Indexed OCR Text
Pages 281-300
بالعدالة، فجاز للقاضي القضاء بشهادته إذا ترك الخصم حقه(١)، بخلاف الرواية كما قلنا بالاتفاق في الشهادة بالحدود. ووافق الحنفية منا الأستاذ أبو بكر بن فُورَك، كما رأيت. نقله الماوَرْدي في كتابه. وكذا وافقهم سليم الرَّازي في كتاب ((التقريب))، وعَلّله بأن الإخبار مبني على حسن الظن /بالراوي، ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة ٢٣٠/ب العدالة في الباطن، فاقتصر فيه على معرفة ذلك في الظاهر، ويفارق الشهادة، فإنها تكون عند الحكام، ولا يتعذر عليهم ذلك، فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن. قال ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كُتُب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم، وإلى نحوه مال ابن عبد البر فيمن عرف بحمل العلم، وسنذكره. قلت: وذكر الأصفهاني أن المتأخرين من الحنفية قيدوا ما سبق عنهم بصدر الإسلام، حيث الغالب على الناس العدالة، وأما المستور في زماننا فلا يقبل لكثرة الفساد وقلة الرشاد، وإنما كان يقبل في زمن السلف الصالح. وقال أبو زيد الدَّبُوسي في ((التقويم)): المجهول خبره حجة إن نقل عنه السلف، وعملوا به أو سكتوا عن رده، فإن لم يظهر فيعمل به ما لم يخالف القياس. انتهى. وهذا تفصيل في المسألة. وقد جرت عادة ابن حِبَّان في كتاب ((الثقات)) أن يوثق من كان في الطبقة المتقدمة من التابعين. قال بعض الأئمة: استقريت ذلك منه لغلبة السلامة على ذلك العصر، مع عدم ظهور ما يقتضي التضعيف. وقال إمام الحرمين: يوقف، ويجب الانكفاف إذا روى التحريم إلى الظهور، فتحصلنا على أربعة مذاهب. وأطلق النووي في ((شرح المهذب)) تصحيح قبول رواية المستور، وربما أيده بعضهم بأن الشافعي نص على انعقاد النكاح بمستوري العدالة، فالرواية أولى، (١) كذا في الأصول. ٢٨١ وأنكره بعض الأصحاب. وقال: قبول رواية المستور إنما تنزل منزلة القضاء بالنكاح، لا منزلة انعقاد النكاح. والنكاح لا يقضي فيه عند التجاحد بشهادة مستور، فكذلك لا تقبل رواية المشهور. وقال القاضي في ((التقريب)): إن كان الشافعي قد اعتقد أن شهود النكاح عدول في ظاهر الإسلام فقد ناقض ما قاله في حد العدالة. ولعله أراد بذلك أن الإسلام أصل العدالة ومعظمها، وأما أن يكون وحده عدالة فذلك بعيد من قوله. انتهى. وجوابه ما ذكر. وأطلق الشافعي كلامه في ((اختلاف الحديث)) أنه لا يصح المجهول، وهو الذي نقله عنه البيهقي والماوَرْدي والرُّؤْياني وغيرهم. ثم المراد بالمستور من يكون عدلا في الظاهر، ولا تعرف عدالته باطنا، قاله البغوي والرافعي وذكر في كتاب الصيام تبعا لإمام الحرمين في ((النهاية)) أن العدالة الباطنة هي التي ترجع فيها القضاة إلى قول المُزَكِّين، وسبق عن النص في اختلاف الحديث ما يؤيده. وفسر إمام الحرمين المستور بالذي لم يظهر منه نقيض العدالة، ولم يبق البحث على الباطن في عدالته. وكلام الأصوليين ومنهم القاضي في ((التقريب)) صريح في أن المراد بالعدالة الباطنة الاستقامة بلزوم أداء أوامر الله، وتجنب مناهيه وما يثلم مروءته، أي سواء ثبت عند الحاكم أم لا. قال القاضي: ولا يكفيه اجتناب الكبائر، حتى يتوقى مع ذلك لما يقول كثير من الناس إنه لا يعلم أنه كبيرة؛ بل يجوز أن يكون صغيرة كالضرب الخفيف، وتطفيف الدانق ونحوه. الثالث: مجهول العين وهو من لم يشتهر، ولم يرو عنه إلا راوٍ واحد، فالصحيح لا يقبل. وقيل: يقبل مطلقا، وهو قول من لم يشترط في الراوي مزيدا على الإسلام. وقيل: إن کان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل کابن مهدي ويحيى بن سعيد، فاكتفينا في التعديل بواحد قبل وإلا فلا. وقيل: إن كان مشهورا في غير العلم بالزهد والنجدة قبل وإلا فلا، وهو قول ابن عبد البر. وقيل: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع روايته وأخذه عنه قبل وإلا فلا. وهو اختيار ٢٨٢ أبي الحسن بن القَطّان المحدِّث، صاحب كتاب ((الوهم والإيهام)). قال الخطيب: وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عنه إثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم، إلا أنه لم يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه. وقد روينا ذلك عن محمد بن يحيى الذهلي وغيره. قلت: وظاهر تصرف ابن حبان في ((ثقاته)) و ((صحيحه)) ارتفاع الجهالة برواية عدل واحد، وحكى ذلك عن النسائي أيضا. وقال أبو الوليد الباجي: ذهب جمهور أصحاب الحديث إلى أن الراوي إذا روى عنه واحد فقط فهو مجهول، وإذا روى عنه إثنان فصاعدا فهو معلوم انتفت عنه الجهالة. قال: وهذا ليس بصحيح عند المحققين من أصحاب الأصول ؛ لأنه قد يروي الجماعة عن الرجل لا يعرفون حاله، ولا يخبرون شيئا