Indexed OCR Text
Pages 221-240
القَفَّال يخص ذلك بحالة وجود الباء ، كما حكيناه عن تلميذه الفُوراني ، والثاني : ينبغي أن ينظر هل يناله تعب أم لا؟ قلت: وقد حكى النووى في ((الروضة)) من زوائده قبل هذا تصريح البَغَوي أنه لو قال : من أخبرني بكذا ، فله كذا ، فأخبره إنسان فلا شيء له ، لأنه لا يحتاج فيه إلى عمل . اهـ. فجعل هذا من زوائده ، وأقر الرافعي على البحث الثاني هناك، ويتحصل في المسألة مذاهب ثالثها : إن اقترن بالباء وإلا فلا . الموطن الثاني : في أن صدق الخبر وكذبه بماذا يكونان ؟ اعلم أنه لا يعرف صدق الخبر وكذبه بنفس الخبر ، وإنما يعرف بدليل يضاف إليه، والمشهور على القول بعدم الواسطة أن صدق الخبر مطابقته للواقع ، سواء وافق الاعتقاد أم لا. وكذبه عدم مطابقته، وعن صورة الجهل احترز النبي وصلة بقوله : (من كذب عليَّ متعمداً) . الحديث . وقال النظام : صِدْقه مطابقته لاعتقاد المخبر ، سواء وافق الواقع أم لا . واحتج عليه بوجهين : الأول : أن من اعتقد شيئا فأخبر به ، ثم ظهر على خلاف الواقع ، يقال له : ما كذب . ولكن أخطأ ، كما روي عن عائشة فيمن شأنه كذلك ، ورد بأن المنفي تعمد الكذب، لا الكذب مطلقا . الثاني في قوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ [سورة المنافقون/١] كَذِّبهم في قولهم: ﴿إِنك لرسول الله﴾ [سورة المنافقون/١] مع كونه مطابقا للواقع ، لأنهم لم يعتقدوه ، فلو كانت العبرة بما في نفس الأمر لم يكذبهم . وأجيب بأن المعنى : لكاذبون فى الشهادة ، لأنها تتضمن التصديق بالقلب ، فهي إخبار عن اعتقادهم، وهو غير موجود، أو كاذبون في تسميتهم إخبارهم شهادة، لأن الإخبار إذا خلا عن مواطأة القلب لم يكن في الحقيقة شهادة، أو لكاذبون في المشهود به في زعمهم ، لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه ، لأنهم كانوا يعتقدون أنه غير مطابق للواقع ، فيكون كذبا عندهم ، وقد يقال : إن المنافقين كانوا يعلمون نبوة الرسول ، وإنما ينكرونها بألسنتهم . ٢٢٩ واحتج القاضي أبو بكر للمشهور بـ ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد﴾ [سورة المائدة/ ٧٣] ولقد علم أن القائلين لذلك غير عالمين بأنه تعالى ليس ما أخبروا عنه ، فدل على أن التكذيب باعتبار الواقع . وأصرح منها قوله : ﴿وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾ [سورة النحل/ ٣٩] فإنه يدل على أن الاعتبار في الكذب بالمطابقة الخارجية ، أو بها مع الاعتقاد . فائدة : مما يتفرع على هذا الخلاف لو أقام المدعي بينة ، ثم قال : هي كذب ، امتنع الحكم بها ، وفي بطلان دعواه وجهان، اختيار صاحب ((التقريب)) نعم ، لأن الكذب عند الجمهور عدم مطابقة الخبر لما في الخارج ، وإن لم يعلم الشخص ذلك وأصحهما المنع ، لاحتمال أن يريد بكذب الشهود أنهم أخبروا عن غير علم . فلهم حكم الكاذبين إذ رضوا بخبر يجوّزن كذبه جوازا غير بعيد ، وذلك رضى بالكذب . الموطن الثالث : في انحصاره في ذي الصدق والكذب : المشهور أنه لا واسطة بين الصدق والكذب، بدليل قوله تعالى : ﴿وليعلم الذين كفورا أنهم كانوا كاذبين﴾ [سورة النحل/٣٩] وقوله عليه السلام: (من كذب عليّ متعمداً) لدلالته على انقسام الكذب إلى عمد وغيره . وقول ابن عباس : كذب نوف ، أي البكالي ليس صاحب الخضر موسى بنى إسرائيل(١). ومنهم من أثبت الواسطة، واخلتفوا فيه على أقوال : أحدها : ونقل عن أبي عثمان الجاحظ أن صدقه مطابقته للواقع مع اعتقاد المخبر، وكذبه عدمهما ، وغيرهما ليس بصدق ولا كذب . وكأنه أجرى الصدق مجرى العلم فكما أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به من جهة صحته ، فكذلك الخبر، ويجوز أنه راعى أصله الفاسد في التحسين والتقبيح ، فراعى في كونه صدقا وقوعه حسنا لمفارقة الصدق والكذب في حسن أحدهما وقبح الآخر ، ولا يكون الخبر حسنا إلا مع المخبر بحال المخبر عنه ، لأن تجويزه على خلاف ما أخبر (١) كذّب ابن عباس نوفا في زعمه أن صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل. ٢٢٢ يقتضي قبحه، ونحن قد بينا أن الصدق قد یقبح، فلا يجب أن يكون كونه صدقا علة لحسنه، ككونه كذبا علة لقبحه . بل لو كان كونه صدقا علة تقتضي الحسن ، لكان الحسن إنما ثبت إذا انتفت وجوه القبح . الثاني: أن صدقه مطابقته لاعتقاد المخبر سواء طابق الخارج أو لا ، وكذبه عدمهما فالساذج واسطة . والثالث : وهو قول الراغب : إنَّ صِدْقَه مطابقته للخارج والاعتقاد معا ، فإن فقدا منه لم يكن صدقا ؛ بل لا يكون صدقا . وقد يوصف بالصدق والكذب بنظرين مختلفين ، كما لو كان مطابقا للخارج غير مطابق للاعتقاد ، كقول الكافر : أشهد إنك لرسول الله . ومنشأ الخلاف فى هذه المسألة تعريفهم الصدق والكذب . وقال ابن الحاجب: الخلاف في هذه المسألة لفظي. وقال الهندي: إنه الحق، لأنه إن عني