Indexed OCR Text

Pages 61-80

والثاني: أنّا نُجوّز القياس في الرخص إذا لم يمنع مانع، والإجماع يمنع من إجراء
رخص السفر في المرض.
ومنها: أن صوم أيام التشريق لا يجوز في الجديد، ويجوز في القديم للمتمتع إذا
عدم الهدي، وفي جوازه لغيره وجهان، أصحهما المنع، لأن النهي عام والرخصة في
حق المتمتع.
ومنها: قال الرافعي وردت السنة بالمساقاة على النخل، والكرمُ في معناه. وفي
((الكفاية)) قيل: إن الشافعي قاس على النخل وقيل: أخذه من النص.
ومنها: المبيتُ بمنى للحاج واجبٌ وقد رُخص في تركه للرعاة وأهل سقاية
العباس، فهل يلتحق بهم المعذور كأن يكون عنده مريضٌ منزولٌ به محتاجٌ
لتعهده، أو كان به مرض يشق عليه المبيت، أو له بمكة مالٌ يخاف ضياعه؟
فيه وجهان: (أصحهما): نعم قياساً على العذر، والثاني: المنع، والرخصة
وردت لهم خاصة.
قال في ((البحر)): فلو عمل أهل العباس أو غيرهم في غير سقايته هل يجوز لهم
ترك المبيت والرمي؟
فيه وجهان: أحدهما: لا، والثاني: نعم، قياساً عليهم وهكذا ذكره أبو حامد،
ونص الشافعي في ((الأوسط)) على أنه لا يشركه باقي السقايات وبهذا يعترض
على تصحيحه في الروضة الجواز.
القياس في المقدرات:
ميقات المحرم من العراق ذات عرق واختلفوا هل هو بالنص عليه كباقي
المواقيت أو باجتهاد عمر؟
فيه وجهان، صحح النووي / في شرح مسلم الثاني، وهو نص الإمام في ((الأم)) ١/٢٧٧
وصحح الجمهور الأول كما قاله في ((شرح المهذب)) ولو جاء الغريب من ناحية لا
يحاذي في طريقه ميقاتاً لزمه أن يُحرم إذا لم يكن بينه وبين مكة إلا مرحلتان، قياساً
٦١

على قضاء عمر في تأقيت ذات عرق لأهل الشرق. قاله إمام الحرمين تفقهاً، وتابعه
الرافعي والنووي .
القياس في الكفارات :
منها: اليمين الغموس وكفارة القتل العدوان ونحوهما، فإنهم أثبتوها قياساً.
ومنها: لو رأى مشرفاً على الهلاك يغرق أو غيره وكان في تخليصه الافطار لزمه
ويقضي. وفي الفدية وجهان أظهرهما: الوجوب قياساً على الحامل والمرضع.
ومنها: وهو مخالف لما سبق: من أفطر عمداً بغير الجماع في رمضان لأنه لم يرد
فيه توقيف.
القياس في الجوابر:
على المتمتع دم بنص القرآن، ويجب على القارن بالقياس فإن أفعال المتمتع أكثر
من أفعال القارن، وإذا وجب عليه الدم فلأنْ يجب على القارن أولى، وهو دم
حرمة على الأصح لا نسك. ودم فوات الحج كدم المتمتع في الترتيب والتقدير على
المذهب، لأن دم المتمتع إنما وجب لترك الاحرام من الميقات، والنسكُ المتروك في
صورة الفوات أعظم. وهذا كله بناء على أحد القولين في المفهوم الأولى أنه من
باب القیاس.
القياس في الأحداث:
قال في ((البرهان)) لا يجري في الطهارات والأحداث لعدم اطلاعنا على ضبط
أهلها. قال القاضي: وكما لا تثبت الأحداث بالقياس لا مجال للقياس أيضاً في
الأحداث، فإن القياس كما لا يهتدي لتأقيت الطهارة لا يهتدي لنفي إثباتها، وقال
في ((القواطع)): قيل إنه لا مجال للقياس في الأحداث وتفاصيلها والوضوء وتفاصيله
بل يتبع محض النص وقيل: إن الوضوء معقول المعنى، فإنه مشعر بالتنظيف
والتنقية، وقيل: الصلاة يعقل فيها الخشوع والاستكانة، قلت: ومن فروعه لو
مس ذكره بدبر غيره. قال الامام في ((النهاية)) لا ينتقض، وفي الشامل ينبغي أن
٦٢

