Indexed OCR Text
Pages 381-400
الرواية على عمله وإقراره ، فصار المقول شرعاً . وإن تجرد عن لفظ التكثير كقوله : فعلوا كذا فهو محتمل ، ولا يثبت شرع باحتمال . الثاني : أن يضيفه إلى عصر الصحابة ، فينظر ، فإن كان مع بقاء عصر الصحابة ، فليس بحجة ، وإن كان بعد انقراض عصرهم فهو حكاية عن إجماعهم فيكون حجة . الثالث: أن يطلقه ولا يضيفه إلى أحد العصرين، فإن كان عصر الصحابة باقيا فهو مضاف إلى عصر رسول الله صل18 ، وإن كان عصر الصحابة منقرضا، فهو مضاف إلى عصر الصحابة ؛ لأن الحكاية عن ماض ، فإن كان قبل عصر الصحابة ، فالماضي قبله عصر الرسول ، وإن كان بعد عصر الصحابة ، فالماضي قبله عصر الصحابة . تنبيه : [فائدة رعاية هذا الترتيب] فائدة رعاية هذا الترتيب الترجيح عند التعارض ، فما لا يحتمل أرجح مما يحتمل ، وما يحتمل احتمالا واحدا أرجح مما يحتمل الاثنين ، وهكذا في الباقي . ٣٨١ فصْل [ألفَاظ غيْرُ الصَّحَابِىّ] وأما الثاني : وهو ألفاظ غير الصحابي فللراوي حالات بعضها أقوى من بعض . [السماع من لفظ الشيخ] أولها: أن يسمع من لفظ الشيخ، وهو النهاية في التحمل، لأنه طريق رسول الله وَله ، فإنه الذي كان يحدث أصحابه كما نقلوه عنه، وهو أبعد من الخطأ والسهو . وروي عن أبي حنيفة أن قراءتك على المُحَدِّث أقوى من قراءة المحدث عليك . قال: وإنما كان ذلك لرسول الله وسلّ خاصة لأنه مأمون من السهو، ولأنه كان يذكر ما يذكره حفظا ولا يكتب ، وإنما كلامنا فيمن يخبر عن كتابه لا عن حفظه ، حتى إذا كان يروي عن كتاب فالجانبان سواء في نفس التحديث بما في الكتاب ، ذكره شمس الأئمة . وعلله غيره بأن عناية الطلب أشدُّ عادة ، لأنه إذا قرأ التلميذ كانت المحافظة من الطرفين ، وإذا قرأ الأستاذ لا تكون المحافظة إلا منه . قال ابن القُشَيْري : ولا فرق بين أن يقرأ من ظهر قلبه أو من كتاب . قال الماوَرْدي والرُّؤْياني: ويصح تحمله عنه سواء كان عن قصد أو استرعاء أو اتفاق أو مذاكرة ، بخلاف الشهادة . ويجوز أن يكون المُحَدِّث أعمى أو أَصَمّ ، ولا يصح السماع إن كان المتحمل أصم ، ويصح إن كان أعمى . قالا : فإن ٣٨٢ حدث عن حفظه صح السماع إذا وثق به ، وإن حدث من کتابه ، فإن كان أعمى لم تصح روايته ، لأن الكتب قد تشتبه عليه ، وإن كان بصيرا صح أن يروي عنه كتابه بشرطين : كونه واثقا به ، وذاكراً لوقت سماعه . ومنع أبو حنيفة أن يروي إلا من حفظه كالشاهد ، ولو صح ذلك لبطلت فائدة الكتاب . قال : فقد صارت الرواية في عصرنا من الكتاب أثبت عند أصحاب الحديث من الحفظ . انتهى . وللسامع أن يقول : أسمعنى ، وأخبرني، وحدثني، وأسمعنا، وأخبرنا، وحدثنا، هذا إن قصد الشيخ إسماعه ، إما خاصة ، أو مع جمع ، فإن لم يقصد ذلك فليس له أن يقول إلا سمعته يحدث فلانا ، وإنما جازت هذه الألفاظ لمطابقتها لما في معنى الأمر . وللمحدثين فيه أدب ، يقولون لِمَا سمعه مع غيره : حدثنا، وأخبرنا، وما سمعه وحده أخبرنى وحدثني . قال ابن دقيق العيد : وهذا أدب لا ينتهي إلى الوجوب . اهـ . وحكى الشريف المُرْتَضَى في ((الذريعة)) وصاحب ((المصادر)) عن بعضهم منع لفظ الجمع إذا كان وحده ، قالا : والصحيح الجواز ، لأنه يأتي به على سبيل التفخيم . [العرض على الشيخ] الثانية : أن يقرأ على الشيخ وهو يسمع، وأكثر المحدثين يسمون القراءة على الشيخ عرضا من حيث إن القارىء يعرض على الشيخ ما يقرأه ، ويقول له بعد الفراغ من القراءة أو قبلها . هل سمعت: فيقول الشيخ نعم ، أو يقول بعد الفراغ : الأمر كما قرىء عليّ ، ولا خلاف في أنها رواية صحيحة إلا ما نقل عن بعض من لا يعتد به . واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ أو دونه أو فوقه ، على ثلاثة مذاهب : الأول هو قول الشافعي كما نقله الصَّيْرفي عنه في كتاب ((الدلائل)) ٣٨٣ والأعلام ، فقال : وباب الحديث عند الشافعي - رحمه الله - في القراءة على المحدث والقراءة عنه سواء إذا اعترف به ، قال : والدليل عليه قوله تعالى : ﴿أَلَسْتُ بربكم قالوا بلى﴾ [سورة الأعراف/ ١٧٢] وقوله : ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ إلى قوله: ﴿نعم﴾ [سورة الأعراف/٤٤] وقول ضمام بن ثعلبة للنبي المثير: إنى سائلك، آلله أرسلك إلينا ؟ قال : (نعم) . فقوله : نعم، بمنزلة إن الله أرسلني، وإن الله أمرني، أن أحج . انتهى. وبه جزم الماوَرْدي والرُّؤْيانى، والصحيح أنها دونه . [شرط صحة الرواية عن الشيخ] قال إمام الحرمين : وشرط صحة الرواية عن الشيخ أن يكون الشيخ عالما بقراءة القارىء عليه ، ولو فرض منه تحريف أو تصحيف لرده عليه . ويلتحق به ما لو كان بيده نسخة مهذبة ، فلو كانت بيد غير الشيخ ، والأحاديث تقرأ ، وذلك الغير عدل مؤتمن ، لا يألو جهدا في التأمل فتردد فيه جواب القاضي ؛ وبعدمدة ظهر لي أن ذلك لا يصح ، لأن الشيخ ليس على دراية منه ، فلا ينتهض منها تحملا . قال : فإن كان الشيخ لا يحيط بالأخبار ، ولا ينظر في نسخة متميزة ، ولو فرض التدليس عليه لما شعر ، لم تصح الرواية عنه ، وأي فرق بين شيخ يسمع أصواتا وأجراسا لا يأمن تدليسا وإلباسا ، وبين شيخ لا يسمع ما يقرأ عليه ؟ قال أبو نصر بن القشيري : وهذا الذي ذكره الإمام لم أره في كلام القاضي ، ٢٤٥ / ب فإنه صرح بأن الصبي المميز / يصح منه التحمل، وإن لم يعرف معناه، ويصح رواية الحديث عمن لم يعلم معناه، وهذا فيما أظن إجماع من أئمة الحديث . وكيف لا وفي الخبر (رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) . ولو شرطنا علم الراوي بمعنى الحديث لشرطنا معرفة جميع وجوهه ، ويسد بذلك باب التحديث . وبالجملة فمدار الأخبار على غلبة الظن ، فإذا قرىء بين يدي الصبي والأمي أخبار على شيخ ، فتحملها هذا السامع ، وقرئت عليه ، وتحملت عنه اكتفى ٣٨٤ ٠ بذلك ، واشتراط النظر في النسخة ، ودراية الصبي يُضَيِّق البطان(١) في الرواية ومن كلام الإمام أن المعتبر في صفة تحمل الرواية هو المعتبر في صفة تحمل الشهادة وهذا محل النظر . وقد صرّح الإمام بجواز الإجازة والتعويل عليها، وقد يكون المجيز غير محيط بجملة ما في الكتاب المجاز؛ وقد وافق إمام الحرمين على أن شرط صحة الرواية العلم بما يقرأ عليه إلّكِيا الطبري والمازَري في ((شرح البرهان)). قال المازري : بشرط كون الشيخ عالما بصحة ما قرىء عليه ، غير غافل عن شيء منه ، فأما إذا قرأ من حفظه وأملى من حفظه فلا شك أنه على ثقة . وقد أجاز بعضهم للحفاظ أن يكون بين أيديهم كتبهم استظهارا للثقة واحتياطا، فإن كان لا يعوِّل على حفظه(٢)، وإنما يعول على كتابه نظر ، فإن تحقق سماع جميع ما في كتابه فظاهر ، وإن علم سماعه ولكن نسي ممن سمعه ، فذكر القاضي أبو بكر فيه خلافا في جواز الرواية لما في هذا الكتاب ، وذهب إلى أنه لا يروي رواية معمولا بها ، لأن هذا من سمع منه الكتاب مع عدالته (٣) وإنما عول على ظن وتخمين وكذب . وذكر القاضي أن الشافعي أوصى في رسالته بقبول مثل هذه الرواية ، لأنه قال : لا يحدث المحدث من كتابه ، حتى يكون حافظا لما فيه . وهذا يقتضي أنه إنما أشار إلى من جهل شيخه الذي سمع منه الكتاب ، لأنه لو علم شيخه الذي حدثه بالكتاب لم يشترط حفظه إياه ، لأن من علم شيخه الذي حدثه به ، وعلم بأنه حدثه للجميع ، فإنه لا يشترط أن يكون حافظا لما في كتابه ، وهذا الذي تأوله القاضي على الشافعي تأوّله غيره على غير هذا الوجه ، وسيأتي . وقال ابن فُورَك : إن روى من كتابه ما لم يذكره ويعلم أنه أصله ، ففيه وجهان : أحدهما : لا يقبل ، لأنه لا بد وأن يكون كاذبا ، والثاني يقبل عملا بالظاهر . (١) البطان: حزام يشدُّ على البطن. (٢) في الباريسية والأزهرية: ((فإن كان لا يعول بما عليه، ويفرقه على حفظه، وإنما يعول على كتابه .. )). (٣) كذا في الأصول ويحرر. ٣٨٥ وقال القاضي عياض في ((الإلماع)): اختلف في العمل بما وجد في الخط المضبوط المحقق لإمام إذا عمل به، مع اتفاقهم على منع النقل والدراية به، فمعظم المجتهدين والفقهاء لا يرون العمل به ، وحكي عن الشافعي جواز العمل . وقال به طائفة من نظّار أصحابه . وهو الذي نصره الجويني وغيره، وهو مبني على مسألة العمل بالمرسل . وحكى أبو الوليد الباجي أنه روي عن الشافعي أنه يجوز أن يحدث بالخبر من حفظه ، وإن لم يعلم أنه سمعه . قال : وحجته أن حفظه لما في كتابه ، کحفظه لما سمعه ، فجاز له أن يرويه . قال القاضي : ولا نور ولا بهجة لهذه الحجة ، ولا ذكر هذا عن الشافعي أحد من أصحابه ، ولعله ما قدمناه عنه من العمل به ، لا الرواية ، والله أعلم . أو يكون إنما أراد أنه وجده بخطه ، وإن لم يحقق سماعه ، وهي مسألة مشهورة . اهـ. واختار المازَري أنه إذا تحقق سماعه وجهل عين المُسْمِع التحق بالمرسل ؛ وإن كان الشيخ سمع الجميع ، ولكنه لا يحفظه ، ولا يذكر سماعه لعين كل لفظ ، فإن له أن يرويه ، ويجب العمل به ، وإن لم يذكر السماع وإنما عول على خطه كما جرت عادة المحدثين في الطبقات فاختلف الأصوليون فيه . فحكى عبد الوهاب عن أبي حنيفة أنه لا يرى العمل به ، وأن ذلك قضية أصول مالك . وأشار إلى تخريجها على منع الشاهد من شهادة أَمْرٍ لم يذكره ، وإنما عول على خطه ، فلا يعمل بها . وعن الشافعي أنه جوَّزه، كقوله في ((الرسالة)): إنه لا يحدث المحدِّث بما في كتابه إلا أن يكون حافظا له ، وبه قال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن . وإن كان الخط ليس بيده ، وإنما هو بخط غيره ، كان ذلك أولى . وإن قلنا : يعول ثَمَّ، فلا يصح أن يروي هذا الكتاب ويطلق الرواية عن شيخه بأنه حدَّثه، لأنه كذب أنه سمع، وعلم ثقة الكتاب، فاختلفوا في قبول هذه الرواية، والمحدثون يقبلونها . قال المازري : والذي أراه في ذلك أنه إن قلنا : لا يُعَوِّل على خط نفسه ، ففي ٣٨٦ خط غيره أولى ، وإن قلنا : يعول ثَمَّ ، فلا يصح أن يروى هذا الكتاب ويطلق الرواية عن شيخه ، بأنه حذَّثه ، لأنه كَذِبٌ وتلبيس ؛ بل يبين حقيقة الحال ، فيقول : أخذت هذا الكتاب عن فلان لاشفاها ، ولكن تعويلا على خط فلان أنى سمعته معه عن فلان ، وخط فلان أتحققه ، وأتحقق عدالته ، فيقبل حينئذ ، ولا يفتقر هنا إلى إذن الكاتب أن ينقل ذلك عنه ، كما يفتقر إلى إذن الشاهد في أن ينقل عنه شهادته ، إذا تحققنا هنا أن هذا ما وضع خطه عن لبس . وأما إن لم تكن نسخة الكتاب بيده ، لكنها كانت بيد قارىء موثوق به ، فإن القاضي أبا بكر تردد في العمل بهذا الخبر، وصحة إسناده ، والأظهر عنده أنه لا يقبل ؛ لأنه لم يحصل الشيخ على يقين من صحة ما حملوه التلامذة(١) . وخالفه المازَري ، وقال : إن الشيخ يصير معوَّلا فيما يرويه ويحمّله لتلامذته على نقل غيره عنه ، أنه روى كذا . اهـ . وقطع ابن القُشَيْري فيما إذا تحقق سماعه ، وجهل عين المسمع ، أنه لا يحل له روايته ، حتى يعلم قطعا من بّغه ، ونقله عن اختيار القاضي، وحكى عن بعض الأصوليين أنه جوَّز له روايته، وعُزِي إلى الشافعي . وقال ابن السَّمْعاني : ينبغي لمن لم يحفظ الحديث روايته من الكتاب ، وإن كان يحفظه فالأولى ذلك اتفاقا ، وإن لم يحفظ وعنده كتاب فيه سماعه بخطه ، وهو يذكر سماعه للخبر ؛ جاز أن يرويه ، وإن لم يتذكر سماعه ، فهل يجوز أن يرويه؟ فيه وجهان : أحدهما : يجوز، وعليه يدُل قول الشافعي في ((الرسالة)). والثاني : لا يجوز وهو الأصح ، لأنا لا نأمن أن يكون روى على خطه . قال : ولا بد من شيئين في الرواية من الكتاب : أحدهما : أن يكون واثقا بكتابه، سواء كان بخطه أو خط غيره . والثاني : أن يكون ذاكرا لوقت سماعه، فإن أخل بواحد منهما لم يصح سماعه . اهـ. وما صححه من المنع عند عدم الذكر صححه إلّكِيا الطبري ، والشيخ أبو إسحاق. قال: لأن الخط قد يشتبه بالخط . (١) الأصوب أن يقال: حمله التلامذة. ٣٨٧ ۔ :٢ / ١ وقال ابن دقيق العيد : إذا لم يتذكر سماعه ؛ بل وجده بخطه أو بخط شيخه ، أو خط موثوق به ، فهل يجوز الرواية به ؟ ثم نقل عن جماعة من أئمة الحديث المنع، والذي استقر عليه عمل المحدثين جواز ذلك إذا لم يظهر / قرينة التغيير، لكن الضرورة دعت إلى ذلك بسبب انتشار الأحاديث والرواية انتشارا يتعذر معه الحفظ لكله عادة ، واللازم أحد أمرين : إما أن يعتمد على الظن كما ذكرناه ، وإما أن يبطل حمله من السنة ، أو أكثرها . والثاني : باطل ، لأنه أعظم مفسدة من البناء على الظن، فوجب دفعه درءاً لأعظم المفسدتين، ثم منهم من يتحرى بزيادة شرط آخر، وهو أن لا يخرج الكتاب عن يده بعارية أو غيرها ، وهو احتياط حسن، وكان المتقدمون إذا كتبوا أحاديث الإجازة إلى غائب عنهم يختمونه بالخاتم، إما كلهم أو بعضهم . اهـ . [أحوال الشيخ فيما قرىء عليه] واعلم أن للشيخ فيها قرىء عليه ثلاثة أحوال : أعلاها : أن يأذن له في رواية ما قرىء عليه نطقا . الثانية : أن يقرأ عليه ، ويقول له : هل سمعت ؟ فيشير الشيخ بأصبعه أو برأسه ، فهى كالعبارة فيما سبق . وقال المازري : إن قال القارئ عقب القراءة : ائذن لي أن أروي عنك ما قرأته عليك . فقال له : نعم، أو أشار برأسه، فاختلفوا فيه، فالجمهور على أنه مقبول . وقيل : لا يعمل به، ولا معنى للخلاف، لأن قرائن الأحوال تفيد العلم الضروري . الثالثة : أن يسكت الشيخ ويغلب على ظن القارىء بقرينة الحال إجابته له، فيجب العمل به قطعا . وكذا جواز الرواية على الأصح . وشرط قوم من المحدثين وغيرهم إقرار الشيخ به نطقا ، والصحيح أنه نوع احتياط ، وسكوته مع سلامة الأحوال من إكراه وغفلة نازل منزلة تصريحه . وكذا قال القاضي أبو بكر ، والقاضي أبو الطيب ، وابن القُشَيْري ، وغيرهم . واختاره صاحب ((الكبريت الأحمر))، ونقله عن معظم المحدِّثين. وإذا نصب الشيخ نفسه للقراءة ، وانتصب لها مختارا ، وهو مستيقظ فهو بمثابة ٣٨٨ إقراره ، ويمتنع في صورة إشارة الشيخ بالسماع أن يقول الراوي عنه : حدثني ، وأخبرني ، وسمعته ، لأنه ما حدثه ، ولا أخبره ولا سمع منه شيئا ، فلو قال ذلك لكان كذبا. وهذا منه عجيب ، كما قاله الهندي ؛ يناقضه ما علله به من جواز ذلك في صورة السكوت . وممن شرط النطق الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ، وسليم الرازي، وابن السَّمْعاني في ((القواطع)). قال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)): قطع به جماعات من أصحاب الشافعي، وهو اللائق بمذهبه، لتردد السكوت بين الإخبار وعدمه، وقد قال الشافعي : لا ينسب إلى الساكت قول . قال : وهذا هو الصواب، وقد يجوز ذلك اعتمادا على القرائن، وظاهر الحال . قال : وهذا أليق بمذهب مالك ، ونقل أنه نص عليه أو على ما يقتضيه . اهـ . وقال إِلْكِيا الطبري : إذا قرىء على الشيخ بحضرته وهو يسمع ويصغي ، حلت الرواية إذا قال الشيخ : هذا الكتاب سماعي ، ولا يشترط لفظ الإجازة ، ولا المناولة ، ولكن اصطلح المحدِّثون مع ذلك على المناولة والإجازة ؛ فإن الواحد قد يقول : هذا سماعي ، ويعني به أكثره ، أو ربما كان أحكم حروفه ، فإذا قال : أجزت لك أن ترويه عني ، كان دالا على الثبت . ولذلك يشترط في شهود الأصل تحمل الفرع شهادته . قال : وهذا الذي ذكروه محتمل من قبيل الاستقصاء ، وإلا فالظاهر أن الشيخ إذا قال : هو سماعي ، صار مخبرا عن آحاد ما في الكتاب . إذا ثبت هذا، فللقارىء أن يقول : قرأت على فلان . وللسامع أن يقول : قرأ عليَّ فلان، وأنا أسمع . وله أن يقول : حدثنا، أو أخبرنا، قراءة عليه . قال القاضي : والأولى أن يقول : أخبرني، أو حدثني قراءة عليه، أو قرأت عليه، وهو ساكت مقرر، فإنه لو أطلق لأمكن أن يكون قرأه تصريحا، وأن يكون مكتفيا بالسكوت، فالاحتياط التمييز . وأما إطلاق حدثنا أو أخبرنا ففيه مذاهب : أحدها: المنع منهما جميعا، وبه قال ابن المبارك، ويحيى بن يحيى ، وأحمد بن ٣٨٩ حنبل ، والنّسَائي ، لأن ظاهرها يقتضي أن الشيخ تولى القراءة بنفسه ، وقال القاضي في ((التقريب)): إنه الصحيح . قال: ولذلك لا يقول : سمعت . والثاني : التجويز ، وأنه كالسماع من لفظ الشيخ، وبه قال : الزهري، ومالك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القَطّان، والبخاري . قال ابن دَقِيق العيد : وكان قوم يقولون : أخبرنا فيما سمعوه، وهي عبارة عبد الرزاق، وهشيم، ونقله الصَّيْرفي والماوَرْدي والرُّؤْياني عن الشافعي، ثم قال الماوَرْدي والرُّؤْياني : الأولى في عرف المحدثين أن حدثنا فيما سمعه من لفظ الشيخ ، وأخبرنا فيما قرأه عليه ، وإن سمع هو قال : حدثني وأخبرني ، أو مع جماعة قال : حدثنا، وأخبرنا، لتكون هذه الفروق مذكرة بأحوال السماع . قال القاضي أبو الطيب : فلا يقول : سمعت فلانا ، ومنهم من أجازه . وقال الهندي : كلام الإمام - يعني فخر الدين - يقتضي وجود الخلاف في جواز سمعت ، وكلام غيره يدل على أنه لا خلاف فيها . والثالث : المنع من إطلاق حدثنا، وتجويز أخبرنا، ونقل عن الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق . وقال الربيع : قال الشافعي : إذا قرأت على العالم، فقل : أخبرنا ، وإذا قرأ عليك ، فقل : حدثنا ، ولهذا قال الشيخ أبو إسحاق : إنه المذهب فيما إذا قرأ الشيخ نطقا ؛ لأن الأخبار يستعمل في كل ما يتضمن الإعلام ، والتحديث لا يستعمل إلا فيما سمع من فيه. قال : ابن الدقيق في ((شرح العنوان)): وهو اصطلاح المحدثين في الآخر والاحتجاج له ليس بأمر لغوي ، وإنما هو اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين . ومنع الإمام فخر الدين في صورة إشارة الشيخ بالسماع أن يقول الراوي عنه : حدثني ، أو أخبرني، أوسمعته؛ لأنه ما حدثه، ولا أخبره، ولا سمع منه شيئا . فلو قال ذلك لکان كاذبا، وهذا منه عجیب کما قاله الهندي، یناقضه ما علل به من جواز ذلك في صورة السكوت من أن الإخبار لغة لإفادة الخبر والعلم، وهذا السكوت قد أفاده فله أن يقول : حدثني ، وأخبرني ، وإذا كان مجرد السكوت ٣٩٠ يعطى ذلك ، فلأن يعطيه السكوت مع الإشارة بالرضى من طريق الأولى . وقال ابن فورَك : بين قوله : حدثني وأخبرني فرق، لأن أخبرني يجوز أن يكون بالكتابة إليه، وحدثني لا يحتمل غير السماع . [كتابة الشيخ إلى غيره] الثالثة (١) : أن يكتب الشيخ إلى غيره : سمعت من فلان كذا ، فللمكتوب إليه إذا علم خطه ، أو ظنه، بأن أخبره عدل بأنه خطه، أو شاهده يكتب أن يعمل به ويرويه عنه ، إذا اقترنت الكتابة بلفظ الإجازة ، بأن قال : أجزت لك ما كتبته إليك، فإن تجردت الكتابة فأجاز الرواية بها كثير من المتقدمين ، وبالغ أبو المظفر ابن السَّمْعاني فقال : إنها أقوى من الإجازة . وظاهر كلام إلْكِيا الطبري أنه بمنزلة السماع . قال : لأن الكتاب أحد اللسانين ، وكان ◌َّر يبلغ بالكتاب الغائب، وبالخطاب الحاضر . قال : ولو بعث إليه رسولا وأخبره بالحديث، حلت له الرواية، لأن الرسول ينقل كلام المرسل / ، فكان