فوجب أن لا
يتخير ، قياسا على ما إذا أسلمت المرأة تحت رجلين . فيقول الشافعي: أمنع
الحكم في الأصل ، فإنه لا نصَّ للشافعي في إسلامها عن زوجين (قال) ومن المنع
الفاسد أن يمنع المعترض الحكم على وجه بعيد للأصحاب كاستدلالنا في جلد
الكلب لا يدبغ ، لأنه نجس العين فلا يطهر بالدباغ على مذهب أبي يوسف .
التنبيه الثاني :
قال الكيا الطبري : حق السائل أن يكون منكراً غير مدع ، وليس له أن
يدل ، فإنه ليس على المنكر إقامة البينة شرعاً ، وعلى مثله بنيت المناظرة صوناً
للمقام عن الاختلاط (قال) : ويجوز للمستدل الانتقال من حكم إلى آخر بالعلة
الأولى ، فإن العلة كافية في إثبات الحكم . نعم ، الانتقال من علة إلى علة أخرى
فسخ لا يتعلق بمصلحة النظر . (قال) : وأجمعوا على أنه ليس للمسؤول أن يدل
على النقض ، فإنّ به ينتقل إلى مسألة أخرى خارجة عن مقصود السؤال . ونقل
عن القاضي أبي بكر أنه جوز ذلك ، لأنه إذا ثبت النقض ثبت مطلوبه، فالاختيار
يدل على أنه خارج عن مصلحة المناظرة .
٣٣٠

وأما المنع في الفرع(١) فلا يتوجه عليه إلا سؤال واحد ، وهو منع وجود علة
الأصل فيه ، ويسمى (منع الوصف) ، فإن التعليل قد يقع بوصف مختلف فيه ،
كقول الحنفي في مسألة الإيداع من الصبي إنه مسلّط على الاستهلاك ، فيمنع ،
وقال : ليس بمسلّط ، إذ الإيداع ليس بتسليط . قال الكيا : وهذا غير معنى
الاعتبار ، لأن معنى الاعتبار مطالبة ترجع إلى الأصل لا إلى الفرع (قال) : وتبطل
به المطالبة بالإخالة وإيضاح وجه الدلالة ، وهو من أقسام المنع . وقيل إنه لا
يتحقق بعد وجود التعليل ، وما يفرض قبله التعليل فليس باعتراض عليه .
قال إمام الحرمين : ومن الاعتراضات الصحيحة : طلب الإحالة ، وهو من
أهم الأسئلة وأوقعها في الأقيسة المعنوية ، فمن ادعى معنى فعليه تبيين مناسبته
للحكم واقتضائه له ، فإن عجز عن ذلك انقطع . وقال القاضي أبو بكر : ليس
هذا من الأسئلة ، بل حق على المسئول أن يبدأ بإظهار الإخالة قبل المطالبة ، وإلا
لم يكن آتيا بصورة القياس ، وسكوته عنه اقتصار على بعض العلة . نعم ، لو
ضم إلى تعليله لفظاً يشعر بالإخالة كفاه ذلك ، فإن وجّه السائل طلباً كان قاصراً
عن درك لفظ التعليل .
وقال ابن المنير : الخلاف في عدّ هذا من الاعتراضات مبني على أنه : هل يلزم
المستدلَّ بيان الإخالة قبل أن يُسألها ؟ فالقاضي ألزمه ذلك ابتداء فسقط هذا
السؤال ، وغير القاضي قنع منه بذكر المعنى المختل ، فإن لم يقررها توجّه عليه .
والحق مع القاضي ، بل لو شرع الخصم في سؤالها قبل بيانها كان جاهلاً بحقه ،
إلا أن القاضي طرد قوله فألزم المستدل دفع الاعتراضات المتوقعة، ونحن لا نختار
ذلك، كما لا يلزم المدعي في الخصومة إذا عدل بينته أن تتعرض لنفي القوادح
المتوقعة إلا إذا أتى الخصم بقادح كان للمدعي أن يدفعه فكذلك ها هنا .