ينتقض، لأنه مسه بالآلة التي يمس بها هذا المحل، وقول الإمام أقيس لأن
الأحداث لا تثبت قياساً ولم يرد إلا في اليد كما أنا لم نُعَدِّه إلا في الأمرد، وإن وجد
المعنى، قال ابن السمعاني، وأما الشهادة فقالوا أصلها معقول المعنى وهو الثقة
وحصول الظن والغفلة ولهذا لا تقبل شهادة النسوة لما غلب عليهن من الذهول
والغفلة، وأما أصل عقود المعاملات فمعقول المعنى إلا أن الشرع أثبت فيها أنواعاً
من التعبدات فلزم اتباعها ولا يجوز تجاوزها وتعديها انتهى.
مسألة
[جريَان القياس العَقلِى في العَقلِيَات]
الأكثرون منا ومن المعتزلة، كما قال الأستاذ أبو منصور وغيره، على جريان
القياس العقلي في العقليات، أي: العلوم العقلية، كقولنا في مسألة الرؤية: الله
موجود، وكل موجود مَرْئي، فيكون مرئياً. وحكى ابن سريج في كتابه الإجماع على
استعماله. قال: وإنما اختلفوا في الشرعي. ثم قيل: قطعي، والمحققون - منهم
الإمام الرازي - على أنه ظني لا يفيد اليقين.
وقال ابن برهان: القياس القطعي يجوز التمسك به في إثبات القطعيات،
بخلاف الظنى، لأن المطلوب فيها القطع، واليقين لا يستفاد من الدليل الظني.
وذهب الصيرفي والغزالي إلى المنع وحكاه في البرهان عن أحمد بن حنبل وأصحابه
قال: وليسوا منكرين أيضاً نظر العقل إلى العلم، ولكن ينهون عن ملابسته
والاشتغال به.
قال الصيرفي: العقل وُضع لإدراك الأشياء على ما هي به فلا يجوز انتقاله عن
هذا أبداً قال: وإنما أخطأ الناس في نفي القياس في الأحكام لأنهم راموا جعلوا
العقليات كالموجب في الشرع فلما لم يجز أحالوه ولو سلكوا بكل واحد طريقه
لأصابوا .
٦٣

وقال إمام الحرمين: أطلق النقلة القياس العقلي وأنا أقول: إن عَنَوا به النظر
العقلي فهو في نوعه مفضٍ إلى العلم إذا استجمع شرائطه، مأمور به شرعاً، وإن
عَنَوا به اعتبار شيء بشيء واستثارة معنى في قياس غائب على شاهد فذاك باطل
عندي .
قلت: ولا يمكن أن يعنوا(١) به الأول، فإن القياس لا يطلق حقيقة على النظر
المحض.
قال الأصفهاني رحمه الله تعالى: ومن قال بجريان القياس في العقليات جمع بين
الأصل والفرع بأحد أمور أربعة: أحدها العلة كقولنا: العالمية في الشاهد حاصلة
اتفاقاً فكذا في الغائب لأن تمام التعليم بالشاهد إنما كان للعالمية المستقلة به للعلم،
وهذا المعنى موجود في الغائب، فيكون له العلم وهذا جمع بالعلة ثانيها: الجمعِ
بالدليل. قالوا: الاتقان في الشاهد دليل العلم، وأفعال الله متقنة فيكون عالماً
لوجود دليل العلم ثالثها: الجمع بالشرط كقولنا العلم من الشاهد شرطه الحياة
والله عالم فيكون حياً رابعها: الجمع بالإطلاق الحقيقي كقولنا: المريد من قامت به
الإرادة وهذه طريقة المتقدمين من المتكلمين وهي ضعيفة لا تفيد العلم والمطلوب
في هذه المسائل إنما هو العلم.
مسألة
[جَرَكَانِ القِيَاسْ في اللغَات]
في جریان القیاس في اللغات وجهان، وقد سبقت في مباحث اللغات بتحريرها
ونقولها، والذي نذكره ها هنا أنه ليست هذه المسألةُ مسألةَ التعليل بالاسم، بل
تلك في أنه هل يُناط حكم شرعي باسم؟ وهذه في أنه هل يسمى شيء باسم شيء
آخر لغة لجامع؟ والقياس الشرعي إلحاق فرع بأصل في حكمه.
وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): اختلفوا في العلة هل هي دليل على اسم الفرع
(١) في الأصول ((يعنون))
٦٤

ثم تعلق به حكم شرعي أو يدل ابتداء على حكم شرعي؟ فحكى عن ابن سريج
أنه قال: إنما ثبت بالقياس الأسماء في الشرع ثم تعلق عليها الأحكام، فكان
يتوصل إلى أن الشفعة تركة ثم يجعلها موروثة، وأن وطء البهيمة زنى ثم تعلق به
الحد، وبعض الشافعية كان يقيس النبيذ على الخمر في تسميته خمراً لاشتراكهما في
الشدة ثم يحرمه بالآية. وأكثر الفقهاء متفقون على أن العلل تثبت بها الأحكام فإن
كان ابن سريج يمنع من تعليل الأحكام في الشرع بالعلل فهو باطل، لأن أكثر
المسائل إنما تعلل فيها أحكامها دون أسمائها. وإن أراد أن العلل قد يتوصل / بها ٢٧٧ /ب
إلى الأسماء في بعض المواضع فإن أراد بالعلل العلل الشرعية فباطل لأن اللغة أقدم
من الشرع فلا يجوز إثباتها بأمور طارئة.
قال الكيا: كان ابن سريج يقول: إنما ثبتت الأسامى بالقياس ثم تعلق
الأحكام بها نحو ما كان يقول إن القياس يوصل إلى أن وطء البهيمة زنى ثم ثبت
الحد فيه بظاهر الآية، ووجه كونه زنى أنه إيلاج فرج في فرج تمحض تحريماً فكان
زنى، والنبيذ خمر للشدة والخمر محرمة.
قال الكيا: وهذا النوع باطل من كل وجه لأن القياس في الأسامى يتلقى من
فهم مقاصد اللغة ومعرفة موضع اشتقاق الاسم، ثم يجري على ما فيه ذلك المعنى
ذلك الاسم، فيكون نهاية نصهم على فائدة التسمية ذلك، وليس لهذا القول تعلق
بالشرع، لأنه قد يصح سواء كان هناك شرع أم لا، وأما القياس الذي يختص
الشرع به فإنما تثبت به الأحكام فقط بأن يعلل الأصول التي يثبت الحكم فيها،
لتعدية الحكم بالتعليل إلى ما شاركها في العلة.
وقد نص الشافعي رحمه الله تعالى في الخمر على خلاف ما ذكره، والقول في
بطلانه ظاهر في الشرع أولاً، وفي اللغة، لأن فهم موضع الاشتقاق لا يمنع إمكان
تخصيص الاسم.
٦٥

