Indexed OCR Text
Pages 241-260
وفي المسألة مذهب ثالث : وهو أنه بَيْ المكتسب والضروري، وهو أقوى من المكتسب، وليس في قوة الضروري. قاله صاحب ((الكبريت الأحمر)). ورابع : وهو الوقف . ذهب إليه الشريف المُرْتَضَى . وقال صاحب ((المصادر)): إنه الصحيح. واختاره الآمدي . وإذا قلنا بأنه نظري ، فهو بطريق التوليد عند القائلين به ، وإلا ففيه خلاف عندهم ، لترتبه على فعل اختياري ، ووجه الآخر القياس على سائر الضروريات . الرابعة: إذا ثبت وقوع العلم عنه، وأنه ضروري، فاختلفوا إلى ماذا يستند؟ فالجمهور أطلقوا القول باستناده إلى الأخبار المتواترة ، وأنكر إمام الحرمين هذا ، ورأى أنه يستند إلى القرائن . ومنها كثرة العدد الذي لا يمكن معه التواطؤ على الكذب ، وطرد أصله . هذا في خبر الواحد إذا احتفت به قرائن . وقال : إنه، يفيد القطع . الخامسة : أن هذا العلم عادي لا عقلي، لأن العقل يجوِّز الكذب على كل عدد، وإن عظم . وإنما هذه الاستحالة عادية . السادسة: قال ابن الحاجب في ((مختصره الكبير)): اتفق العلماء غير شذوذ على أن خبر التواتر لا يولد العلم . لنا أنه موجود ويمكن ، وكل موجود يمكن ليس إلا بخلق الله . وقال القاضي في ((التقريب)): القول في أن العلم به يقع مبتدأ من فعل الله سبحانه غير متولد عن الخبر ، لأن القول بالتولد باطل في أفعال الله تعالى وأفعال خلقه، على ما بيناه في أصول الديانات . السابعة : إذا أخبر واحد بحضرة خلق كثير ، لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب ، ولم يكذّبوه وعلم أنه لو كان كذبا لعلموه ، ولا حامل لهم على سكوتهم، كالخوف والطمع، يدل على صدقه قطعا. قاله القاضي أبو الطيب، وسليم، والشيخ أبو إسحاق ، والأستاذ أبو منصور ، وإمام الحرمين، وابن القشيري، والغزالي، وابن الصباغ ، واختاره ابن الحاجب . قال الأستاذ : وبهذا النوع أثبتنا كثيرا من معجزات الرسول . ٢٤١ قال ابن الصباغ : لكن العلم بذلك نظري ، بخلاف المتواتر ، فإنه ضروري . وقيل : ليس صدقه قطعيا ، واختاره الإمام الرازي والآمدي لجواز أن يكون لهم اطلاع على كذبه أو صدقه ، أو اطلع بعضهم دون بعض ، والعادة لا تحيل سكوت هذا البعض . وبتقدير اطلاع الكل يحتمل أن مانعاً منعهم من التصريح بتكذيبه ، ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه . وهذه الاحتمالات ضعيفة ، لأن المسألة مفروضة عند انتفائها كما نبه عليه ابن الحاجب وغيره ، فحيئنذ سكوتهم بمثابة قولهم : صدقت . وفَصَّل القاضي في ((التقريب)) وابن القُشَيْري فقالا : إن أخبر بأمر ضروري دل على الصدق ، وإن أخبر بأمر نظري، فسكتوا لم يكن سكوتهم بمثابة تصريحهم بالحكم ، لأن المحل محل الاجتهاد . وفصل ابن السَّمْعاني بين أن يتمادى على ذلك الزمن الطويل ، ولا يظهر منهم منكر ، فيدل على الصدق ، وإلا فلا . قال : وأَلحق به بعضهم أن يكون الخبر مضافا إلى حال قد شاهدها كثير من الناس، ثم يرويه واحد واثنان، ويسمع برواياته سائر من شهد الحال، فلا ينكره، فيدل ترك إنكارهم له على صدقه ، لأنه ليس في جارى العادة إمساكهم جميعا عن رد الكذب ، وترك الإنكار . وقال : وعلى هذا وردت أكثر سِير النبي عليه السلام ، وأكثر أحواله في مغازيه . قال : وهذا وجه حسن جدا . الثامنة : إذا أخبر واحد بحضرته عليه السلام، ولا حامل له على الكذب، ولم ينكره، فيدل على صدقه قطعا في المختار، خلافا للآمدي، وابن الحاجب. وممن جزم بالأول القاضي أبو الطيب، وسليم، والشيخ أبو إسحاق والأستاذ أبو منصور، وابن السَّمْعاني؛ لكن شرطا أن يدعي علم النبي عليه السلام به . ولا یکذبه . وقيل : إن كان عن أمر دنيوي لم يدل على صدقه ، أو ديني دل . واختاره الهندي بشروط التقرير ، وهو ظاهر كلام ابن القُشَيْري ؛ فإنه قال : إذا أخبر المخبر بين يدي النبي ◌َّ فيما يتعلق بأحكام الشرع، فتقرير الرسول على إخباره، ٢٤٢ ولا ينكره عليه مع دلالة الحال على انتفاء السهو والنسيان عنه - عليه السلام - يدل على صدقه قطعا . والحق أن هذا الخبر إن كان عن أمر ديني فإنما يجزم بصدقه بشروط : أحدها : أن يكون وقت العمل به قد دخل ، وإلا فلا ، لأن ترك الإنكار يحتمل ، لأن له تأخير البيان إلى وقت الحاجة . ثانيها : أن لا يكون سكوت النبي عليه السلام قد تقدمه بيان حكم تلك الواقعة ، فإنه لا يجب عليه تكرير البيان كل وقت ، فلعله حينئذ إنما ترك الإنكار لاعتماده على ما تقدم من البيان . ثالثها : أن يكون ما أخبر به مما يمكن أن يشرع ، فلو قال قائل : أوجب الله على الناس الطيران أو ترك التنفس ، لجاز أن يكون سكوته عن الإنكار لعلمه أن مثل هذا القول مما لا يصغى