(انتهى) .
والمختار أن المطالبة باعتبار كون الوصف علة تتضمّن تسليم تحقيق الوصف
ومناسبته ، ومقصوده استنطاق المسئول في تصحيح شهادة الاعتبار بما يعتمده من
(١) هذا تكميل للتقسيم المبدوء بالكلام عن (المنع في الأصل) قبل بضع صفحات.
٣٣١

المسالك المتقدمة في إثبات العلة ، ليعترض على كل مسلك منها بما يليق به .
وقد منع قوم صحة الجمع بين المطالبة والممانعة ، لما فيها من منع كون الوصف
علة بعد تسليم الممانعة ضمناً . وفيه بعد ، إذ المعترض مطالب هادم غیر معترض
للحكم بإثبات أو نفي . وللسائل أن يجمع المنوع فيمنع حكم الأصل ويمنع
الوصف في الفرع وفي الأصل . ويمنع كون الوصف علة أو يعكسه فيقول : لا
أسلم الوصف في الفرع ولا في الأصل ولا الحكم في الأصل . وللمسئول دفعها
بإبداء موضع مسلم في الأصل أو بإظهار المناسبة على شرطها ، وله النقلُ إلى
الأصل إذا منع، أو افتتاحُ الكلام فيه ابتداء إذا توقع المنع .
الثاني عشر: التقسيم
وهو كون اللفظ متردداً بين أمرين : أحدهما ممنوع ، والآخر مسلم ، واللفظ
محتمل لهما غير ظاهر في أحدهما ، مثل البيع بشرط الخيار ، وهو تثبيت الملك
للمشتري ، فيثبت له . فيقول المقسّم : السبب هو مطلق البيع ، أو البيع المطلق
الذي لا شرط فيه ؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلّم ولكن لم قلت بوجوده ؟
قال الآمدي : وليس من شرطه أن يكون أحدهما ممنوعاً والآخر مسلّما ، بل
يكونان مسلمين لكن الذي يرد على أحدهما غير ما يرد على الآخر ، إذ لو اتحد ما
يرد لم يكن للتقسيم معنىًّ . ولا خلاف أنه لا يجوز كونهما ممنوعين ، لأن
التقسيم لا يفيد . وعلى هذا فلو أراد المعترض تصحيح تقسيمه اكتفى بإطلاق
اللفظ بإزاء احتمالين من غير تكلف بيان التساوي في دلالة اللفظ عليهما . وجوابه
أن يعين المستدل أن اللفظ موضوع له ولو عرفاً ، أو ظاهراً ولو بقرينة في المراد أو
بين احتمالاً لم يتعرض له المعترض
الثَالث عَشر: اختلاف الضابط
[اختلاف الضابط] بين الأصل والفرع لعدم الثقة بالجامع ، كقوله في شهود
القصاص . تسببوا للقتل عمداً فلزمهم القصاص زجراً لهم عن السبب ،
كالمكره . فالمشترك بين الأصل والفرع انماهي الحكمة وهي الزجر . والضابط في
٣٣٢

الفرع الشهادة ، وفي الأصل الإكراه ، ولا يمكن التعدية بالحكمة وحدها .
وضابط الفرع يحتمل أن يكون مساوياً لضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود وأن
لا يكون . وجوابه بأن يبين أن التعليل بالقدر المشترك بينهما من السبب المضبوط
عرفاً ، أو يبين المساواة في الضابط ، أو إفضاء الضابط في الفرع أكثر.
الرابع عَشر: اختلافٌ حكيى الأصل وَالفرع
قيل : إنه قادح ، لأن شرط القياس مماثلة الفرع الأصل في علته وحكمه . فإذا
اختلف الحكم لم تتحقق المساواة . وقيل : لا ، لأن الحكمين وإن اختلف في
الخصوص فقد يشتركان في أمر عام ويكون المقصود إثبات ذلك العام والقدر
المشترك / بينهما وتكون العلة تناسب ذلك القدر المشترك ، وهو كإثبات الولاية على ١/٣١٩
الصغيرة في نكاحها ، قياساً على الولاية في مالها .