بالخبر الصدق ما يكون مطابقا للمخبر عنه کیفما كان، وبالكذب ما لا يكون مطابقا كيفما كان ، فالعلم باستحالة حصول الواسطة بينهما ضروري . وإن عني بهما ما يكون مطابقا وغير مطابق ، لكن مع العلم بهما ، فإمكان حصول الواسطة بينهما معلوم أيضا بالضرورة . وهو ما لا يكون معلوما لمطابقته وعدم مطابقته ، فثبت أن الخلاف لفظي . قلت: يتفرع على هذا الخلاف ما لو قال: لا أنكر ما تدعيه ، وهي عبارة ((التنبيه))، أو لست منكرا له، وهي عبارة ((الشرح والروضة)) فهو إقرار، وهذا بناء على أنه لا وساطة بين الإقرار وعدم الإنكار . فإن قلنا: / بينهما وساطة ، ٢٢٢ /١ وهي السكوت فليس بإقرار، وهو اختيار بعض المتأخرين . الموطن الرابع : في مدلول الخبر : مدلوله الحكم بالنسبة لا بثبوتها ، فإذا قيل : زيد قائم ، فليس مدلوله نفس ثبوت القيام لزيد في الخارج ، وإلا لم يكن شيء من الخبر كذبا، وإنما يفيد أنك حكمت بقيام زيد ، وأخبرت عنه ؛ ثم إن طابق ذلك الواقع ، فيستدل به على الوجود الخارجي ، وإلا فلا ، هكذا قال الإمام فخر الدين . ٢٢٣ وهو مبني على أن الألفاظ موضوعة للمعاني الذهنية لا الخارجية ، لكن في كلام الإمام إبهام ، فإنه قال : إذا قيل : العالم حادث ، فمدلوله الحكم بثبوت الحدوث للعالم، لا نفس الحدوث للعالم، إذ لو كان مدلوله نفس ثبوت الحدوث للعالم، لكان حيثما وجدنا قولنا : العالم محدث ، كان العالم محدثا لا محالة ، فوجب أن يكون الكذب خبرا ، ولما بطل ذلك علمنا أن مدلول الصيغة هو الحكم بالنسبة ، لا نفس النسبة . انتهى . واعترض القَرَافي وصاحب ((الحاصل)) و((التحصيل)) على قوله: ((وإلا لم يكن الكذب خبرا)) . وقالوا : صوابه العكس ، أي لا يكون الخبر كذبا ، لأنه يوهم تحقق الكذب لا بصيغته الخبرية ، والواقع على هذا التقدير، انتفاء الكذب . قال القَرَافي : لأن الكذب إذا تعذر لا يتصف الخبر أبدا إلا بالصدق فلا يكون كذبا، وأما الكذب في نفسه فهو متعذر مطلقا، فلا حاجة إلى قولنا : لا يكون الكذب خبرا، لأنه يوهم أنه قد يكون غير خبر، والتعذر في نفسه على هذا التقدير لا يوجد مع الخبر، ولا مع غيره . وقيل : الصواب عبارة الإمام، والانتقادات عليهم. لا عليه، أما تقرير عبارته ، فلأن مدلول النسبة لو كان ثبوتيا ، لكان الكذب غير خبر ، لكن اللازم منتف ضرورة ، لأن الكذب أحد قسمي الخبر الذي هو صدق وكذب ، فالملزوم منتف . وبيان الملازمة أن ثبوت النسبة ووقوعها في الخارج قد يكون الإخبار عنه كذبا ، وهو واضح . وأما تبيين فساد عبارتهم ، فإن معنى قولنا : وإلا لم يكن الخبر كذبا ، وليس كذلك ، إذ من الخبر صدق ، كما أن منه كذبا . نعم ، استدلال الإمام على أن مدلوله الحكم بالنسبة لا ثبوتها ، بأنه لو لم يكن كذلك ، لم يكن شيء من الخبر بكذب . وقد منع القَرَافي انتفاء الملازمة ، وادعى أن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق ، وسبق الرد عليه . الموطن الخامس : أن مورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها فقط لا واحد من طرفيها . فهما يتوجهان إلى خبر المبتدأ لا إلى صفته، فإذا كذبت القائل في قوله : زيد بن عمرو كريم، فإن التكذيب لا يتوجه إلى كونه ابن عمرو، بل إلى ٢٢٤ كونه كريما، لأن الصفة ثابتة حال النفي ثبوتها حال الإثبات، ولأن علم المخاطب بثبوت الصفة للموصوف ليس لإثبات المتكلم إياها له، وإن الاحتياج إلى ذكرها لإزالة اللبس، فيلزم أن تكون معلومة للمخاطب، وإلا فلا يحصل التمييز، وإذا كانت معلومة للمخاطب، فلا يقصدها المتكلم بإخباره إياها والتصديق والتكذيب إنما يتوجهان إلى ما يقصده المتكلم لا إلى مالا يقصده، فإذا قيل : قام زيد، فقيل : صدق أو كذب، انصرف ذلك إلى قيام زيد، لا إلى ذلك المشار إليه بالقيام، هل اسمه زيد أو عمرو . وتظهر فائدة هذا فيما لو كان مختلفا في اسمه ، فلا يستفاد من ذلك أنك حاكم بأن ذلك اسمه بهذه الصفة ، ولهذه القضية استشكل قراءة من قرأ: ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ [سورة التوبة / ٣٠] بإسقاط التنوين على أن الابن صفة، لأن التقدير حينئذٍ هو عزير ابن الله ، أو عزير ابن الله إلهنا ، إما بحذف المبتدأ أو الخبر، وهو خطأ ، لأنه إذا أخبر عن مبتدأ موصوف ، أو عن موصوف غير المبتدأ ، فإن الكذب ينصرف إلى الخبر ، وتبقى الصفة على أصل الثبوت ، فحينئذ يبقى كونه ابنا لله ثابتا ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . والذي يقال في توجيه هذه القراءة : إن هذا الكلام سيق لنفي إلهيّة مثل هذا؛ بل بين جهلهم إذ ادَّعوا الوَلَدية فيه، ولا ريب أن دعوى الشرط أسهل من إثبات الولدية له، أو على طريق الحكاية، أي قالوا : هذه العبارة المنكرة ، ولم يتعرض لما قالوا خبراً عنها ، فلا يقدر هناك محذوف أصلا ، أو غير ذلك كما بينته في كتاب ((البرهان في علوم