إليه . وإن كان عن أمر دنيوي فقد قيل أيضا : إنه يجزم بصدقه إذا عُلِمَ عِلْمُ الرسول بالواقعة، وضعفه آخرون، وقالوا : الرسول لا يلزمه تبيين الأمور الدنيوية، ولا يلزمه الإنكار على الكاذب إذا لم يحلف . تنبيه : العلم في هذا والذي قبله نظري لوقوعه عن النظر والاستدلال . قاله القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)). التاسعة : خبر الواحد إذا صار إلى التواتر في العصر الثاني أو الثالث أو الرابع فهوِ مقطوع / بصدقه. قاله الأستاذ أبو منصور. قال : وخالف أهل البدع ، ٢٢٥ / ١ ومَثَّله بالأخبار الواردة في الرؤية والقدر وعذاب القبر والحوض والميزان والشفاعة وخبر الرجم والمسح على الخف ونحوه . العاشرة : خبر الواحد والطائفة المحصورة إذا أجمع الفقهاء على قبوله والعمل ربه كإجماعهم على الخبر المروي في ميراث الجدة، وفي (أنه لا وصية لوارث)، وفي أنه (لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها) يدل على الصدق قطعا عند الأستاذين أبي ٢٤٣ إسحاق وتلميذه أبي منصور ، والقاضي أبي الطيب ، والشيخ أبي أسحاق ، وسليم الرازي ، وابن السَّمْعاني . ونقله الغزالي في ((المنخول)) عن الأصوليين . ونقله إلكِيا الطبري عن الأكثرين . ونقل عن الكَرْخي وأبي هاشم وأبي عبدالله البصري . وقال الحارث المحاسبي في كتاب ((فهم السنن)): إن الأمة مجمعة على إثباته ، وأنه حق وصدق ، ومثله بخبر (في خمس أواق ، وخمس ذود، وعشرین دینارا، وأربعين من الغنم الزكاة) . قال : كما أنها إذا أجمعت على ترك الخبر وعدم العلم به دل على خلافه . وذهب القاضي أبو بكر إلى أنه لا يدل على القطع بصدقة ، وإن تلقوه بالقبول قولا ونطقا، وقصاراه غلبة الظن. واختاره إمام الحرمين والغزالي وإلْكِيا الطبري وغيرهم ، فإن تصحيح الأمة للخبر يجري على حكم الظاهر ، فإذا استجمع شروط الصحة أطلق عليه المحدثون الصحة ، فلا وجه للقطع والحالة هذه . وقيل : بالتفصيل بين أن يتفقوا على العمل به، فلا يقطع بصدقه ، وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد ، وإن تلقوه بالقبول قولا ونطقا حكم بصدقه . ونقله إمام الحرمين عن ابن فُورَك . وقال المازري : الإنصاف التفصيل ، فإن لاح من سائر العلماء مخايل القطع والتصميم وأنهم أسندوا التصديق إلى يقين ، فلا وجه للتشكيك ، ويحمل على أنهم علموا صحة الحديث من طرق خفيت علينا ، إما بأخبار نقلت متواترة ، ثم اندرست أو بغيرها . وإن لاح منهم التصديق مستندا إلى تحسين الظن بالعدول بالبدار إلى القبول فلا وجه للقطع . ا هـ . وقال إِلْكِيا الطبري : فأما إذا اجتمعت الأمة على العمل بخبر الواحد لأجله ، فهذا هو المسمى مشهورا عند الفقهاء ، وهو الذي يكون وسطه وآخره على حد التواتر ، وأوله منقول عن الواحد ، ولا شك أن ذلك لا يوجب العلم ضرورة ، فإنه لو أوجبه ثبتت حجة النصارى واليهود والمجوس في أشياء نقلوها عن أسلافهم ، ونحن نخالفهم . ٢٤٤ وقد قال أبو هاشم في مثل ذلك : إن توافق الأمة على العمل به يدل على أن الحجة قد قامت به في الأصل ، لأن عادتهم فيما قبلوه من الأخبار قد جرت بأن ما لم تقم به الحجة لا يُطبقون على قبوله فلما أطبقوا على قبوله فقد عظموا النكير على من خالفهم . ومنه أخبار أصول الزكاة والعبادات ، ولذلك اختلفوا فيما لم تقم به الحجة من الأخبار، كرواية برْوَع بنت وَاشق ، وروايات أبي هريرة . قال : وبمثله احتججنا بالأخبار الواردة على صحة الإجماع ، فإنها وإن كانت أخبار آحاد ، ولكن تلقتها الأمة بالقبول، ومنعت بسببها مخالفة الإجماع، وشددت النكير على المخالف . فإن قيل : خبر الواحد ظني ، ولا يتفق جمع لا يحصون على الظن ، كما لا يتفقون على القياس ؟ قيل : الصحيح جواز استناد الإجماع إلى القياس . ونقل إلكِيا الطبري عن القاضي أبي بكر أنه قال : لا تتصور هذه المسألة ، لأن خبر الواحد إذا لم يوجب العلم ، فلا يتصور اتفاق الأمة على انقطاع الاحتمال حيث لا ينقطع ، واختار ذلك ابن برهان ، فقال : عدد التواتر إذا أجمعوا على العمل عن الواحد لم يصر متواترا ، وهل يفيد القطع أم لا ؟ قال : ولا يتصور هذا ، لأن خبر الواحد مظنون ، والظني لا ينقلب قطعيا . ونقل إمام الحرمين عن القاضي أبي بكر أن تلقي الأمة بالقبول لا يقتضي القطع بالصدق للاحتمال . ثم قال : ثمَّ قيل للقاضي : لو دفعوا هذا الظن ، وباحوا بالصدق ؟ فقال مجيبا : لا يتصور هذا ، فإنهم لا يصلون إلى العلم بصدقه، ولو نطقوا لكانوا مجازفين ، وأهل الإجماع لا يجمعون على باطل . قال أبو نصر بن القُشَيْري: هكذا ذكره الإمام ، وقد حكيت عن القاضي أنه بينَّ في كتاب ((التقريب)) أن الأمة إذا أجمعت أو أجمع أقوام لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب من غير أن يظهر فيهم التواطؤ على أن هذا الخبر صدق - كان ذلك دليلا على الصدق . قال : فهذا عكس ما حكاه الإمام عنه . وقوله : إنهم لو نطقوا بهذا عن أمر علموه ، ذلك كلام لا يستند، لأنا لا نطالب أهل الإجماع بمستند إجماعهم . وقال : ولعل ما حكاه الإمام فيما إذا تلقته الأمة بالقبول ولكن لم ٢٤٥ يحصل إجماع على تصديق المخبر، فهذا وجه الجمع . اهـ. وهو بعيد . وكلام الإمام يأباه . وجزم القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) بصحة ما إذا تلقوه بالقبول ، قال : وإنما اختفلوا فيما إذا أجمعت على العمل بموجب الخبر لأجله، هل يدل ذلك على صحته أم لا ؟ على قولين . قال : وكذلك إذا عمل بموجبه أكثر الصحابة ، وأنكروا على من عدل عنه ، فهل يدل على صحته وقيام الحجة به كحديث أبي سعيد وعبادة في الربا ، وتحريم المتعة . فذهب الجمهور إلى أنه لا يكون حجة بذلك . وذهب عيسى بن أبان إلى أنه يدل على حجيته . قال : فهذا فرع الكلام في خلاف الواحد والاثنين ، هل يكون خلافا معتدا به ؟ والصحيح الاعتداد به ، وحينئذ يمتنع مع هذا أن لا يدل على صحة الخبر. اهـ . وقال ابن الصلاح : إن جميع ما اتفق عليه البخاري ومسلم مقطوع بصحته، لأن العلماء اتفقوا على صحة هذين الكتابين، والحق أنه ليس كذلك، إذ الاتفاق إنما وقع على جواز العمل. بما فيهما، وذلك لا ينافي أن يكون ما فيهما مظنون الصحة ، فإن الله تعالى لم يكلفنا القطع، ولذلك يجب الحكم بموجب البينة، وإن لم تفد إلا الظن . مسألة [إجماعهُمْ عَلَى العَمَل عَلى وقفْ الخَبرْ، لا يقتضى صحَة الخَبَرْ] أما إجماعهم على العمل على وفق الخبر، فلا يقتضي صحته فضلا عن القطع به ، فقد يعملون على وفقه بغيره. جزم به النووي في ((الروضة)» في كتاب القضاء. وفي المسألة خلاف سيأتي في باب الإجماع إن شاء الله. إما إذا افترقت الأمة شطرين ، شطر قبلوه، وعملوا بمقتضاه ، والشطر الآخر اشتغل بتأويله ، فلا يدل على صحته على وجه القطع عند الأكثرين، كما قاله ٢٢ / ب الهندي. وقال: إنه الحق، وظاهر كلام الشيخ في ((اللمع)) يقتضي أنه يفيد / ٢٤٦ القطع ، فإنه قال : خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يقطع بصدقه ، سواء عمل الكل به أو البعض وتأوله البعض. اهـ. وتبعه ابن السَّمْعاني في ((القواطع)). الحادية عشرة : خبر الواحد المحفوف بالقرائن، ذهب النّظام وإمام الحرمين والغزالي إلى أنه يفيد العلم القطعي ، واختاره الرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي والهندي وغيرهم ، وهو المختار . ويكون العمل ناشئاً عن المجموع من القرينة والخبر ، وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد . الثانية عشرة: ينقسم التواتر باعتبارات : أحدها : إلى ما يتواتر عند الكافة، وإلى ما يتواتر عند أهل الصناعة ، كمسألة عدم قتل المسلم بالذمي ، فإنها متواترة عند الشافعية دون الحنفية . والأول منكره معاند كافر كمنكر القرآن ، بخلاف السنة . إذ جاز أن يختص بذلك أهل الحديث دون غيرهم . فإن قيل : فما قولك في البسملة إذا ادعيتم التواتر بكونها من الفاتحة ، وخالفكم فيه الأئمة ؟ قلنا : لم يقع النزاع في كونها آية من كتاب الله ليكون جاحدها كافرا ، وإنما وقع النزاع في تعدد الموضع واتحاده بعد الاتفاق على تواتر أصلها من القرآن ، قاله أبو العز المقترح : وهو أحسن من جواب ابن الحاجب بقوة الشبهة . ثانيها: التواتر قد يكون لفظيا وقد يكون معنويا، وهو أن يجتمع من سبق ذكرهم على أخبار ترجع إلى خبر واحد ، كشجاعة علي رضي الله عنه ، وجود حاتم. قالوا: ومعجزات النبي وَل تثبت بهذا النوع، وهو دون التواتر اللفظي ، لأجل الاختلاف في طريق النقل . قال أبو نصر بن الصَّباغ في كتاب ((الطريق السالم)) : ولا يجوز أن يكون جميع المنقول بالتواتر المعنوي مُتَقَوَّلاً ، ألا ترى أن من قال : إن الآحاد كلها المروية عنه عليه السلام غير صحيحة ، حكمت العقول بكذبه ، ونطقت أنه لا يجوز أن يتفق بهذه الأخبار كلها متقوّلة ، وإن جاز أن يكون فيها شيء من ذلك . وقال الشيخ أبو إسحاق : ولا يكاد يقع الاحتجاج به إلا في شيء من الأصول ومسائل قليلة في الفروع ، كغسل الرجلين مع الروافض ، والمسح على الخفين مع ٢٤٧ الخوارج . ونازع بعضهم في التمثيل بشجاعة علي، لأن أفعاله في النخل وصفين بأن(١) نقله عدد التواتر عند المحققين المحصلين ، فشجاعته متواترة لفظا ومعنى . تنبيه : [الخبر المتواتر عند أهل الحديث] الخبر المتواتر ذكره الفقهاء والأصوليون وبعض المحدثين . قال ابن الصلاح : وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب ذكره . ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع أهل الحديث . قلت : قد ذكره الحاكم ، وابن عبد البر، وابن حزم ، وغيرهم . وادعى ابن الصلاح أنهم إنما لم يذكروه لأنه لم تشمله صناعتهم ، ولا يكاد يوجد في رواياتهم ، لندرته ، ومن سئل عن مثال له أعياه تطلبه . قال : وليس منه حديث : (إنما الأعمال بالنيات) ، لأن التواتر طرأ عليه في وسط إسناده . نعم ، حديث : (من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) متواتر، رواه الجم الغفير من الصحابة، ومن بعدهم عنهم ، وذكر البزار أنه رواه أربعون رجلا من الصحابة . قلت: وأنكر الحافظ ابن حِبَّان في صدر صحيحه الخبر المتواتر ، فقال : وأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد ، لأن ليس يوجد عن النبي ◌َّ خبر من رواية عدلين ، روى أحدهما عن عدلين وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهى ذلك إلى النبي ◌َّر، فلما استحال هذا وبطل ، ثبت أن الأخبار كلها أخبار آحاد ، ومن رد قبوله فقد رد السنة كلها ، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد . اهـ . وفي هذا ما يردُّ على الحاكم دعواه أن الشيخين اشترطا أن لا يرويا الحديث إلا برواية اثنين عن اثنين ، وهكذا . (١) لعل الصواب بحذف ((بأن)) وتكون العبارة على ذلك: لأن أفعاله في النخل وصفين نقله عدد التواتر. ٢٤٨ فصْل فى المستفيض [تعريف المستفيض والفرق بينه وبين المتواتر]: قيل : إنه والمتواتر بمعنى واحد، وهو الذي جرى عليه أبو بكر الصَّيْرفي والقَفّال الشاشي ، كما رأيته في كتابيهما . وقيل : بل المستفيض رتبة متوسطة بين المتواتر والآحاد ، ونقله إمام الحرمين وأتباعه عن الأستاذ أبي إسحاق ، وجرى عليه تلميذه الأستاذ أبو منصور في كتاب ((معيار النظر))، وابن برهان في ((الأوسط)) فقال : ضابطه أن ينقله عدد كثير يربو على الآحاد ، وينحط عن عدد التواتر . وجعله الآمدي وابن الحاجب قسما من الآحاد . قال الآمدي : وهو ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة والأربعة ، وهو المشهور في اصطلاح المحدثين . وقيل : ((المستفيض)) ما تلقته الأمة بالقبول . وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه ما اشتهر عند أئمة الحديث ، ولم ينكروه . وكأنه استدل بالاشتهار مع التسليم ، وعدم الإنكار على صحة الحديث . وقد أشار ابن فُورَك في صدر كتابه : ((مشكل الحديث)) إلى هذا أيضا . ومَثَّله بخبر: (في الزّقة ربع العشر، وفي مائتي درهم خمسة دراهم) . وقال الرُّؤْياني في ((البحر)): المستفيض : أن يكون الخبر مرة بعد مرة. وليس هناك رتبة تدل على خلافه . والمختار أنه الشائع بين الناس ، وقد صدر عن أصل ، ليخرج الشائع لا عن أصل . وذكر الماوَرْدي في ((الحاوي)) والرُّؤْياني في ((البحر)) تقسيما غريبا جعلا فيه المستفيض أعلى رتبة من المتواتر ، وكل منهما يفيد العلم . فقالا : الخبر على ثلاثة أضرب(١) : أحدها : الاستفاضة ، وهو أن ينتشر من ابتدائه بين البر والفاجر ، ويتحققه العالم والجاهل ، ولا يختلف فيه ، ولا يشك فيه سامع إلى أن ينتهي ، (١) لم يذكر إلا ضربين ويبدو أن الثالث أخبار الآحاد. ٢٤٩ وعنيا بذلك استواء الطرفين والوسط . قالا : وهذا أقوى الأخبار وأثبتها حكما . والثاني : التواتر : وهو أن يبتدىء به الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم ، ويبلغوا قدرا ينتفي عن مثلهم التواطؤ والغلط ، فيكون في أوله من أخبار الآحاد ، وفي آخره من المتواتر . والفرق بينه وبين الاستفاصة من ثلاثة أوجه أحدها : ما ذكرناه من اختلافهما في الابتداء واتفاقهما في الانتهاء . الثاني : أن خبر الاستفاضة لا تراعى فيه عدالة المخبر ، وفي المتواتر يراعى ذلك . والثالث : أن الاستفاضة تنتشر من غير قصد له والمتواتر ما انتشر عن قصد لروايته ، ويستويان في انتفاء الشك ووقوع العلم بهما ، وليس العدد فيهما محصورا ، وإنما الشرط انتفاء التواطؤ على الكذب من المخبرين . قالا : والمستفيض من أخبار السنة مثل عدد الركعات ، والمتواتر منها مثل وجوب الزكوات . هكذا قالا . وهو غريب ؛ لكن قولهما في الاستفاضة موافق لما ٢٠/أ اختاراه من أن الشهادة بالاستفاضة من طرقها أن يكون / قد سمع ذلك من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب ، وهو اختيار ابن الصباغ والغزالي والمتأخرين . قال الرافعي وهو : أشبه بكلام الشافعي . والذي اختاره الشيخ أبو حامد الإسفرايني ، والشيخ أبو إسحاق ، وأبو حاتم القزويني ، أن أقل ما ثبتت به الاستفاضة سماعه من اثنين . وإليه ميل إمام الحرمين . وذكر الرافعي في موضع آخر عن ابن كج ، ونقل وجهين : في أنه هل يشترط أن يقع في قلب السامع صدق المخبر ؟ قال : ويشبه أن يكون هذا غير الخلاف المذكور في أنه هل يعتبر خبر عدد يؤمن فيهم التواطؤ . ٢٥٠ مسألة [إفادة المستفيض العلم ] والمستفيض على القول بالواسطة يفيد العلم في قول الأستاذين أبي إسحاق الأسفرايني ، وأبي منصور التميمي ، وابن فُورَك ، ومثّله أبو منصور في كتابه المعروف ((بالأصول الخمسة عشر)): بالأخبار الواردة في المسح على الخف، وأخبار الرؤية، والحوض ، والشفاعة، وعذاب القبر. ومثّله ابن برهان بحديث : (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث : (لا تنكح المرأة على عمتها)، وقال : الصحيح أنه يفيد ظنا قويًا متأخرا عن العمل، مقاربا لليقين . وسبقه إليه إمام الحرمين، وضعف مقاله الأستاذ بأن العرف واطراد الاعتبار لا يقتضي الصدق قطعا ؛ بل قصاراه غلبة الظن . وقال الأبَياري : كأن الأستاذ أراد أن النظر في أحوال المخبرين من أهل الثقة والتجربة يحصل ذلك . وقد مال إليه الغزالي ، ولا وجه له . نعم ، هو بغلبة الظن لا العلم . وإذا قلنا : إنه يفيد العلم فهو نظري لا ضروري في قول الأستاذين . القسم الثاني فيما يقطع بكذبه وهو أقسام : أحدها: الخبر المعلوم خلافه ، إما بالضرورة كالإخبار باجتماع النقيضين أو ارتفاعهما ، أو بالاستدلال كإخبار الفيلسوف بقدم العالم . الثاني: الخبر الذي لو كان صحيحا لتوفرت الدواعي على نقله متواترا، إما لكونه من أصول الشريعة ، وإما لكونه أمرا غريبا ، كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة . ويتفرع على هذا الأصل مسائل: ٢٥١ منها: بطلان النص الذي تزعم الروافض أنه دلَّ على إمامة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، فعدم تواتره دليل على عدم صحته . قال: إمام الحرمين : ولو كان حقا لما خفي على أهل بيعة السقيفة ، ولتحدثت به المرأة على مغزلها ولا بد أن يخالف أو يوافق . وبهذا المسلك أيضا تبين بطلان قول من يقول : إن القرآن قد عورض ، فإن ذلك لو جرى لما خفي ، والنص الذي تزعم العيسوية أن في التوراة أن موسى عليه السلام آخر مبعوث ، ومستند هذا الحكم الرجوع إلى العادة واقتضائها الاشتهار في ذلك ، والشيعة تخالف في ذلك ، ويقولون : يجوز أن لا يشتهر لخوف أو فتنة ، وهو باطل لما يعلم بالعادة في مثله . وليس من هذا ما قدح به الروافض علينا ، مثل قولهم : إنه عليه السلام حج مرة واحدة . واختلف الناس في نفس حجته اختلافا لم يتحصل المختلفون فيه على يقين ، وكذا الاختلاف في فتح مكة . هل كان صلحا أو عنوة ؟ وكذ الاقامة في طول عهد النبي ◌َّر والخلفاء بعده يختلفون في تثنيتها وإفراده ، مع أن ذلك مما تتوفر فيه الدواعي على نقله . قلنا : أمر القِرَان والإفراد والتمتع واضح ، لأنه لما تقرر عند الكل جواز الكل لم يعتنوا بالتفتيش، ورسول الله وهيّ كان يلقن الخلق إضافة الحج، فناقل الإفراد سمعه يلقن غيره ذلك ، وناقل التمتع كذلك . وكذلك فتح مكة ، نقل أنه على هيئة العنوة والقهر ، وصح أنه لم يأخذ مالا ، وتواتر ذلك . وإنما الخلاف في أحكام جزئية كمصالحة جرت على الأراضي وغيرها مما يتعلق بها منع بيع دور مكة أو تجويزه . قال القاضي أبو بكر : وصورة دخوله عليه السلام متسلحا بالألوية والرايات وبذله الأمان لمن دخل دار أبي سفيان ، ومن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة غير مختلف فيه ، وإنما استدل بعض الفقهاء على أنه كان صلحا بأنه ودى قوما قتلهم خالد ، ونهيه عن ذلك ، وغير هذا مما يجوز فيه التأويل . ٢٥٢ وأما الإقامة فتثنيتها وإفرادها ليس من عظائم العزائم ، ولولا اشتهارها بين أصحاب المذاهب ، لم تعلم العامة تفصيلها ، فإنها لا تهمهم ، والعصور تناسخت ، وتعلقت الإقامة بالبدل ، وشعائر الملوك ، ولا كذلك أمر الإمامة ، فإنها من مهمات الدين وتتعلق بعزائم الخطوب ، ويستحيل تقدير دثورها على قرب العهد بالرسول . وأما انشقاق القمر فمنهم من أنكره لأنه لم يتواتر ، وهو لا تتوفر الدواعي على نقله ، ونقل ذلك عن الحليمي . هكذا حكاه عنه إمام الحرمين وابن القشيري والغزالي . وقال القاضي أبو بكر : إنما لم يتواتر لأنه آية ليلية ، تكون والناس نيام غافلون ، وإنما يرى ذلك من ناظره النبي وَ ل من قريش، وصرف همته إلى النظر فيه ، وإنما انشق منه شعبة في مثل طرف القمر، ثم رجع صحيحا، وكم من انقضاض، ورياح تحدث بالليل، ولا يشعر بها أحد، فلهذا لم ينقل ظاهرا، وإنما يستدل أكثر الناس على انشقاقه بقوله تعالى : ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [سورة القمر/١] وأنه لو أراد الإخبار عن اقتراب انشقاقه، لوجب أن يقول وانشقاق القمر ، ولوجب أن يعرفهم الرسول أن من الآيات المستقبلة انشقاقه . اهـ . والحق أنه متواتر وقد رواه خلق من الصحابة ، وعنهم خلق كما أوضحته في تخريج أحاديث ((المختصر)). ومنها : أن القراءات الشاذة لا يجوز إثباتها في المصحف ، لأن الاهتمام به من الصحابة الذين بذلوا أرواحهم في إحياء معالم الدين يمنع تقدير درسه ، وارتباط مسائله بلا حاجة(١) فإن قيل : فلم اختلفوا في البسملة أنها من القرآن أم لا ؟ قيل : لأنه لم يجز دروس رسمها ونظمها ، فلم يكن لنقل كونها من السور كبير أثر في الدين بعد الاهتمام به ، ولهذا اختلفت معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمنها ما نقل متواترا، ومنها ما نقل آحادا مع أنها أعاجيب خارقة للعادة ، وكذا إذا كثرت المعجزات، وكثرت فيها عسرتهم مثل تشوقهم(٢) إلى نقل (١) كذا في الأصول وهو مضطرب. (٢) لعل الصواب: قل تشوفهم. ٢٥٣ إحادها ، وكذلك اختلفت الصحابة في القراءات الشاذة ، ولم يهتم عثمان بجمع الناس على بعض القراءات ، وحرص ابن مسعود على ذلك . ٢٢٦ / ب / فإن قيل : يجري ذلك في القرآن ؟ قلنا : لما كان القرآن ركن الدين استوت الأمة في الاعتناء به ، فلم نُجِز أن ينقل بعضه متواترا وبعضه آحادا مع استواء الجميع في توفر الدواعي على نقله ، بخلاف باقي المعجزات ، فإنهم اعتنوا بنقل ما يبقى رسمه أبد الدهر. وقد صنف القاضي أبو بكر في هذا النوع ((كتاب الانتصار))، وما أعجبه من كتاب ، فقد أزال به الحائك عن صدور المرتابين . ومنها: لو غص المجلس بجمع كثير، ونقل كلهم عن صاحب المجلس حديثا ، وانفرد واحد منهم ، وهو ثقة بنقل زيادة ، فذهب بعضهم إلى أنها تُرَدُّ ، وإلا لنقلها الباقون ، وهو بعيد ، فإن انفراد بعض النقلة بمزيد حفظ لا ينكر ، والقرائح والفطن تختلف ، وليست الروايات مما تتكرر على الألسنة ، حتى لا يشذّ شيء منها ، وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى. وبنى بعض الحنفية على هذا الأصل رد أخبار الآحاد فيها تعم به البلوى كمس الذكر ، والجهر بالبسملة ، وستأتي إن شاء الله تعالى . قال القاضي في ((التقريب)): وإنما قبلت من الواحد ، لأنه لم يقع الإخبلو بها بحضرة من يجب توفر دواعيهم على النقل والإظهار لذلك ، وإنما كان يلقيه إلى الآحاد . الثالث: ما نقل عن النبي وَلّ بعد استقرار الأخبار ثم فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرواة، ذكره الإمام الرازي وغيره. وغايته الظن لا القطع، واحترز بقوله: ((بعد استقرار الأخبار)) عما قبل ذلك في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم حيث كانت الأخبار منتشرة ، ولم تعتن الرواة بتدوينها . قال ابن دقيق العيد : وفيما ذكروه نظر عندي، لأنهم إن أرادوا جميع الدفاتر وجميع الرواة، فالإحاطة بذلك متعذرة مع انتشار أقطار الإسلام، وإن أرادوا الأكثر من الدفاتر والرواة فهذا لا يفيد إلا الظن العرفي، ولا يفيد القطع . ٢٥٤ الرابع : خبر مدعي الرسالة من غير معجزة، نقله إمام الحرمين ثم قال : وعندي فيه تفصيل، فأقول : إن زعم أن الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهو كذب ، فإن قال : ما أكلف الخلق اتباعي ولكن أوحي إلي، فلا يقطع بكذبه . اهـ. وصورة المسألة فيما قبل نبوة محمد بخعليه، وأما بعدها فنقطع بكذبه بكل حال ، لقيام الدليل القاطع على أنه لا نبي بعده . الخامس : كل خبر أوهم باطلا ولم يقبل التأويل ، إما لمعارضته للدليل العقلي أو القطعي النقلي ، وهو المتواتر عن صاحب الشرع - ممتنع صدوره عنه قطعا ، كأخبار رَوَتُها الزنادقة تخالف القطع قصداً لشين الدين ، وقد نقل عن بعض من ينافر أهل الحديث ، كحديث : عرق الخيل . [أسباب الوضع]: وسبب الوضع إما نسيان الراوي لطول عهده بالخبر المسموع ، وإما غلطه بأن أراد النطق بلفظ فسبق لسانه إلى سواه ، أو وَضَعَ لفظا مكان آخر ظانا أنه يؤدي معناه ، وإما افتراء الزنادقة وغيرهم من أعداء الدين الواضعين أحاديث تخالف العقول تنفيرا عن الشريعة المطهرة وغير ذلك . السادس: بعض المنسوب إلى النبي وَله بطريق الآحاد، لقوله الفيل: (سيكذب عليّ) فإن صح هذا الحديث لزم وقوع الكذب ضرورة ، وإن لم يصح مع كونه روي عنه فقد حصل الكذب فيما روي عنه ضرورة . [أخبار الآحاد] القسم الثالث : مالا يقطع بصدقه ولا كذبه وهو إما أنه يترجح احتمالات صدقه كخبر العدل ، أو كذبه كخبر الفاسق ، أو يتساوى الأمران كخبر المجهول. وهذا الضرب لا يدخل إلا في الجائز الممكن