Indexed OCR Text

Pages 301-320

تصدى المعترض له، وهو إبطال علة المستدل في المحل المتنازع فيه، فلم يصح
قولهم: إنه ليس مبطلا للعلة إلا على تقدير إرادة أنه لا يبطلها في جميع مجاريها .
وقال الخوارزمي في ((النهاية)): إذا توجه القول بالموجب انقطع أحد
الخصمين : إن بقى النزاع انقطع المستدل ، وإن لم يبق النزاع انقطع السائل
(انتهى) .
واختلفوا في أنه هل يجب على المعترض إبداء سند القول بالموجب أم لا ؟
فقيل: يجب لقربه إلى ضبط الكلام وصونه عن الخبط ، وإلا فقد يقول بالموجب
على سبيل العناد. وقيل : لا يجب ، لأنه وفى بما عليه، وعلى المستدل الجواب وهو
أعرف بمأخذ مذهبه، فيصدق فيما يقوله لغيره من الأخبار . قال الآمدي : وهو
المختار ..
ثم هو إما أن يرد من المعترض دفعاً عن مذهبه ، أو إبطالاً لمذهب المستدل
باستيفاء الخلاف مع تسليم نقيض دليله ، وذلك أن الحكم المرتب على دليل
المستدل إما أن يكون إبطال مدرك الخصم إثبات مذهبه هو أو لا ؟ فإن كان الأول
فالقول بالموجب يكون من المعترض دفعاً عن مأخذه لئلا يفسد ، وإن كان الثاني
كان إبطالاً لمذهب المستدل ، لأنهما كالمتحاربين كل منهم يقصد الدفع عن نفسه
وتعطيل صاحبه .
فالأول كقولهم في إيجاب الزكاة في الخيل: يسابق عليها فتجب فيها الزكاة،
كالإبل . فيقول : مسلم في زكاة التجارة، والنزاع إنما هو في زكاة العين. ودليلكم
إنما يقتضي وجوب الزكاة في الجملة .
والثاني : كقولنا في إيجاب القصاص في المثقّل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع
القصاص ، كالتفاوت في المتوسَّل إليه وهو القتل ، فإنه لو ذبحه أو ضرب عنقه / ٣١٤/بـ
أو طعنه لم يمنع القصاص. وهذا فيه إبطال مذهب الخصم، إذ الحنفي يرى ان
التفاوت في الآلة يمنع القصاص فيقول الحنفي : تسليم التفاوت في الآلة لا يمنع،
لكن لا يلزم من إبطال المنع للقصاص ثبوته، بل إنما يلزم ثبوته من وجود مقتضيه
وهو السبب الصالح لإثباته، والنزاع فيه. وجوابه بأن يبين المستدل لزوم حكم
٣٠١

محل النزاع بوجود نقيضه بما ذكر في دليله إن أمكن مثل أن يقول في المثالين
المذكورين: يلزم من كون التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص وجود مقتضى
القصاص ، بناء على أن وجود المانع وعدمه قيام المقتضى ، إذ لا يكون الوصف
تابعاً بالفعل إلا لمعارضة المقتضى ، وذلك يستدعي وجوده .
أو يبين المستدل أن النزاع إنما هو فيما يعرض له بإقرار أو اعتراض من المعترض
بدليل . مثل أن يقول ؛ إنما فرضنا الكلام في صحة بيع الغائب ، لا في ثبوت
خيار الرؤية ، ويستدل على ذلك .
السَابع: الفَرق
ويسمى (سؤال المعارضة) و (سؤال المزاحمة)، فله ثلاثة ألقاب . وهو : إبداء
وصف في الأصل يصلح أن يكون علة مستقلة للحكم أو جزء علة ، وهو معدوم
في الفرع ، سواء كان مناسبا أو شبها إن كانت العلة شبيهة(١) بأن يجمع المستدل
بين الأصل والفرع بأمر مشترك بينهما ، فيبدي المعترض وصفا فارقاً بينه وبين
الفرع .
وقد اشترطوا فيه أمرين :
أحدهما : أن يكون بين الأصل والفرع فرق بوجه من الوجوه ، وإلا لكان هو
هو ، وليس كلَّ ما انفرد به الأصل من الأوصاف يكون مؤثراً مقتضيا للحكم ، بل
قد يكون ملغى بالاعتبار بغيره ، فلا بد أن يكون الوصف الفارق قادحاً .
والثاني : أن يكون قاطعاً للجمع، بأن يكون أخصَّ من الجمع ليُقدَّم عليه، أو
مثله ليعارضه .
قال بعضهم : اختلف الجدليون في حده، فقال الجمهور، ومنهم الإمام: إن
حقيقة الفرق قطع الجمع بين الأصل والفرع إذ اللفظ أشعر به وهو الذي يقصد
منه . وقال بعض الجدليين : حقيقته المنع من الإلحاق بذكر وصف في الفرع أو في
الأصل .
(١) كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب (شَبَهية) وهو (قياس الشَبَه).
٣٠٢

