Indexed OCR Text
Pages 321-340
مسألة إذا ظفر الإنسان براوي حديث عن رسول الله وَدليل يتعلق بالسنن والأحكام قال الماوَرْدي والرُّؤْياني : فإن كان من العامة المقلدين لم يلزمه سؤال ، لأن فرض السؤال عند نزول الحوادث به ، وإن كان من الخاصة المجتهدين لزم سماع الحديث ، ليكون أصلا في اجتهاده . قالا : ونقل السنن من فروض الكفاية ، فإذا نقلها من فيه كفاية سقط فرضها عن الباقين ، وإلا جُرِحوا أجمعون . فائدة : إذا سمع الحديث من رجل ، ثم وجد من هو أعلم منه ، فالسنة أن يسمع منه ، لخبر ضمام بن ثعلبة . قاله البخاري ، حكاه عنه العَبَّادي في الطبقات . مسألة يجوز للصحابي الاقتصار على السماع عن الصحابي عند الأكثرين ، خلافا لمن قال يلزمه أن يسأل النبي مر لتمكنه منه، وقصة علي (رضى الله عنه) في أمره المقداد بن الأسود أن يسأل النبي ◌َّر تبطل قولهم، قاله السَّفَافُسي شارح البخارى . مسألة [إنكار الشيخ ما حدَّث به] إذا روى ثقة عن ثقة حديثا، ثم رجع الشيخ فأنكره، فله حالان : أحدهما : أن يكذب الراوي عنه صريحا كقوله : كذب عليّ ما رويت له هذا قط . فالمشهور عدم قبول الحديث ، وذكر إمام الحرمين أن القاضي عزاه للشافعي . ٣٢١ قال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): إنه الذي عليه الأصحاب، وسواء كان الفرع جازما بالرواية عنه أو لم يكن . ويصير كتعارض البينتين ، فيرد ما جحده الأصل لأن الراوي عنه فرعه ، ولأن كل واحد منهما مكذب للآخر فيما يدعيه ، فلا بد وأن يكون أحدهما كاذبا قطعا ، لكن لا يثبت كذب الفرع بتكذيب الأصل له في ٢٣ / ب غير هذا الذي رواه ، بحيث أن يكون ذلك جرحا للفرع ، لأنه أيضا / يكذب شيخه في نفيه ذلك ، وليس قبول جرح أحدهما بأولى من الآخر ، فتساقطا . ويرد من حديث الفرع ما نفى الأصل تحديثه به خاصة ، ولا يرد من حديث الأصل نفسه إذا حدث به ، كما قال القاضي أبو بكر فيما حكاه عن الخطيب البغدادي . وكذا إذا حدث به فرع آخر ثقة عنه ، ولم يكذبه الأصل فهو مقبول ، ونقل الهندي وغيره الإجماع في هذه الحالة على الرد ، وليس كذلك ، بل في المسألة مذهبان : أحدهما : التوقف ، لأنه تعارض أمران ، قطع المنقول عنه بكذب الراوي ، وقطع الناقل بالنقل ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، وهو ظاهر كلام ابن الصباغ في ((العدة)) ونقله ابن القُشَيْري عن اختيار القاضي أبي بكر ، واختاره إمام الحرمين . ونقل عن القاضي أنه قطع بالرد في هذا الموضع ، ونازعه ابن القُشَيْري . وقال: الذي التزمه القاضي في ((التقريب)) التوقف ، وهو عين ما اختاره الإمام . قال : وهذا كخبرين تعارضا ، فإما أن يتساقطا أو يرجح أحدهما إن أمكن ، قلت: روى الخطيب في ((الكفاية)) بإسناده عن القاضي مثل ما نقله إمام الحرمين ، وعابه القاضي في ((التقريب)). فأما إذا قال : أعلم أني ما حدثته، فقد كذب، فليس قبول جرح شيخه له أولى من العكس. فيجب إيقاف العمل بهذا الحديث، ويرجع في الحكم إلى غيره ، ويجعل بمثابة ما لم يَرِدْ ، اللهم إلا أن يرويه الشيخ مع قوله : إني لم أحدث به هذا الراوي عني ، فيعمل فيه بروايته دون روايته عنه. اهـ. والثاني: أن تكذيب الأصل للفرع لا يسقط المروي، ولهذا لو اجتمعا في شهادة لم ترد، وهذا ما اختاره أبو الحسين بن القَطّان كما رأيته في كتابه. ٣٢٢ وأبو المظفر بن السَّمْعاني في ((القواطع)). قال ابن القَطّان: وهو مخالف للشهادة من هذا الوجه ، لأن أمر الشهادة متعلق بقوله ، بخلاف الخبر، وجزم به الماوَرْدي والرُّؤْياني أيضا فقالا : لا يقدح ذلك في صحة الحديث إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل . .. الحالة الثانية: أن ينكره فعلا بأن يعمل بخلاف الخبر ، فإن كان قبل الرواية ، فلا يكون تكذيبا بوجه ، لأن الظاهر أنه تركه لما بلغه الخبر ، وكذلك إذا لم يعلم التاريخ حمل عليه تحرياً لموافقة السنة . وأما إذا كان بعد الرواية ، نظر فيه فإن كان الخبر يحتمل ما عمل به بضرب من التأويل لم يكن تكذيبا ، لأن باب التأويل في الأخبار غير مسدود ، لكن لا يكون حجة ، لأن تأويله برأيه لا يلزم غيره ، وإن كان الخبر لا يحتمل ما عمل به فهو مردود ، هكذا قال ابن الأثير في ((شرح مسند الشافعي)) . واعلم أن هذا التفصيل لأبي زيد الدَّبوسي، وقياس مذهبنا أنه لا يرد به مطلقا . الحالة الثالثة : أن ينكره ترکا ، فإن امتنع الشیخ من العمل بالحديث ففيه دلیل على أنه لو عرف صحته لما امتنع من العمل به ، فإنه يحرم عليه مخالفته مع العلم بصحته ، وله حكم الحالة الثانية . الحالة الرابعة : أن لا يصرح الأصل بتكذيبه ، ولكن شك أو ظن ، أو قال : لا أذكره أو لا أعرفه ، ويغلب على ظنى أني ما حدثتك . والفرع جازم به . فههنا توقف القاضي فيما نقله عنه الخطيب في الكفاية ، والجمهور على عدم التوقف ، وهو الذي رأيته في ((التقريب)) للقاضي . واختلفوا هل يكون الحكم للفرع الذاكر ، أو الأصل الناسي ؟ فيه قولان ، فذهب أصحابنا إلى الأول . ووافقنا محمد بن الحسن ، وأن نسيان الأصل لا يسقط العمل بما فيه . قال القاضي : وهو مذهب الدهماء من العلماء والفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة ، وهذا يشترط أن يكون في نفسه تاركا له ، وأن يكون الراوي الناسي لما رواه وقت روايته بصفة من يقبل خبره . وقال سليم في ((التقريب)): هو قول أصحاب الحديث بأسرهم، وبعض الحنفية . وقال ابن ٣٢٣ القُشِيْري : هو ما اختاره القاضي وادعاه مذهب الشافعي . قال : وأطلق الشافعي القول بقبول الحديث وإيجاب العلم به . وقال القاضي : فيه تفصيل ونزَّل عليه كلام الشافعي . وذهب الكَرْخِي والرازي وأكثر الحنفية إلى أنه لا يقبل ، ولهذا ردوا خبر (أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليها) الخبر ، لأن راويَهُ : الزهري قال : لا أذكره ، وكذا حديث سهيل بن أبي صالح في الشاهد واليمين . وذكر الرافعي في باب الأقضية أن القاضي ابن كج حكاه وجها عن بعض الأصحاب، ونقله شارح ((اللمع)) عن اختيار القاضي أبي حامد المَرْوَرُّوذي ، وأنه قاسه على الشهادة، وحكى عن بعض أصحابنا أنه يجوز لكل أحد أن يرويه إلا الذي نسيه، فإنه يسقط في حقه، ولیس له أن يرويه عن المروي عنه ، لأنه فرع ، وستأتي هذه المسألة . لنا أن الراوي عدل جازم بالرواية ، فيجب العمل لحصول اليقين ، وتوقف الشيخ ليس بمعارض؛ بل يجب على الشيخ أن يقول : حدثني فلان عني، ويعمل به . قال الصَّيْرفي: فإن قيل: هلا حملتم النسيان على الكلامي وتعريفهم(١)؟ قيل له : النسيان لم يقع منه، وهو ظاهر العدالة . قال العلماء : ولأجل هذا الخلاف كره جماعة الرواية عن الأحياء، منهم الشعبي، وعبد الرزاق ، والشافعي، حكاه الخطيب في ((الكفاية)) . وذكر البيهقي في ((المدخل)) أن ابن عبد الحكم روى عن الشافعي حكاية، فأنكرها الشافعي، ثم ذكرها . وقال : لا تحدث عن حي، فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان . وفصَّل أبو زيد الدَّبُوسي بين أن يكون الأصل يغلب عليه النسيان ، واعتاد ذلك في محفوظاته ، فيقبل ، وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلا بذلك الخبر رده . وفصَّل إلْكِيا الطبري منّا بين أن لا يكون هناك دليل يستقل ، فإن التردد وإن لم يعارض قطع الراوي ، لكنه يورث ضعفا . فيصير بمثابة خبرين يتعارضان ، وأحد الراويين أوثق، فإن معارضة الثاني له يخرجه عن أحد الأدلة المستقلة؛ وإن وجدنا وراءه دليلا مستقلا، فهو أولى، فإن ما في أحد الحديثين من مزيد وضوح لا (١) كذا في الأصول ولم يظهر وجهه. ٣٢٤ يستقل دليلا . قال : وهذا حسن جداً إلا أنا سنذكر تردداً في أن مزية الحديث أولى بالاعتبار أو القياس، ويضطرب الراوي فيه، سيما إذا كان القياس جليا كالذي يقررونه في مسألة النكاح بغير ولي . فإن قيل : إذا لم يكن معكم خبر مستقل في تلك المسألة، فعلى ماذا تعتمدون ما رواه؟ فقيل: روي الخبر الذي تردد فيه الزهري من طريق آخر غير طريق الزهري. قال : وكان إمام الحرمين يرى الخبر دليلا مستقلا ، مع تردد الشيخ ، ولكن كان يرى إذا قطع الشيخ بالرد أن ذاك يمنع قبول روايته . قال إلْكِيا : ومن لم يسلك الطريق الذي سلكناه لا يعدم من التعرض / على ما ٢٣٧ / ١ ذكره الإمام كلاما مُخيلاً، فإنَّ قَطْعَ النافي قد لا يعارض قطع المثبت، فمن الممكن أنه رواه، ثم نسي، وظهر عنده أنه لم يرو . تنبيهات الأول : يجوز للراوي في هذه الحالة أن يرويه عن الأصل، بخلاف ما قبلها. قاله الماوَرْدي والرُّوْيانى . الثاني : هذا كله في أن الغير : هل يجوز له أن يعتمده لأنه الطريق له ؟ وقد تمسك الشافعي برواية سليمان بن موسى عن الزهري، مع قول الزهري: لا أدرى . أما الشيخ نفسه إذا لم يتذكر ، هل له أن يتبع روايته ويرويه ؟ كما يقول سهيل : حدثنى ربيعة عنى. قال إلّكِيا الطبري في كتاب ((نقض مفردات أحمد)): هذا موضع نظر، يحتمل أن يقال : تتبع روايته تشوفا إلى العمل بالحديث، ويحتمل خلافه، وحكى بعض شراح ((اللمع)) من أهل اليمن أن صاحب ((الأمثال)) حكى عن بعض أصحابنا أنه يجوز لكل أحد أن يرويه إلا الذى نسيه ، فإنه يسقط في حقه ، ولا يجوز أن يرويه عن الراوي عنه ، لأنه فرع له وتابع له ، فلا يجوز أن يعود الفرع أصلا، والتابع متبوعا في شىء واحد . قال : وهذا غير صحيح ، والمذهب الأول . وقال الشيخ أبو إسحاق في ((الملخص)): صنف الدارقطنى جزءا فيمن روى - عمن روى عنه ، يعني بعد نسيانه . قلت : وكذلك الخطيب البغدادي، وذكر ما ٣٢٥ أهمله الدارقطني؛ أما عمله به، فحكى القاضي في ((التقريب)) عن الشافعي أنهم اعتلوا بأن الراوي إذا نسي الخبر حرم العمل عليه بموجبه، فكذلك يحرم على غيره . قال الباجى : يقال لهم : مَنْ سلّم لكم هذا ؟ بل يجب عليه العمل به ، إذا أخبره العدل أنه كان قد رواه . الثالث : محل الخلاف في إنكار لفظ الحديث بالجملة ، فأما في اللفظة الزائدة فيه إذا قال روايه : لا أحفظ هذه اللفظة ، أو لم أحدثك بها ، فلا خلاف في وجوب العمل به ، ذكره القاضي في ((التقريب))، وجعله أصلا مقيسا عليه أصل الحديث . وقال : لا نعلم أحدا قال : إنه يقدح في الحديث . قال : وكذا نسيان الأعراب . وكلام ابن فُورَك يقتضي تخصيص الخلاف بالواحد . فأما الجماعة الكثيرة إذا نسبوا ذلك كان قادحا قطعا ، لاستحالة ذلك في حقهم بخلاف الواحد . الرابع : محل الخلاف أيضا فيما إذا لم يجزم الأصل به ، وجزم به الفرع . فإن كان الفرع غير جازم بأن كان شاكا فيه ، غير ظان له ، لم تقبل روايته . وإن حذفه الشيخ لفقد شرط الرواية ، لأن شرطها الجزم بها أو الظن ، فإن كان ظانا ، والأصل شاك فيه ؟ قال الهندي : فالأشبه أنه من صُوَر الخلاف . وإن كان الأصل ظانا عدم الرواية عنه . قال : فالأشبه أنه من جملة صور الاتفاق على عدم القبول . قال : والضابط فيه أنه مهما كان قول الأصل معادلا لقول الفرع ، فإنه من جملة صور الاتفاق . ومهما كان الفرع راجحا على قول الأصل، فإنه من جملة صور الخلاف. وقال الإمام فخر الدين : ويتجه أن يكون الخبر في كل هذه الأقسام مقبولا، لأن الفرع لم يوجد في مقابلته من يعارضه ، فلا يسقط به الاستدلال . الخامس : أن الخلاف بالنسبة إلى الرواية ، أما الشهادة فمحل وفاق . فإذا أنكر شاهد الأصل الشهادة بطلت شهادة هذا الفرع . قال ابن برهان: وههنا مسألة يخالف فيها المذهبان أصولهم، وهي ما لو ادعى رجل على القاضي أنك قضيت لي أو سجلت في الواقعة الفلانية، فأنكر القاضي دعواه، وقال : ما قضيت، وما سجلت، وما عندي خبر بما تدعيه، فإن المدعي لو ٣٢٦ أقام شاهدین، وشهدا بموجب دعواه، لا تثبت هذه الدعوى بشهادتهما . وقياس مذهبنا أنها تثبت، لأن القاضي كالأصل بالنسبة إلى الشهود ، وقصارى ما يصدر ههنا إنكار الأصل، وإنكار الأصل عندنا لا يمنع من العمل بقول الفرع في مذهبنا في هذه المسألة الخلافية . وأما الحنفية ، فقالوا : تقبل شهادتهما على القضاء والإسجال ومقتضى مذهبهم أن لا تقبل ، لأن الأصل - أعني القاضي - أنكر وعندهم إنكار الأصل يسقط الفرع . مسألة إذا روى حديثا عن شيخ ، وليس هو معدودا من أصحابه المشاهير، وأنكر عليه أصحابه، هل يقبل ؟ مثاله تمسك الحنفية في عدم نقض الوضوء بالنوم في الصلاة بحديث أبى خالد الدالاني : (ليس الوضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا، وإنما الوضوء على من نام مضطجعا) . قال أصحابنا : ليس هذا الحديث بصحيح، لأنه نقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال : ما لأبي خالد الدَّالآني يزاحم أصحاب قتادة ، وليس منهم ! أشار بذلك إلى أنه لم يُعَدَّ من جملة أصحابه ، وروى الحديث دونهم ، فأورث شكا . قال ابن برهان : وهذا الذي تخيله أصحابنا لا يصح ؛ لأن الحنفية يقولون : الكلام واقع في رجل ثقة عدل فتقبل سائر رواياته ، فكيف يرد حديثه ! قال: وهذا هو اللائق بمذهبنا، فإنا بيِّنا فيما سلف أن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا مثله . مسألة [إنكار الراوي للحديث بعد روايته] إنكار الراوي للحديث بعد روايته حكمه مثل ما ذكرناه . قاله أبو الحسين بن القَطَّان لاحتمال النسيان . وقال القاضي أبو الطيب : إذا رجع الراوي عما رواه ، وقال : كنت أخطأت فيه ، وجب قبوله ، لأن الظاهر من حال العدل الثقة ٣٢٧ الصدق في خبره ، فوجب أن يقبل رجوعه فيه ، كأصل روايته . فإن قال : تعمدت الكذب ، فقال أبو بكر الصَّيْرفي في أصوله : لا يعمل به ولا بشىء من خبره فيما نقل . مسألة [إذا تشكُّك الراوي في الحديث بعد روايته له] فأما ما ذكر الراوي شكا مبتدأ، فإنه يكون قادحا ، لاحتمال أن يكون شك بعد ما رواه على غير ذلك التشكيك. قاله ابن القَطّان المحدِّث في ((الوهم والإيهام))، ونازعه تلميذه ابن المواق . وقال : تشكيك الراوي بعد اليقين عندي غير قادح فيما حدَّث به أولا على اليقين . فإن شكه بعد ذلك محمول على النسيان وتغير الحفظ بالكِبر وغيره، اللهم إلا أن يراجع الراوي أصوله، ويستريب فيما حدث به أولا من محفوظه ، فإنه حينئذ يلزم بيان ذلك لكل من حمّله إياه، فيقبل ذلك عنه ويعرف . مسألة إذا قال الراوي: أظن أن فلانا حدثني، أو قال، هل يقدح في الحديث ؟ قال ابن القَطّان في ((الوهم والإيهام)): نعم ، لأنه مشكوك فيه . وقال صاحب ((الإنصاف)): هذا فيه نظر أصولي، ولتجويزه وجه ، فإن الراوي يجوِّز أن يستند في الرواية إلى الظن ، ولهذا له أن يروي على الخط بخلاف الشهادة . وفي مسلم في باب الاغتسال بفضل ميمونة حديث عن ابن جريج عن عمرو ابن دينار ، قال : أكبر علمي ، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني عن ابن عباس ، أخبره أن رسول الله صل كان يغتسل بفضل ميمونة. وقد اعتذر ٢٣٧ / ب بعضهم / عن مسلم في هذا الحديث بأنه إنما ذكره متابعة لا اعتمادا . ٣٢٨ قلت : وهل يعمل بالرواية إذا كان ذلك مستنده ؟ ينبغي أن يكون على الخلاف في الشهادة بالاستفاضة إذا ذكرها في مسنده ، هل تردُّ شهادته ؟ مسألة إذا قال العدل في حديث رواه العدل المرضي : إنه ليس بصحيح، ولم يبين وجه القدح، لم يُسْمَع منه . قاله إلْكِيا الطبري، لأن الأسباب المعدلة إذا اجتمعت لم يبق للتهمة موضع، إلا أن يبين السبب. قال: وبمثله رددنا قول يحيى بن معين: لم يصح في النكاح بغير ولي حديث أصلا، وإن زعم زاعم أن مطلق قدحه يورث تهمة ؟ قلنا: إنه لا مبالاة بمخايل التهمة، إنما التعويل على الأسباب. اهـ . ويتجه جريان خلاف فيه أن الجرح المطلق، هل يقبل ؟ وظاهر تصرف المحدثين أن ذلك قادح . وكذا قال ابن برهان : قول الكثير من المحدثين في رواية العدل الثقة : هذا لا يصح ، غير مقبول ، لأنه إما أن يريد نفي الصحة عنده ، فلا يجب علينا تقليده ، فإنه لم يحتو على جميع الطرق والأسانيد ، وإن عنى به عنده وعند غيره ، فذلك جرح مطلق ، فلا يقبل حتى يبين سببه . مسألة [ زيادة الراوي الثقة] إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث ، فتارة تكون لفظية ، كقوله في (ربنا لك الحمد): (ولك الحمد)، فإن الواو زيادة في اللفظ. وتارة تكون معنوية تفيد معنى زائداً كرواية (من المسلمين) في حديث زكاة الفطر . ولها ثلاثة أحوال : لأنه إما أن يعلم تعدد المجلس، أو اتحاده، أو جهل الأمر . الحالة الأولى: أن يعلم تعدده فيقبل قطعا، لأنه لا يمنع أن يذكر النبي وَّل الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الآخر بها . وزعم الأبيارى وابن الحاجب والهندي وغيرهم أنه لا خلاف في هذا القسم ، وليس كذلك ، وقد أجرى فيها ابن السَّمْعاني التفصيل الذي سنحكيه عنه في اتحاد المجلس . ٣٢٩ الحالة الثانية: أن يشكل الحال، فلا يعلم هل تعدد المجلس أو اتحد، فألحقها الأبيارى بالتي قبلها ، حتى يقبل بلا خلاف . وقال الهندي : ينبغي أن يكون فيها خلاف يترتب على الخلاف في الاتحاد ، وأولى بالقبول، لأن المقتضي لتصديقه حاصل والمعارض له غير محقق . قلت: وکذا قال الآمدي : حكمه حكم المتحد، وأولى بالقبول نظرا إلى احتمال التعدد . وأشار أبو الحسين في ((المعتمد)) إلى التوقف، والرجوع إلى الترجيح، ثم قال : والصحيح أنه يجب حمل الخبرين على أنهما جريا في مجلسين ، لأنهما لو كانا في مجلس واحد جرى على لفظ واحد ، ولو كان اللفظ واحداً لكان الظاهر من عدالتهما وحفظهما ألا تختلف روايتهما ، فحصل في هذه الحالة أقوال . وقال ابن دقيق العيد : قيل : إن احتمل تعدد المجلس قبلت الزيادة اتفاقا. وهذا فيه نظر في بعض المواضع، وهو ما إذا كانت القضية مشتملة على ألفاظ وقرائن تدل على الاتحاد، فكذلك إذا رجعت الروايات كلها إلى راوٍ واحد مع عدد المراتب في الرواة، وإن طرأ التعدد فههنا ضعيف مرجوح، وربما جزم ببطلانه، كما في قضيته الواهبة نفسها، فإنها راجعة إلى رواية أبى حازم عن سهل بن سعد، واختلف الرواة عن أبي حازم في ألفاظ فيها، فالقول بتعدد المجلس في الواقعة ههنا مع اتحاد السياق، وتوافق أكثر الألفاظ، واتحاد المخرج للحديث بعيد جداً، فالطريق الرجوع إلى الترجيح بين الرواة . [المذاهب في الزيادة من الراوى إذا اتحد المجلس] الحالة الثالثة : أن يتحد المجلس، وينقل بعضهم الزيادة، ويسكت بعضهم عنها ، ولا يصرح بنفيها . وفي المسألة مذاهب : أحدها : وهو قول الجمهور من الفقهاء والمحدثين أنها مقبولة مطلقا ، سواء تعلق بها حكم شرعي أم لا ، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا ، وسواء أوجب نقصا ثبت بخبر ليس فيه تلك الزيادة أم لا، وسواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه مرة ناقصا، ومرة بتلك الزيادة، أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصا، وهي كالحديث التام، ينفرد به الثقة، فالزيادة أولى لأنها غير مستقلة؛ بل تابعة، ٣٣٠ وقد قبل النبي ◌َّلي خبر الأعرابي عن رؤية الهلال ، مع انفراده برؤيته ، وقبل خبر ذى اليدين وأبي بكر وعمر ، وإن انفردوا عن جميع الحاضرين . قال ابن السَّمعاني : ولا فرق بين أن يسند الراوي للزيادة والتارك