القرآن)). ولهذه القاعدة قال مالك وبعض أصحابنا فيما إذا شهد شاهدان بأن فلان بن فلان وكيل فلان : إن شهادتهما بالتوكيل لا يستفاد منها أنهما شهدا بالبنوة ، فليس له إن نوزع في محاكمة أخرى في البنوة أن يقول : هذان شهدا لي بالبنوة لقولهما في شهادة التوكيل : إن فلان بن فلان ، لكن الصحيح عند أصحابنا أنها شهادة له بالوكالة أصلا وبالنسبة ضمنا، ذكره الماوردي في ((الحاوي)) في باب التحفظ في . الشهادة والعلم بها، وكذلك الرُّؤْياني في (البحر)) والهروي في ((الأشراف)). ٢٢٥ فإن قلت : فهذا يشكل على هذا الأصل . قلت : لا إشكال، لأنا لما صدقنا الشاهدين كان قولهما متضمنا لذلك . نعم، احتج الشافعي على صحة أنكحة الكفار بقوله ﴿امرأة فرعون﴾ [سورة التحريم/١١] وبقوله: ﴿وامرأته حمّالة الحطب﴾ [سورة المسد/ ٤]. فقال ما معناه: سمى كلا منهما امرأة لكافر، ولفظ الشارع محمول على الشرعي ، فدل على أن كلاً منهما زوجة لهما، فعلى هذا يتوجه صدق الخبر للطرفين والنسبة . الموطن السادس : يقع الخبر الموجب به موقع الأمر وبالعكس: فمن الأول قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [سورة البقرة/ ٢٣٣] أي ليرضعن ، ولا يصح أن يكون خبرا لأن الرضاع في الواقع قد يكون أقل أو أكثر منه ، ومنه قوله : ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله﴾ [سورة الصف/١٠] ثم قال: ﴿يغفر لكم﴾ [سورة الصف/١٢] والمعنى: آمنوا بالله ورسوله يغفر لكم، هكذا جعل النحاة يغفر جوابا لـ ((تؤمنون))، لوقوعه موقع آمنوا ، ولا يصح أن يكون جوابا لـ ﴿هل أدلكم﴾ [سورة الصف / ١٠] على حد قوله : هل تأتيني أكرمك، لأن المغفرة لا تجب بالدلالة، وإنما تجب بالإيمان . وقوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [سورة الواقعة/ ٧٩]. وقيل: إنه نهي مجزوم، ولكن ضمت السين اتباعا للضمير، كقوله مالية ... (١) ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فليمدد له الرحمن مدا﴾ [سورة مريم/٧٥] المعنى : مَدَّ. وقولهم في التعجب : أحسن بزيد ، كقوله: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [سورة مريم/ ٣٨] أي ما أسمعهم وأبصرهم . وقوله : ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [سورة الواقعة/ ٧٩] قيل: إنه خبر منفي واقع موقع النهي ، هذا هو المشهور . ومنع القاضي أبو بكر والسهيلي ورود الخبر مرادا به الأمر ، وقال : هو باق على خبرِيته، ولا يلزم الخلف بالنسبة إلى العصاة، فإنه خبر عن حكم الشرع، أي أن حكمهن أن يجب، أو يشرع رضاعهن، أو عليهن الرضاعة، والمشهور الأول، بل قيل: إنه أبلغ من الأمر المحض. (١) بياض في جميع النسخ. ٢٢٦ إذا علمت هذا، / وورد الخبر مرادا به الأمر، فهل يترتب عليه ما يترتب على ٢٢٢ / ب الأمر من الوجوب إذا قلنا: الأمر للوجوب؟ أو يكون مخصوصا بالصيغة المعينة التي هي صيغة افعل ؟ قال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)): فيه نظر . قلت : المنقول عندنا هو الأول . كذا رأيت التصريح به في كتاب القفال الشاشي ، وقد سبقت المسألة في باب الأمر . الموطن السابع : في الفرق بينه وبين الإنشاء : وذلك من وجوه : الأول : أن الإنشاء سبب لمدلوله ، وليس الخبر سببا لمدلوله ، فإن العقود إنشاءات مدلولاتها ومنطوقاتها بخلاف الأخبار . الثاني: أن الإنشاءات يتبعها مدلولها ، والإخبارات تتبع مدلولاتها ، فإن المُلْكَ والطلاق مثلا يثبتان بعد صدور صيغ البيع والطلاق ، وفي الخبر قبله ، فإنَّ قولنا : قام زيد تبع لقيامه في الزمن الماضي . الثالث : أن الإنشاء لا يحتمل التصديق والتكذيب ، فلا يحسن أن يقال لمن قال : امرأتي طالق : صَدَقَ ولا كَذَبَ، إلا أن يريد الإخبار عن طلاقها . الرابع : أن الإنشاء يقع منقولا غالبا عن أصل الصيغ في صيغ العقود ، والطلاق والعتاق ونحوها ، ولهذا لو قال لامرأتيه: إحداكما طالق مرتين يجعل الثاني خبراً لعدم الحاجة إلى النقل ، وقد يكون إنشاء بالوضع الأول كالأوامر والنواهي ، فإنها للطلب بالوضع اللغوي ، والخبر يكفي فيه الوضع الأول في جميع صوره . هذا حاصل ما ذكره القَرَافي . ويفترقان أيضا من جهة أن الإنشاء كلام نفسي عبر عنه لا باعتبار تعلق العلم بالأعيان والجنان ، فإنه إذا قام بالنفس طلب مثلا، وقصد المتكلم التعبير عنه باعتبار العلم والجنان، قال : طلبت من زيد، وإن أراد أن يعبرعنه لا باعتبار ذلك ، قال : افعل أو لا تفعل . واعلم أن كلا من الإنشاء والخبر يستحيل تعليقه ، إذ هما نوعان من أنواع ٢٢٧ الكلام يستحيل وجودهما حيث لا كلام ، والتعليق إنما هو في النسبة الحاصلة بين جزئي الجملة ، غير أن النسبة موقوفة على ذلك الشرط . [أقسام الإنشاء]: إذا علمت هذا ، فاعلم أنهم اتفقوا على أن أقسام الإنشاء : القَسَم ، والأوامر، والنواهي، والترجي، والتمني، والعرض، والتحضيض . والفرق بين هذين الأخيرين : أن العرض طلب بلين، بخلاف التحضيض، والفرق بين الترجي والتمني أن الترجي لا يكون في المستحيلات، والتمني يكون فيها وفي الممكنات . وقال التنوخي في ((الأقصى القريب)) : المتمني يكون متشوفا للنفس ، والمرجو قد لا يكون كذلك ، ويكون المرجوّ متوقعا ، والمتمنى قد لا يكون كذلك ، فالترجي أعم من التمني من وجه . وذكر الزمخشري أن الاستعطاف نحو : بالله هل قام زيد ؟ قسم . وقال ابن النحاس : الصحيح أنه ليس بقسم، لكونه ليس خبرا . وأما النداء نحو يا زيد ، فاتفقوا على أنه إنشاء ، لكن اختلفوا : فقيل : فيه فعل مضمر، تقديره أنادي، أو الحرف وحده مفيد للنداء . فقيل على الأول : لو كان الفعل مضمرا لقبل التصديق والتكذيب . وأجاب المبرد بأن الفعل مضمر، ولا يلزم قبوله لهما، لأنه إنشاء، والإنشاء لا يقبلهما . واختلفوا في صيغ العقود كما سبق في مباحث اللغة . ومما لم يسبق أن فصل الخطاب في ذلك كما قال بعضهم أن لهذه الصيغ نسبتين : نسبة إلى متعلقاتها الخارجية ، وهي من هذه الجهة إنشاءات محضة ، ونسبة إلى قصد المتكلم وإرادته ، وهي من هذه الجهة خبر عما قصد انشاؤه ، فهي إخبارات بالنظر إلى معانيها الذهنية ، وإنشاءات بالنظر إلى متعلقاتها الخارجية . وعلى هذا فإنما لم يحسن أن يقابل بالصدق والكذب ، وإن كانت أخباراً ، لأن متعلق التصديق والتكذيب النفي والإثبات ، ومعناهما مطابقة الخبر لمخبره أو عدم مطابقته . وهناك المخبر عنه حصل بالخبر حصول المسبب لسببه ، فلا يتصور فيه تصديق ولا . تكذيب ؛ وإنما يتصور التصديق والتكذيب في خبر لا يحصل مخبره ولم يقع به ، ٢٢٨ كقولك : قام زيد . قال ابن الحاجب في كتبه النحوية : وهي مسلوبة الدلالة على الزمان ، وخالفه ابن مالك ، فقال : وهي ماضية اللفظ حاضرة المعنى . ومن الإنشاءات الشرعية الظهار ، كما قاله الرافعي في كتاب الظهار . وقيل في تقريره : لو كان خبرا لما أحدث حكما ، وحكى الرافعي في الفصل الثاني في التعلق بالمشيئة من كتاب الطلاق وجها أنه إخبار ، وهو الذي صرح به الغزالي في ((الوجيز)) ونصره القَرَافي، وغلَّط الأول ، لأن الله تعالى كذبهم بقوله : ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ [سورة المجادلة/٢] وبقوله: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ [سورة المجادلة/٢] وقرره بعضهم بأن ثَمَّ ألفاظا أبقاها الشارع على مدلولها اللغوي ، ولكن من قالها يلزم بأمر ، فإذا قال : أنت على كظهر أمي ، فهو باق على وضعه الأصلي ، وذلك كذب ؛ ولهذا أسماه الله : زورا ، وحكم الله فيمن كَذَب هذا الكذب الكفارة عند العود . وكانت ((عليَّ حرام)) باق على موضوعه(١) وهو كذب، وحُكْم الله فيمن قاله عندنا كفارة اليمين، وليس ذلك كبعت، واشتريت . فإن الشرع وضعهما لإحداث ما دلا عليه، فالألفاظ ثلاثة : نحو قام زيد، وذلك خبر من كل وجه، ونحو بعت، وذلك إنشاء محض، ونحو أنت على كظهر أمي، وذلك خبر . ومن الإنشاءات الشرعية الطلاق على المذهب ، ولا يقوم الإقرار ، مقامه . نعم ، يؤاخذ ظاهرا بما أقر به، وبعضهم جعل الإقرار على صيغته إنشاء في صور: منها إذا أقر بالطلاق ينفذ ظاهرا لا باطنا . وحكي وجه أنه يصير إنشاء حتى يحرم به باطنا . قال الإمام : وهو تلبيس ، فإن الإقرار والإنشاء يتنافيان ، فذلك إخبار عن ماض ، وهذا إحداث في الحال ، وذلك يدخله الصدق والكذب وهذا بخلافه . ومنها حُكْم الإمام والقاضي إن كان في معرض الحكم ، فإن لم يكن ، فإن كان في معرض الحكايات والإخبار ، كقوله : لزيد على عمرو كذا ، وفلان طلق زوجته لم يكن حكما ؛ بل هو كغيره . ذكره الرافعي في باب الإقرار ؛ فإن قال (١) في الأصل هنا اضطراب، وكتّبَ ناسخ القاهرية ((هنا سقط فليراجع)). ٢٢٩ بعده : أردت الحكم فيتجه الرجوع إليه . وعلى هذا فإذا شککنا في ذلك لم یکن حكما ، لأن الأصل بقاؤه على الإخبار ، وعدم نقله . ومنها قول الشاهد : أشهد، إنشاء، لأنه لا يدخله التكذيب شرعا . وقيل : إخبار . وقيل : إنشاء تضمن الإخبار عما في النفس، وكأنه جمع بين القولين . واختلف أصحابنا في قول الملاعن : أشهد بالله، هل هو يمين مؤكد بلفظ الشهادة، أو يمين فيها ثبوت شهادة، والأصح الأول . الموطن الثامن : في تقسيماته . اعلم أن الخبر من حيث هو، محتمل للصدق والكذب ، لكن قد يقطع بكذبه ٢٢٣ / ١ أو صدقه بأمور خارجة / أو لا يقطع بواحد منهما لفقدان ما يوجب القطع، وحينئد فقد يظن الصدق، وقد يظن الكذب، وقد يستويان . الأول : ما يقطع بصدقه ، وهو إما أن يعلم بالضرورة ، أو النظر ؛ فالأول : كقولنا : الواحد نصف الاثنين . والثاني : ضربان، لأنه إما أن يدل دليل على صدق الخبر في نفسه ، فيكون كل من يخبر به صادقا ، وهو ضروب : أحدها : خبر مَنْ دلَّ الدليل على أن الصدق وصف واجب له؛ وهو الله تعالى . الثاني : من دلت