بمنزلة الكتاب؛ بل أوثق منه، لأنه لا ينطق بما فيه، والرسول ٢٤٦ / ب ناطق، وكان عليه السلام يكتب إلى عماله تارة ويرسل أخرى . وقال الصَّيْرفي : كان مالك يكتب إلى الرجل بالبلد الآخر : قد كتبت كتابي هذا ، وختمته بخاتمي ، فاروه عني . وقال أبو الحسين بن القَطَّان : منهم من قال : إذا ورد عليه كتابه ، ووقع في نفسه صحة ذلك عمل به . وقيل : لا بدَّ أن يثبت شهادة شاهدين على شرط كتاب القاضي ، ويصير كأن الشاهدين هما الواسطة في ذلك . وقال البيهقي في ((المدخل)): الآثار في هذه كثيرة عن التابعين، والأتباع لمن بعدهم . وفيها دلالة على أن جميع ذلك واسع عندهم، وكُتّبُ النبي وَلَّ إلى عماله بالأحكام شاهدة لقولهم . اهـ . قال: إلا أن ما سمعه من الشيخ فوعاه، أو قریء علیه وأقرَّ به فحفظه، يكون أولى بالقبول مما كتب به إليه لما يخاف على الكتاب من التغيير والإحالة . اهـ . (١) أي من ألفاظ الرواة غير الصحابة. ٣٩١ وكيفية الرواية أن يقول : كتب إليّ، وأخبرني كتابة ، لأن الكاتب قد ذكر الأخبار في كتابه فلا بأس بقوله أخبرنا . وجوز الإمام فخر الدين الرازي قوله : أخبرني، مجردا عن قوله كتابة لصدق ذلك لغة . وجرى عليه ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)). قال : وأما تقييده بكتابة فينبغي أن يكون هذا أدبا ، لأن القول إذا كان مطابقا جاز إطلاقه ؛ ولكن العمل مستمر على ذلك عند الأكثرين فهى بين كونه كتابة وإجازة . وجوَّز الليث بن سعد إطلاق حدّثنا وأخبرنا في الرواية بالكتابة والمختار خلافه وقال البيهقي : المجوِّزون للكتابة توسع فيه بعضهم فجوَّز أن يقول : أخبرني، وحدثني، كما في القراءة والسماع . وشرط آخرون هنا التعيين استعمالا للصدق في الرواية . هذا كله تفريع على جواز الرواية بالكتابة . ونقل القاضي عياض أن الذي عليه الجمهور من أرباب النقل وغيرهم جواز الرواية لأحاديث الكتابة، ووجوب العمل بها ، وأنها داخلة في المسند ، وذلك بعد ثبوت صحتها عند المكتوب إليه بها ووثوقه بأنها عن كاتبها، ومنع قوم من الرواية بها، منهم الماوَرْدِي والرُّؤْياني، قالا: وأما كتب رسول الله بَّر ، فكانت ترد على يد مرسَلِهِ، فيعوّل على خبرهم، وممن نقل عنه إنكار قبولها أبو الحسين الدَّار قُطْني الحافظ . وقال إمام الحرمين في ((النهاية)): كل كتاب لم يذكره حامله فهو مرسل ، والشافعي لا يرى التعلق بالمرسل، وإليه أشار الغزالي أيضا ، فقال : لأن روايته شهادة عليه بأنه قاله، والخط لا يعرفه . نعم ، له أن يقول رأيته مكتوبا في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان ، فإن الخط يشبه الخط . فإن عرف أنه خطه قطعا بأن سمع منه يقول : هذا خطى أو بطريق آخر ، فإنه مع ذلك لا يجوز له أن يروي عنه ما لم يسلطه على الرواية بصريح قوله ، أو قرائن تفيد ذلك ، کالجلوس لرواية الحديث ، لأنه يجوز أن يكون قد سمعه ، ثم يتشكك فيه ، ولا يرى روايته عنه ، فإنه ليس كل ما سمعه الإنسان ، فإنه يرى نقله عنه ، ومعه كيف تجوز الرواية عنه ؟ ٣٩٢ وأما الإمام فخر الدين وأتباعه من الأصوليين ، فإنهم جوزوا العمل به ، وأن يقول :. أخبرني في روايته عنه، ولا يقول: سمعت ولا حدثني. وقد جمع الهندي بين هذا وكلام الغزالي بأن كونه كتب إليه قرينة دالة على التسليط على الرواية عنه عند الإمام، والغزالي يمنع ذلك. والأول أولى، إذ لا فائدة في أن يكتب إليه ذلك ، فإن مجرد الإخبار عن ذلك ، مما لا فائدة له . وبالمنع جزم الآمدي أيضا. هذا كله في غير الَأَكْمَه، فأما الَأَكْمَه مثل قتادة ، فالمنع فيه أقوى . [المناولة] الرابعة: مناولة الصحيفة والإقرار بمافيها دون قراءتها . قال البخاري : احتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي وَّله حيث كتب لأمير السرية كتابا، وقال : لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ◌ََّ، وأشار البيهقي إلى أنه لا حجة في ذلك . ولها صور : إحداها : أن يقرنها بالإجازة، بأن يدفع إليه أصله أو فرعا مقابلً به، ويقول : هذا سماعي فاروه عني . ومن صورها أن يجيء الطالب إلى الشيخ بجزء من حديثه فيعرضه عليه، فيتأمله الشيخ العارف المتيقظ، ثم يعيده إليه، ويقول : وقفت على ما فيه، وهو حديثي عن فلان أو ثبت عليّ ما ناولتنيه وهو مسموعي عن فلان فاروه عني . وهذا يسمى عرض المناولة،كما أن القراءة على الشيخ تسمى عرض القراءة ، وله الرواية بذلك بالإجماع ، كما قاله القاضي عياض في ((الإلماع)). وقال المازري: لا شك في وجوب العمل به، ولا معنى للخلاف فيه . وقد ذكر ابن وهب أن يحيى بن سعيد سأل مالكا عن شىء من أحاديثه، فكتب له مالك بيده أحاديث وأعطاها له، فقيل لابن وهب : أقرأها يحيى بن سعيد على مالك ؟ فقال ابن وهب : هو أفقه من ذلك . يشير إلى أن ما كتبه مالك بيده وناوله إياها يغني عن قراءته إياها على مالك . قلت : لكن الصَّيْرَفي حكى الخلاف فقال في كتابه : إذا دفع الرجل إلى الرجل ٣٩٣ كتابا، فقال : قد عرفت جميع ما فيه ، وحدثني بجميعه فلان ، فاحمل عني جميع ما فيه ، جاز له أن يحمله على ما قال، ولا يقول : حدثنا ، ولا أخبرنا في كل حديث ، ومن الناس من جعل هذا الرجل كرجل اعترف بما في صك ، ولم يقرأ عليه ، ليشهد عليه بما فيه ، فأجاز أن يقول : حدثناً وأخبرنا . ومنهم من قال : لا تجوز الشهادة ، حتى يقرأ عليه أو يقرأه ، وهكذا قال الشافعي (رحمه الله) في كتاب القاضي إلى القاضي: لا يقبله حتى يشهد أن القاضي قرأه عليهما ، ولا يشهدا عليه إذا كان مختوما حتى يقرأ عليهما . والحديث أخف من الشهادة عنده ، إذا اعترف بأنه حديثه . وهذا مذهب مالك في أشياعه وأهل العراق في الصكاك . انتهى . وكلام البيهقي يقتضى أن مذهب الشافعي المنع، فإنه حكى عن السلف الخلاف في ذلك بالنسبة للرواية والشهادة، ثم قال : وأما الشافعي فإنه نص في كتاب القاضي إلى القاضي أنه لا يقبله إلا بشاهدين ، وحتى يفتحه ويقرأه عليهما، لأن الخاتم قد يصنع على الخاتم، وحكى في تبديل الكتاب حكاية ، قال البيهقي : وفي ذلك جواب عن احتجاج من احتج بقصة عبد الله بن جحش وغيره، فإن التبديل فيها كان غير متوهم، وهو بَعْدَه عند تغير الناس متوهم . انتهى. وهذه العلة موجودة في الرواية أيضا فلتمتنع . نعم، اختلفوا في شيئين: أحدهما: هل هي حالة محَلَّ السماع؟ والصحيح أنها منحطة عنه، وحكاه الحاكم عن الشافعي وصاحبيه : المزني، والبُوَيْطِي، وعن أحمد وإسحاق . وعن مالك أنها موازية للسماع ، وحكى الخطيب عن ابن خزيمة أنه قال : الإجازة والمناولة عندي كالسماع الصحيح . وأثر الخلاف يظهر في الاقتصار على حدثني وأخبرني . ٢٤٧ / أ / الثاني : أنها هل تفيد تأكيدا على الإجازة المجردة ؟ فالمحدثون على إفادتها . وخالف في ذلك الأصوليون، ورأوا أنها لا تفيد تأكيدا، صرح به إمام الحرمين وابن القُشَيْري والغزالي . قالوا : المناولة ليست شرطا ، ولا فيها مزيد تأكيد ، وإنما هي زيادة تكلف أحدثه بعض المحدثين ، وله أن يقول : ناولني فلان كذا ، ٣٩٤ وأخبرني ، وحدثني ، مناولة بالاتفاق كما قاله الهندي . فلو اقتصر على قوله : حدثني ، أو أخبرني ، فاختلفوا فيه . والأظهر أنه لا يجوز ، لأنه يشعر بنطق الشيخ بذلك ، وهو كذب ، ومنهم من جوزه ، كما فيما إذا قرىء عليه وهو ساكت ، بل أولى . الثانية : أن يتجرد عن الإجازة بأن يقول : خذ هذا الكتاب، أو ناوله بالفعل، ولا يقول : اروه عني، فلا تجوز له الرواية بالاتفاق . الثالثة: أن يناوله الكتاب، ويقتصر على قوله: هذا سماعي من فلان، ولا يقول : اروه عني . فقال ابن الصلاح والنووي : لا تجوز الرواية بها على الصحيح عند الأصوليين والفقهاء، وحكى الخطيب عن قوم أنهم صححوها . قلت : وَجَوَّزَ ابن الصباغ الرواية بها . قال الهندي : وكلام الإمام فخر الدين صريح فيه، وكلام غيره يدل على أنه لا يسلطه عليها ، وهو الأظهر ، لأنه يجوز أن یکون قد سمع ، ثم تشكّك فيه، ومعه لا تجوز له الرواية ، فلا يروي عنه ؛ هذا كله إذا صرح بسماعه الكتاب، فلو قال: حَدِّث عني، أو أرْوِ عني ما في الكتاب، ولم يقل: إنني قد سمعته، فليس له أن يروي عنه، كما جزم به أبو الحسين بن القَطّان وغيره، لأن شرط الرواية السماع، أو ما يجري مجراه، وهو غير حاصل فيه . قال الهندي : وإنما يجوز للشيخ التصريح بالسماع إذا علم أن النسخة المشار إليها هي النسخة التي سمعها بعينها ، أو علم موافقتها لها بالمقابلة المتقنة . فأما إذا لم يعلم ذلك ، لم يجز له . فعلى هذا إذا سمع الشيخ نسخة من كتاب البخارى مثلا ، فليس له أن يقول ذلك بالنسبة إلى نسخة أخرى منه إلا بشرطه السابق ، لأن النُسَخ تتفاوت . فعلى هذا لا ينبغي له أن يروي إلا ما يقطع بسماعه وحفظه وضبطه إلى وقت الأداء بحيث يقطع أن ما أداه هو معنى ما سمعه من غير تفاوت ، فإن شك في شيء من ذلك لم يجز له الرواية ، وإن غلب على ظنه ففيه خلاف . ٣٩٥ فائدتان إحداهما : قال ابن دقيق العيد : المناولة حقيقة فيما يعطى باليد، وهي صيغة استعملها المحدثون في بعض أنواع الرواية، وجعلوا المناولة الإشارة والإخبار . فإذا وجد فقد حصل المقصود المسوِّغ للرواية ، وإن حصلت المناولة وحدها فلا عبرة بها . نعم لو كان مناولة من غير الإعطاء ، ففي جوازه نظر . الثانية : نازع العَبْدَرِيّ في إفراد المناولة ، وقال : لا معنى لها حتى يقول : أجزت لك أن تروي عني ، وحينئذ فهي قسم