مسألة
[القياس - فى الأسْبَابْ]
إذا أضيف حكم إلى سبب وعُلِمَت فيه علة السبب فإذا وجدت في وصف آخر
هل يجوز أن ينصب سبباً؟ وهي مسألة القياس في الأسباب، فنقل عن أبي زيد
الدبوسي وغيره المنع، وقالوا: الحكم يتبع العلة دون حكمة العلة، فلا يجوز أن
يجعل اللواط سبباً للحد بالقياس على الزنى، ولا النبش سبباً للقطع قياساً على
السرقة، واختاره الآمدى وابن الحاجب والبيضاوي وقال الأصفهاني شارح
((المحصول)) إنه الأظهر. لكن المنقول عن أصحابنا جوازه، واختاره الغزالي وإلكيا
وعبارته: ((معتقدُنا جواز اعتبار السبب بالسبب بشرط ظهور عدم تفاوت السببين
في المعنى المعتبر، ثم في وضع الأسباب ثم صورة الأسباب لا يراعى عند ظهور
التفاوت في مضمون السببين، وقال في موضع آخر: منع الحنفية القياس في
الأسباب، وعندنا يسوغ، كما إذا ثبت لنا أن القصاص وجب لزجر القاتل، وثبت
أن القتل صار سبباً لمكان الحكمة لا لصورته، فيجوز اعتبار المشتركين في القتل
بالقتل وإن ثبت لنا أنه غير قاتل قال: وقد اعتبر الشافعي المساقاة بالقِراض
الاستوائهما في مقصود التجار ومصلحة المتعاملين وهما سببان مختلفان، وإن أمكن
أن يقال: عموم الحاجة إلى القراض بخلاف المساقاة، لكن جوابه أن المساقاة
كانت أعم عند العرب وهم قوم رسول الله وثاقه. ومنه اعتبار الشافعي الشهادة
بالإكراه من جهة أن الشهادة يظهر إفضاؤها إلى القتل كالإكراه، وإن كان للإكراه
مزية من وجهٍ فللشهادة مزية من وجه. ومنه ما قال الشافعي رحمه الله أن المرأة
يلزمها الحج إذا وجدت نسوةً ثقاتٍ يقع الأمن بمثلهن إلحاقاً لهن بالمحرم والزوج
فقاس أحد سبي الأمن على الثاني قال: وكذلك يجري في مثلهن في الشروط وقد
نفى الشافعي رحمه الله اشتراط الإسلام في الاحصان إلحاقاً له بالجلد فقال: الجلد
أعلى أنواع العقوبات ثم استوى فيه إنكار المسلمين والكفار فالرجم كذلك وهو
حسن .
٦٦

ثم قال: والضابط أن مالم يوجد له نظير فلا يلحق به. فلهذا لم يلحق المرض
بالسفر لأنا لا نعلم نظيراً له في الحاجة، وهذا واضح. وقد قال الشافعي رحمه الله
تعالى: التقابض شرط في بيع الطعام بالطعام قياساً على النقدين وصح هذا القياس
للشافعي بلا مدافع انتهى. وأما صاحب ((الكبريت الأحمر)) فنقل المنع في أصل
ترجمة المسألة عن أصحابهم ثم قال: ومذهب الشافعي وأصحابه أن كل ما يمكن
استعمال القياس فيه بشروطه وجب مالم يمنع مانع، وعن الشافعي أنه قال في
اشتراط النية في الوضوء قياساً على التيمم: طهارتان فأنى يفترقان انتهى.
ومنهم من قال: إن قلنا: إن الأسباب والموانع والشروط أحكام شرعية جرى
فيها القياس، وإن قلنا: ليست بحكم شرعي ففي جريان القياس فيها نظر.
قال القرطبي رحمه الله: والأولى جريانه، لأنا عقلنا أن الزنى إنما نسب سبباً
للرجم لعلة كذا، ووجدناها في اللواط مثلاً، فيلزم نصب سببها. وكذلك هو في
السرقة حتى يلحق بها نبش القبر وأخذ الأكفان فهذا إذا تَمّ على شروطه قياس
صحیح انتهى.
وقد ألزموا المانع منع حمل النبيذ على الخمر من حيث إن خصوص وصف المحل
لو اعتبر في محل الحکم لاقتضی منع توسيع الحکم، وفي منع توسيعه رفع القياس
أصلاً. والمختار أنه يجوز أن يثبت سبب حكم قياساً على سبب آخر، فإذا حكم
الله برجم الزاني جاز أن يطلب سبب ذلك حتى يقف على سببه وهو الزنى، فإذا
ثبت أن الزنى علة الرجم صح أن يعلله بعلة تعديها إلى غير الزنى، كما يجوز أن
يعلل الحكم الثابت على زيد ويعدى إلى عمرو عند فهم المعنى المقتضي للتعدية،
فإنه جائز بالإجماع، فكذا ما قبله. وقد أنكر أبو زيد الدبوسي هذا النوع من
التعليل، وقال: الحكم يتبع السبب دون حكمة السبب، وإنما الحكم ثمرة ولیس
بعلة، فلا يجوز أن يقال: جُعل القياس سبباً للقصاص للزجر والردع، فينبغي أنه
يجب القصاص على شهود القصاص إذا رجعوا لمسيس الحاجة إلى الزجر، وإن لم
يتحقق القتل إلى غير ذلك من الأسباب.
٦٧