وينبني على هذا الخلاف مسألة ، وهي أن الفارق إذا ذكر فرقا في الأصل هل
يجب عليه أن يعكسه في الفرع ؟ اختلفوا فيه : فما عليه الحذاق من أهل النظر أنه
يشترط، لأنه عبارة عن قطع الجمع، وإنما ينقطع الجمع إذا عكسه، لأن المقصود
الفرق، والافتراق له ركنان : (أحدهما) وجود الوصف في الأصل ، و(الثاني)
انتفاؤه في الفرع ، لأن المستدل يقول : وجود معنى آخر لا يضرني ، لأنه يؤكد
الحكم في الأصل ، وذلك لا يمنع تعليلى ، وصار غيرهم إلى أنه لا يلزم المعترض
عكسه لأنه ادعى أن العلة في الأصل وصف كذا ، فإذا أبدى المعترض وصفاً آخر
امتنع التعليل في الأصل به ، وإذا امتنع التعليل امتنعت التعدية .
وقد اختلفوا في قبوله وقدحه في العلة على مذاهب :
أحدها - أنه ليس بمقبول ، لأن الجامع لم يلتزم بجمعه مساواة الفرع والأصل في
جميع القضايا ، وإنما سوى بينهما في وجه ، ولا يتضمن الجمع بين أسئلة متفرقة ،
ولأن المعترض ذكر معنى في جانب الأصل ، وذلك لا يمنع تعليل المعلل بجواز
تعليل الحكم بعلتين ، وحكاه في ((البرهان)) عن طوائف من الجدليين والأصوليين
(قال) : وإنما يستمر هذا مع القول برد المعارضة في جانب الأصل والفرع جميعاً
(قال) : وهو عند المحصلين ساقط مردود .
وأما ابن السمعاني فقال: وعند المحققین أنه أضعف سؤال يذكر ، وليس مما
يمس العلة التي نصبها المعلل بوجه ما ، لكن نهاية ما في الباب أن الفارق يدّعى
معنى في الأصل معدوما في الفرع ولم يتعرض للمعنى الذي نصبه المعلل . ويجوز
أن يكون الأصل معلولاً بعلتين مستقلتين ووجدت إحداهما في الفرع وعُدمت
الأخرى ، وإحداهما كافية لوجوب الحكم ، وانتفاء إحدى العلتين لا يقتضى انتفاء
حكمها إذا خلفتها علة أخرى .
والثاني - قال إمام الحرمين ، واختاره ابن سريج والأستاذ أبو إسحاق أن الفرق
ليس سؤالاً على حياله ، وإنما هو معنى معارضة الأصل بمعنى ، ومعارضة العلة
التي نصبها المستدل في الفرع بعلة مستقلة ، والمقصود منه المعارضة .
والثالث - قال إمام الحرمين ، وهو المختار عندنا ، وارتضاه كل من ينتمى إلى
٣٠٣

التحقيق من الفقهاء والأصوليين: ((إنه صحيح مقبول ، وهو ان اشتمل على معنى
معارضة الأصل وعلى معارضة علة الفرع بعلة فليس المقصود منه المعارضة ، بل
مناقضة الجمع وقال قبل ذلك : ذهب جماهير الفقهاء إلى أنه أقوى الاعتراضات
وأجدرُها بالاعتناء به. وهكذا حكاه في ((المنخول)) عن الجمهور .
وقال الشيخ أبو إسحاق في ((الملخص)): إنه أفقه شيء يجري في النظر ، وبه
يعرف فقه المسألة . قال الإمام : لأن شرط صحة العلة خلَّوها عن المعارضة ،
وحقيقته أن المعلل لا يستقر ما لم يبطل بمسلك السبر كل ما عدا علته مما يُقَدَّر
التعليل به ، فإذا علل ولم يسبر فعورض بمعنى في الأصل ، فكأنه طُولب بالوفاء
بالسبر .
ثم ذكر أنه راجع إلى معنى التعليل ، وذكر أن القاضي استدل على قبوله بأن
السلف كانوا يجمعون ويفرقون ، ويتعلقون بالفرق كما يتعلقون بالجمع ، كما في
قضية الجارية المرسية(١) التي أجهضت الجنين وقد أرسل إليها عمر بن الخطاب
رضي الله عنه يهددها ، فإن عمر رضي الله عنه استشار في ذلك فقال عبد الرحمن
ابن عوف رضي الله عنه: إنما أنت مؤدب ، ولا أرى عليك شيئا . وقال علي
رضي الله عنه: إن لم يجتهد فقد غشّك ، وإن اجتهد فقد أخطأ ، أرى عليك
ءُ
الغُرّة .
وكان عبد الرحمن بن عوف حاول تشبيه تأديبه بالمباحات التي لا تعقب ضماناً ،
وجعل الجامع أنه فعل ما له أن يفعله ، فاعترضه علي رضي الله عنه بالفرق ،
وأبان أن المباحات المضبوطة النهايات ليست كالتعزيرات التي يجب الوقوف عليها
دون ما يؤدي إلى الإتلاف قال : ولو تتبعنا معظم ما يخوض فيه الصحابة رضوان
الله عليهم أجمعين وجدناه كذلك .
وقد بالغ ابن السمعاني في الرد على الإمام في هذا الكلام ، وقال : قوله :
شرط صحة العلة خلوها عن المعارضة ليس بشيء ، لأن المعارضة إنما تقدح في
(١) كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب (المريبة).
٣٠٤

حكمين متضادين ، أما إذا ذكرت علتان بحكم واحد فلا يقدح ، ولا يسمى
معارضة . وقوله لا يصح تعليل المعلل ما لم يبطل كلامه ما عدا علته يقال : من
قال هذا؟ ولأي معنى يجب ؟ وإنما يجب عليه أن يذكر مخيلة / في الحكم مناسبة له ١/٣١٥
إذا وجد فيها ألحقه بالأصل الذي استنبط منه العلة . وأما السبر والتقسيم وإبطال
ما عدا الوصف الذي ذكره فليس بشيء (قال) : وقد نسب هذا إلى الباقلاني رحمه
الله (قال) : وكل من كلف المعلل هذا أو رام تصحيح العلة بهذا الطريق فقد
أعلمنا من نفسه أن الفقه ليس من بابه ولا من شأنه ، وأنه دخيل فيه مدّع له .
(قال) : وقد بان بطلان طريق السبر وقوله إنه التزام كذلك ليس كذلك ، بل في
تعليل المعلل التزام إبطال كل علة سوى علته ، فهذا من التّرَّهات والخرافات .
وكذلك قول من يقول : إن تعليل الأصل بعلتين لا يجوز .
قلت : ولم يتوارد ابن السمعاني مع الإمام على محل واحد ، لأن إمام الحرمين
منع اجتماع علتين ، وابن السمعاني يجوزه . ثم قال ابن السمعاني : وأما الذي
حكاه عن ابن الباقلانى فقد حاول شيئاً بعيداً ، لأن الفرق والجمع على الذي
يخوض فيه لم ينقل عن الصحابة أصلاً ، وإنما كانوا يتبعون التأثيرات . والذي نقل
عن عبد الرحمن بن عوف معنى صحيح ، والذي أشار إليه علي رضي الله عنه في
معنى الضمان ألطف منه ، والمراد منه أنه وإن كان يباح له التأديب ولكنه مشروط
بالسلامة ، لأنه أمر ليس بحتم ، بل يجوز فعله وتركه ، فيُطلق فعله بشرط
السلامة . (قال) : وليس هذا الكلام من الفرق والجمع الذي نحن فيه بشيء ،
فلا يُدرى كيف وقع هذا الخبط من هذا القائل .
وإن وقع الفرق فنحن لا نُنكر الفرق بالمعاني المؤثرة وترجيح المعنى على المعنى ،
وإنما الكلام في شيء وراء هذا ، وهو أن المعلل لما ذكر علة قام له الدليل على
صحتها ، ففرَق الفارق بين الأصل والفرع بمعنى ، فإن كان فرقاً لا يقدح في التأثير
الذي لِوصفِ المعلل في الحكم فهو فرق صورة ، ولا يلتفت إليه ، وإن فرق بمعنى
مؤثر في حكم الأصل فغايته التعليل بعلتين . وإن بين الفارق معنى مؤثراً في
التفريق بين الأصل والفرع فالقادح بيان معنى يؤثر في الفرع يفيد خلاف الحكم
٣٠٥