من أمره، ويحدثون بما رووا عنه، ولا تخرجه روايتهم عنه عن الجهالة إذا لم يعرفوا عدالته. قلت: مراد المحدثين ارتفاع جهالة العين لا الحال، وعمدتهم أن رواية الاثنين بمنزلة الترجمة في الشهادة. [قبول رواية التائب عن الكذب]: الرابعة: من عرف بالكذب في أحاديث الناس لم تقبل روايته، وإن كان يصدق في حديث النبي ◌َّلتر. حكاه عبد الوهاب عن مالك، وأما إذا تعمد الكذب في أحاديث رسول الله وعليه فلا تقبل روايته أبدا، وإن تاب وحسنت توبته كما قاله جماعة من الأئمة، منهم أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، بخلاف التائب من الكذب في حديث الناس. قال ابن الصلاح: وأطلق أبو بكر الصَّيْرفي في ((شرحه لرسالة الشافعي)) كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نَعُدْ لقبوله بتوبة تظهر منه، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك. وذكر أن ذلك مما فارقت فيه الرواية الشهادة. قال: وذكر أبو المظفر بن السَّمْعاني أن من يكذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه. ٢٨٣ قلت: وكذا قال الماوَرْدي والرُّؤْياني: من كذب في حديث رد به جميع أحاديثه المتقدمة، ووجب نقض ما عمل به منها، وإن لم ينتقض الحكم بشهادة من حدث فسقه، لأن الحديث حجة لازمة لجميع الناس، فكان حكمه أغلظ. اهـ. وحكى الرُّؤْياني في باب الرجوع عن الشهادة عن القَفَّال أن الراوي إذا كذب في حديث النبي ◌َّي لم يقبل حديثه أبدا، وكذا قال أبو الحسين بن القَطَّان في كتابه: من قال كذبت في هذا الحديث فقد فسق، ولم يؤخذ بعد ذلك بحديث حدث به قبله أو بعده. قال: ثم إن کان له راو غيره اکتفی به، وإن لم یکن له راو غيره فقد کان بعض أصحابنا يجعل ذلك كالشهادة، ويقبله. وبعضهم قال: وليس هذا متعلقا ١/٢٣١ بالشهادة/، وإلا لوجب أن ينتقض الحكم، ولا يسمع ما لم ينفذ الحكم، ويقبل رجوعه فيما حكم وفيما لم يحكم، يعلم أن أخباره كلها مردودة. قال: وجملته أن من قال: إذا رجع عن خبر لا أحكم به، ومتى حكمت به لم أنقض. فأجراه مجرى الشهادة إذا فسق. قال: وأما إذا ارتد أو عمل بما يوجب ردَّته أو فسقه لم يمنع من قبول ما تقدم من أخباره. اهـ. وما حكاه عن بعض الأصحاب هو الذي أجاب به القاضي أبو بكر الشامي أنه لا يقبل خبره فيما رد، ويقبل في غيره اعتبارا بالشهادة؛ والصحيح الأول، وظهر بهذا أن قول النووي: المختار القطع بصحة توبته وقبول رواياته بعدها، ليس بموافق . [اعتبار العدالة في المعاملات] : الخامسة : قال الماوَرْدي والرُّؤْياني: العدالة إنما تعتبر في خبر الواحد في الشهادات والعبادات والسنن، أما في المعاملات فلا، بل المعتبر فيها سكون النفس إلى خبره، فإذا قال: هذه هدية فلان جاز قبولها، والتصرف فيها، وكذا الأذن فى دخول الدار. وتأتي مسألة في الصبي . وذكر الماوَرْدي في باب التيمم من ((الحاوي)) أن المسافر إذا عدم الماء، فأراد الطلب قبل التيمم، فأخبره فاسق أنه لا ماء في تلك الجهة، فإنه يعتمد عليه فيه، ٢٨٤ بخلاف ما إذا أخبره بوجود الماء، فإنه لا يعتمده. وسببه أن عدم الماء هو الأصل فيتقوى خبر الفاسق به بخلاف وجود الماء . السادسة: قالا أيضا: تجوز الرواية عن غير العدل في المشاهير، ولا تجوز في المناكير . السابعة: أصحاب الحرف الدنيئة، كالدبّاغ والجزار وما أشبههما، إذا حسنت طريقتهم في الدين، لا نص فيه، والذي يقتضيه قياس المذهب أن أخبارهم تنبنى على الوجهين في شهادتهم، فإن قلنا: تقبل، فروايتهم أولى، وإن قلنا: لا تقبل، ففي رواياتهم وجهان: أصحهما القبول، لأن هذه مكاسب مباحة، وبالناس إليها حاجة. والثاني: لا تقبل، لما فيها من اخترام المروءة . الثامنة: تعاطى المباحات المسقطة للمروءة، كالجلوس للنزهة على قارعة الطرق، والأكل فيه، وصحبة أراذل العامة. قال القاضي في ((التقريب)): فعند قوم أنه(١) شرط في عدالة الراوي. وعندنا أن ذلك موكول إلى اجتهاد العالم والحاكم . فصْل [ الطريق الذى تثبت العدالة به] وإذا عرفت أن العدالة شرط، فلا بد من طريقها. فنقول: تثبت عدالة الراوي بالاختبار أو التزكية. أما الاختبار فهو الأصل، إذ التزكية لا تثبت إلا به، وهو إنما يحصل باعتبار أحواله، واختبار سره وعلانيته بطول الصحبة والمعاشرة سفرا وحضرا والمعاملة معه، ولا يشترط عدم موافقة(٢) الصغيرة، ولكن إذا لم يعثر منه على كبيرة تهون على مرتكبها الأكاذيب وافتعال الأحاديث ولا تسقط الثقة . وأما التزكية فبأمور: منها تنصيص عدلين على عدالته كالشهادة، وأعلاه أن يذكر السبب معه. وهو تعديل باتفاق. ودونه أن لا يذكره، وإنما انحط عما قبله (١) الصواب: أن عدم التعاطي هو الشرط لا التعاطي. (٢) لعل الصواب: مواقعة. ٢٨٥ للاختلاف فيه، وأنه لا بد من ذكر السبب على قول، ويكفي أن يقول: هو عدل، وقيل: لا بد أن يقول: عدل لي، وعلي، والأول أصح، وهذا تأكيد. وقال القرطبي: عندنا لا بد أن يقول: عدل مرضي، ولا يكفي الاقتصار على أحدهما، ولا يلزمه زيادة عليهما. وهل تثبت بواحد؟ فيه أقوال: أحدها: لا، لاستواء الشهادة والرواية. وحكاه القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم. وقال الأبْياري : هو قياس مذهب مالك . والثاني: الاكتفاء بواحد منهما. واختاره القاضي لأنها نهاية الخبر. قال القاضي: والذي يوجبه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضي ذكر أو أنثى، حر أو عبد لشاهد وخبر. والثالث: الفرق بين الشهادة فيشترط فيها اثنان، والرواية يكتفى فيها بواحد، كما يكتفي به في الأصل، لأن الفرع لا يزيد على الأصل. وهذا هو الصحيح، ونقله الآمدى والهندي عن الأكثرين. قال ابن الصلاح: وهو الصحيح الذي اختاره الخطيب وغيره، لأن العدد لا يشترط في قبول الخبر، فلا تشترط في جرح روايتهم وتعديلهم، بخلاف الشهادة. وحاصل الخلاف. كما قاله الماوَرْدي والرُّؤْياني أن تعديل الراوي: هل يجري مجرى الخبر أو مجرى الشهادة، لأنه حكم على غائب؟ قالا: وفي جواز كون المحدِّث أحدهما وجهان، كما لو عدل بشهود الأصل، وجعلا الخلاف السابق في التعديل، وجزما في الجرح بالتعدد، لأنها شهادة على باطن مغيب، وأجرى القاضي أبو الطيب وغيره الخلاف فيه كالتعديل بواحد. : [تزكية المرأة والعبد]: وحيث اكتفينا بتعديل الواحد، فأطلق في المحصول قبول تزكية المرأة، وحكى القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء أنه لا تقبل النساء في التعديل، لا في الشهادة ولا في الرواية، ثم اختار قبول قولها فيهما، كما تقبل روايتها، وشهادتها في بعض المواضع . ٢٨٦ وأما تزكية العبد، فقال القاضي: يجب قبولها في الخبر دون الشهادة، لأن خبره مقبول، وشهادته مردودة. وبه جزم صاحب المحصول وغيره. قال الخطيب: والأصل في هذا سؤال النبي ◌ّ﴿ بريرة في قصة الإفك عن حال عائشة أم المؤمنين وجوابها له. ومنها: أن يحكم الحاكم بشهادته. قاله القاضي والإمام وغيرهما. وقال القاضي: وهو أقوى من تزكيته باللفظ. وحكى الهندي فيه الاتفاق، لأنه لا يحكم بشهادته إلا وهو عدل عنده. قال: وهو أقوى من الطريقين اللذين بعده، وقيده الآمدي بما إذا لم يكن الحاكم ممن يرى قبول الفاسق الذي لا يكذب. وهو قيد صحيح يأتي في العمل بخبره. وقال ابن دقيق العيد: وهذا قَوِي إاذ منعنا حكم الحاكم بعلمه، أما إذا أجزنا، فعلمه بالشهادة ظاهرا يقوم معه احتمال أنه حكم بعلمه باطنا. قلت: وحينئذ يتجه التفصيل بين أن يعلم يقينا أنه حكم بشهادته، فتعديل، وأن لا يعلمه فلا، وعليه اقتصر العبدري ((شارح المستصفى)). ومنها: الاستفاضة، فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة استغنى بذلك عن تعديله قضاء. قال ابن الصلاح: وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في أصول الفقه، وممن ذكره من المحدِّثين : الخطيب، ونقله مالك وشعبة والسفيانان، وأحمد، وابن مَعِين، وابن المدَينى وغيرهم. فلا يسأل عنهم، وقد سئل أحمد عن إسحاق بن رَاهَوْيه، فقال : مِثْل إسحاق يسأل عنه! وقال القاضي أبو بكر: الشاهد والمخبر يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضا، وكان أمرهما مشكلا ملتبسا ويجوز ... (١) العدالة وغيرها، لأن العلم بذلك من الاستفاضة أقوى / من ٢٣١ / ب تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب . وقال ابن عبد البر: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره على العدالة، حتى يتبين جرحه، لقول النبي ◌ّله: (يحمل هذا العلم من كل (١) هنا بياض في بعض النسخ. ٢٨٧ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين)(١). وتبعه على ذلك جماعة من المغاربة . وهذا أورده العقيلي في ((ضعفائه)) من جهة معافى بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري ، وقال : لا يعرف إلا به وهو مرسل أو معضل، ضعيف وإبراهيم الذي أرسله قال فيه ابن القَطَّان : لا نعرفه ألبتة في شيء من العلم غير هذا، لكن في كتاب ((العلل)) للخَلَاّل، سئل أحمد عن هذا الحديث ، فقيل له : كما ترى إنه موضوع. فقال : لا، هو صحيح . قال ابن الصلاح : وفيما قاله (٢) اتساع غير مرضي . ومنها: أن يعمل بخبره إذا تحقق أن مستنده ذلك الخبر، ولم يكن عمله على الاحتياط، فهو تعديل. حكاه القاضي أبو الطيب عن الأصحاب، ونقل الآمدي فيه الاتفاق ، وليس بجيد، فقد حكى الخلاف فيه القاضي في ((التقريب))، والغزالي في ((المنخول)». وقال إمام الحرمين وابن القشيري : فيه أقوال : أحدها : أنه تعديل له ؛ والثاني ليس بتعديل . والثالث : قال : وهو الصحيح إن أمكن