قال الأبياري في ((شرح البرهان)): وهذا الذي قالوه يمكن أن ينزل على ثلاثة
أوجه: إما أن يقولوا ذلك بناء على توقيف ثابت يمنع من القياس في هذه الحالة
وحينئذ فيتبع. وإما أن يقولوا: لم يثبت عندنا عموم شرعية القياس عند فهم المعاني
فهذا يجر أنواعاً من الخيال، ويقتضي منع القياس إلا في مواضع الإجماع، وقَلّ أن
يصادف ذلك بحال. وإما أن يقولوا: إن تعليل الأسباب يفوت به حقيقة القياس،
لأن من شرط القياس على الأصول تقريرها أصولاً، وفي تقرير الأسباب ما يخرجها
عن كونها أسباباً قال: وهذا - والله أعلم - معتمد القوم.
١/٢٧٨ وتقريره: أنا إذا قلنا: الزنى علة الرجم واستنبطنا/ منه إيلاج الفرج في الفرج
المحرم قطعاً إلى تمام القياس، واعتبرنا اللفظ فقد أبان آخراً أن الزنى لم يكن علة،
وإنما العلة أمر أعم من الزنى فقد علل الزنى في كونه [سبباً] بعلة أخرجت الزنى
عن كونه سبباً. ويمنع تعليل الأصول بما يخرجها عن كونها أصولاً.
هذا أعظم ما تمسكوا به في منع تعليل الأسباب، وقد تحير الأصحاب في
الجواب، واعتذروا بأن ذلك يرجع إلى تنقيح مناط الحكم دون تخريجه.
وقال بعض أصحابنا: الإنصاف يقتضي مساعدتهم على ذلك. وزعم أن
الجاري في تعليل الأصحاب تنقيح المناط دون تخريجه وهذا هو اختيار الغزالي،
وقال: لا وجه غيره، وأنه الحق.
وحاصل ما قاله الاعتراف بامتناع إجراء القياس في الأسباب، لا لخصوص في
التعبد، ولا لتعذر فهم المعنى، ولكن لاستحالة وجدان الأصل عند التعليل إذ
يفوت القياس لفوات بعض أركانه ولا يبقى للقياس حقيقة، ونحن نقول:
الصحيح إجراء القياس على حقيقته في الأسباب، ولا فرق في تصور القياس بين
تعليل الأسباب وتعليل الأحكام.
وبيانه هو أنه إذا حرمت الخمرة فهل حرمت باعتبار خصوصية وصفها وهو
الخمرية حتى لا يتعدى الحكم إلى النبيذ بحال، أو حرمت الخمر من جهة كونها
٦٨

مزيلة للعقل وهو الوصف الأعم؟ فإنها إذا كانت أصلاً باعتبار حكم الشرع فيها،
وقد بان لنا أنه إنما حكم فيها من جهة اشتدادها وإسكارها فكذلك إذا جعلنا الزنى
علة الرجم فيقال هل هو علة من جهة كونه زنى أو من جهة علة أخرى أعم من
هذا، أو لا علة وهو باطل فهذا هو المناقض. أما إذا جعل علة من بعض الجهات
لم يخرج عن كونه علة مطلقاً. هكذا ينبغي أن يفهم تعليل الأسباب ولا فرق بينه
وبين تعليل الأحكام في الأصول السابقة.
قال: وهذه المسألة من أعظم مسائل الأصول فقد زل فيها الجماهير وأثبتوا
القياس في الأسباب على وجه يخل بمقصود القياس.
وقال ابن المنير: صورة القياس في الأسباب أن الإجماع قام على أن الزنى سبب
في الرجم، والنص أومأ إلى ذلك أيضاً، فهل يجوز أن نقيس عليه اللواط في إثبات
حكم السببية له فيكون سبباً للرجم، أو لا؟ هذا محل الخلاف. ومنه قياس النبش
على السرقة وللمانعين مسلكان :
أحدهما: أن الجمع بين السببين لا يتأتى إلا بحكمة السبب، بخلافِ الجمع
بين الأصل والفرع، فإنه يقع بالأوصاف. قالوا: والحِكَم خفيةٌ لا تنضبط،
والأوصاف ظاهرة منضبطة، ولا يصح التعليل بما لا ينضبط، فلو فرضنا انضباط
الحِكَم ففي جواز التعليل بها خلاف، فإن أجزناه فلا يقاس في الأسباب بل نقيس
الفرع بالحكمة المنضبطة، ويستغنى عن توسيط السبب، وإن منعناه بطل القياس
في السبب.
والثاني: أن القياس في الأسباب يؤدي إثباته إلى أصالته بخلاف القياس في
الأحكام. وبيانه أن القياس في الأحكام يقرر الأصل أصلاً ويلحق به فرعاً،
والقياس في الأسباب يبطل كون السبب المقيس عليه سبباً، ويحقق أن السببية أمر
أعم منه، وهو القدر المشترك بين السببين، ويؤول الأمر إلى أنه لا أصل ولا فرع
فلا قياس، فقياس النبيذ على الخمر لم يغير حكم الأصل، ولا إضافة التحريم
إليها، وقياس اللواط على الزنى غيّر كون الزنى سبباً وصيّر السبب (الإيلاج)
المشترك بين المحلّين، فيصدق على الزنى أنه ليس بسبب إن فرضناه سبباً.
٦٩