الذي أفاده المعنى الأول ، فلا بد لهذا من إسناده إلى أصل ، وحينئذ يكون
معارضة ، ولا يكون الفرق الذي يقصد بالسؤال ، ونحن بينا ان المعارضة
قادحة . (انتهى)
وحاصله أن المعارضة في الفرع لا تسمى فرقاً ، ويصير النزاع لفظياً . وأما
المعارضة في الأصل فهي مبنية على مسألة التعليل بعلتين .
ونقل الكيا ما حكاه الإمام في استدلال القاضي عن عامة الأصوليين ثم قال :
والحق عندنا أن الفرق إنما يقدح إذا كان أخص من جميع العلل ، فإذ ذاك يتبين به
فساد الجمع ، إلا أن الفرق ابتداء تعليل في الأصل ، وعكسه في الفرق . ورُبّ
فرق يظهر فتخرج علة المعلل عن اعتبارها شرعاً ، وحينئد فيلحق تعليل المعلل
بالطرد ، فإنه أخص من الجمع على كل حال ، فإن كان الجمع مِثْلاً للفرق أو
أخص فلا نبالي به ، كقول المالكي في الهبة : عقد تمليك ترتب على صحة الإيجاب
والقبول فيها الملك بالمعاوضة ، فيقول الفارق : المعاوضة يتضمنها النزول عن
العِوَض والرضا بالمعوّض ، وذلك يحصل بنفس العقد ، والهبة قد عارت(١) بها .
فالمعلل يقول : تلك الصيغة مطرحة فيضطرب النظر فيها.
(قال) وحرف المسألة أن نكتة الفرق كونه أخصَّ من الجمع، والجمع أعم،
فإذاً في الفرق ثلاثة مذاهب أصحها أن الفرق يرجع إلى قطع الجمع من حيث
الخصوصية .
و(الثاني) إبطال الفرق من جهة كونه معاوضة في جانب الأصل والفرع،
والمعارضة باطلة
و(الثالث) أنه مقبول من جهة كونه قدحاً في غرض الجمع .
وهذا ملخص من كلام إمام الحرمين ، فإنه ذكر ما حاصله أن الفرق إما أن
يلحق الجامع بوصف طردي ، أو لا .
(١) كذا في جميع النسخ.
٣٠٦

و(الأول) مقبول بالاتفاق . ومن علامته أن يقيد الفارق جمع الجامع ويزيد فيه
ما يوضح بطلان أثره ، كقول الحنفي في البيع الفاسد : معاوضة عن تراضٍ فتفيد
الملك ، كالصحيح . فيقول المعترض : المعنى في الأصل أنها معاوضة جرت على
وفق الشرع فنقلت الملك بالشرع ، بخلاف المعاوضة الفاسدة .
و(الثاني) هو محل الخلاف ، كقول المالكي في الهبة ، يحصل فيها الملك فيه
بالصيغة بلا قبض ، لأنه عقد تملّك ، فيحصل الملك فيه بالصيغة كالبيع ، فيقول
الفارق : المعاوضة تتضمن النزول عن الشيء بعوض ، فتضمن الإيجاب والقبول
الرضا من الجانبين ، بخلاف الهبة فإنه نزول بغير عوض فافتقر إلى القبض ليدل
على الرضا . فهذا النوع هو موضع الخلاف . فمن رد المعاوضة في الأصل أو في
الفرع أو أحدهما رده . وقيل بقبوله على أنه معارضة ، والمختار قبوله لحاجة .
وهي مناقضة فقهية للجمع .
ثم أتى الإمام بعد ذلك بكلام جامع فقال : الفرق والجمع إن ازدحما على أصل
وفرع في محل النزاع ، فالمختار فيه عندنا اتباع الإحالة . فإن كان الفرق أصلاً
علل الجمع وعكسه ، وإن استويا أمكن أن يقال هنا بالعلتين المتناقضتين إذا بنينا
على صيغة التساوي أمكن أن يقدم الجمع من جهة وقوع الفرق بعده غير مناقض
له (قال) : وهذا كله إذا كان الفرق لا يحيط فيه الجمع بالكلية . فإن أبطله فقد
تبين أن ما ذكره المستدل من الجمع ليس بصحيح ، فيكون مقبولاً قطعا .
والحاصل أنه إن أبان الفرقُ أن الجامع طردي فلا خلاف في قبوله . وينبغي أن
يأتي فيه خلاف من القائلين بردّ الطردي . وإن لم يبين ذلك ففيه مذهبان :
(أحدهما) أنه مردود مطلقا . و (ثانيهما) أنه مقبول . ثم اختلف القائلون به :
فقيل : لا من جهة كونه فرقاً ، بل من جهة كونه معارضة ، وهو مذهب ابن
سريج ، والمختار أنه لنفسه وليس القصد منه المعارضة .
ثم قيل : هو أضعف سؤال يذكر، وحكاه ابن السمعاني عن المحققين .
والمختار أنه من أقوى الأسئلة .
ثم قيل : هو سؤالان وهو مذهب ابن سريج ، لاشتماله على معارضة علته
٣٠٧