الخامسْ عَشر: المعَارضَة
وهي من أقوى الاعتراضات . قال الأستاذ أبو منصور: وقيل : هي إلزام
الجمع بين شيئين والتسوية بينهما في الحكم نفياً أو إثباتا . وقيل : إلزام الخصم ان
يقول قولاً قال بنظيره .
والفرق بينه وبين المناقضة من حيث إن كلّ نقض معارضة ، بخلاف
العكس . وأيضاً فالنقض لا يكون بالدليل ، والمعارضة بالدليل على الدليل
صحيحة (قال) : وهي ترجع إلى الاستفهام (قال) وقد اختلفوا فيها : فأثبتها أكثر
أهل النظر، وزعم قوم أنها ليست بسؤال صحيح .
واختلف مثبتوها في الثابت منها ، فقيل : إنها تصح معارضة الدلالة بالدلالة
والعلة ، ولا تجوز معارضة الدعوى بالدعوى . وهو اختيار أبي هاشم بن
الجبائي ، وحكاه أصحابه عن الجبّائي ، ووجدنا في كتابه خلافه. وذكر الكعبي في
((جَدَله)) جواز معارضة الدعوى بالدعوى.
وقال الكيا الطبري : المعارضة إظهار علة معارضة لعلة ، أو لعلل ، في نقيض
٣٣٣

مقتضاها . هذا أصل الباب ، ولا يجري إلا في الظنّيات ثم يرجح أحد الظنين
على الآخر بوجه من وجوه الترجيح . وكذلك المعارضة بعد العجز عن كل
اعتراض قدمناه ، فإن فساد الوضع والمنع لا يصلح علی حیاله اقتضاء الحكم حتى
يعارض به . وإنما المعارضة حيث لو لم يقدر لاستقلت العلة في نفسها أو جنسها
باقتضاء الحكم لوجود أصل الظن المعتبر ، ولكن المعارض منع اعتبارها دون
ترجيح . فالحرف : المعارضة تبين أنه لا بد من زيادة على أصل الظن المعتبر في
هذا المجال على الخصوص . واحتج أبو بكر الصيرفي على علة صحة الحجاج
بالمعارضة بأن الله تعالى أثبتها على الكفار فقال: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون
إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء / ٤٢] يعني أن بطلان الوصول إلى ذي
العرش علة عجزهم ، ومن صح عجزه ثبت نقصه واستحال وصفه بما وصفتم .
واعلم أن المعارضة إما في الأصل أو في الفرع أو في الوصف :
- أما المعارضة في الأصل فإن ذكر علة أخرى في الأصل سوى علة المعلل
وتكون تلك العلة معدومة في الفرع ، ونقول : إن الحكم في الأصل نشأ بهذه
العلة التي ذكرتها لا بالعلة التي ذكرها الحنفي في تبييت النية : صوم عين فتأدى
بالنية قبل الزوال ، كالنفل . فيقال : ليس المعنى في الأصل ما ذكرت ، بل المعنى
فيه أن النفل من عمل السهولة والخفة ، فجاز أداؤه بنية متأخرة عن الشروع ،
بخلاف الفرض .
قال ابن السمعاني والصفي الهندي : وهذا هو سؤال الفرق ، فسيأتي فيه ما
سبق وذكره غيرهم أنه لا فرق بين أن تكون العلة يبديها المعترض مستقلة بالحكم
كمعارضة الكيل بالطعم ، أو غير مستقلة على أنها جزء العلة ، كزيادة الجارح إلى
القتل العمد العدوان في مسألة القتل بالمثقّل .