المعجزة على صدقه، وهم الأنبياء ، لأنهم ادعوا الصدق، وظهرت المعجزات على الوفق . الثالث : من صدقه الله أو رسوله ، وهو خبر كل الأمة ، لأن الإجماع حجة إن قلنا : إنه قطعي . الرابع : خبر العدد العظيم عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة والجوع والعطش، فليس هذا من التواتر المعنوي ، لعدم توارده على شيء واحد، والثابت في المعنوي القدر المشترك . ٢٣٠ [ المُتَوَاتِرْ ] الخامس : المتواتر . وهو لغة : ترادف الأشياء المتعاقبة واحد بعد واحد بمهلة . واصطلاحا : خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب من حيث كثرتهم عن محسوس ، وإنما قال : ((من حيث كثرتهم)) ليحترز به عن خبر قوم يستحيل كذبهم لسبب آخر خارج عن الكثرة ، وله شروط منها ما يرجع إلى المخبرين. ومنها ما يرجع إلى السامعين . [شروط المتواتر التي ترجع إلى المخبرين] فالذي يرجع إلى المخبرين أمور : أحدها: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به غير مجازفين ، فلو كانوا ظانين ذلك لم يفد القطع ، هكذا شرطه جماعة منهم القاضي أبو بكر . وقال ابن الحاجب : إنه غير محتاج إليه ، لأنه إن أريد علم الجميع فباطل ، لجواز أن يكون بعضهم ظانا ومع ذلك يحصل العلم، وإن أريد علم البعض فلازم من شرط الحسِّ . ثانيها : أن يعلموا ذلك عن ضرورة ، إما بعلم الحس من مشاهدة أو سماع ، وإما أخبار متواترة ، لأن مالا يكون كذلك يحتمل دخول الغلط فيه ، فلا يحصل به العلم . قال الأستاذ أبو منصور: فأما إذا تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه واعتقدوه، بالنظر أو الاستدلال أو عن شبهة ، فإن ذلك لا يوجب علما ضروريا ، لأن المسلمين مع تواترهم يخبرون الدهرية بحدوث العالم ، وتوحيد الصانع ، ويخبرون أهل الذمة بصحة نبوة سيدنا محمد مثله، فلا يقع لهم العلم بذلك ، لأن العلم به من طريق الاستدلال دون الاضطرار، فإنَّ المطلوب صُدورٌ عن العلم الضروري، ثم قد يترتب على الحواس ودركها، وقد يحصل عن قرائن الأحوال ، ولا أثر للحس فيها على الاختصاص، فإن الحس لا يميز احمرار الخجل والغضبان عن اضفرار المحبوب والمرغوب، وإنما العقل يدرك تمييز هذه الأحوال. قال : ٢٣١ فالوجه اشتراط صدور الأخبار عن البديهة والاضطرار ؛ هذا كلامه وغايته الحسُّ أيضا.؛ لأن القرائن المفيدة للعلم الضروري مستندة إلى الحس . ثالثها : أن تكون مشاهدة الشاهدين للمُخبر عنه حقيقة وصحيحة، فلا تكون على سبيل غلط الحس، فلذلك لا يلتفت إلى إخبار النصارى بصلب المسيح . رابعها : أن يكون بصفة يوثق معها بقولهم ، فلو أخبروا متلاعبين أو مكرهين على ذلك الخبر لم يلتفت إليه . خامسها : أن يبلغ عدد المُخْبِرين إلى مبلغ يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب ، وذلك يختلف باختلاف القرائن والوقائع والمخبرين ، ولا يتقيد بعدد معين ؛ بل هذا القدر كاف . ومنهم من عبّر عنه بأن تكون شواهد أحوالهم تنفي عن مثلهم المواطأة والغلط ، ولا خلاف في هذا . ولكن اختلفوا : هل يشترط فيه عدد معين ؟ والجمهور على أنه ليس فيه حصر ، وإنما الضابط حصول العلم ، فمتى أخبر هذا الجمع، وأفاد خبرهم العلم ، علمنا أنه متواتر، وإلا فلا؛ لكن منهم من ٢٢٤ / ب قطع به في جانب النفي، ولم يقطع في جانب الإثبات فقال بعدم إفادة عدد معين له . وتوقف القاضي أبو الطيب، وقال : يجب أن يكونوا أكثر من أربعة، لأنه لو كان خبر الأربعة يوجب العلم لما سأل الحاكم عن عدالتهم، إذا شهدوا عنده . وقال ابن السَّمْعاني : ذهب أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يتواتر الخبر بأقل من خمسة ، فما زاد . فعلى هذا لا يجوز أن يتواتر بأربعة، لأنه عدد معين في الشهادة الموجبة لغلبة الظن دون العلم . اهـ. وحكاه الأستاذ أبو منصور عن الجُبَّائي، وذكر بعضهم أن مستنده عدد أولي العزم، وهم على الأشهر : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم . والمشترطون للعدد اختلفوا واضطربوا اضطرابا كثيرا، فقيل : يشترط عشرة، ونسب للإصْطَخْري، والذي في ((القواطع)) عنه لا يجوز أن يتواتر بأقل من عشرة ، وإن جاز أن يتواتر بالعشرة فما زاد ، لأن ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد ، والعشرة فما زاد جمع الكثرة ٢٣٢ قال : وقال قوم من غير أصحاب الشافعي : أقل ما يتواتر به الخبر اثنا عشر ، لأنهم عدد النقباء . ونقل القرافي عن غيره اعتبار العشرة بعدد بيعة أهل الرضوان ، وهو وَهَم لما سيأتي. وقيل: عشرون، أي إذا كانوا عُدُولا، كذا قيده الصَّيْر في لقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون﴾ [سورة الأنفال/٦٥] ونقل عن أبي الهذيل وغيره من المعتزلة . وقيل : أربعون . وقيل : سبعون ، لقوله تعالى : ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلاً﴾ [سورة