وقوعه وعدمه، والكلام إنما هو في الأول لأنه الذي يجب العمل به ، وليس المراد به ما يرويه الواحد فقط ، وإن كان وضوع خبر الواحد في اللغة يقتضي وَحْدَةَ المخبر الذي ينافيه التثنية والجمع ، اكن وقع الاصطلاح به على كل مالا يفيد القطع ، وإن كان المخبر به جمعا إذا ٢٥٥ نقصوا عن حد التواتر . ومنهم من قال : ما لم ينته ناقله إلى حد الاستفاضة والشهرة، وهو ظاهر كلام ابن برهان . قال الهندي : وهو ضعيف على رأي أصحابنا ، وإنما يستقيم على رأي الحنفية ، لأنهم يفردون له أحكاما أصولية قريبا من أحكام الخبر المتواتر ، أما أصحابنا فلا ، وهذا الذي قاله الهندي بناه على أن الاستفاضة من جملة خبر الواحد ، وقد سبق أن الأمر ليس كذلك . مسألة [ أقسام خبر الواحد] قسم الأقدمون من أصحابنا ، منهم القفال الشاشي في كتابه ، والماوَرْدي ، وابن السَّمْعاني ، خبر الواحد إلى أقسام : أحدها: ما يحتج به فيه إجماعا كالشهادات والمعاملات. قال القَفَّال : ولا خلاف في قبوله، لقوله تعالى: ﴿إذا دعيتم فادخلوا﴾ [سورة الأحزاب/٥٣] قال الماوَرْدي ومن بعده : ولا يراعى فيها عدالة المخبر، وإنما يراعى فيها سكون النفس إلى خبره ، فيقبل من كل بر وفاجر ومسلم وكافر ، وحر وعبد ، فإذا قال الواحد منهم : هذه هدية فلان إليك ، أو هذه الجارية وهبها فلان إليك ، أو كنت أَمَرْتَه بشرائها فاشتراها ، كلف المخبر قبول قوله إذا وقع في نفسه صدقه ، ويحل له الاستمتاع بالجارية والتصرف في الهدية ، وكذا الإذن في دخول الدار . وهذا شيء متعارف في الأعصار من غير نكير ، ويلتحق به خبر الصبي في ذلك على الصحيح . وأما خبر الشهادات فيعتبر فيه شرطان بالإجماع : العدالة ، والعدد . قال القَفَّال : وقد ورد الكتاب والإجماع بقبولها في الجملة ، وإن اختلف في شرط بعضها . ٢٥٦ [تخريج المناط] : وأما تخريج المناط فهو الاجتهاد في استخراج علة الحكم الذي دل النص أو الإجماع عليه من غير تعرض لبيان علته أصلاً. وهو مشتق من الإخراج، فكأنه راجع إلى أن اللفظ لم يتعرض للمناط بحال، فكأنه مستور أُخرج بالبحث والنظر، كتعليل تحريم الربا بالطعم، فكأن المجتهد أخرج العلة، ولهذا سمي تخريجاً. بخلاف (التنقيح) فإنه لم يستخرج، لكونه مذكوراً في النص، بل نقح المنصوص وأخذ منه ما يصلح للعلية وترك مالا يصلح . قال الغزالي: وهذا الاجتهاد القياس الذي وقع الخلاف فيه. وقال البزدوي : هو الأغلب في مناظراتهم، لأنه به يظهر فقه المسألة، وتوجه عليه سائر الأسئلة . والحاصل أن بيان العلة في الأصل ((تخريج المناط))، وإثباته(١) في الفرع ((تحقيق المناط)). أي إذا ظننا أو علمنا العلة ثم نظرنا وجودها في الفرع وظننا تحقيق المناط فهو تحقيق المناط . [أمور تتصل بتنقيح المناط] وهاهنا أمور: أحدها : أن تنقيح المناط ليس دالاً على العلية بعينه، بل هو دال على اشتراك الصورتين في الحكم، بخلاف تخريج المناط فإنه لابد فيه من تعيين العلة والدلالة على عليتها. فلا يكون الأول من طرق إثبات العلة بعينها أصلاً، بل هو من طرق إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق. قاله الأصفهاني في ((شرح المحصول)). الثاني: ذكر بعض الجدليين أن تنقيح المناط لا يكون من قبيل المؤثر، لأن الظاهر لا يستقر بالدلالة على كونه علة، بل ينضم إليه دليل الحذف. والصحيح أنه من قبيل المؤثر. واختاره الشريف في ((جدله))، لأن دليل الحذف إنما أفادنا كون الحذف غير مراد، فأما كون الباقي مراداً فإنما استفدناه من الظاهر فكان مؤثراً إلا أنه دون المؤثر في الرتبة . (١) أي الوصف وهو العلة. ٢٥٧ الثالث: أن الإمام فخر الدين زعم أن هذا المسلك هو مسلك السبر والتقسيم، فلا يحسن عدُّه نوعاً آخر. وليس كما قال، بل الفرق بينهما أن الحصر في دلالة السبر لتعيين العلة إما استقلالاً أو(١) اعتباراً. وفي نفي الفارق لتعيين الفارق وإبطاله، لا لتعيين العلة، بل هو نقيض قياس العلة، لأن القياس هناك عينَّ جامعاً بين الفرع والأصل، وعينَ هنا الفارق بينهما . تنبيه : عدَّ صاحب ((المقترح)) من المسالك (نفي الفارق) بأن يبين أن الفرع لم يفارق الأصل إلا فيما لا يؤثر، فيلزم اشتراكهما في المؤثر، كالسراية في الأمة، قياساً على العبد. وهو عجيب! فإنه لا يدل على أن الوصف المعين علة، وإنما يدل على أن علة الأصل من حيث الجملة متحققة في الفرع من غير تعيين، ولهذا لم يعدَّه أحد من الجدليين من مسالك التعليل. وهو قريب من (السبر)، إلا أنه في السبر يبطل ١/٣٠٨ الجمع إلا واحداً. وفي نفي / الفارق يبطل واحد فتتعين العلة بين الباقي، والباقي موجود في الفرع، فيلزم اشتماله على العلة ثم على أصله. ولا