وقد اختلف الجدليون في قبوله ، فقيل : لا يقبلٍ ، بناء على منع التعليل
بعلتين . قال ابن عقيل : ولأنها ليست مسألة ولا جواباً ، وبه جزم أبو بكر محمد
بن احمد البلعمي الحنفي في كتابه ((الغرر في الأصول)) قال : لأن للمستدل أن
يقول : لا تنافي بينهما ، بل أقول بالعلتين جميعاً . قال : وليست مناقضه لأنها سدّ
٣٣٤

مجرى العلة ولم يسد عليه المجيب مناقضة من العلة . وقيل : يقبل ، وبه جزم ابن
القطان وغيره بناء على جواز ذلك ، وعليه جمهور الجدليين (قالوا) لأنه إذا ظهر في
الأصل وصفان كل واحد منهما صالح للاستقلال فإنه يتعارض عند النظر ثلاثة
احتمالات :
أحدها - ان تكون العلة وصف المستدل خاصة
والثاني - أن تكون وصف المعترض خاصة .
والثالث - أن تكون مجموع الوصفين .
وإذا تعارضت الاحتمالات فالقول بتعيين واحد منها من غير مرجح تحكم
محض ، وهل يقتضى إبطال الدليل ؟ فيه قولان - حكاهما الأستاذ أبو إسحاق في
((شرح الترتيب)): أحدهما - أنه يتم دليل المسئول بالمعارضة ، لأنه إن كان
صحيحا فما يعارضه به خصمه يستحيل دليلاً . وإن لم يكن صحيحاً فعليه أن يرى
المستدل فساده . فإن لم يقدر بان عجزه .
والثاني - أنه ما لم يفسد المسئول تلك المعارضة لا يتم دليله - لجواز أن تكون
المعارضة هي الصحيحة ودليله المسئول يشبهه ، غير أن السائل عجز عن إيراد ما
يفسده .
واعلم أن بناء الخلاف في قبول هذا السؤال ورده على تعليل الحكم بعلتين.
فإن جوزنا لم يقبل، وإلا قبل: ذكره إمام الحرمين في ((البرهان)) والكيا الطبري ،
ونازعه شارحه ابن المنير فقال: نحن وإن فرضنا جواز اجتماع العلل المستقلة فإنه
يتجه ذلك إذا شهدت الأصول بالاستقلال والتعداد. وإنما يتحقق ذلك إذا شهد
لكل علة أصل انفردت فيه ثم اجتمعت في محل آخر، كاجتماع الحيض
والإحرام، فإن استقلال كل منهما بجميع علته حيث ينفرد ثم يقع الآخر حيث
يجتمع ، فقائل يقول : أجمعنا على الحكم الواحد ، وآخر يقول : لكل حكم علة
فاجتمع علتان وحكمان .
أما إذا فرضنا إبداء السؤال عِلَّةً، فعارضه السائل بعلة أخرى ففرضهما علتين
٣٣٥

مستقلتين يستدعي انفراد كل منهما في أصل سوى محل الاجتماع، فإذا لم يظفر
الانفراد فالمعارضة واردة ، بناء على خلل شهادة الأصل ، لأن المسئول إن قال :
الباعث هو المعنى الذي أبديته قال السائل : الباعث معناي ، أو الأمران معاً ،
بحيث يكون كل منهما جزء علة . فهذه احتمالات متساوية ، والمستدل في تعيين
مقصوده بالدعوى متحكم . ولهذا لو لم نعتبر شهادة الأصول وأجزنا المرسلات لم
يرد هذا السؤال .
وهل يجب على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي عارض به الأصل عن الفرع ؟
فيه مذاهب :
(أحدها) وهو المختار ، أنه لا يجب ، لأنه إن كان في الفرع افتقر المستدل إلى
بيانه فيه ليصح الإلحاق ، وإن لم يبين ذلك بطل الجمع .
و(الثاني) يجب نفيه ، لأن الفرق لا يتم إلا بذلك .
و (الثالث) وبه أجاب الآمدي وابن الحاجب ، إن قصد الفرق فلا بد من
٣١٩/ب نفيه، وإلا فلا ، لأنه يقول: إن لم يكن موجوداً فيه فهو / فرق، وإلا فالمستدل
لم يذكر إلا بعض العلة. وعلى التقديرين فلا بد من إشكال.