الأعراف/١٥٥]. وقيل : ثلاثمائة وبضعة عشر ، عدد أهل بدر، وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بخبرهم للمشركين . ووقع في ((التقريب)) للقاضي والبرهان للإمام وغيرهما تقييدهم بثلاثمائة وثلاثة عشر . وحكى الحافظ الدِّمْياطي وغيره ذلك ، وقولا آخر أنهم ثلاثمائة وعشرة رجال . والجمع بين القولين بأن الذين خرجوا مع النبي عليه السلام في غزوة بدر للمقاتلة ثلاثمائة وخمسة رجال ، ولم يحضر الغزوة ثمانية من المؤمنين أدخلهم النبي عليه السلام في حكم عداد الحاضرين ، وأجرى عليهم حكمهم ، فكانت الجملة ثلاثمائة وثلاثة عشر ، فاعرف ذلك . وقيل : عدد أهل بيعة الرضوان . قال إمام الحرمين : وهم ألف وسبعمائة . قلت : وفي صحيح البخاري عن جابر أن عددهم خمس عشرة مائة، وفي رواية ألف وأربعمائة، ثم روي عن قتادة ، قلت لسعيد بن المسيب : كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان ؟ قال خمس عشرة مائة . قلت : قال جابر بن عبد الله : "كانوا أربع عشرة مائة. قال رحمه الله: وَهِمَ، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة . قال البيهقي : هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم / يقول: خمس ٢٢٣ / ب عشرة مائة، ثم ذكر الوَهَم . وقال : أربع عشرة مائة . وقيل : لا بد من خبر كل الأمة وهو الإجماع ، حكاه القاضي في ((التقريب)) عن ضرار بن عَمْرو ، قال طوائف من الفقهاء : ينبغي أن يبلغوا مبلغا عظيما ، أي لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد . قال إمام الحرمين : وهو سرف ، والكل ضعيف لتعارض بعضها ببعض، ولا مرجح لأحدها . قال إمام الحرمين : ولو عنَّ مرجح، فليس ذلك من مدلول الخبر المقطوع به، فإن الترجيحات ثمراتها غلبة الظنون في مطرد العادة . ٢٣٣ وقال ابن السَّمْعاني : القولان الأولان أمثل الأقاويل، والباقي ليس بشيء، أي فإنها تحكَّمات فاسدة، لا تناسب الغرض ولا تدل عليه، وتَعَارُضُ أقوالهم دليلٌ على فسادها . وأما استخراج أبي الهذيل من قوله : ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ [سورة الأنفال/٦٥] فمردود، لأن هذا منسوخ ، ثم جعل الله الواحد يقوم بإزاء الاثنين ، فهذه الآية بخبر الواحد أولى ، لأن فرض العشرين أن يقوموا لمائتين منسوخ ، وصار ثبوت الواحد للاثنين ، فلو احتج بها عليه في ثبوت خبر الواحد لكان أقرب الأدلة ، وباقي الأدلة لا تدل ، لأنها أمور اتفاقية . فالحق عدم التعيين ، مع القطع بأنه لا بد من عدد يحصل بخبرهم العلم . وهل ذلك العدد المفيد للعلم في واقعة يتصور أن لا يفيد في واقعة أخرى ؟ قال القاضي : ذلك محال ؛ بل لا بد إلى تحصيل ذلك العدد العلم لكل من سمعه ، ومهما حصل هذا العلم لشخص فلا بد من حصوله لجميع الأشخاص ، لتحقق الموجب للعمل عند كل واحد منهم . وهذا بناه على أن الإخبار بمجرده يفيد العلم عادة دون القرائن ، ومنع إفادته العلم من حيث انضمام القرائن التي لم يجعل لها أثر . قال الغزالي : وهذا غير مرضي، لأن مجرد الإخبار يجوز أن يُؤثر العلم، وإن لم تكن قرينة، ومجرد القرائن أيضا قد يُورث العلم، وإن لم يكن معها إخبار كعلمنا بخجَل الخجل، ووجل الوجل ، فلا يبعد أن تضم القرائن إلى الأخبار، فيقوم بعض القرائن مقامٍ بعض العدد، فيحصل العلم بمجموعهما قال : وهذا مما يقطع به، والتجربة تدلّ عليه . وتوسط الهندي، فقال: الحق أن يقال: إن كان حصول العلم في الصورة التي حصل العلم فيها بمجرد الخبر من غير احتفاف قرينة به لا من جهة المخبرين ، ولا من جهة السامعين ، حالية كانت أو مآلية ، كان الاطراد واجبا ، وإن لم يكن بمجرده ؛ بل بانضمام أمر آخر إليه فلا يجب الاطراد . ٢٣٤ سادسها : أن يتفقوا على الخبر من حيث المعنى ، وإن اختلفوا في العبارة ، فإن اختلفوا في المعنى بطل تواترهم . وشرط ابن عبدان في كتابه المسمى ((بالشرائط)) في الناقلين شرطين : أحدهما : العدالة . قال : فلا يقبل التواتر من الفساق ، ومن ليس بعدل على الصحيح من المذهب ، ومن أصحابنا من قَبِلَه . والثاني : الإسلام . قال : فالتواتر من الكفار لا يصح على الصحيح من المذهب ؛ لأنه لا خلاف أن أخبار الآحاد لا تقبل من الكفار والفساق وهي لا توجب العلم، فالتواتر الذي يوجب العلم أولى أن لا يقبل منهم . ومن أصحابنا من قال : يقبل تواتر الكفار . اهـ . والصحيح خلاف ما قال. قال سليم في ((التقريب)): لا يشترط في وقوع العلم بالتواتر صفات المخبرين، بل يقع ذلك بإخبار المسلمين والكفار والعدول والفساق والأحرار والعبيد والكبار والصغار ، إذا اجتمعت الشروط . وكذا قال أبو الحسين بن القَطّان في كتابه : ذهب قوم من أصحابنا إلى أن شرط التواتر في الكفار أن يكون منهم مسلمون للعصمة ، وعندنا لا فرق بين الكفار والمسلمين في الخبر، وإنما غلطت هذه الفرقة ، فنقلت ما طريقه الاجتهاد