بد فيه من تفصيل : فإن كانت مقدماته قطعية فهو صحيح، أو ظنية لم يصح، لأن القطع بتحقيق المناط في الفرع لم يحصل، وهو شرط عنده . وعد الاستاذ أبو إسحاق الأسفرايني من طرق العلة أن لا يجد الدليل على عدم علية الوصف، فقال: ليس على القائس إذا لم يجد شيئا مما قدمناه إلا أن يعرض العلة التي استنبطها على مبطلات التعليل، فإن لم يجد قادحاً، وعرضها على أصول الشريعة فلم يجد فيها ما ينافي علته، فيحكم بسلامة العلة حينئذ. وأطنب القاضي أبو بكر في تغليطه، وقال: هذا باطل لا أصل له، وقصاراه الاكتفاء بدعوى مجردة، والاكتفاء على صحة العلة بعدم الدليل على فسادها، فلِمَ ينكر على القائل أنها تفسد بعدم الدلالة على صحتها. فإن قال: عدم دلالة الفساد دلالة صحتها، (١) في جمع بالواو. ٢٥٨ الأكثرون منا ومن المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار إلى نفيه ، وهو قول أبي جعفر الطوسي من الإمامية . وذهب الأقلون من الفريقين كابن سُرَيْج والصَّيْرِفي، والقَفَّال منا، وأبي الحسين البصري من المعتزلة ، إلى أن الدليل العقلي دل عليه أيضا ، لاحتياج الناس إلى معرفة بعض الأشياء من جهة الخبر، ومن بعدها(١) أعظم الضرر إذ لا يمكنهم التلاقي بأجمعهم . ونقل عن الامام أحمد بن حنبل . والأول هو الصحيح . وفصّل أبو عبدالله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة ، ومالا يسقط بها، فمنعه في الأول وجوزه في الثاني. حكاه في ((الأحكام)). وقد بسط الشافعي كلامه في هذا الفصل في كتاب ((الرسالة)). وقد احتجوا على وجوب العمل بخبر الواحد بقوله تعالى : ﴿إن جاءكم فاسق﴾ [سورة الحجرات/٦] وبقوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [سورة التوبة /١٢٢] وهذا لا يفيد إلا الظن، والاستدلال بالثانية أضعف من الأولى . قال ابن دقيق العيد: والحق عندنا في الدليل بعد اعتقاد أن المسألة علمية أنا قاطعون بعمل السلف والأمة بخبر الواحد، وبأن النبي ◌َّلل قد ورد منه ما يقتضي العمل بخبر الواحد، وهذا القطع حصل لنا من تتبع الشريعة، وبلوغ جزئيات لا يمكن حصرها ، ومن تتبع أخبار النبي ◌ّر والصحابة والتابعين وجمهور الأمة ماعدا هذه الفرقة اليسيرة علم ذلك قطعا . اهـ . ولنا على وجوب العمل به ثلاثة مسالك : الأول: ما تواتر عن رسول الله وَّر من إنفاذ ولاته ورسله آحادا إلى أطراف البلاد النائية ليعلُّموا الناس الدين ، وليوقفوهم على أحكام الشريعة ، ومن طالع كتب السير ارتوى بذلك . والثاني : ما علم بالتواتر من عمل الصحابة ورجوعهم إليه عندما يقع لهم من الحوادث . (١) في الأصل هنا كلمة خفية. ٢٥٩ والثالث : أن العمل بخبر الواحد يقتضي دفع ضرر مظنون فكان العمل به واجبا ، لأن العدل إذا أخبر عن رسول الله وَّر أنه أمر بكذا ، حصل ظن أنه وجد الأمر ، وأنا لو تركناه لصرنا إلى العذاب . وبهذا الدليل استدل ابن سُرَيج ومتابعوه على وجوب العمل به عقلا . ونقول : سبب الاضطرار إلى العمل به ، أما في الشهادات والفتوى والأمور الدنيوية كالإذن في دخول الدار ونحوها فظاهر ، فإنه يشق على الناس الرجوع في ذلك ونحوه إلى الأخبار المتواترة ووقوفهم عندها ، وقد وقع الاتفاق على ذلك بين جميع العلماء. وأما في الأحكام الشرعية فلأن النبي مل# بعث ليعلمها الناس، وهو لاَلّ مبعوث لجميع الناس ، مضطر إلى تبليغ الناس كلهم تلك الأحكام ، وليس يمكنه ذلك بمشافهة الجميع ، فلا بد من بعث الرسل إليهم بالتبليغ ، وليس عليه أن يُسيِِّ إلى كل بقعة عددا متواترا ، فلزم بالضرورة أن التبليغ يكون بأخبار الآحاد . ويلزم من ذلك وجوب العمل بها، وإلا لم يلزم المبعوث إليهم العمل بما يقوله الرسل ، فبطل فائدتهم . هذا إذا كان المخبر عنه مما يكتفى فيه بالظن . أما ما يطلب فيه اليقين كالعلم بالله وصفاته ، فإن ذلك لا يجوز العمل فيه ٢٢٧ / ب بهذه الأخبار ، لأنها لا تفيد العلم ، والظن في ذلك غير جائز . فكيف / يمكن تبليغ هذه إلى الناس كلهم ؟ . فنقول: إن ذلك يمكن بأن يرسل فيها الآحاد أيضا ، ولكنه يشير في كلامه إلى البرهان العقلي مما يخبرهم به ممن يكون له فطانة ، فيتنبه بذلك الخبر إلى ذلك البرهان بطريق العقل ، ومن لا فطانة له فقد يتعلم على الطول ، وقد يسافر إلى النبي ◌َّ ليستقصي به ذهنه شرعا . فإن قيل: فهلا فعل النبي وَلّ ذلك في جميع الأحكام الشرعية ، فكانت كلها علمية ؟ قلنا : هذا غير ممكن . أما إذا قلنا : إن الأحكام لا تعرف إلا بالشرع فظاهر ؛ وإن قلنا بالعقل ، فتكليف الناس الوقوف على براهين جميع الأحكام الشرعية مما يشق جدا ، ويشغلهم عن الأعمال التي لا بد منها في عمارة البلد ، ٢٦٠