هذا إذا كان المقيس عليه أصلا واحداً، فإن كان أصولاً فقيل: لا يردّ، لأن
الاكتفاء بأصل آخر عن هذا حاصل. وقيل: يردّ، لأنه أقوى في إفادة الظن .
والقائلون بالردّ اختلفوا في الاقتصار في المعارضة على أصل واحد، فقيل :
يكفي لأن المستدل قصد جمع الأصول ، فإذا ذهب واحد ذهب غرضه وقيل :
لا بد من الجمع لأن المستقل يكتفي بأصل واحد .
والقائلون بالتعميم اختلفوا ، فمنهم من شرط اتحاد المعارض في الكل ، دفعاً
لانتشار الكلام . وقيل : لا يلزم ، لجواز أن لا يساعده في الكل علة واحدة .
ثم اختلف هؤلاء ، فقيل : يقتصر المستدل في الجواب على أصل واحد ، لأنه
به يتم مقصوده . وقيل : لا بد من الجواب عن الكل - لأنه التزم القياس على
الكل .
٣٣٦

وجواب المعَارضَة مِن وجوه :
أحدها - منع وجود الوصف المعارض به ، بأن يقول : لا أسلم وجود الوصف
في الأصل .
(الثاني) - منع المناسبة ، أو منع الشَبَه إن أثبته بهما لأن من شرط المعارض أن
يكون صالحاً للتعليل ، ولا يصلح إلا إذا كان مناسبا أو شبها ، إذ لو كان طرداً لم
يكن صالحاً . وإنما لم يكتف من المعترض بالوصف الشبهي في قياس الإحالة ،
لأن الوصف الشبهي أدنى من المناسب ، فلا يعارضه . فإن كان أثبته بطريق السبر
والتقسيم فليس له أن يطالب المعترض بالتأثير، فإن مجرد الاحتمالات كافٍ ،
فمن دفع السبر فعليه دفعه ليتم له طريق السبر .
الثالث ، والرابع - أن يقول : ما ذكروه من الوصف خفي فلا يعلل به أمر غير
منضبط أو غير ظاهر أو غير وجودي ونحوه من قوادح العلة . كذا ذكره
الجدليون . قال ابن رحال : وهو ضعيف ، لأن الظهور والانضباط إنما يشترط في
صحة نصبه أمارة ، أما في ثبوت الحكم لأجله فلا ، لأن الحكم يصح ثبوته
للخفي والمضطرب ، ولكن إذا أريد نصبه أمارةً تعين النظر إلى مظنته . والمعارض
ها هنا ليس مقصوده نصب الأمارة ، وإنما مقصوده ما ثبت الحكم لأجله ، فلا
معنى لتكليفه إثبات الظهور والانضباط . فإن قيل : فقد جعلتم من الأسئلة
النزاع في ظهور الوصف وانضباطه ، وإذا صحت مطالبة المستدل بذلك لكونه
شرطا في صحة التعليل صحت مطالبة المعترض به ، قلنا : الفرق بينهما أن
المستدل جمع بين الأصل والفرع بوصف ادعى أنه منصوب أمارة ، فظهوره
وانضباطه شرط في صحة نصبه أمارة ، وليس كذلك المعترض ، فإنه لم يدع
الأمارة وإنما مقصوده طريق الاجمال لشهادة الأصل مما ثبت الحكم لأجله ،
والظهور والانضباط ليس شرطا في ذلك ، فافترقا .
الخامس - بيان أنه راجع إلى عدم وصف موجود في الفرع ، لا إلى ثبوت
معارض في الأصل المتقدم ، وهذا إنما يكفي إذا قلنا لا يصح التعليل بالعدم ،
٣٣٧

فإن جوزناه لم يكف هذا في الجواب ، بل لا بد أن يقدح فيه لوجه آخر غير كونه
عدماً . هذا كله إذا تحقق أن الوصف عدم في الأصل ثبوت في الفرع .