للأصل بعلة ، ثم معارضة علته للفرع بعلة مستقلة في جانب الفرع . والمختار -
كما قاله في ((المنخول)) - أنه سؤال واحد، لاشتماله على اتحاد المقصود وهو الفرق
وإن تضمن الإِشعار بمنع العلة في الأصل ودعوى علة أخرى فيه ومعارضة في
لفرع بعكس المدعي في الأصل . إلا أن يريد الفارق وصفا آخر في جانب الفرع
عند عكسه فيكون معارضا وتتعدد .
والمختار على القول بجواز القياس على أصول متعددة ، قبول فروق متعددة ،
إذ قد لا يساعد الفارق في الفرق الإتيانُ بمعنى واحد متناول لجميع الاصول . وقد
ذكر جمهور الأصوليين أن الخلاف في قبول الفرق مبني على جواز تعليل الحكم
بعلتين مستنبطتين . فمن جوّزه قال : لا يقدح الفرق في العلية فلا يفسد قياسه
ولا جمعه بعلية الفرق لجواز ثبوت الحكم بعلة أخرى . ومن منعه فهو قائل
بالعكس فيقدح الفرق حينئد ويبطل القياس . وقال إمام الحرمين : القائل بأن
الحكم يعلل بعلتين لا يلزم من ذلك أن يجعل جواباً عن الفرق بل عليه أن يبين
عدم إشعاره بإثارة الفرق ويرجح مسلك الجامع من طريق الفقه .
مسألة
إذا فرق المفرّق بين مسألتين في المعنى الذي لأجله ثبت الحكم في
الأصل ثم أراد أن يعكس ذلك في الفرع فإنه يجوز أن يثبت الحكم في الفرع(١)
ذلك المعنى وبغيره ، لأن الحكم الشرعي يجوز ثبوته بعلتين ، قاله أبو الخير بن
جماعة المقدسي في ((الفروق)) ومثّله بقياس الحنفية في أن التشهد الأخير ليس
بواجب ، حتى قالوا : ذِكر لا يجهر به في حال من الأحوال فلم يجب ، كتسبيح
الركوع والسجود ، وفرق أصحابنا فقالوا : التسبيح يشرع في ركن هو مقصود في
نفسه ، فلهذا كان واجباً .
(١) هنا بياض في المخطوطتين الباريسية والتركية، ولعل الكلام متصل مع زيادة الباء في الكلمة التالية
(بذلك).
٣٠٨

مسألة
ومن فوائد الخلاف في أن ((الفرق معارضة أو مقبول لنفسه)) أنه إذا
أبدى الفارق معنى في الأصل مغايراً لمعنى المعلل وعكسه في الفرع ، وربط به
الحكم مناقضاً لحكم العلة الجامعة . ففي اشتراط رد معنى الفرع إلى الأصل
أقوال :
أحدها : أنه يحتاج أن يرد علة الأصل إلى الأصل، وعلة الفرع إلى أصل .
وذهب إليه طوائف من الجدليين . ونقل عن الأستاذ ، بناء منهم على أنه معارضة
فينبغي اشتمالها على علة مستقلة ، وعلى أن الاستدلال المرسل مردود . فقال
القاضي : مذهبي قبول الاستدلال ، ولو كنت من القائلين بإبطال الاستدلال
لقبلته على أنه فرق ، بناء على القول الصحيح أنه يقبل لخاصيته وهو المناقضة ،
وهذا يحصل من غير رد إلى أصل . وما أظهره الفارق لا أصل له .
والثاني : لا يحتاج إلى ذلك ، لا في الأصل ولا في الفرع ، ونُسب للجمهور ،
وهو اختيار الإمام والغزالي ، وبناه الإمام على أن المقصود قطع الجمع ، وذلك
حاصل من غير أصل ، وبناه الغزالي على أن الاستدلال المرسل مقبول ، ونقل عن
الشافعي ذلك في تفاصيل ذكرها في ((المنخول)).
والثالث : يحتاج إلى ذلك في علة الفرع دون الأصل ، وهذا ما اختاره الشيخ
أبو إسحاق ، أي إن كان الفرق بذكر وصف في الفرع انقطع ، فلا بد من أصل ،
وإن كان في الأصل إذا عكسه في الفرع انقطع الجمع ولم يبق عليه الظن .
والرابع : التفصيل بين أن يرد الفرق على قياس الشبه فلا يحتاج إلى أصل ،
وإن كان على قياس المعنى احتاج إليه .
والخامس : أن الفرق في الفرع إن كان يخل بحكمة السبب لا يفتقر إلى
أصل ، وإن لم يخل افتقر إلى أصل ، لأن المقصود من إثبات الحكم تحصيل
المصلحة . وقال الباجي : الأول هو الصحيح ، لأنه متى لم يردّ كلّ منها إلى أصل
كان مدّعياً في الأصل والفرع علتين واقفتين ، ومسلماً لعلة المسئول ، وهي
٣٠٩