لها ما روياه إلى مجلس واحد أو إلى مجلسين ، أو يطلقا إطلاقا . فتقبل إلا في صورة واحدة ، وهي أن التارك للزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة عنها، وكان المجلس واحداً أن لا يقبل رواية راوي الزيادة . ونحوه قول ابن الصباغ في ((العدة)): إنما يقبل بشرط أن لا يكون من نقل الزيادة واحدا، ومن رواه ناقصا جماعة، لا يجوز عليهم الوَهَم ، فإن كان كذلك سقطت، هذا إذا رویاه عن مجلس واحد . قال : فإن رویاه عن مجلسین فإن كانا خبرين عمل بهما، قال : فإن كان الناقل لها عددا كثيرا فهى مقبولة، وإن كان كل منهما واحدا فالأخذ برواية الضابط منهما، وإن كانا ضابطين ثقتين كان الأخذ بالزيادة أولى. وكلام الإمام في ((المحصول)) قريب من هذا التفصيل . ونحوه قول الآمدى : إذا اتحد المجلس، فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهى إلى حد لا يقضى في العادة بغفلة مثله عن سماعها، والذى رواها واحد، فهي مردودة؛ وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد فاتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين على قبول الزيادة، خلافا لجماعة من المحدثين ، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.اهـ وكذلك قال ابن الحاجب والقَرَافي وغيرهما، وخالفهم آخرون، فأطلقوا القول بقبول الزيادة مطلقا . وحكاه القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) عن مالك وأبي الفرج من أصحابه ، وأصحاب الشافعية، وأجرى عليه الإطلاق أبو الحسين بن القطان، وإمام الحرمين في ((البرهان)) والغزالي في ((المستصفى))، وقال: سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو المعنى، والشيخُ أبو إسحاق في ((اللمع)) وابن برهان . وقال ابن القُشَيْري بعد حكاية الخلاف والتفصيل: والاختيار قبول الزيادة من الثفة في جميع الأحوال . واعلم أن إمام الحرمين وغيره أطلقوا النقل عن الشافعي. بقبول الزيادة من غير تعرض لشيء من الشروط. وسيأتي في بحث المرسل من كلام الشافعي أن ٣٣١ الزيادة من الثقة ليست مقبولة مطلقا ، وهو أثبت نقل عنه في المسألة. وسنذكر قريبا عن نصه في ((الأم)) أنها لا تقبل إذا خالف الأحفظ والأكثر . الثاني : لا يقبل مطلقا، وعزاه ابن السَّمعاني لبعض أهلِ الحديث. ونُقل عن ٢٣٨ / ١ معظم الحنفية. ونقل الإمام / عن الشافعي أنه قال: مِنْ تَنَاقُض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في القرآن، ورد الزيادة التي ينفرد بها بعض الرواة، وحق القرآن أن ينقل تواتراً بخلاف الأخبار. وما كان أصله التواتر، وقبل فيه زيادة الواحد، فلأن يقبل فيما سواه الآحاد أولى. وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أبي بكر الأبْهَري وغيره من أصحابهم، قال: وعلى هذا بنوا الكلام في الزيادة المروية في حديث عدي بن حاتم: (وإن أكل فلا تأكل). والثالث: الوقف، لأن في كل واحد من الاحتمالات بعداً، والأصل وإن كان عدم الصدور ، لكن الأصل أيضا صدق الراوي. وإذا تعارضا وجب التوقف . حكاه الهندي . والرابع: إن كان غيره لا يغفل مثله عن مثلها عادة لم تقبل، وإلا قبلت. وهو قول الآمدي وابن الحاجب. والخامس: إن كان غيره لا يغفل، أو كانت الدواعي لا تتوفر على نقلها، وإليه يميل كلام ابن السَّمْعاني كما سبق. والسادس : أنها لا تقبل ممن رواه ناقصا، ثم رواه بتلك الزيادة أو رواه بالزيادة ثم رواه ناقصا، وتقبل من غيره من الثقات. نقله ابن القشيري والقاضي في ((التقريب)) عن فرقة من الشافعية، وذكر ابن الصباغ في ((العدة)) فيما إذا روى الواحد خبراً ثم رواه بعد ذلك بزيادة، فإن ذكر أنه سمع كل واحد من الخبرين في مجلس قبلت الزيادة، وإن عزى ذلك إلى مجلس واحد ، أو تكررت روايته بغير زيادة، ثم روى الزيادة، فإن قال: كنت نسيت هذه الزيادة قبل منه، وإن لم يقل ذلك وجب التوقف في الزيادة. وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): إن أسند الروايتين إلى مجلسين قبل، وهذا إن لم يعلم الحال حمل على التعدد، وإن علم أنه لم يسندها إلى مجلسين، وكان قد روى ٣٣٢ الخبر دفعات كثيرة من غير زيادة، ورواه مرة واحدة بالزيادة، فالأغلب أنه سها في إثبات الزيادة، ولأن سهو الإنسان مرة واحدة أغلب من سهوه مرارا كثيرة، فإن قال: كنت قد أنسيت هذه الزيادة والآن ذكرتها، قبلت الزيادة، وحمل أمره على الأقل النادر، وإن كان إنما رواها مرة واحدة بروايتها مرة، فإن كانت الزيادة تُغَيِّرُ إعراب الكلام تعارضت الروايتان، وإن كانت الزيادة لا تُغَيِّر اللفظ احتمل أن يتعارضا، لأنه على كل حال قد وهم. قال: وهذا إذا لم يقارنه استهانة، فلو روى الحديث تارة بالزيادة وتارة بحذفها استهانة وقلة تحفظ، سقطت