أنه عمل بدليل آخر ، ووافق عمله من حيث الخبر الذي رواه ، فعمله ليس بتعديل. وإن بان بقوله أو بقرينة إنما عمل بالخبر الذي رواه ولم يعمل بغيره ، فإن كان ذلك من مسائل الاحتياط فهو تعديل، وإلا فلا(٢). وهو اختيار القاضي في ((التقريب)). قال : وفرق بين قولنا : عمل بالخبر ، وبين قولنا : عمل بموجب الخبر، فإن الأول يقتضي أنه مستنده . والثاني: لا يقتضي ذلك لجواز أن يعمل به لدليل غيره . وقال الغزالي : المختار أنه إن أمكن حمل عمله على الاحتياط فلا ، وإن لم يمكن فهو كالتعديل، لأنه يحصل الثقة . وكذا قال إلْكِيا الطبري : إن كان الذي عمل به من باب الاحتياط ، ولم يكن (١) هكذا ورد الحديث في النسخ كلها، ونص الحديث في كتب السنة (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) انظر مشكاة المصابيح (٨٢/١) ورقم الحديث (٢٤٨) (٢) كذا بالأصول ولعل فيه انقلابا. ٢٨٨ من المحظورات التي يخرج المتحلي بها عن سمة العدالة لم يكن تعديلا ، وإلا كان تعديلا على التفصيل السابق . قال : هذا كله بشرط أن لا يكون ما عمل به يتوصل إليه بظاهر أو قياس جلي ، وقد ينقدح في خاطر الفقيه ، أنه وإن لم يتوصل إليه بقياس أو ظاهر أمكن أنه عمل برواية غيره لهذا الحديث لا من روايته، ويتجه على هذا أنه إذا لم يظهر عنه رواينة فلا محمل له إلا روايته قال : ومن فروع هذا قبول المرسل . وقال الماوَرْدي : شرط إمام الحرمين أن لا يكون ذلك العمل مما لا يؤخذ فيه بالاحتياط ، حتي يجوز أن يكون الراوي احتاط للعمل ، بأن أخذ بالرواية . قال : وهذا في الحقيقة راجع لقولنا أولا، إذا علم أنه إنما عدل عن الحديث، والأخذ بالاحتياط ضرب منه ، وفَصَّل بعض المتأخرين بين أن يعمل بذلك في الترغيب والترهيب، فلا يقبل ، لأنه يتسامح فيه بالضعف، أو غيرهما فيكون تعديلا ، وهو حسن . وأما ترك العمل بما رواه ، فهل يكون جرحا ؟ قال القاضي : إن تحقق تركه للعمل بالخبر مع ارتفاع الدوافع والموانع، وتقرر عندنا تركه موجب الخبر مع أنه لو كان ثابتا للزم العمل به، فيكون ذلك جرحا . وإن كان مضمون الخبر مما يسوغ تركه، ولم يتبين قصده إلى مخالفة الخبر، فلا يكون جرحا، كما لو عمل بالخبر وجوزنا أنه كان ذلك بخبر آخر، فإنه ليس بتعديل . ومنها أن يروي عنه من لا يروي عن غير العدل، كيحيى بن سعيد القَطَّان، وشعبة، ومالك، فإنه يكون تعديلا، على المختار عند إمام الحرمين، وابن القشيري ، والغزالي، والآمدي، والهندي، والباجي وغيرهم لشهادة ظاهر الحال . وإليه ذهب البخاري ، ومسلم ، في صحيحيهما . وقال المازَري : هو قول الحذاق ، وهذا على قولنا : لا حاجة لبيان سبب التعديل ، فإن روى عنه من لم يشترط الرواية عن العدل ، فليس بتعديل . لأنا رأيناهم يروون عن أقوام، ويجرحونهم لو سئلوا عنهم . ٢٨٩ قال ابن دقيق العيد : نعم ، ههنا أمر آخر وهو النظر في الطريق التي منها يعرف كونه لا يروي إلا عن عدل ، فإن كان ذلك بتصريحه فهو أقصى الدرجات، وإن كان ذلك باعتبارنا بحاله في الرواية، ونظرنا إلى أنه لم يروه من عرفناه إلا عن عدل، فهذا دون الدرجة الأولى. وهل يكتفى بذلك في قبول روايته عمن لا نعرفه ؟ فيه وقفة لبعض أصحاب الحديث ممن قارب زماننا زمانه، وفيه تشديد . ا هـ . وقال المازري : نعرف ذلك من عادته . وقال إلْكِيا لطبري : يعرف ذلك بإخباره صريحا ، أو عرفناه بالقرائن الكاشفة عن سيرته . قال : وجرت عادة المحدثين في التعديل أن يقولوا : فلان عدل ، روى عنه مالك، أو الزهري ، أو هو من رجال الموطأ ، أو من رجال الصحيحين . والتحقيق في هذا أنه إن جرت عادته بالرواية عن العدل وغيره فليست روايته تعديلا، وكذلك إذا لم يعلم ذلك من حاله ، فإن من الممكن روايته عن رجل لم يعتقد عدالته ، حتى إذا استقرى أحواله ، وعرف عدالته ببينة ، فلا يظهر بذلك عدالة المروي عنه . وإن اطردت عادته بالرواية عمن عدّله، ولا يروي عن غيره أصلا ، فإن لم يعلم مذهبه في التعديل، فلا يلزمنا اتباعه ، لأنه لو صرح بالتعديل لم يقبل ، فكيف إذا روى! وإن علمنا مذهبه في التعديل ، ولم يكن موافقا لمذهبنا ، لم يعتمد تعديله وروايته عنه، وإن كان موافقا عمل به . اهـ . وقيل : الرواية تعديل مطلقا ، لأنه لو كان عنده غير عدل لكان روايته عنه مع السكوت عبثا . وظاهر العدل التقي الاحتراز عن ذلك، حكاه الخطيب وغيره، ثم قال : وقد لا يعلمه بعدالة ولا جرح . وحكاه أبو الحسين بن القَطَّان ، وابن فُورَك عن القاضي إسماعيل بن إسحاق في هذا ، وفي الشهادة على الشهادة أنه يجوز، وإن لم يذكره بالعدالة ، لأن الظاهر أنه على العدالة، حتى يعلم خلافها . قالا : وهذا غلط ، لأنه يجوز أن يكون عنده عدلا، وعند غيره ليس بعدل . وقيل : ليس بتعديل مطلقا، كما أن تركها ليس