متعدية ، والمتعدية أولى من الواقفة ، فكأنه عارض المستدل بدون دليله ، وذلك
لا يكفي في المعارضة ، لأن المستدل لو رجح دليله على معارضة السائل ببعض
أنواع الترجيح لحكم له بالسبق . وممن حكى هذه المذاهب الباجيُّ وأبو الخير بن
جماعة في كتابه ((الوسائل)).
فرع : فإن شرطنا رد معنى الفرع في الفرق إلى أصل ، فلو أبداه في الأصل
فقيل : يلزمه ردُّه إلى أصل آخر، فيحتاج الفرع والأصل إلى أصلين ، لأنهما
معنيان . وقيل : لا يلزمه ، بناء على ما سبق ، لأن الغرض مضادة الجامع فيهما
كالمعنى الواحد ، ولو قلنا بالاحتياج إلى أصل لقبلنا المعارضة في ذلك الأصل
بأصل آخر ويستمر الأمر كذلك ، وهو باطل . هذا إذا أبدى معنى في الأصل
وعكسه في الفرع . فلو عكس الفارق في الفرع معنى الأصل فلم يناقض فقه
العكس فقه الجمع ، أو ناقضه على بُعد ، فاحتاج إلى مزيد في الفرع ، فاختلف
الجدليون فيه : فمن اعتقد الفرق معارضة لم يمنع الزيادة . ومن قال : إنما هو
معنى يُضادّ الجامع اكتفى بثبوته في الأصل ونفيه في الفرع ، وهذه الزيادة في الفرع
ليس لها في جانب الأصل ثبوت ، فلا حاجة إليها .
مسألة
القائلون بأنه من القوادح اختلفوا في أنه هل من تمامه ولوازمه نفيه عن
الفرع أم لا ؟ منهم من أوجبه على الفارق ، لأن قصده افتراق الصورتين .
وقيل : لا يجب : وقيل بالتفصيل : إن صرح في إيراد الفرق بالافتراق بين الأصل
والفزع فلا بد من نفيه عنه ، وإلا فإن قصد أن دليله غير قائم فلا يجب .
هذا كله فيما إذا كان المقيس عليه واحداً. وأما إذا كان متعدداً فقيل: يمنع ذلك
الإفضائه إلى انتشار الكلام، وقيل : يجوز للتقوية. ثم المجوزون اختلفوا في أنه إذا
فرق المعترض بين أصل واحد وبين الفرع هل يكفيه ذلك أم لا بل يحتاج إلى أن
يفرق بين الفرع وبين كل واحدمنهما ؟ فقيل: يكفيه ذلك. قال الهندي : وهو
الأصح، لأن إلحاق الفرع بتلك الأصول بأسرها غرض المستدل، وإلا لم يعدده،
٣١٠

وهو غير حاصل ضرورة أنه لم يكن ملحقاً بالأصل الذي فرق المعترض بينه وبين
الفرع. وقيل: لا يكفيه ذلك لأن القياس على كل واحد منهما مستقل. والقائلون
بذلك اختلفوا في أنه هل يجب أن يكون ذلك الفرق واحداً لئلا ينتشر الكلام أم
يجوز تعدده ؟ على قولين. قال الهندي : أولاهما الأول ، لأنه يتعذر في الأكثر فيلزم
سدّ باب القدح على المعترض . ثم إذا ذكر المعترض الفرق بين الفرع وبين تلك
الأصول واحداً كان أو متعدداً، فهل يكفى المستدلُ أن يُجيب عنه بالنسبة إلى أصل
واحد أو بالنسبة إلى جميع تلك الأصول ؟ اختلفوا فيه على قولين .
مسألة
للفَرْق شروط
أحدها : أن يرد إلى أصل ، على ما سيأتي من الخلاف .
ثانيها : أن يكون الفرق أخص من الجمع . فإن كان الفرق أعمّ منه فالجمع
الخاص مقدم على الفرق العامّ . فإن كان مثله يوجب الافتراق إلا إذا ترجّح
الجمع على الفرق . ومثال الفرق العام قول الشافعي رضي الله عنه في انعقاد
النكاح بفاسقين : / إذا قسنا على حضور الصبي ، فيقول الحنفي : بعد البلوغ لو ١/٣١٦
أعاد شهادته المردودة دون الصبي قبلت ، بخلاف الفاسق . فهذا فرق لا يشعر بما
هو بحكم المسألة ، فلا يعارض الدليل المشعر بحكمها .
ثالثها : أن لا يحتاج الفارق إلى زيادة أمر في جانب الفرع إذا عكسه ، فإنه إذا
ذكر زيادة كان جمعاً بين معارضة في الأصل ومعارضة في الفرع ، كقولنا في خيار
الشرط : حق مالي لازم يجري الإرث فيه ، كخيار الرد بالعيب ، فيقول الحنفي :
خيار العيب معتاض عنه وليس بوثيقة ، احترازاً عن الرهن . فهذا باطل .
رابعها : أن المستدل إذا اعتبر الفرع بأصول متعددة ، هل يجب أن يكون
الفرق متحداً بالنسبة إلى جميع الأصول ؟ فيه خلاف ينبني على جواز القياس على
٣١١

أصول متعددة . وإذا جاز فهل يشترط أن يكون في(١) الفرق - مع اتحاده - متناولاً
لجميع الأصول ؟ فيه خلاف : منهم من قال : الفرق في مقابلة الجمع ، والجمع
متحد ، فالفرق يكون متحداً . والصحيح أنه يجوز أن يفرق بفروق متعددة ، لأنه
لا يساعد في الغالب معنى واحد على الفرق في جميع الأصول . وإذا قلنا بتعديد
الأصول ، هل يجوز الاقتصار على الفرق والقطع عن بعض الأصول ؟ فيه
خلاف : منهم من منعه ، لأن ما بقى يكفى لبناء الفرع عليه . ومنهم من قال :
لما ذكر الأصول وتقلد بتقريرها والذب عنها فطريق الفارق القطع عن جميعها .
مسألة
لا يشترط في الفارق أن يكون معنى، بل يجوز أن يكون حكماً شرعيا،
كما قاله إمام الحرمين، كقوله: من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم. فإذا وقع
الفرق على هذه الصفة والعلة قُبل ووقع الكلام في الترجيح وتقريب الأشباه إن
كان القياس معنويا وإن جرى الفارق على صفة إلحاق حكم بحكم . فهذا من
الفارق محاولة معارضة المعنى بالشبه ، فلا يقبل ، لأن أدنى معاني المناسبة يقدم على
أجلى الأشباه . وقال غيره : هل يجوز الفرق بالنص ؟ قولان ؛ كقول عائشة رضي
الله عنها : كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة .
قيل : والخلاف يتنزل على حالين :
فإن كان المراد الفرق القياسي المتضمِّن الوصف المناسب فقد لا يحصل
بالنص ، لجواز كونه بعيداً ، كقولنا : ما الفرق بين السبع والكلب والشاة حتى
كان نجسا محرم البيع وهي طاهرة جائزة البيع ؟ فيقال : الشرع منع بيع الكلب
وأجاز بيع الشاة ، ونحن نعلم أن لا تناسب .
(١) (في) مثبتة في الأصول كلها. والسياق يقتضى حذفها.
٣١٢