وأما المجوزون فاحتجوا بأمر جلي وهو انسحاب الإجماع عليه لأن أهل الإجماع
استرسلوا في الأقيسة، ولو ذهبنا نشترط في كل صورة إجماعاً خاصاً بها لاستحال،
فالقياس في السبب كالقياس في الإجارة مثلاً فلا يحتاج إلى إجماع خاص (قال):
وينبغي أن يرتفع الخلاف في هذه المسألة لأن الأسباب لا تنتصب بالاستنباط، وإنما
تنتصب بإيماء النص والإجماع، وإذا فرضنا القياس في الأسباب فلا بد أن نفرض
فيها جهة عامةً كالإيلاج، وجهة خاصة لكونه فرجاً لآدمية، وهو الذي یسمی زنى
بلفظ السبب، ويتناول أمرين أعمَّ وأخصَّ، ولا ينتظم القياس إلا بحذف الأخص
عن درجة الاعتبار ليتغير الأعم، إذ لو كان الأخص باقياً على تقييده لاستحال
القياس، وإذا انحذف الأخص عن كونه مراد اللفظ بقي الأعم وهو مراد النص،
وحينئذ يكون القياس في الأسباب تنقيحَ مناط، وتنقيح المناط حاصله تأويلٌ
ظاهر، وهو يتوقف على دليل، فينبغي أن يقع الاتفاق على قبول المسلك الذي
سماه من سماه قياساً في الأسباب، لاتفاقنا على قبول تأويل الظاهر بالدليل، فلا
حَجْر في التسمية، ولا منع من تسميته قياساً، لأن فيه صورة النطق في موضع
والسكوت في موضع، ووجود قدر مشترك بين الموضعين وهو سبب الاشتراك في
الحكم، غير أن امتياز المحلين نطقاً وسكوتاً إنما كان مبنياً على الظاهر الذي قام أنه
غير مراد، فلهذا تكدرت التسمية. والخطب يسير.
مسألة
كل حكم شرعي أمكن تعليله يجري القياس فيه، وليس المراد أنه يجوز إثبات
جميع الشرعيات بالقياس خلافاً لمن شذ، وقد سبقت.
مسألة
ذهب بعض الحنفية إلى أنه لا يجوز القياس إلا عن أمارة، ولا يجوز عن دلالة
للاستغناء بها، حكاه السمرقندي في ((الميزان)) وهو غريب. وقد نقل جماعةٌ الاتفاقَ
على جواز الإجماع عن دلالة.
٧٠

مسألة
ذهب أبو هاشم إلى أن القياس الشرعي إنما يجوز في تعيين ما ورد النص به على
الجملة فيعرف بالقياس تفصيله، كورود النص بالتوجه إلى الكعبة، وبجزاء
الصيد، وبتحريم الربا فيجوز أن يعرف بالقياس من جهة القبلة، وصفة المثل في
الجزاء، وتفصيل ما يجري فيه الربا، ولا يجوز قياس المسكوت عنه على المنصوص
عليه إذا لم يدخل في الاسم الذي ورد به النص. وأما إثبات مسألة لم يرد فيها
النص فلا يجوز أن يبتدأ إلحاقه بالقياس ولهذا لما ثبت بالنص ميراث الأخ جاز.
إثبات إرثه مع الجد بالقياس. قال الأستاذ أبو منصور: والذي عليه الجمهور جواز
القياس في الموضعين جميعاً كقياس الصلاة على الزكاة والعكس، والكفارة على
الزكاة، والصيام على الصلاة ونحوه في أنواع الأحكام. / وقال إلكيا: ما قاله أبو
هاشم هو عين ما حكيناه عن أبي زيد وأبطلناه، ومما يدل على بطلانه أن الأولين
أثبتوا قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ حرام بالقياسٍ، ولم يكن عليه نص على جهة
الجملة، لأن قوله تعالى: ﴿لا تحرّموا طيباتِ ما أحلّ الله لكم﴾ [سورة المائدة / ٨٧]
أمارة في المنع من تحريم ذلك، ولا يفيد حكمه إذا وقع التحريم. ويحتمل أن
يقال: علموا أصلًا غاب عنا فيقال: رأيناهم يتشوفون للقياس باتباع الأوصاف
المخيلة المؤثرة من غير قصد إلى مُلي.
مسألة
حكى سليم الرازي عن بعض أصحابنا أن العموم إذا خُصَّ لم يجز أن يُستنبط
منه معنى يقاس عليه غيره، لأنه إذا خُصَّ صار الحكم ثابتاً بقرينة، فإذا استنبط
المعنى منه لم يصح اجتماع المعنى مع تلك القرينة، فإن المعنى يقتضي العموم
والقرينة تقتضي الخصوص فلا يصح اجتماعهما قال: وهذا قول فاسد، لأن اللفظ
إذا خُصَّ خرج منه ما ليس بمرادٍ فبقي الباقي ثابتاً باللفظ فيصير كأنَّ الحكم للباقي
وَرَدَ ابتداءً، فجاز استنباط المعنى منه.
٧١