بجرح ، وبه جزم الماوَرْدي والرُّؤْياني وأبو الحسين بن القَطّان في كتابه . وحكي عن أكثر أهل الحديث . وقال القاضي في ((التقريب)): إنه قول الجمهور، وإنه الصحيح . قال : والأقرب فيه ٢٩٠ رواية العدل الواحد عنه ، أو رواية العدول الكثير في أنها غير تعديل له. قلت: ويخرج من تصرف البَزَّار في ((مسنده)) التعديل إذا روى عنه كثير من العدول، فوجب / إثبات قول بالتفصيل . ٢٣٢ / ١ فائدة : [المحدِّثون الذين لا يرون إلا عن عدول] ذكر ابن عبد البر الذين عادتهم لا يروون إلا عن عدول ثلاثة : شعبة، ومالك، ويحيى بن سعيد . وذكر الخطيب عن عبد الرحمن بن مهدي ذلك، وذكره البيهقي وزاد عليه : مالك ، ويحيى . قال : وقد يوجد في رواية بعضهم الرواية عن بعض الضعفاء لخفاء حاله ، كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق. مسألة [ التعديل المبهم] التعديل المبهم، كقوله حدثني الثقة ونحوه من غير أن يسميه لا يكفي في التوثيق، كما جزم به أبو بكر القفّال الشاشي ، والخطيب البغدادي ، والصَّيرفي ، والقاضي أبو الطيب ، والشيخ أبو إسحاق ، وابن الصَّباغ ، والماوَرْدي ، والرُّؤْياني . قال: وهو كالمرسل . قال ابن الصَّباغ : وقال أبو حنيفة : يقبل. والصحيح الأول، لأنه وإن كان عدلا عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره؛ بل قال الخطيب : لو صرح بأن جميع شيوخه ثقات، تم روى عمن لم يسمه أنا لا نعمل بروايته ، لجواز أن نعرفه إذا ذكره بخلاف العدالة، قال : نعم، لو قال العالم : كل من أروي عنه وأسميه فهو عدل مرضي مقبول الحديث ، كان هذا القول تعديلا لكل من روى عنه وسماه كما سبق . وفي المسألة أقوال أخرى : أحدها : أنه يقبل مطلقا ، كما لو عينه ، لأنه مأمون في الحال . والثاني : التفصيل بين من يعرف من عادته إذا قال : أخبرني الثقة أنه أراد رجلا بعينه ، وكان ثقة فيقبل ، وإلا فلا، حكاه شارح ((اللمع)) اليماني عن صاحب ((الإرشاد)). ٢٩١ الثالث : وحكاه ابن الصلاح عن اختيار بعض المحققين، أنه إن كان القائل لذلك عالما أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه ، كقول مالك : أخبرنى الثقة ، وكقول الشافعي ذلك في مواضع ، وهو اختيار إمام الحرمين ، وعليه يدل كلام ابن الصباغ في العدّة ، فإنه قال : إن الشافعي لم يورد ذلك احتجاجا بالخبر على غيره ، وإنما ذكر لأصحابه قيام الحجّة عنده على الحكم وقد عرف هو من روى عنه . [المراد بالثقة عند مالك والشافعي] وقال القاضي أبو الطيب : إنما يقول الشافعي ذلك لبيان مذهبه، وما وجب عليه مما صح عنده من الخبر، ولم يذكره احتجاجا على غيره . وقيل: إنه قد كان أعلم أصحابه بذلك، ولهذا قيل في بعضهم : إنه أحمد بن حنبل، وفي بعضهم على بن حسان، وفي بعضهم ابن أبي فُدَيْك، وسعيد بن سالم القداح وغيرهم . وقيل: إنه ذكر فيما يثبت من طرق مشهورة . وقال الماوَرْدي والرُّوْياني: وأما تعبير الشافعي بذلك فقد اشتهر أنه يعني به إبراهيم بن إسماعيل، فصار كالتسمية له . وقال ابن برهان: اختلف فيه، فقيل : إنه كان يريد مالكا . وقيل: بل مسلم بن خالد الزَّنْجِي، إلا أنه كان يرى القَدَر، فاحترز عن التصريح باسمه لهذا المعنى . ا هـ . وقال أبو حاتم : إذا قال الشافعي أخبرني الثقة عن ابن أبي ذِئْب : فهو ابن أبي فُدَيْك ، وإذا قال أخبرني الثقة : قال : الليث بن سعد ، فهو يحيى بن حسان. وإذا قال : أخبرني الثقة عن الوليد بن كثير، فهو عمرو بن أبي سلمة. وإذا قال: أخبرني الثقة، عن [ابن] جريج، فهو مسلم بن خالد الزَّنْجي. وإذا قال: أخبرني الثقة عن صالح مولى التّوْأمة، فهو إبراهيم بن أبي يحيى. وقال بعضهم : حيث قال مالك: عن الثقة عنده ، عن بكير بن عبدالله بن الأشج ، فالثقة مخرمة بن بكير، وحيث قال : عن الثقة، عن عمرو بن شعيب، فقيل : الثقة عبدالله بن وهب ، وقيل : الزهري . وحكى البيهقي في باب الاستثناء من ((المعرفة)) عن الربيع إذا قال الشافعي : أخبرنا الثقة، يريد يحيى بن حسان، وإذا قال : من لا أتهم، فإبراهيم بن أبي ٢٩٢ يحيى، وإذا قال : بعض الناس، يريد أهل العراق، وإذا قال : بعض أصحابنا يريد به أهل الحجاز . ثم قال : قال الحاكم : قد أخبر الربيع عن الغالب من هذه الروايات ، فإن أكثر ما رواه الشافعي عن الثقة هو يحيى بن حسان . وقد قال في كتبه : أخبرنا الثقة . والمراد به غير يحيى بن حسان. وقال البيهقي : وقد فصل ذلك شيخنا الحاكم تفصيلا على غالب الظن ، فذكر في بعض ما قاله : أخبرنا الثقة ، أنه أراد به إسماعيل بن علية ، وفي بعضه أبا أسامة ، وفي بعضه عبد العزيز بن محمد، وفي بعضه هشام بن يوسف الصنعاني، وفي بعضه أحمد بن حنبل أو غيره من أصحابه ، ولا يكاد يعرف ذلك باليقين إلا أن يكون قَّدَ كلامه في مواضع أخر. اهـ مسألة [ قول "لاأتَّهِم" هل هو تعديل؟] فلو قال : لا أتهم ، فلا يقبل في التعديل. قاله الماوَرْدي والرُّؤْياني، وكذا قال أبو بكر الصَّيْرفي في كتاب ((الأعلام)) إذا قال الْمُحَدِّث: حدثني الثقة عندي، أو حدثني من لا أتهمه لا يكون حجة ، لأن الثقة عنده ، قد لا يكون ثقة عندي ، فأحتاج إلى علمه . ا هـ . مسألة [ هل يجب ذكر سبب الجرح والتعديل ] الجرح والتعديل، هل يقبلان أو أحدهما من غير ذكر سبب، فيه خلاف ، منشؤه أن المعدِّل والمجرِّح هل هو مخبر فيصدَّق ، أو حاكم ومفت فلا يقلد ؟ أحدها: وهو الصحيح يقبل التعديل من غير سبب، بخلاف الجرح، لأن أسباب التعديل كثيرة، فيشق ذكرها، بخلاف الجرح، فإنه يحصل بأمر واحد، ٢٩٣ والاختلاف في سبب الجرح، فربما ذكر شيئا لا جرح فيه، كما حكي عن شُعْبة أنه قيل له : لم تركت حديث فلان ؟ قال رأيته يركِّض بِرْذَوْناً ، فتركت حديثه . قال الصَّيْرفي : ولأن الشافعي حكى أنه وقف عند بعض القضاة على رجل يجرح رجلا فسئل، فقال : رأيته يبول قائما . فقيل له : فما بوله قائما ؟ قال يترشرش عليه ويصلى . فقيل له : رأيته بال قائما يَتَرَشْرَش عليه ثم صلى؟ فلم يكن عنده جواب . ولأنه عليه السلام بال قائما . وهذا القول هو المنصوص للشافعي، وقال القرطبي: هو الأكثر من قول مالك. قال الخطيب: وذهب إليه الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده كالبخاري ومسلم . والثاني : عكسه، لأن مطلق الجرح مبطل الثقة ، ومطلق التعديل لا يحصل به الثقة لتسارع الناس إلى الظاهر ، فلا بد من السبب. ونقله الإمام في ((البرهان))، وإلْكِيا في ((التلويح))، وابن برهان في ((الأوسط))، والغزالي في ((المنخول)) عن القاضي ، وقال إمام الحرمين : إنه أوقع في مأخذ الأصول ، وما حكوه عن القاضي وَهَم ، لما سيأتي . والثالث : أنه لا بد من السبب فيهما أخذا بمجامع كل من الفريقين، وبه قال الماوَرْدي . وقد روي أن عمر (رضي الله عنه) زُكَي عنده رجل فسأل المزكي عن أحواله فظهر له مالا يكتفي به . ٢٣٢ / ب والرابع : عكسه وهو أنه لا يجب ذكر السبب / فيهما ، لأنه إن لم يكن بصيرا بهذا الشأن لم يصلح للتزكية ، وإن كان بصيرا به فلا معنى للسؤال ، وهذا هو اختيار القاضي أبي بكر. كذا نص عليه في ((التقريب))، وكذا نقله عنه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) والغزالي في ((المستصفى))، وأبو نصر بن القشيري في كتابه، ورد على إمام الحرمين في نقله عنه ما سبق، وكذا نقله الماوردي في ((شرح البرهان)» والقرطبي في ((الأصول))، والآمدي والإمام الرازي ، والهندي . والخامس : إن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقہ فیھما، وإن لم يعرف اطلاعه على شرائطهما استخبرناه عن أسبابهما . وقال القاضي في ٢٩٤ ((التقريب)): إن بعض أصحاب الشافعي عزاه للشافعي . قلت : وهو ظاهر تصرفه ، فإن وجد له نص بالإطلاق حمل على ذلك ، ولا يخرج قولان . وقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري في تعليقه في باب الأواني : إن مَنْ أخبر بنجاسة الماء يعتمد خبره إذا بين السبب ، ثم قال: قال الشافعي في ((الأم)): اللهم إلا أن يعلم من حال المخبر أنه يعلم أن سؤر السباع طاهر ، وأن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس ، فيقبل قوله عند الإطلاق. هذا كلامه ، وهو قول إمام الحرمين ، والغزالي ، والرازي . وقال الهندي : إنه الصحيح ، وإليه ميل كلام الخطيب ، ويحتمل أن يكون هذا هو مذهب القاضي، لأنه إذا لم يكن عارفا بشروط العدالة، لم يصلح للتزكية . وهذا حكاه ابن القشيري في كتابه عن إمام الحرمين. قال : وقد أشار القاضي إلى هذا في ((التقريب)) أيضا. وحكاه إلْكِيا الطبري عن إمام الحرمين بلفظ : إن کان لا يطلق التعدیل إلا بعد استقصاء، کمالك، فمطلق تعدیلہ کاف، وإن كان من المتساهلين فلا . ثَمَّ قال : ويرد عليه أنه إذا كان من العالمين بشرائط العدالة فالظن أنه استقصى، وتقدير خلاف ذلك فيه نسبة إلى مخالفة الشرع . فإن علم من حاله ذلك وإلا فليس هو من أهل التعديل، وكلامنا في التعديل المطلق فيمن هو من أهل التعديل، فإن من الناس من يقول : هو وإن كان من أهل التعديل إلا أنه عرضة للغلط ، فلا بد وأن يبين لنا المستند ، لئلا نكون مقلدين غير معصوم ، وهذا هو الأصل إلا أن يسقط اعتباره . والإمام يقول: المعتبر غلبة الظن ، متى حصلت، وإذا لاح لنا من حال مثل مالك أنه لا يتساهل، حصلت غلبة الظن ، فيقال : غلبة الظن لا بد أن تستند إلى ضابط الشرع الواضح . وقد روينا (١) من روى عنه مالك في الموطأ ، وقد طعن فيه غيره ، مثل عبدالله بن أبي بكر ، فإنه من رجال الموطأ ، وقد قدح فيه سفيان بن عيينة ، فلا بد من بيان