إلى ما طريقه الخبر . وصرح القَفَّال الشاشي بأن الإسلام ليس بشرط ، وإنما رَدَدْنا خبر النصارى بقتل عيسى ، لأن أصله ليس بمتواتر ، لأنهم بلغوه عن خبر ولوما ومارقين(١)، ثم تواتر الخبر من بعدهم . وكذلك قال الأستاذ أبو منصور . قال : ولا يشترط أن تكون نَقَلَتُه مؤمنين أو عدولا ، وفرق بينه وبين الإجماع حيث اشترط الإيمان والعدالة فيه أن الإجماع حكم شرعي، فاعتبر في أهله كونهم من أهل الشريعة . . وقال ابن برهان : لا يشترط إسلامهم خلافا لبعضهم، وجرى عليه المتأخرون من الأصوليين . وقطع به ابن الصباغ في باب السلم من ((الشامل)). فإن الشافعي قال في ((المختصر)): ولو وَفت بفصح النصارى لم يجز، لأنه قد يكون عَامًا في شهر، وعاما (١) هكذا العبارة في الباريسية. وفي الأزهرية: لوما ومارقص. والصواب: لوقا ومرقص. وهما اللذان أخبرا بقتل المسيح، ونقل النصارى الخبر عنهما بعد ذلك. ٢٣٥ في غيره، على حساب ينسئون فيه أياما، فلو اخترناه كنا قد عملنا في ذلك بشهادة النصارى . وهذا غير حلال للمسلمين . قال ابن الصباغ : هذا ما لم يبلغوا حد التواتر، فإن بلغوه بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب ، فإنه يكفي لحصول العلم ومنهم من حكى فيه قولا ثالثا، وهو التفصيل بين أن يطول الزمان فيعتبر الإسلام لجواز التواطؤ، وإلا فلا يعتبر. حكاه الشيخ في ((التبصرة)). ومنهم من فصل بين ما طريقه الديانات فلا مدخل لهم فيه، وما طريقه الأقاليم وَشِبْهها فهل لهم مدخل بالتواتر فيه ؟ هو محل الخلاف . وقد سبق عن الماوَرْدي أن العدالة شرط في التواتر دون الاستفاضة . وجزم الرُّؤْياني بأن الحرية لا تشترط . وذكر وجهين في انفراد الصبيان به مع شواهد الحال بانتفاء المواطأة، فتحصلنا على وجوه . ولا يعتبر في المخبرين أن لا يحصرهم عدد، ولا يحويهم بلد، خلافاً لقوم، لأن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط المؤذن عن المنارة فيما بين الخلق لأفاد خبرهم العلم . ولا يشترط فيهم أن يكونوا مختلفي الأديان والأنساب والأوطان خلافا لليهود، فإنهم شرطوا أن لا يكون نسبهم واحدا، وأن لا يكون سكنهم واحدا . والدليل على فساد ذلك أن قبيلة من القبائل المتفقة أديانهم وأنسابهم لو أخبروا بواقعة في ناحيتهم حصل العلم بخبرهم ضرورة . ولا يشترط أن يكون فيهم معصوم، خلافا للشيعة ولابن الرَّاوَنْدي . واعلم أن هذه الشروط لا بد منها، سواء أخبر المخبرون عن مشاهدة، أو لا عن مشاهدة، بل عن سماع من آخرين، فأما إذا حصل الوسائط فيعتبر شرط آخر، وهو وجود الشروط في كل الطبقات، وهو معنى قولهم : لا بد من استواء الطرفين والواسطة ، فيروي العدد المذكور بالصفة السابقة عن مثله إلى أن يتصل بالمخبر عنه ، أي يجب أن يكون حال من نقل عن الأولين كحال الأولين فيما علموه ضرورة . وكذلك النقلة في المرتبة الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة إلى أن ينتهي إلينا، ٢٣٦ ولهذا لم يصح ما نقله النصارى عن صلب عيسى عليه السلام ، لأنهم نقلوه / عن ٢٢٤ / عدد لا تقوم بهم الحجة ابتداء ، وكذا ما نقلته الروافض من النص على إمامة عليّ . وبهذا تبين أن التواتر ينقلب آحادا ، وربما اندرس دهرا . فالمتواتر من أخبار النبي عليه السلام ما اطردت الشرائط فيه عصرا بعد عصر، حتى انتهى إلينا، وهذا لاخفاء فيه . قال إمام الحرمين : ولكنّه ليس من شرطه التواتر. قال : بل حاصله أن التواتر قد ينقلب آحادا، وليس من شرائط وقوع التواتر فلا يصح تعبيرهم باستواء الطرفين والواسطة، وخالفه ابن القُشَيْرِي، وقال : ما هو من شروطه، لا من شرط حصول العلم، والعلم قد يحصل من غير تواتر، وقد ينبني على التواتر . [شروط المتواتر التي ترجع إلى السامعين] : وأما ما يرجع إلى السامعين فأمور : أحدها: أن يكون السامع له من أهل العلم ، إذ يستحيل حصول العلم من غير متأهل له ، فلذلك لا يكون مجنونا ولا غافلا . ثانيها: أن يكون غير عالم بمدلوله ضرورة، وإلا يلزم تحصيل الحاصل، فلو أخبروا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان لم يفد علما. قال ابن الحاجب: وهذا إنما نشرطه على القول بأن العلم غير نظري. فإن قلنا: ضروري فلا يشترط، ونازع الجزري الإمام فخر الدين في تمثيله بأن النفي والإثبات لا يجتمعان، وقال: ليس هذا من باب ما ثبت بالخبر، وهو عجيب، فإن مقصود الإمام أنه لما علمه السامع ، صار معلوما له بالضرورة بأخبار المخبرين ، كأخبار المخبرين بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ، وهو معلوم بالضرورة١). ثالثها : أن يكون السامع منفكا عن اعتقاد ما يخالف الخبر إذن، لشبهة دليل أو تقليد إمام . ذكره الشريف المُرْتَضَى، وتبعه البَيْضَاوي. وأما إذا كان عنده شبهة مشكلة في صدق الخبر لم يفد العلم، ومراد الشريف بذلك، إثبات إمامة علي - رضى الله