مسألة
القياس الجزئي إذا لم يرد نص على وفقه مع عموم الحاجة إليه خرَّج فيه بعض
المتأخرين قولين من الخلاف في ضمان الدرك بأن القياس الجزئي يقتضي منعه،
لأنه ضمانُ مالم يجب، ولكن عموم الحاجة إليه لمعاملة الغرماء وغيرهم يقتضي
جوازه ولم يُنبّه النبي ◌ِّر عليه فمنعه ابن سريج على مقتضى القياس، والصحيح
صحته بعد قبض الثمن لا قبله، لأنه وقت الحاجة المؤكدة واختار الإمام جوازه
مطلقاً لأصل الحاجة. وقال إمام الحرمين في ((البرهان)) عند الكلام على أقسام
المناسبة: أن ما ابتنى على الحاجة كالإجارة لا خلاف في جريان قياس الجزء منه
على الجزء، فأما اعتبار غير ذلك الأصل مع جامع الحاجة فهذا امتنع منه معظم
القياسين. ثم أشار إلى جوازه وقال: فإذن القياس على الإجارة إذا استجمع
الشرائط لا يذر. والاستصلاح الجزئي في مقابلة الموجود بالموجود، وهذا كقياس
النكاح مثلاً في وجه الحاجة إليه على الإجارة.
مسألة
التمسك بقياس جزئي في مصادمة قاعدة كلية مردود. ومن أمثلته قياس
الأقارير السابقة في إثبات الحق الآن، على الشهادة بالملك السابق، في أنه لا يفيد
الآن فهذا قياس جزئي في مقابلة قاعدة كلية وهي أنه لو عمل بذلك فما كان في
الشهادة على الأقارير فائدة، والحجة تسقط بمضي ساعة، قاله ابن دقيق العيد في
كتاب ((اقتناص السوانح)).
٧٢

مسألة
يجوز أن يثبت ما طريقه القطع في الفروع والأصول بالقياس المقطوع بصحته
عليه دون ما لا يقطع بصحته. مثاله في الفروع، قولنا: إن البسملة آية في كل
سورة لأنه مكتوب بلا تغيير، متلو بلا نكير، فهو كسائر القرآن. فهذا قياس
مدلولٌ على صحته بالإجماع على كتابته في المصحف وتلاوته، وذلك يوجب القطع
بصحته. ومثاله في أصول الفقه قول بعضهم: إن الاجماع لا يشترط فيه انقراض
العصر، لأنه وجد إجماع من أهل العصر على حكم الحادثة فكان حجةً، دليله(١)
إذا انقرض العصر عليه.
(١) كذا في الأصول.
٧٣

البَابُ السَادش
في أرحَانه
وهى أربعة: الأصل، والفرع، والعلة، وحكم الأصل. ولابد من ذكر هذه
الأربعة في القياس، كقولنا في اشتراط النية في الوضوء: طهارة عن حدث، فوجب
أن تحتاج إلى نية كالتيمم، فالوضوء هو الفرع، والتيمم هو الأصل، والطهارة
عن حدث هي الوصف، وقولنا وجب هو الحكم. ولابد من ذكر هذه الأربعة.
ومن الفقهاء من يترك التصريح بالحكم مثل أن يقول طهارة عن حدث
كالتيمم. واختلف أصحابنا فيه كما قاله السهيلى في باب ((أدب الجدل)) فذهب
أكثرهم إلى أنه لا يصح القياس إلا بعد التصريح بالحكم. وقيل: يصح ويكون
الحكم مُحَالاً إلى السؤال. والأول أصح.
مسألة
اختلف في اشتراط أمر خامس أنه: هل يشترط في إطلاق اسم القياس أن
يكون الجامع مستنبّطاً بالنظر والفكر؟ على قولين. ولهذا اختلفوا في أن إلحاق العبد
بالأمة، والضرب بالتأفيف، هل يسمى قياساً؟
الأول: الاصل
وحكى ابن السمعاني خلافاً في ركنيته، وأن بعضهم ذهب إلى جواز القياس
بغير أصل قال: وهو قولُ من خلط الاجتهاد بالقياس، وإنه لابد له من أصل، لأن
الفروع لا تتفرع إلا عن أصول.
٧٤

وهو يطلق شرعاً على أمور سبقت في أول أصول الفقه وذکر هنا الكيا منها
أربعة :
أحدها: ما يقتضي العلم به علماً بغيره أو يوصل به إلى غيره، كما يقال: إن
الخبر أصل لما ورد به، والكتاب أصل السنة لما علم صحتها به.
والثاني: لا يصح العلم بالمعنى إلا به.
الثالث: في الحكم الذي لا يعتريه ما سواه، فيقال: هذا الحكم أصل بنفسه لا
يقاس عليه.
الرابع: الذي يقع به القياس وهو مرادنا.
وقد اختلف فيه، فقال المتكلمون: هو النص الدال على ثبوت الحكم في محل
الوفاق، كخبر الواحد في تحريم الرِبا مثلاً، وحكاه في ((الملخص)) عن القاضي،
وحكاه صاحب ((الواضح)) عن المعتزلة. وقال الفقهاء: هو محل الحكم المشبه به
سواء المجمع عليه والمنصوص كالبر المحكوم به قال ابن السمعاني: وهذا هو
الصحيح. قال: وتمامه أن الخبر أصل للبر، والبر أصل لكل ما يقاس عليه قال:
وهذا ظاهر حسن فليعتمد عليه، وقال المحققون منهم: إنه نقيض الحكم الثابت
بالخبر قال إلكيا: وهذا هو الأوجه عندنا، ولم نر في كلام المخالف ما يضعفه.
وقال القاضي أبو الطيب الطبري: ما ثبت به حكم نفسه. وقيل: ما ثبت به
حكم غيره. وليس بصحيح، لأن العلة يجوز أن تكون قاصرة. ورجح العبدرى
الأول بأن الأصل محكوم فيه حتى يفهم الحكم، وبالعكس فإن سمى مسمّى الخمر
وحدها أصلاً بمعنى أنها هي المحل الذي نص الشارع على الحكم بالتحريم فيه
دون غيره من المحالّ فيجوز. وقال الإمام فخر الدين: الأصل هو الحكم الثابت
في محل الوفاق باعتبار تفرع العلة عليه، وهو فرع في محل الخلاف باعتبار تفرعه
عليه والعلة بالعكس فرع في محل الوفاق لأنا إنما نعلل الحكم بعد معرفة أصل في
محل لأنا نعرف العلة فيه ثم نفرع الحكم عليها.
قال التبريزي: وقوله: الحكم أصل في محل الخلاف ذهاب عظيم عن مقصود
٧٥