حاله إلا أن هـ يتضمن ذلك عسراً، كما قاله الشافعي . (١) لعل الصواب: ((وقد روينا عمن روى عنه)). ٢٩٥ وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)) وقد حكى هذا المذهب : ينبغي أن يشترط في هذا عند التعديل بين يدي الحاكم شرط آخر ، وهو اتفاق مذهبه مع مذهب المعدل في الشرائط المعتبرة في التزكية ، وإلا فمن يعتقد أن المسلم على العدالة ، ويكتفى بظاهر الحال، فقد يزكي من لا يقبله مَنْ يخالفه في هذا المذهب، وكذا إذا ظهر في مزكي الرواة أن هذا مذهب لذلك المزكي ، فلا ينبغي أن يكتفي به من يخالفه في هذا المذهب . تفريع [هل يكفي في الجرح المجمل] وإذ ثبت أن بيان السبب في الجرح شرط ، قال أصحابنا ومنهم الصَّيرفي ، وابن فُورَك والقاضي أبو الطيب : لا يقبل قولهم : فلان ليس بشيء، ولا فلان ضعيف ، ولا لينَ ، ما ذا بالكذاب؟ استفسر ، وقيل له : ما تعني ؟ أتعمُدَ الكذب ؟ فإن قال : نعم ، توقف في خبره وإلا فلا ، لأن الكذب لغة يحتمل الغلط ، ووضع الشيء في غير موضعه، ومنه قوله : كذب أبو محمد في حديث الوتر . يعني : غلط . وادعى النووي في ((شرح مسلم)) أن معنى قولهم : لا يقبل الجرح المطلق ، وجوب التوقف عن العمل بحديثه إلى أن يبحث عن السبب . قلت : وفيه نظر لما سبق ، ويحتمل التفصيل بين من عرفت عدالته فلا أثر للجرح المطلق ، وبين غيره . واستثنى ابن القَطَّان المحدّث من هذا الأصل ما إذا كان الراوي لا يعلم حاله ، ولا وثقه موثق . قال : فيقبل فيه الجرح وإن لم يفسر ما به جرحه ، لأنا قد كنا نترك حديثه بما عدمنا من معرفة ثقته . قلت : وفي الحقيقة لا يستثنى . وحكى ابن عبد البر في ((التمهيد)) عن محمد بن نصر المرَوْزي أن من ثبتت عدالته برواية أهل العلم عنه وحملهم حديثه ، فليس يقبل فيه تجريح أحد حتى يثبت عليه ذلك بأمر لا يجهل يكون به جرحه ، فأما قولهم : فلان كذاب ، فليس مما يثبت به جرح، حتى يبين ما قاله. ووافقه على ذلك. وأنكره عليهما أبو الحسن بن المفوِّز. وقال: بل الذى عليه أئمة الحديث قبول ٢٩٦ تعديل من عدل وتعديل وتجريح من جرَّح، لمن عرف واشتهر بأمانته ومعرفته بالحديث لا خلاف بينهم فيه. إذا تعارض الجرح المفسَّر والتعديل في راو واحد فأقوال : أحدها : يقدم الجرح مطلقا ، وإن كان الذي عدل أكثر، وهذا ما جزم به الماوَرْدي والرُّؤْياني وابن القُشَيْري . وقال : نقل القاضي فيه الإجماع ، ونقل الخطيب والباجي عن جمهور العلماء . وقال الآمدي والرَّازي وابن الصلاح : إنه الصحيح ، لأن مع الجارح زيادة علم ، لم يطلع عليها المعدِّل . قال ابن دقيق العيد : وهذا إنما يصح مع اعتقاد المذهب الآخر ، وهو أن الجرح لا يقبل إلا مفسَّرا ، وبشرط آخر وهو أن يكون الجرح بناء على أمر مجزوم به ، أي بكونه جارحا لا بطريق اجتهادي ، كما اصطلح أهل الحديث على الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي مع اعتبار حديث غيره . والنظر إلى كثرة الموافقة والمخالفة والتفرد والشذوذ . اهـ . وقد استثنى أصحابنا من هذا ما إذا جرحه لمعصية ، وشهد الآخر أنه قد تاب منها ، يقدم التعديل، لأن معه زيادة علم . والثاني : عكسه ، وهو تقديم التعديل ، لأن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحا ، والمعدل إذا كان عدلا مثبتا لا يعدل إلا بعد تحصيل الموجب لقبوله جزما . حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقضية هذه العلة تخصيص الخلاف بالجرح غير المفسر . والثالث: يقدم الأكثر من الجارحين أو المعدلين. حكاه في ((المحصول))، لأن كثرتهم تقوي حالهم . ورده الخطيب . والرابع : أنهما متعارضان ، فلا يقدم أحدهما إلا بمرجح ، حكاه ابن الحاجب ثم جعل القاضي في ((التقريب)) الخلاف / فيما إذا كان عدد المعدلين أكثر، فإن ٢٣٣ / أ استويا قدم الجرح بالإجماع، وكذا قال الخطيب البغدادي في ((الكفاية))، وأبو الحسين بن القَطَّان في كتابه، وأبو الوليد الباجي في ((الأحكام))، وليس كما قالوا، ٢٩٧ . ففيه الخلاف . وممن حكاه أبو نصر بن القشيري، وأنه نصب الخلاف فيما إذا استوى عدد المعدلين والجارحين . قال : فإن كثر عدد المعدلين، وقل عدد الجارحين، تقبل العدالة في هذه الصورة أولى . واختار القاضي تقديم الجرح . وقال المازري : قد حكى ابن شعبان في كتابه ((الزاهي)) الخلاف عند تساويهما في العدد . أما إذا زاد عدد المجرحين فلا وجه لجريان الخلاف، وبه صرح الباجي فقال : لا خلاف في تقديم الجرح . وقال الماوَرْدي : لا شك فيه، وهو أولى بأن يكون إجماعا على نقل القاضي أبي بكر . قال : وصورة المسألة حيث لم يمكن الجمع بين القولين، فإن قال أحدهما : هو عدل، والآخر هو مجروح، قدم الجرح قطعا، ولا يحسن فيه إجراء خلاف، وإن اختلف العدد لأن التعديل