ولو عكس لوجب اتباعه وأراد به مطلق الفرق وهو التخيير بين حكم الصورتين
بدليل حصل لحصول ذلك منه ولجمعها . وأعني الفرق النصي والقياسي ، ويكون
النصي تابعاً للقياسي ، كحديث عائشة رضي الله عنها ، فإن فيه النظر المذكور
والمعنى المناسب وهو حصول المشقة في قضاء الصلاة .
قلت : وقد قال الخصم للشافعي في فرقه بين ما تحت الإزار وفوقه في تحريم
المباشرة في الحيض: هل تجد بينهما فرقا سوى الخبر؟ فقال الشافعي: أي فرق
أحسن من الخبر؟! وهذا يدل على أن الفرق بالنص عنده مقبول في مقام المناظرة.
وحكي ذلك عن الشيخ أبي محمد الجويني رحمه الله.
مسألة
قال إمام الحرمين في ((النهاية))، في باب العيب في المنكوحة : الفرق
نوعان : (أحدهما) يقع بين مسألتين . و (الثاني) يقع في موضعين ومأخذين.
فما ثبت بین مسألتین یثبت وینتفي وینعکس ، وما يقع بین مأخذین یبین مأخذ
كل جهة . ثم ذلك يوجب الانفصال بنفيين وإثباتين (انتهى).
وهذا يحتاج إلى إيضاح ، ومعناه - كما قاله بعضهم : - أن الفرق الواقع بين
مسألتين هو مذكور في كتاب القياس ، لأن القائس جمع بين أصل وفرع بعلة ،
والفارق فرق بينهما بعلةٍ أخرى يثبت الحكم في الأصل بثبوتها ، وينتفي في الفرع
بانتفائها . وهذا معنى الاطراد والانعكاس ، واقتصروا في كتاب القياس على هذا
النوع ، لأنه المحتاج إليه في جواب القياس ، وكل من العلة واقتضائها الحكم
معلوم ، وإنما النظر في وجودها في ذلك المحل وعدمها ، هو تصديق مسبوق
بتصوّر .
والنوع الثاني هو الواقع بين حقيقتين ليميز بينهما ويبين اللبس عمن يتوهم أنهما
٣١٣

حقيقة واحدة ، أو بين انتفائها(١) لحكمين مختلفين ليتميز ذلك وينتفي اللبس عمن
يتوهم أن مأخذ الحكمين واحد ، وأن انتفاء(١) الحقيقتين واحد ، وهو يوجب
الانفصال بنفيين وإثباتين ، وإنه حيث انتفى ينتفي الحكم وحيث ثبت يثبت
الحكم ، هو مطرد منعكس كالنوع الأول ، وهذا كثير في الفقه من أوله إلى آخره ،
وهو أكثر وأنفع من الأول ، فإنه به تتميز الحقائق والمآخذ ويفهم ترتيب الفقه
عليها .
ومن هذا: الفرق بين حقيقة انفساخ النكاح في الردة وفسخه بالعيوب ، فيعلم
أنهما حقيقتان متغايرتان ، لأن الأول من طارىء غير مستند إلى أمر مقارن ، والثاني
مستند إلى مقارن . والفرق بين ردة الزوج وردة الزوجة ، حيث كانت ردّةً منتظرةً
بينهما بطلاقه ، وردتها حيث كانت هي القاطعة كالرضاع ، فاختلف المأخذ .
وهذا كثير، وفيه صنف الشيخ أبو محمد الجويني كتاب ((الجمع والفرق)).
والقدر المشترك بين النوعين هو الفرق بين شيئين . ومعناه : الفصل بينهما .
فإن كان بين حقيقتين فهو النوع الأول . وإن كان بين محلين فهو النوع الثاني .
والأول أنفع وأفقه . ويمكن رد الأول إلى الثاني وإدراجه في قول الفقهاء : الفرق
أبداً معنى في إحدى الصورتين مفقود في الأخرى ، لأن النزاع لا بد أن يكون بين
صورتين ، أعني في القياس. فالفارق إن نازع في حقيقة العلة أو في اقتضائها فهو
النوع الأول ، وإذا تم له ما ادعاه ترتب عليه الفرق بين المسألتين ، لافتراقهما في
ذلك المعنى . وإن سلم حقيقة العلة واقتضاءها ونازع في ثبوت الحكم والفرع بعلة
أخرى فهو النوع الثاني . والمقصود بالفرق يحصل على التقديرين .
(١) كذا في جميع النسخ.
٣١٤

مسألة
كل فرق مؤثر بين مسألتين يؤثر ما لم يغلب على الظن أن الجامع
أظهر. قال إمام الحرمين في ((النهاية)): في نكاح العبد بأكثر مما أذن به السيد : إنه
لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق ، كدأب أصحاب الرأي . والسرُّ في
ذلك أن متعلّق الأحكام مجال الظنون علماً بها ، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في
الظن / من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما ، وإن انقدح فرق على بُعد . قال ٣١٦/ب
الإمام : فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين .
وإذا عرف ذلك فإذا فرق بين المسألتين بعدما جمع بينهما - فرقاً مؤثراً ، فهل
يكفي الفارق في إثبات مخالف كل واحدة الأخرى في الحكم ؟ فيه خلاف مبني على
أنه : هل يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين ؟ مثاله : إذا قيس
الشطرنج على النرد في التحريم ثم فرق بينهما بأن النرد فعله من النقص ،
والشطرنج من الفكر مثلاً ، فهل يكون الفارق دليلاً على مخالفة الشطرنج للنرد في
التحريم ليكون الشطرنج حلالاً أم لا ؟ إذا عرف ذلك فهل يُسمع الجامع بعد
الفرق ؟ فيه خلاف مرتب على أنه : هل يجوز تعليل الحكم بعلتين ؟ مثاله : لو
خير(١) الجامع - بعد أن فرق الفارق في الشطرنج والنرد بما ذكرنا - بأن كلا منهما
اشترك (٢) في المنع عن الاشتغال بالله وعن عبادته .
(١) كذا في جميع النسخ.
(٢) في جميع النسخ (اشتركا) وهو خلاف قواعد النحو.
٣١٥