١/٢٧٩ / البحث إذ ليس المقصود تعريف ما سمى أصلاً باعتبار، وإنما القصد بيان الأصل
الذي يقابل الفرع في القياس المركب، ولاشك أنه بهذا الاعتبار محل الحكم
المجمع عليه، كما قاله الفقهاء. قال الأصفهاني: وهذا تهويل لا تعويل عليه.
ثم قال جماعة منهم ابن برهان: إن النزاع لفظي يرجع إلى الاصطلاح فلا
مشاحة فيه، أو إلى اللغة فهو يجوز إطلاقه على ما ذكر. ولا فائدة لهذا الخلاف إلا
الصورة .
وقيل: بل يرجع إلى تحقيق المراد ((بالأصل))، وهو يطلق تارة على الغالب، وتارة
على الوضع اللغوي لقولهم: الأصل عدم الاشتراك، وعلى إرادة البعيد الذي لا
يعقل معناه كقولهم: خروج النجاسة من محل وإيجاب الطهارة في محل آخر على
خلاف الأصل. وقد يطلقونه على إرادة البراءة الأصلية فلا بد من توجيه
الاستشعار على الأصل حتى يصح الكلام والاعتراض عليه. قال الآمدى: يُطلق
الأصل على ما يتفرع عليه غيره وعلى ما يعرف بنفسه وإن لم يُبْنَ عليه غيرُه،
كقولنا: تحريم الرّبا في النقدين أصل، وهذا منشأ الخلاف في أنه هل الأصل في
تحريم النبيذ الخمر أو النص أو الحكم؟ قال: واتفقوا على أن العلة ليست أصلاً
وقال الرازي: تسمية العلة في محل النزاع أصلًا أولى من تسميته محل الحكم في
محل الوفاق أصلاً، لأن التعلق الأول أقوى من الثاني (قال): وتسمية محل الوفاق
بالأصل أولى من تسميته محل الخلاف بالفرع، لأنه أصل الأصل، وهذا أصل
الفرع قال: لكنّا نساعد الفقهاء على مصطلحهم في تسمية محل الوفاق بالأصل
ومحل الخلاف بالفرع.
مسألة
لا يشترط قيام الدليل على جواز القياس على القياس بنوعه أو شخصه، بل كل
معنى قدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه قيس عليه، خلافاً لعثمان البتيّ.
وقال قوم: لابد من قيام الدليل على تعليله ولم يكتفوا بقيام الدليل على أصل
القياس. وفصّل الغزالي في ذلك فقال: أما قياس الشبه فشَرَط قوم في جواز
٧٦

الاعتماد على الجامع الشبهي دعاءه إلى التعليل فلو لم يقم دليل وجوب التعدية في
البُرّ في مسألة الربا لما جاز القياس. قال: وهذا لا يتعدى عندي في أكثر الأشباه،
فإنه إذا أمكن تعرف الحكم باسم المحل فأي حاجة إلى طلب مناط لا مناسبة
فيه؟! وفرّق الإمام في الأشباه فقال في بعضها: يكفي في الإلحاق الاطلاع على
الوصف الشبّهى، وفي بعضها: لابد من دعاء ضرورة إلى التعليل وبَسَط ذلك.
مسألة
لا يشترط في الأصل أن يكون انعقد الإجماع على أن حكمه معلل، أو أن تثبت
علته عيناً بالنص، بل لو ثبت ذلك بالطرق العقلية أو الظنية جاز القياس عليه.
وخالف فيه بشر المرّیسی والشريف المرتضى فزعما أنه لا یقاس على أصل حتی يدل
نص على عين علة ذلك الحكم، أو انعقدَ الإجماع على كون حكمه معلَّلاً. وقال
الغزالي في ((شَفاء الغليل)) نُقِل عن بشر المرّيسى وجماعةٍ أنه لا يجوز القياس على
أصلٍ بمجرد قيام الدليل على أصل تجويز القياس، بل لابد من دليل خاص على
أن الأصل الذي يقاس عليه معلولٌ بعلة، لأنه على تقدير عدم الدليل الخاص
بذلك، يجوز أن يكون من جملتها أصلٌ لا يُعلل بل يُخْصَّص مورده، فلابد من
دليل على كون الأصل معلّلاً. قال: ولست أعرف لهذا المذهب وجهاً إلا ما
ذكرته، فإن الوصف المخصِّص إذا عادل الوصف المتعدي في الانفكاك عن المناسبة
تعادلا، فلابد من دليل على التعدية، فإن خصص صاحب هذا المذهب مذهبه
بهذا الجنس من التعليل الخالي عن المناسبة فله وجه كما ذكرنا، وإن طرده فيما
ظهرت فيه المعاني المناسبة وقال: يجوز أن يُلحق الشرعُ المناسبَ في محل مخصوص،
فلابد من دليل التعدية، أو قال: يجوز أن يقدَّر وقوعُ هذا المناسب اتفاقاً فهو في
هذا الطرف أضعف. واستمداده من القول بإنكار أصل القياس . انتهى.
٧٧