من أقسام الإجازة ، وهي جارية على طريق الأصوليين من إنكار مزيد التأكيد فيها . [حكم العمل بالإجازة] الرابعة : الإجازة : بأن يقول أجزت لك أن تروي عنى هذا الحديث بعينه ، أو هذا الكتاب ، وقد اختلفوا في جواز العمل بها والرواية ، أما العمل فالجمهور على العمل بأحاديث الإجازة . وقيل : كالمرسل، حكاه القاضي أبو بكر عن أهل الظاهر . وحكى الغزالي في ((المنخول)) قولا غريبا أنه يعوَّل عليها في أحكام الآخرة دون ما سواها . والصحيح الأول ، لأن المعتمد فيه على حصول الثقة بالخبر، وهي ههنا حاصلة ، ولأنه إذا تحقق سماع الشيخ ، ثم ذكر المتلقّي منه سماعه ، وسوغ له إسناد مسموعاته إلى أخباره ، فلا فرق بين أن يعلق الأخبار بها جملة أو تفصيلا . وأما الرواية ، فحكى القاضي أبو بكر والباجي وغيرهما من الأصوليين الاتفاق ، ولكن فيه مذاهب . [مذاهب العلماء في الرواية بالإجازة] أحدها: المنع، وبه قال: شعبة. وقال لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة؛ وأبو زرعة الرازي، وقال: لو صحت لذهب العلم؛ وإبراهيم الحربي، وأبو الشيخ الأصفهاني، واختاره القاضي الحسين، والماوَرْدي، والرُّؤْياني منا، وأبو طاهر الدباس من الحنفية. وقال: من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عنى فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب على. وكذا قال ابن حزم في كتاب ((الإحكام)). ٣٩٦ وقال: إنها بدعة غير جائزة. وقال غيره: تقدير أجزت لك أبحت لك مالا يجوز فى الشرع، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع . وحكى ابن وهب عن مالك قال : لا أرى هذا يجوز، ولا يعجبني . وحكاه الماوَرْدي والرُّوْياني وابن السَّمْعاني عن الشافعي، يعنى لأن الربيع قال : همّ الشافعي بالخروج من مصر، وكان قد فاتنى من البيوع من كتاب الشافعي ثلاث ورقات، فقلت له : أجزها لي . قال : فاقرأها على كما قرىء علي ، وردّد عليَّ ذلك، حتى أذن الله، فجلس، وقرىء عليه . وسمعناه بعد ذلك، وتوفي عندنا . وفي رواية البيهقي عن شيخه الحاكم بزيادة، يعني أنه كره الإجازة . قال البيهقي : كذا في الحكاية ، يعنى أنه كره الإجازة. قال الحاكم : فرضي الله عن الإمام الشافعي، لقد كره المكروه عند أكثر أئمة هذا الشأن، ثم عاب شيخنا رواية ما أجيز له بأخبرنا وحدثنا قال: وبمثله يذهب بَهَاءُ العلم والسماع والرحلة . الثاني : وعليه جمهور السلف والخلف - الصحة ، وحملوا كلام المانعين على الكراهة . قال الخطيب : وقد ثبت عن مالك الحكم بصحة الرواية بأحاديث الإجازة، فدل على أن منعه إنما هو وجه الكراهة أن يجيز العلم لمن ليس أهله، ولا خدمه ، ولا عانى التعب . ولهذا قال : إنما يريد أحدكم أن يقيم المقام اليسير، ويحمل العلم الكثير . قال: وكذلك المنقول عن الشافعي كراهة الاتكال على الإجازة بدلا عن السماع ، وقد قال الكَرَابِيسى : لما كان قَدْمَة الشافعي الثانية إلى بغداد أتيته ، فقلت له : أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتب ؟ قال : خذ كتب الزَّعْفَرَاني فانسخها، فقد أجزتها لك، فأخذتها إجازة . قلت : هذا من قوله في القديم . والأول من قوله في الجديد ، فكيف يقضى للقديم على الجديد ؟ نعم ، المنقول عن الجديد ليس صريحا في المنع . فلا تعارض ، وقد روى الربيع عن الشافعي الإجازة لمن بلغ سبع سنيز . والثالث : يجوز بشرط أن يدفع إليه أصوله ، أو فروعا كتبت عنها ، وينظر فيها ، ويصححها ، حكاه الخطيب عن أحمد بن صالح . ٣٩٧ والرابع: إن كان المجيز والمستجيز كلاهما يعلمان ما في الكتاب من الأحاديث جاز ، وإلا فلا . وهو اختيار أبي بكر الرازي من الحنفية ، ونقلوه عن مالك فإنه شرط في المجيز أن يكون عالما بما يجيز ، وفي المجاز له أن يكون من أهل العلم ، ٢٤٧ / ب فعلى هذا لا تجوز الإجازة بكل ما ثبت أنه من مسموع الشيخ / ضرورة أنهما لا يعلمان جميع تلك الأحاديث . والخامس : لا تصح إلا بالمخاطبة، فإن خاطبه بها صح، وإلا فلا. حكاه أبو الحسين بن القَطّان في كتابه ((الأصول)). التفريع : إن قلنا بالجواز فاختلفوا في مسائل : إحداها : هل تجوز مطلقا أو بشرط ؟ فأطلق الأكثرون ، وسبق عن مالك اشتراط علم المجيز والمجاز له . وعلى هذا قال ابن عبد البر: لا تجوز الإجازة إلا الماهر بالصناعة ، وفي شيء معين لا يشكل إسناده . وقسم إلْكِيا الطبري الإجازة إلى قسمين : أحدهما : أن يعلم المجاز له ما في الكتاب فله الرواية بها . والثاني : لا يعلم ، ولكن قال الشيخ : أجزت لك أن تروي عني ، فلا تحل الرواية ، إذا كان الكتاب يحتمل الزيادة والنقصان . قال : وإن لم يحتملهما فالمحتمل أن يقال : لا يجوز ، لأنه لم يسمع ، ولم يعلم وإذا كان لا تحل الرواية له إذا سمع ولم يعلم ، فهذا أولى . ويحتمل أن يقال : إنه يروي عنه ما صح عنده من مسموعاته توسعة للأمر ، ودفعا للحرج على تقدير أنه أخبره بما في الكتاب إخبارا إجماليا ، كما إذا أرسل إليه كتابا مشتملا على عدة مهمات . انتهى . وقال أبو زيد الدبوسي : لا تحل الرواية بالإجازة حتى يعلم المجاز له ما في الكتاب ، ثم يقول الراوي : أتعلم ما فيه ؟ فيقول : نعم ، ثم يجيز له أن يرويه . قلت : وعلى هذا فلا تصح الإجازة ، إلا لمن يصح سماعه . وحكاه الخطيب عن بعضهم ، وأنه منع صحة الإجازة للطفل . قال : وسألت القاضي أبا الطيب الطبري ، هل يعتبر في صحتها سِنّهُ أو تمييزه كما يعتبر ذلك في صحة ٣٩٨ سماعه ؟ فقال لا يعتبر ذلك . الثانية: أنها دون السماع على الصحيح، وقال الغزالي في ((المنخول)) المختار أنه كالسماع ، لأن الثقة هي المطلوبة ، وهو غريب . الثالثة: أنه يقول فيها: حدثني، وأخبرني. وذكر المازَري عن ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: إنا إذا قلنا بالجواز أطلق ذلك؛ وإن قلنا بالكراهة لم يقل: إلا أجازنى، أو حدثني، أو أخبرني إجازة . وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)) : الحق في ذلك أن يعتبر لفظ الرواية بالإجازة ، وينظر مطابقته لنفس الأمر بحسب مقتضى الوضع . فإن كان الوضع لا يمنعه جاز ، وإلا فلا ، فقوله : حدثنا بعيد جدا ، ويليه قوله : أخبرنا ، وأجود العبارات في الإجازة أن يقال : أجاز لنا فلان ، أو كتب إلينا ، إن كان كتابة ، لأنه إخبار صحيح . ا هـ . وقال أبو الحسين بن القَطَّان في الإجازة : يحكيه على ما قاله الشيخ ، ولا يجوز أن يقول: حدثنا، أو أخبرنا. قال: وذهب إلى هذا أبو بكر. اهـ . وقال المازري : هل يقول: حدثني، وأخبرني مطلقا ؟ منهم من أجازه ، ومنهم من منعه، حتى يقيده بالإجازة، واختار إمام الحرمين أن الأولى التصريح به، وإن صدَّقه فلا لبس فيه . وحكاه عنه ابن القُشَيْري وأقره . وقال إِلْكِيا الطبري: يحتمل أن يقال : يتعين عليه أجازني، ويحتمل أن يجوز أخبرني، وحدثني، وهي أنواع : أحدها : أن يجيز بمعين لمعين ، بأن يقول : أجزت لك الكتاب الفلاني ، وهو أعلاها . وثانيها: لمعين في غير معين، كقوله: أجزت لك، أو لكم جميع مسموعاتي . والخلاف في هذا أقوى من الأول ، والجمهور على تجويزه . وقال إمام الحرمين فيما إذا قال : أجزت لك أن تروي عني ما صح عندي من مسموعاتي : فهذه إجازة مرتبة على عماية، ويبعد أن يحصل العلم لهذا الفرع بصحة سماع الشيخ إلا ٣٩٩ بالتعويل على خطوط مشتملة على سماع الشيخ. قال: وإن رأى في ذلك مقنعا، فإن تحقق ظهور سماع موثوق به فإذ ذاك، وهيهات . وثالثها : أن يجيز معين لمعين بوصف العموم ، مثل أجزت للمسلمين ، أو لمن أدرك حياتي ، فمنعه جماعة ، وجوَّزه الخطيب وغيره . وجوز القاضي أبو الطيب الإجازة لجميع المسلمين لمن كان موجوداً فيهم عند الإجازة . ورابعها : الإجازة للمجهول أو بالمجهول ، مثل أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي، وفي وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب، ثم لا يعين المجاز له، أو يقول : أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن، وهو يروي جماعة من كتب السنن المعروفة بذلك، ولا قرينة تصرف لبعضها، فهى إجازة فاسدة، ولا فائدة لها . هكذا قاله ابن الصلاح، وتبعه النووي في ((الروضة)) وغيرها، ويحتمل أن يقال بالجواز، ويستبيح روايته جميعها، لأن اللفظ ظاهر في العموم، ولا مانع فيه . خامسها : الإجازة المعلقة بشرط ، مثل أجزت لمن شاء فلان أو نحوه، وهو كالنوع الرابع، وفيه جهالة، وتعليق بشرط . وقد أفتى أبو الطيب بأنه لا يصح ، وعلله بأنه إجازة لمجهول، فصار كقوله : أجزت لبعض الناس ، وجوزه أبو يعلى ابن الفراء وأبو الفضل بن عَمْرُوس المالكي . وسادسها: الإجازة بما لم يسمعه المجيز، ولم يتحمله فيما مضى لرواية المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك . قال ابن الصلاح : ينبغي أن يبنى ذلك على أن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز جملةً، أو هي إذْن ، فلا يصح إن جعلت في حكم الإخبار ، إذ كيف يجيز ما لا خبر عنده منه ؟ وإن جعلت إذنا بني على الخلاف في تصحيح الوكالة فيما لم يملكه الموكل. والصحيح بطلان هذه الإجازة . سابعها : إجازة المجاز ، مثل أجزت لك مجازاتي أو رواية ما أجيز لي روايته ، وقد منعه بعض المتأخرين . والصحيح جوازه ، وقد كان الفقيه نصر المقدس، يروي بالإجازة عن الإجازة . ثامنها : الإذن في الإجازة وهذا مثل أن يقول : أذنت لك أن تجيز عني مَنْ ٤٠٠