فصْل
ذكر الشيخ نجم الدين المقدسي في كتابه الذي أفرده في ((الفرق والجمع)): إذا
تمت المناسبة بشروطها فهو الفرق الصحيح . وأما الفروق الفاسدة فكثيرة :
الأول : الفرق بالأوصاف الطردية :
كما لو قيل : صح بيع الحبشي فيصح بيع التركي ، فلو فرق بينهما بأن هذا
أسود وذاك أبيض لكان باطلا ، فإنه لو فتح باب الفرق بذلك لم يتم قياس
أصلاً، لأنّ ما من صورتين إلا وبينهما فرق .
الثاني : الفرق بنوع اصطلحوا على رده :
كما لو قيل في الزاني المحصن يجب رجمه بالقياس على ماعز . فلو قيل إنما وجب
الرجم هناك تطهيراً له ، وهذا المعنى معدوم في غيره لكان باطلاً .
الثالث : الفرق بكون الأصل مجمعاً عليه والفرع مختلفاً فيه :
كما لو قيل : الحاجة إلى وجوب الزكاة على البالغ أكثر منه على الصبي ، لأنها في
البالغ متفق عليه ، وفي الصبي مختلف فيه ، ولو استوت الصورتان في المصلحة
لاستوتا في الاجتماع وعدمه . وقريب منه الفرق بكون الأصل منصوصاً عليه
والفرع مختلفاً فيه ، لأنه لو صح الفرق بذلك بطلت الأقيسة كلها .
مسألة
مما يذكر على صورة الفرق وليس فرقاً وإن كان مبطلًا للعلة - كما قال
في ((البرهان)» - قولُ الحنفي في اشتراط تعيين النية: ما تعين أصله بنفسه لم يشترط
فيه تعيين النية ، كرد المغصوب والودائع . فنقول : أصل النية ليس شرعيا في
الأصل ، وهو معتبر في محل النزاع ، وهذا ليس فرقا ، بل الجامع باطل ، فإن
الكلام في تفصيل النية فرع تسليم أصلها ، وأبو حنيفة لا يراعي التعيين مع
اشتراط النية لأن أصلها عنده كافٍ مغنٍ عن التفصيل ، فكيف يتمسَّك بما لا
يشترط فيه أصل النية .
٣١٦
:

فصْل
في جَوَابْ الفَرْق
قال إمام الحرمين : يعترض على الفارق مع قبوله في الأصل على ما يعترض به
على العلل المستقلة، وإن كان ليس بمعارضة على الصحيح عندنا، لكنه في صورة
المعارضة وتلك الصورة في النفي والإثبات من خاصته. وإذا بطل مستند الفرق
بطل الفرق. فأما من يجوّز اجتماع علتين فلا يتجه قول الفارق : أقول بالمعنيين،
لأن الفرق معارضتان، وغايته أنْ دَرَأ أحدهما ، وقد نشأت عنهما خاصة المناقضة
وهي قائمة فليستأنف الجواب بعدم إثارة الفرق وترجيح مسلك الجامع .
مسألة
إذا اختلف الموضوع فإن كان أحد الحكمين مبنياً على التخفيف والآخر
على التغليظ فيجمع بينهما بعلة توجب حكما آخر ، ففي إفساده العلة وجهان
حكاهما الماوردي في البيوع :
(أحدها) : نعم، لأن الجمع يوجب التساوي في الحكم واختلاف الموضوع
يوجب التسوية .
و(الثاني) : لا، لأنه يجوز أن يكون الفرع مساوياً لأصله في حكمه وإن خالفه
في عمله، لأن تساوي الأحكام من كل وجه متعذر.
واعلم أن هذه الاعتراضات هي الواردة على العلة ، فلهذا بُدىء بذكرها . ثم
نذكر بعد ذلك بقية الاعتراضات فنقول :
الثامن: الإستفسَار
وهو مقدم الاعتراضات ، وبه بدأ ابن الحاجب في جمعٍ . ومعناه : طلب شرح
معنى اللفظ إذا كان غريبا أو مجملاً. ويقع بـ (هل) ، وبالهمزة ونحوها مما يُسأل به
(١) في الأصول كلها (الصاد).
٣١٧

عن التصور . فيستفسر عن صورة المسألة . ومعنى المقدمات حتى يتفقا على موضع
العّة . ومن الفقهاء من لم يسمع الاستفسار وهو غلط ، فإن محل النزاع إذا لم
يكن متحققاً فربما لم يكن بينهما خلاف، وربما يسلم المعاند ويرجع إلى الموافقة عند
تحقيق المدعى. والأصح أن بيان اشتمال اللفظ على الإجمال والقرابة على
المعترض . وقيل : بل على المستدل ، لأن شرط ظهور الدليل انتفاؤها عنه.
والأصح الأول، لأن الأصل عدم تفاوتهما، فيبين المستدل عدمها أو يفسِرِ بمحتمل.
وفي دعواه الظهور في مقصوده دفعاً للإجمال لعدم الظهور في الآخر خلاف. فإن
اشتهر بالإجمال، كالعين والقرء، فلا يصح فيه دعوى الظهور قطعاً. قاله
الشريف. وذكر الخوارزمي في ((النهاية)) أنه إذا لم يكن في اللفظ احتمال أصلاً وعنى
به شيئا لا يحتمله لفظه، فقيل: لا يسمع العناية(١) لأن اللفظ غير محتمل له فكيف
يكون تفسيراً لكلامه ؟
والحق أنه يسمع ، لأن غايته أنه ناطق بلغة غير معلومة ولكن بعدما عرف المراد
وعرف اللغة فلا يلجأ إلى الناظر بالعربية . ورجح ابن الحاجب وغيره الأول .
وقال العميدي(٢) : لا يلزمه التفسير.
واعلم أن في عدّ هذا من الاعتراضات نظراً ، لأنه طليعة جيشها وليس من
أقسامها ، إذ الاعتراض عبارة عما يُخدش به كلام المستدل ، والاستفسار ليس من
هذا القبيل ، بل هو يعرِّف المراد ويبين له ليتوجه عليه السؤال ، فإذاً هو طليعة
السؤال ، فليس بسؤال . بل حكى الهندي أن بعض الجدليين أنكر كونه
اعتراضاً ، لأن التصديق فرع دلالة الدليل على المنازع .
تنبيه : أطلقوا أن علته البيان . وهذا حيث لا يكون المعترض متعنتاً يقصد
تغليط خصمه ، فإن كان اكتفى منه بالجواب المجمل . وهذا كما حكي عن اليهود
أنهم سألوا عن الروح ، وهو لفظ مشترك بين القرآن ، وجبريل ، وعيسى ،
وملك يقال له (الروح) ، وروح الإنسان . وأضمروا أنه إن قال لهم : الروح
ملك قالوا : بل هو روح الإنسان . وإن قال : روح الإنسان قالوا : بل هو ملك
(١) أي القصد الذي عناه بكلامه.
(٢) كذا في النسخ.
٣١٨
١