مسألة
لا يشترط في الأصل أن يكون غير محصور بالعدد، بل يجوز القياس عليه سواء
كان محصوراً أو لم يكن وقال قوم: المحصور بالعدد لا يجوز القياس عليه، ولهذا
قالوا: لا يجوز القياس على جواز قتل الفواسق الخمس، لأنهن محصورات باسم
العدد. وهو ممنوع بلٍ هن محصورات في الذكر وليس النزاع فيه، إنما النزاع فيما إذا
كان الأصل محصوراً في اللفظ في عدد معين. ونحن وإن قلنا بأن مفهوم العدد
حجة لكن القياس أولى من المفهوم.
مسألة
ولا يشترط الاتفاق على وجود العلة في الأصل، بل يكفي انتهاض الدليل
عليه، خلافاً لمن شذ حيث اشترطه. قال الشيخ أبو إسحاق: إن أراد بالاتفاقٍ
الذي اشترطه إجماع الأمة كلها أدى إلى إبطال القياس، لأن نفاة القياس من
جملتهم، وأكثرهم يقولون إن الأصول غير معلَّلة. وإن أراد إجماع القياسيين فهم
بعض الأمة وليس قولهم بدلیل.
مسألة
[تَأْثيرُ الأَصْل في كُل مَوَضِعْ]
ولا يشترط تأثير الأصل في كل موضع. قال القاضي أبو الطيب، في الاستدلال
على إبطال بيع الغائب: باع عينا لم ير منها شيئا. فوجب أن لا يصح، أصله إذا
باع النوى في التمر، فإن قيل: قولكم لم يرَ منها شيئاً لا تأثير له في الأصل، لأن
بعض النوى إذا كان ظاهراً يراه، وبعضه غير ظاهر لا يصح أيضا، قلنا ليس من
شرط القياس أن يكون موجوداً في كل موضع، وإنما يكفي التأثير في موضع واحد،
٧٨

وتأثيره في بيع البطيخ والجوز واللوز فإنه يرى بعضها وهو ظاهرُها دون باطنها
ويكون بيعها صحيحاً .
مسألة
قال الأستاذ أبو منصور: ولا يشترط أن يكون الأصل صحيحاً، بل يجوز أن
يكون فاسداً وشهادته صحيحة، وهذا إنما يصح في مقام الإلزام والإفحام،
كإلزامنا من اعتبر الأصل جواز اجتماع الحياة والموت في محل واحد، وهذا قياس
صحيح، وإن كان الأصل الذي قاس عليه فاسداً عندنا.
٧٩

[الركن] الثَّانِى: حُكْم الأصْْل
وقد مر تعريف الحكم في أول الكتاب. وقال ابن السمعاني، تبعاً للشيخ
في ((اللمع)): الحكم ما تعلق بالعلة في التحليل والتحريم والإسقاط، وهو إما
مصرَّح به كقوله: فجاز أن يجب كذا، أو فوجب أن يجوز كذا،أو مُبْهم. وهو على
ثلاثة أضرب :
أحدها: أن يقول: فأشبه كذا، مثل أن يقول: شراب فيه شدّة مطربة فأشبه
٢٧٩/ ب الخمر. واختلفوا فيه، فقيل بالمنع/، لأنه حكم مبهم، والأصح عند الجدليين
الصحة، لأن المراد به فأشبه كذا في الحكم الذي وقع السؤال عنه، وذلك شيء
معلوم بين السائل والمسؤول فيجب أن يمسك عن بيانه اكتفاء بالمعلوم الموجود
بينهما .
الثاني: أن تُذكر العلة ولا يُصَرَّح بالحكم الذي سأل عنه، بل يعلق على العلة
التسوية بين حكمين، كقولنا في إيجاب النية في الوضوء: طهارة فيستوي جامدها
ومائعها في النّة كإزالة النجاسة، فمن أصحابنا من قال: لا يصح، لأنه يريد
التسوية بينهما في الأصل في إسقاط النية، وفي الفروع في إيجابها، وهما حكمان
متضادان، والقياس أن يشبه حكم الشيء من نظيره لا من ضده، ومنهم من قال:
انه صحيح. وهو الأصح، لأن حكم العلة هو التسوية بين المائع والجامد في النية
والتسوية بينهما في النية موجود في الاصل فصح القياس عليه، وإنما يظهر ذلك
الاختلاف في التفصيل وليس ذلك بحكم عليه حتى يصير فيه الاختلاف. وحكى
شارح ((اللمع)) عن بعض المتأخرين منا الوجهين هنا على الوجهين الأولين .
وقال أبو الحسن السهيلي في ((أدب الجدل)): اختلفوا في القياس إذا كان حكمه
التسوية بين حكم وحكم، كقول الشافعي في إزالة النجاسة بالمائع: إنه مائع
٨٠