عدالته ولم يقبل حديثه . السابع: إن كانت الزيادة تُغيّر إعراب الباقي، كما لو روى راوٍ في أربعين شاة شاة، وروى الآخر نصف شاة، لم يقبل، ويتعارضان، وهو الحق عند الإمام الرازي وأتباعه، وحکاه الهندي عن الأکثرین. قال: لأن كل واحد منهما يروي غير ما رواه الآخر، فيكون منافيا له معارضا، فلا يقبل إلا بعد الترجيح. قال: وخالف أبو عبدالله البَصْرِي والمزِّي . وفي ((المعتمد)) لأبي الحسين: قبل أبو عبدالله البصري الزيادة سواء أثرت في اللفظ أم لا، إذا أثرت في المعنى. وقبلها القاضي عبد الجبار إذا أثرت في المعنى دون اللفظ، ولم يقبلها إذا أثرت في إعراب اللفظ . الثامن: أنها لا تقبل إلا إذا أفادت حكما شرعيا، حكاه القاضي عبد الوهاب. فلو لم تفد حكما لم تعتبر، كقولهم: في مُحْرِم وقصت به ناقته في أَخَافِيق جِرْذَان . قال: فإن ذكر الموضع لا يتعلق به حكم شرعي، وهذا حكاه ابن القُشَيْري، فقال: وقيل: إنما تقبل إذا اقتضت فائدة جديدة. التاسع: عكسه، أنها تقبل إذا رجعت إلى لفظ لا يتضمن حكما زائدا كما حكاه ابن القَشْيْري . العاشر: تقبل لو كانت باللفظ دون المعنى، حكاه القاضى أبو بكر في ((التقريب)) ويحتمل أنه الذي قبله . ٣٣٣ الحادي عشر: بشرط أن يكون راويها حافظا، وهو قول أبي بكر الخطيب، والصَّيْرفي. قال الصَّيْرفي : وهو حينئذ بمعنى من نقل تلك الزيادة مستقلا بها، لا شريك معه في الرواية. ثم قال: والحاصل: أن كل من لو انفرد بحديث يقبل فإن زيادته مقبولة، وإن خالف الحفاظ . الثاني عشر: إن تكافأ الرواة في الحفظ والإتقان، وزاد حافظ عالم بالأخبار زيادة، قبلت. وإن كان لا يلحقهم في الحفظ لم تقبل. وهو قول ابن خزيمة في صحيحه، ويحتمل رجوعه لما قبله، وإنما اختلفت العبارة . الثالث عشر: إن كان ثقة، ولم يشتهر بنقل الزيادات في الوقائع، وإنما كان ذلك منه على طريق الشذوذ قبلت . كرواية مالك : (من المسلمين) في صدقة الفطر. وإن اشتهر بكثرة الزيادات مع اتحاد المجلس، وامتناع الامتياز بسماع، فاختلفوا فيه. فمذهب الأصوليين قبول زيادته، ومذهب المحدثين ردها للتهمة . قاله أبو الحسن الأبْياري في ((شرح البرهان)). [شروط المذهب المختار عند المصنف] : الرابع عشر: وهو المختار عندي تقبل بشروط: أحدها: أن لاتكون منافية لأصل الخبر. ذكره سليم الرازي. ثانيها: أن لا تكون عظيمة الوقع، بحيث لا يذهب عن الحاضرين علمها ونقلها. أما ما يجل خطره، فبخلافه. قاله إلّكِيا الهراسي . ثالثها: أن لا يكذبه الناقلون في نقل الزيادة، فإنهم إذا قالوا: شهدنا أول المجلس وآخره مصغين إليه، مجردين له أذهاننا، فلم نسمع الزيادة، فذلك منهم دليل على ضعفه، فإنه لو كان للاحتمال مجال لم يكذبوه على عدالته، قاله إمام الحرمين وابن القُشَيْري وإلْكِيا الهراسي والغزالي في ((المنخول)). وقال الأبْيَاري: أما إذا صرح الآخرون بالنفي واتحد المجلس. فقيل: هو معارض، فيقدم أقواها وقيل الإثبات مقدم. قال: وهو الراجح. رابعها: أن لا يخالف الأحفظَ والأكثرَ عددا، فإن خالفت، فظاهر كلام . الشافعي في ((الأم)) في الكلام على مسألة إعتاق الشريك ما يقتضي أنها مردودة، ولم ٣٣٤ يفرق بين بلوغهم إلى حد يمتنع عليهم الغفلة والذهول أم لا، بل اعتبر المطلق منهما، فإنه قال في كلامه على زيادة مالك وأتباعه في حديث: (وإلا فقد عتق منه ما عتق) :· إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو يأتي بشىء فيتركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ منه، وهم عدد وهو منفرد. ا هـ . وقال في حديث سعيد بن أبي عروبة : (وإن كان معسرا استسعِيَ العبد في قيمته) هذه الزيادة، وهي ذكر الاستسعاء، تفرد بها سعيد، وخالف الجماعة، فلا تقبل . ولما رأى أصحابه هذا مخالفا لما علموه منه في قبول / زيادة الثقة مطلقا، ولم ٢٣٨ / بـ يحملوا كلامه على ما ذكرنا ، احتاجوا لتأويله ؛ فقال سليم الرازي: لم يرد الشافعي هذه الجهة ؛ بل إن رواية الواحد عارضها رواية الجماعة، فترجح الجماعة. وقال ابن السَّمْعاني : لأن سعيد بن أبي عَرُوبَة رواه مطلقا، وغيره روى الخبر، وقال: ((قال قتادة: ويستسعى)) فميز حديث رسول الله ومثية من كلام قتادة، فيكون هذا الراوي قد حفظ ما خفي على الآخر . وقال إلْكِيا الطبري : ونحن وإن قبلنا الزيادة بالشرط السابق فيتطرق إليها احتمال الضعف، ويخدش وجه الثقة، فلو عارضه حديث آخر على مناقضة لقدم عليه، فلأجله قدم الشافعية خبر السراية على خبر السعاية، لأنه تفرد بنقل السعاية سعيد بن أبي عَرُوبة من بين أصحاب الزهري . وقسّم ابن الصلاح الزيادة إلى ثلاثة أقسام : أحدها : ما كان مخالفا منافيا لما رواه الثقات فمردود . ثانيها : مالا ينافي رواية الغير كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة من الثقات، فيقبل تفرده، ولا يتعرض فيه لما رواه الغير بمخالفته أصلا، وادعى الخطيب فيه الاتفاق . ثالثها : ما يقع بين هاتين المرتبتين، كزيادة في لفظ حديث لم يذكرها سائر رواة الحديث ، يعنى ولا اتحد المجلس، ولا نفاها الباقون صريحا ، وتوقف ابن الصلاح ٣٣٥ في قبول هذا القسم . وحكى الشيخ محيي الدين النووي عنه اختيار القبول فيه، ولعله قاله في موضع غير هذا . [قول ابن دقيق العيد] وقال ابن دقيق العيد : إذا علم اتحاد المجلس فالقول للأكثر ، سواء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم ، تغليبا لجانب الكثرة ، فإنها عن الخطأ أبعد ؛ فإن استووا قدم الأحفظ والأضبط ؛ فإن استووا قدم المثبت على النافي ، وقيل : النافي ، لأن الأصل عدمها . والتحقيق أن الزيادة إن نافت المزيد عليه احتيج للترجيح لتعذر الجمع، كحديث : عتق بعض العبد، فإن أبا هريرة (رضى الله عنه ) روى الاستسعاء، وابن عمر لم يروه، بل قال : (وإلا فقد عتق منه ما عتق) . وهي تنافى الاستسعاء، وإن لم تنافه لم يحتج إلى الترجيح؛ بل يعمل بالزيادة إذا أثبتت كما في المطلق والمقيد، كقول أنس: (رضخ يهودي رأس جارية فرضخ رسول الله وَ له رأسه بين حجرين) رواه بعضهم هكذا مطلقا ، وبعضهم يقول : (فأخذ اليهودي فاعترف، فرضخ رسول الله وَلّ رأسه)، وهي رواية الصحيحين. [مذهب أهل الحديث] قال بعض مشايخنا : والمحققون من أئمة الحديث خصوصا المتقدمين، كيحيى ابن سعيد القَطّان، وعبد الرحمن بن مَهْدي؛ ومن بعدهما، كأحمد بن حنبل، وعلي المَدِينِى، ويحيى بن معين، وهذه الطبقة ومن بعدهم؛ كالبخاري، وأبي زُرْعَةَ وأبي حاتم الرَّازِيَّين، ومسلم، والتِرْمذي، والنّسَائي، وأمثالهم، والدارقطني، كل هؤلاء مقتضى تصرفهم في الزيادة قبولا وردا الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث، ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث وهذا هو الحق الصواب في نظر أهل الحديث . ومنهم من قبل زيادة الثقة مطلقا ، سواء اتحد المجلس أو تعدد ، كثر الساكتون أو تساووا . ومن هؤلاء الحاكم وابن حبان، فقد أخرجا في كتابيهما اللذين التزما فيهما الصحة كثيرا من الأحاديث المتضمنة للزيادة التي تفرد بها راو واحد، وخالف فيها العدد والأحفظ . وقد اختار الخطيب هذا المذهب وحكاه عن جمهور الفقهاء ٣٣٦ والمحدثين ، وقد نوزع في نقله ذلك عن جمهور المحدثين، وعمدتهم هي أن الواحد لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ قبل، فكذلك إذا انفرد بالزيادة لأن العدل لا يتهم، وهو مردود، فإن تفرد بأصل الحديث لا يتطرق الوهم إلى غيره من الثقات ، بخلاف تفرده بالزيادة إذا خالف من هو أحفظ ، فإن الظن مرجح لقولهم دونه ، لا سيما عند اتحاد المجلس . تنبيهات الأول: لتوجيه إمكان انفراد الراوي بالزيادة طرق : أحدها : أن يعرض للراوي الناقص التشاغل عن سماع الزيادة ، مثل بلوغه خبرا مزعجا أو عرض له ألم أو حاجة الإنسان، كما روى عمران بن حصين قال : دخلت على النبي ◌َّر، وعقلت ناقتي بالباب، فأتى ناس من أهل اليمن، فقالوا : يا رسول الله جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال : (كان الله، ولم يكن معه شيء ، وكان عرشه على الماء، ثم خلق الله السموات والأرض)، قال عمران : ثم أتانى رجل، فقال : يا عمران أدرك ناقتك قد ذهبت، فانطلقت أطلبها ، فإذا السراب ينقطع دونها، وأيم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم . الثاني : أن راوي الناقص دخل في أثناء الحديث، وقد فاته بعضه، فرواه من سمعه دونه كما روى عتبه بن عامر قال : كانت علينا رعاية الإبل، فكانت نوبتى أن أرعاها فروحتها بيتي، فأدركت رسول الله وَل يحدث الناس، فأدركت من قوله: (ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه ، ثم يصلى ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة). فقلت ما أجود هذا ! فإذا عمر بن الخطاب بين يديَّ يقول : التي قبلها أجود، قال : (ما منكم من أحد يتوضأ، ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها يشاء) . رواه مسلم . ٣٣٧ الثالث : أن يكون الحديث وقع في مجلسين، وفي أحدهما زيادة، ولم يحضرها أحد الراويين. الرابع : أن يكون في مجلس واحد، وقد كرره النبي ◌َّلغير، فذكره أولا بالزيادة، وسمعه الواحد، ثم يذكره بلا زيادة اقتصارا على ما ذكره قبل، کحديث أبي سعيد حيث روى حديث الذي يمنيه الله تعالى في الجنة، فينتهي حيث تنقطع به الأماني، فيقول الله عز وجل: (فإن لك ما تمنيت ومثله معه)، فقال أبو هريرة وكان سمع هذا الحديث من أبي سعيد: (فإن لك ما تمنيت وعشرة أمثاله)، فقال أبو سعيد: لم