أو غير ذلك من مسميات الروح ، فعلم الله مكرهم فأجابهم مجملاً كسؤالهم
بقوله : ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء/٨٥] وهو يتناول المسميات الخمسة
وغيرها . هكذا ذكره صاحب ((الإيضاح في خلق الإنسان)) وقال : هذا هو السبب
/ في الإجمال ، لا أن حقيقتها غير معلومة للبشر، إذ قد دلت قواطع الشرع على ١/٣١٧
تعيينها ، فقد يجمل المستدل لفظا احتياطا لنفسه في ميدان النظر ، بحيث إن توجه
سؤال المعترض على أحد معنبي اللفظ تخلص منه بتعيين كلامه بالمعنى الآخر.
التَّاسّع: فسَاد الاعتبَار
وهو بيان أن القياس لا يمكن اعتباره في هذا الحكم ، لا لفساد فيه ، بل
لمخالفته النص أو الإجماع ، أو كان إحدى مقدماته كذلك ، أو كان الحكم مما لا
يمكن إثباته بالقياس ، كإلحاق المصرّاة بغيرها من العيوب في حكم الرد وعدمه
ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع ، أو كان تركيبه مشعراً بنقيض الحكم
المطلوب ، وهو اعم من فساد الوضع ، وإنما ينقدح جعله اعتراضاً إذا قلنا بتقديم
خبر الواحد على القياس وهو الصحيح ، وعن طائفة من الحنفية والمالكية تقديم
القياس ، وعن القاضي وقوف الاستدلال بكل واحد منهما . فعلى هذا لا يكون
القياس فاسد الوضع . والصحيح الأول . وجوابه : للطعن في مستنده أو منع
ظهوره أو التأويل أو القول بالموجب أو المعارضة بنص آخر ليسلم القياس أو يتبين
أن هذا القياس مما يجب ترجيحه على النص بوجوه الترجيح .
العاشر: فَسَاد الْوَضْع
بأن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم ، کترتيب
الحكم من وضع يقتضي ضده ، كالضيق من التوسع ، والتخفيف من التغليظ ،
والإثبات من النفي ، كقولهم في النكاح بلفظ الهبة : لفظ ينعقد به غير النكاح ولا
ينعقد به النكاح كلفظ الإجارة ، فإن كونه ينعقد به غير مناسب أن ينعقد هو به ،
لاعدم الانعقاد .
٣١٩

وكلُّ فاسِد الوضع فاسدُ الاعتبار ، ولا ينعكس . ومنهم من جعلهما واحدا ،
وهي طريقة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي . وقال ابن برهان : هما سِيّان من حيث
المعنى لكن الفقهاء فرقوا بينهما وقالوا : فساد الوضع هو أن يعلق على العلة ضد ما
يقتضيه . وفساد الاعتبار هو أن يعلق على العلة خلاف ما يقتضيه . (انتهى) .
وقيل : فساد الوضع هو إظهار كون الوصف ملائماً لنقيض الحكم بالإجماع مع
اتحاد الجهة. ومنه الاحتراز عن تعدد الجهات لتنزلها منزلة تعدد الأوصاف، وعن
ترك حكم العلة بمجرد ملاءمة الوصف للنقيض دون دلالة الدليل، إذ هو عند
فرض اتحاد الجهة خروج عن فساد الوضع الى القدح في المناسبة . وربما عبر عنه
القاضي بتعليق ضد المقتضي .
وقال الكيا : هو تقدم العلة على ما يجب تأخرها عنه، كالجمع في محل فَرْق
الشرع، أو على العكس. كما يقال للحنفية: جمعتم في محل فرق الشرع، إذ قِستم
النفقة على السكنى في وجوبها للمبتوتة مع قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث
سكنتم من وُجْدِكم﴾ مطلقاً، وقوله: ﴿وإن كُنّ أولاتٍ حملٍ فأنفقوا عليهن حتى
يضعن حملهن﴾ [الطلاق / ٦] ففرق وجمعتم .
وقد عد القاضي هذا الاعتراض من القطعيات . وقال أبو زيد : هو يجري من
الشهادة مجرى فساد الأداء . قال ابن السمعاني : ويمكن إيراده على الطرود ،
ويضطر به المعلل إلى إظهار التأثير ، وإذا ظهر التأثير بطل السؤال . وهذا طريق
سلكه كثير من أصحابنا المتقدمين ، وأورده كثير من الأصوليين . ويرد عنده
اختلاف موضوع الأصل والفرع ، وذلك مثل أن يكون الأصل مبنيا على
التخفيف ، كالتيمم والمسح على الخف ، ويكون الفرع مبنيا على التغليظ ،
کوجوب غسل الرجلين ، ویروم القائس أن يثبت في الفرع حكماً مخففاً ، وقد بان
من اختلاف موضوع العلة والحكم مما ذكرنا .
وهو مثل النقض ، لأنه إنما يستفيد به طرده بعد صحة علته ، كالشهادة إنما
يشتغل بتعديل الشهادة بعد صحة الأداء .
٣٢٠