مبناه على الظاهر بخلاف الجرح . قال الباجي : فلو نص المجرح على سببه في وقت بعينه، ونفاه العدد، تعارضا . قال : وفيه نظر . وقال الهندي في ((النهاية)): متى كان الجرح مطلقا أو معينا بذكر سببه، ولم يمكن ضبطه كقوله : رأيته يشرب أو سمعت منه الكذب، قُدِّم على التعديل؛ لأنه زيادة لم يطلع عليها المعدِّل، ولا نفاها، فإن نفاها بطلت عدالته، لعلمنا بمجازفته وجزمه فيما لا يمكن فيه الجزم، وإن كان معينا بذكر سبب ينضبط به، ويمكن أن يعلم كقوله: رأيته قد قتل فلانا، فإن لم يتعرض المعدّل لنفيه بل اقتصر على التعديل مطلقا، أو مع سببه فكالعدم وإن تعرض لنفيه بأن قال : رأيته حيا، بعد ذلك فهما يتعارضان، ويصار إلى الترجيح بنحو كثرة العدد والضبط وزيادة الورع وغيرها . ٢٩٨ فصْل فى عَدَالةُ الصَّحَابَةِ وما ذكره مما سبق من شرط البحث عن العدالة في الراوي إنما هو في غير الصحابة ، فأما فيهم فلا ، فإن الأصل فيهم العدالة عندنا ، لقوله تعالى : ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [سورة آل عمران/١١٠] وفي الصحيح: (خير القرون قرني) . فتقبل روايتهم من غير بحث عن أحوالهم . قال القاضي : هو قول السلف، وجمهور السلف(١)، وقال إمام الحرمين: بالإجماع . قال : ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة . ولو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول عليه السلام، ولما استرسلت على سائر الأعصار . وقال إلْكِيا الطبري : وعليه كافة أصحابنا . وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فتلك أمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد، والمخطىء معذور؛ بل ومأجور . وكما قال عمر ابن عبد العزيز : تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا نخضب بها ألسنتنا . قال الصَّيْرفي والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وغيرهم : وأمَّا أَمْر أبي بكرة وأصحابه ، فلما نقص العدد أجراهم عمر (رضى الله عنه) مجرى القذفة ، وحدّه لأبي بكرة بالتأويل ، ولا يوجب ذلك تفسيقا، لأنهم جاءوا مجيء الشهادة، وليس بصريح في القذف . وقد اختلفوا في وجوب الحدّ فيه، وسَوَّغ فيه الاجتهاد ، ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه الاجتهاد . ومن الناس من يزعم أن حكمهم في العدالة كحكم غيرهم . فيجب البحث عنها؛ وهو قضية كلام أبي الحسين بن القَطّان من أصحابنا، فإنه قال : وحشي قتل حمزة، وله صحبة . والوليد شرب الخمر . قلنا : من ظهر منه خلاف العدالة لم يقع عليه اسم الصحبة . والوليد ليس بصحابي ، لأن الصحابة إنما هم الذين كانوا على الطريقة . اهـ. وهو غريب فقد ذكرهما المحدثون في كتب الصحابة . (١) كذا في الأصل، ولعله: وجمهور الخلف. ٢٩٩ وقيل : حكمهم العدالة قبل الفتن لابعدها، فيجب البحث عنهم، وقيل : عدول إلا من قاتل عليّاً . فلا تقبل روايته ولا شهادته . وقيل به في الفريق الآخر . وقيل : الحديث بالعدالة يختص بمن اشتهر منهم، والباقون كسائر الناس ، منهم عدول وغير عدول . وكل هذه الأقوال باطلة . والصحيح الأول وعليه جمهور السلف والخلف ، ومن الفوائد ما قاله الحافظ جمال الدين المزي : إنه لم يوجد رواية عمن يلمز بالنفاق من الصحابة . وقال المازري : العدالة لمن اشتهر منهم بالصحبة دون من قلت صحبته ، أو كان له مجرد الرؤية ، فقال : لا نعني بالعدل كل من رآه اتفاقا أو زاره لماماً ، أو ألمّ به، وانصرف من قريب، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه، وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه. وهذا قول غريب ، يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حُجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، وأمثالهم، ممن وفد عليه وَلّ، ولم يقم إلا أياما قلائل، ثم انصرف . وكذلك من لم يعرف إلا برواية الواحد أو الاثنين، فالقول بالتعميم هو الصواب كما هو قضية إطلاق الجمهور . [المراد بعدالة الصحابة] وقال الأبْياري : وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة، وطلب التزكية، إلا من يثبت عليه ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ، والحمد لله ، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله وَلقر، حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح . وما صح فله تأويل صحيح . ولا عبرة برد بعض الحنفية روايات أبي هريرة ، وتعليلهم بأنه ليس بفقيه ، فقد عملوا برأيه في الغسل ثلاثا من ولوغ الكلب وغيره ، وقد ولاّه عمر الولايات الجسيمة . ويتخرج على هذا الأصل مسألة، وهي أنه إذا قيل في الإسناد عن رجل من أصحاب النبي وَ ﴿، كان حجة ، ولا تضر الجهالة به ، لثبوت عدالتهم . وخالف ٣٠٠