أسمع إلا ومثله معه. فقال أبي هريرة: سمعت رسول الله له يقول: (وعشرة أمثاله)، فهذا يحتمل أن يكون في مجلس واحد وأتى النبي ◌َّ بلفظين: أحدهما قبل الآخر بوحي أو إلهام، سمع أبو سعيد: (ومثله معه)، وشغل بعارض عن سماع الآخر الذي سمعه أبو هريرة، ويحتمل أنه كان في مجلسين حضر أحدهما أبو هريرة، والآخر أبو سعيد. وفي رواية لأحمد: ثم قال أحدهما لصاحبه: حدث بما سمعت، وأحدث بما سمعت، وفي رواية لأبي سعيد كرواية أبي هريرة فلعله وافقه ٢٣٩ / ١ أو تذكره. ومن هذا الباب حديث عروة بن الزبير، قال لزيد بن ثابت / : يغفر الله لرافع بن خديثج، أنا والله أعلم بالحديث منه، يعني حديث المزارع، إنما أتاه رجلان من الأنصار قد اقتتلا، فقال: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع) سمع منه (يعني رافعا) قوله: (لا تكروا المزارع)، يعني ولم يسمع الشرط. وذكر القاضي من الأسباب أن يسمع الجمع الحديث، فينسى بعضهم الزيادة ويحفظها الباقي. الثاني : قد تكون الزيادة في الحديث رافعة للإشكال مزيلة للاحتمال، وقد. تكون دالة على إرادة القدر المشترك، لا على خصوصية الزيادة أو ضدها. مثال الأول حديث: (إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث)، فإنه يحتمل أنه يدفعه عن نفسه لِقُوَّتِه، كما يقال: فلان لا يحتمل الضيم، وهو تأويل الجمهور في أن القلتين لا ينجس ما لم يتغير، واحتمل أنه لم يحمل الخبث، أي يضعف عن حمله لضعفه، كما يقال: المريض لا يحمل الحركة والضرب، فجاء في لفظ أحمد وابن ماجه: (لم ينجسه شيء)، فكان هذا رافعا لذلك الإجمال. ومثال الثاني: حديث الولوغ، ٣٣٨ ((إحداهن بالتراب)، وفي لفظ: (أولاهن)، وفي لفظ (أخراهنَّ). فالتقييد بالأولى، والأخرى تضاد ممتنع الجمع، فكان دليلا على إرادة القدر المشترك، وهو غسل واحدة أيتهنَّ شاء . مسألة [الحديث يرويه بعضهم مرسلاً، وبعضهم متصلاً] إذا اختلف الثقات في حديث فرواه بعضهم متصلا، وبعضهم مرسلا، فهل الحكم للوصل أو الإرسال، أو للأكثر، أو الأحفظ ؟ أقوال . أحدها: أن الحكم لمن وصل، وجزم به الصَّيْرفي، فقال: إذا أرسل سعيد بن المسيب، عن النبي صَلّ، ووصله أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ََّ، فالحجة لمن وصل إذا كان حافظا. هذا قول الشافعي، وبه أقول، انتھی . وحكى القاضي أبو بكر في ((التقريب)) فيه اتفاق أهل العلم، وبه جزم القاضي أبو الطيب. قال: والمرسل تأكيد له، وصححه الخطيب البغدادي. وقال ابن الصلاح: إنه الصحيح في الفقه وأصوله، وسئل البخاري عن حديث: ( لا نكاح إلا بولي)، وهو حديث اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، رواه شعبة والثوري عنه، عن أبي بردة، عن النبي بِيّ متصلا، فحكم البخاري لمن وصله، وقال : الزيادة من الثقة مقبولة، هذا مع أن مرسله سفيان وشعبة، وهما ما هما . والثاني: أن الحكم لمن أرسله، وحكاه القاضي أبو بكر في ((التقريب))، والخطيب عن أكثر المحدثين . والثالث : أن الحكم للأكثر، فإن كان من أسنده أكثر ممن أرسله، فالحكم للإرسال ، وإلا فالوصل . والرابع: أن الحكم للأحفظ، وعلى هذا لو أرسل الأحفظ، فهل يقدح ذلك في عدالة من وصله، أم لا ؟ قولان - أصحهما وبه صدَّر ابن الصلاح كلامه - المنع . ٣٣٩ قال: ومنهم من قال : يقدح في سنده ، وفي عدالته وفي أهليته . والخامس: قاله إلّكِيا الهراسي إنه بمثابة الزيادة من الثقة، فيقدم الوصل بشرطين : أن لا يكون الحديث عظيم الوقع بحيث يريد الاعتناء به، وأن لا يكذبه راوي الإرسال . فرعان [الراوي يروي الحديث متَّصلاً ومرسلاً ] الأول: لو أرسله هو مرة، وأسنده أخرى، فإن فرعنا على قبول المرسل، فلا شك في قبوله، وإلا فاختلفوا، فجزم ابن السمعاني والرازي وأتباعه بأن الحكم الوصله . قال ابن الصلاح : وهو الصحيح ، وعن بعض المحدثين لإرساله . وقيل : الاعتبار بما يقع فيه أكثر ، وإن وقع وصله أكثر من إرساله ، فالحكم للوصل ، وإلا فلا . وقيل : إن کان الراوي ثقة متذكرا لرفعه جاز له أن يرسله ، ولا يعد اضطرابا ، وإن لم يثق بحفظه فهو اضطراب في روايته. قاله ابن القطان المحدث . الثاني : من شأنه إرسال الأخبار إذا أسند خبرا ، هل يقبل أو يرد ؟ قولان . الصحيح القبول . قال الشافعي : وإنما يقبل من حديثه ما قال فيه حدثني أو سمعت ، ولا يقبل ما يأتي فيه بلفظ موهم. وقال بعض المحدثين: لا يقبل إلا إذا قال: سمعت فلانا. قال أبو الحسين بن القَطّان: وأصحاب الحديث يفرقون بين أن يقول: حدثني أو أخبرني، فيجعلون الأول دالا على المشافهة . والثاني مترددا بينهما وبين الإجازة والمكاتبة ، وهذا عادة لهم ، وإلا فظاهر قوله : أخبرني، يفيد أنه تولى إخباره بالحديث ، وذلك لا يكون إلا مشافهة . ٣٤٠