السادس - إلغاء الوصف الذي وقعت به المعارضة وقد استشكل هذا بأن
الإلغاء ضربان : (أحدهما) إلغاء بإيماء النص . و (الثاني) إلغاء بتبديل الأصل.
فالأول فيه انتقال من مسلك اجتهادي الى مسلك نقلي، والانتقال من أقبح
الانقطاع، ولأنه لو استدل بإيماء النص أولاً لأغناه ذلك عن المسالك الاجتهادية،
فأي فائدة في هذا التطويل؟ فينبغي أن لا يقبل استدلاله أولاً. كما قالوا فيما إذا
استدل بقياس على وجه لا بد له من الترجيح بالنص.
وأما الثاني ففيه انتقال من محل إلى محل ، مع بقاء مسلك المناسبة والاقتران ،
مع أن في [ذلك] تطويل الطريق بلا فائدة .
إذا علمت ذلك فالإلغاء ضربان :
أحدهما - بإيماء النص ، وهو قسمان :
أحدها : مالا يتصور الجمع بينه وبين وصف المستدل ، لقيام الإجماع على أن
العلة في الأصل غير مركبة ، بل لا يكون إلا وصفاً واحداً ، كقول الشافعي فيما لا
يكال ولا يوزن من القثاء والبطيخ أنه يجري فيه الربا ، لأنه مطعوم ، فالتحق
بالأشياء الأربعة . فعارض الحنفي في الأصل بالكيل . فيقول الشافعي : وصف
الكيل ملغىٍّ بإيماء قوله وَّهِ: (لا تبيعوا الطعام بالطعام، إلا سواء بسواء) فإنه
يدل على التحريم على هذه الصفة ، وترتيب الحكم على الوصف المشتق يدل على
كونه علة مستقلة . فإن قيل للشافعي : تركت النص أولاً : فلم تستدل به ،
واستدللت بغيره على وجه لا بُدّ لك معه من النص ، وهذا تطويل . فالجواب أنه
لو استدل أولاً بالنص لاحتاج أن يثبت أن الاسم المفرد يقتضي الاستغراق ، وهي
مسألة أخرى فكان الأقرب إلى مقصوده أن يستدل بغير النص ويدّخر النص
المقصود الإلغاء ، وهذا مقصود صحيح . فإن كان هذا العذر مطرداً في جميع صور
الإلغاء كان السؤال السابق مندفعاً .
٣٣٨

و (ثانيهما) ما يتصور فيه الجمع بين الوصفين ، كقول الشافعي في المرتدة :
يجب قتلها ، لأنه شخص كفر بعد إيمانه ، كالرجل . فيقول الحنفي : أعارض في
الأصل: الوصف في الرجولية فإنه مناسب لما فيه من الإضرار الناجز(١) بالمسلمين ،
وذلك مفقود في المرأة. فيقول الشافعي: وصف الرجولية ملغى بإيماء قوله والار:
(من بدل دينه فاقتلوه) فإنه يدل على قتل جميع المرتدين من جهة تعليقه بصيغة
العموم بوصف (التبديل) .
الثاني - إلغاء بتبديل الأصل :
وصورته أن يبين المستدل صورة ثالثة يثبت فيها الحكم المتنازع فيه بالاجماع على
وفق علته بدون ما عارض به المعترض في الأصل الثاني ، إذ لا يتصور أن يكون
معتبراً فيه مع كونه معدوماً .
وأما المعارضة في الفرع : فهي أن يعارض حكم الفرع بما يقتضي نقيضه أو
ضده ، بنص أو إجماع ، أو بوجود مانع ، أو بفوات شرط . فيقول : ما ذكرت
من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي
نقيضه ، فتوقف دليلك . مثال النقيضِ: إذا باع الجارية إلا حملها صح في / ١/٣٢٠
وجه ، كما لو باع هذه الصيعان إلا صاعاً . فنقول : لا يصح ، كما لو باع الجارية
إلا يدها . ومثال الضد : الوتر واجب - قياسا على التشهد في الصلاة ، بجامع
مواظبة النبي وَلّر، فنقول: فيستحب قياساً على الفجر ، بجامع أن كلاً منهما
يفعل في وقت معين لفرض معين من فروض الصلاة ، فإن الوتر في وقت العشاء
والفجر في وقت الصبح ، ولم يعهد من الشرع وضع صلاتي فرض في وقت
واحد .
وقال ابن السمعاني : أما المعارضة في حكم الفرع فالصحيح أنه إذا ذكر المعلل
علةً في إثبات حكم الفرع ونفي حكمه ، فیعارضه خصمه بعلة أخری توجب ما
توجبه علة المعلل ، فتعارض العلتان فتمنعان من العمل إلا بترجيح إحداهما على
الأخرى .
(١) كذا في جميع النسخ. والمعنى: الفوري. أما ضرر المرتدة ففي المآل.
٣٣٩

وقد اختلف في قبول هذا الاعتراض :
فردّه بعضهم لا سيما المتأخرون من الجدليين ، محتجين بأن دلالة المستدل على
ما ادعاه قدتمت . قال الهندي : وهو ظاهر إلا فيما إذا كانت المعارضة بفوات
الشرط فإنا نبين عدم تمام دلالته إذ ذاك ، وإذا تمت دلالته فقد وفى بما التزم في
الاستدلال ، فهو بعد ذلك مخير : إن شاء سمع المعارضة، وإن شاء لم يسمع -
كاستدلال مستأنف . وأيضاً فإن حق المعترض أن يكون هادماً لا بانياً، والمعارضة
في حكم الفرع بناء لا هدم، بخلاف المعارضة في الأصل، فإن حاصلها يرجع إلى
منعٍ المقدمة، وهي كون الحكم معللاً بما ذكر من الوصف فلا يلزم من قبولها ثُمّ
قبولها هنا .
وقبله الأكثرون ، لقيام الإجماع على أن الدليل مع وجود المعارض عطل ، ولأن
المستدل عند ورودها متحكم ، والتحكم باطل إجماعا ، ولأنه طريق للهدم ، وقد
يتعين طريقاً للهدم ، فلو لم يقبل لبطل مقصود المناظرة والبحث والاجتهاد ، ولأنها
إنما تكون غصبا لمنصب التعليل أن لو ذكرها المعترض لإثبات مذهبه . وهو لا
یذکرها لذلك لاتفاق دليل خصمه .
وهذا القول صححه الغزالي في ((المنخول)) وقد رأيت ابن برهان في ((الأوسط))
نقل عنه إبطال المعارضة ثم رأيت الكيا الطبري سبقه الى نقل ذلك عنه فقال في
كتاب ((التلويح)): صار الغزالي إلى بطلان المعارضة على ما سمعنا الإمام ينقله عنه
وكان الحامل له على ذلك امتناع التناقض في أدلة الشرع ، فإذا اعترف السائل
بصحة علة المعلل واستقلالها بالحكم ، والمسئول ينكر صحة تعليله . وإن هو أراد
إظهاره فقد تناقض وقال بتعارض النصوص ، ولأن حق السائل أن يكون هادماً
غير بانٍ ، والمعارضة تقتضي البناء إن كان الترجيح لتعليل السائل أو ساقطة إن
كان الترجيح لعلة المسئول ، فلا يخلو من طرفي نقيض ووجهي فساد . ونحن
نقول : السائل لم يقصد البناء ، وإنما يقصد الهدم ، فإن مقصوده إعانة المسئول
على إتمام غرضه بإيضاح الترجيح ، ولا ينال هذه إلا بالمعارضة . (قال) : ولا
خلاف أن المعلل لو استدل بظاهر فللسائل أن يؤول ويعتضد بالقياس ، وإذا
٣٤٠