عنه - بالتواتر، وإنما لم يحصل العلم لنا لاعتقاد متابعي النص لأجل (١) كذا في الأصول وفيه اضطراب. ٢٣٧ الشبه المانعة لنا عنه ، وهذا فاسد ، لأن الشبهة لا تقوى على دفع العلوم الضرورية ، وبناه على أن حصول العلم عقب التواتر بالعادة لا بطريق التولد ، فجاز إخلافه بحسب اختلاف السامعين ، فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك الحكم قبل ذلك ، ولا يحصل له إذا اعتقد نقيضه . قال القرطبي : وهو باطل بآية الاستواء والمجيء ، فإنه قد استوى في العلم بتواترها من اعتقد ظاهرها ، ومن لم يعتقد . وقال الهندي : هذا وإن بناه على أصله الفاسد ، ولكن لا بأس به . وقيل : يلزم عليه أن يجوّز صدق من أخبرنا بأنه لم يعلم وجود الكبار ، والحوادث العظيمة بالأخبار المتواترة ، لأجل شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء وهو باطل . ثم فيه مسائل الأولى : أن التواتر يدل على الصدق . قال الأستاذ أبو منصور : وزعم النّظَام وأتباعه من القدرية أنه قد يكون كذباً ، وأن الحجة فيما غاب عن الحواس لا يثبت إلا بالخبر الذي يضطر سامعه إلى أنه صدق ، سواء أخبر به جمع أو واحد . وأجاز إجماع أهل التواتر على الكذب ، وأن يكون العلم الضروري واقعا بخبر الواحد ، وهو باطل . الثانية : الجمهور على أن التواتر يفيد العلم اليقيني ، سواء كان عن أمر موجود في زماننا كالإخبار عن البلدان البعيدة، والأمور الماضية، كوجود الشافعي، وقالت السُّمَنِيَّة والبراهمة: لا يفيد العلم، بل الظن. وجَوَّز البويطي فيه (١) . وفصل آخرون، فقالوا : إن كان خبرا عن موجود أفاد العلم، أو عن ماض فلا يفيده . لنا أنا بالضرورة نعلم وجود البلاد البعيدة كبغداد ، والأشخاص الماضية كالشافعي ، فصار وروده كالعيان في وقوع العلم به اضطراراً ، وقد قال الطُفَيْل الغَنَوي مع أعرابيته في وقوع العلم باستفاضة الخبر ما دلت عليه الفطرة وقاد إليه الطبع، فقال : وجاء من الأخبار ما لا يكذب تَأَوَّبَنِىَ هَمٍّ من الليل منصب ولم يك عما أخبروا متعقب تظاهرن حتى لم يكن لي ريبة (١) أى جواز البويطي إفادته العلم اليقيني. ٢٣٨ قال إمام الحرمين : وما نقل عن السُّمَنِيَّة أنه لا يفيد العلم محمول على أن العدد، وإن كثر، فلا اكتفاء به، حتى ينضم إليه ما يجري مجرى القرينة من انتفاء الحالات المانعة . وحاصله أن الخلاف لفظي ، وأنهم لا ينكرون وقوع العلم على الجملة ، لكنهم لم يضيفوا وقوعه إلى مجرد الخبر ، بل إلى قرينة ، ووقوع العلم عن القرائن لا ينكره عاقل . وقال أبو الوليد بن رشد في ((مختصر المستصفى)): لم يقع خلاف في أن التواتر يفيد اليقين ، إلا ممن لا يؤبه به ، وهم السوفسطائية ، وجاحد ذلك يحتاج إلى عقوبة ، لأنه كاذب بلسانه على ما في نفسه ، وإنما الخلاف في جهة وقوع اليقين عنه ، فقوم رأوه بالذات ، وقوم رأوه بالعرض ، وقوم مكتسبا . تنبيه : ظاهر كلام أصحابنا في الفروع جريان خلاف في هذه المسألة، فإن بيع الغائب عندهم باطل، فلو كان المبيع منضبطا بخبر المتواتر، ففي ((البحر)) قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقان، أحدهما : يجوز بيعه مطلقا كالمرئي، وقيل : فيه قولان . الثالثة : أن هذا العلم ضروري لا نظري، ولا حاجة معه إلى كسب كما نقله القاضي في ((التقريب)) عن الكل من الفقهاء والمتكلمين، وبه قال ابن عَبْدَان في شرائط الأحكام، وابن الصباغ . وقال ابن فُورَك: إنه الصحيح. وقال أبو الطيب: إنه الصحيح المشهور. وقال سليم: إنه قول الكافة، إلا البَلْخِي. واختاره الإمام الرازي وأتباعه، وابن الحاجب. وقال صاحب ((الواضح)): إنه قول عامة متكلمينا، ونقله في ((المعتمد)) عن الجبائي وأبي هاشم . وذهب الكَعْبي إلى أنه مستثنى مفتقر إلى تقدم استدلال، ويثمر علما نظريا كغيره من العلوم النظرية، ووافقه أبو الحسين البصري وابن القَطَّان كما رأيته في كتابه، ونقله القاضي أبو الطيب عن الدَّقاق . ٢٣٩ ونقله الإمام فخر الدين عن الغزالي ، والذي في ((المستصفى، أنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج إلى حصوله إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن ، وليس ضروريا بمعنى أنه حاصل من غير واسطة ، كقولنا : القديم لا يكون مُحْدَثا ، والموجود لا يكون معدوما ، فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس : عدم اجتماع هذا الجمع على الكذب ، واتفاقهم على الإخبار عن هذه الواقعة . وهذا الذي ذكره الغزالي يقرب منه قول إمام الحرمين : إنه قد كثر الطاعن على قول الكَعْبِي إنه نظري، والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت أمارات جامعة وانتفائها، فلم يعن الرجل نظرا عقليا، وفكراً سبريا على مقدمات ونتائج ، فليس ما ذكره إلا الحق ، وتبعه ابن القُشيري ، وإذا تبين توارد إمام الحرمين وتلميذه على ذلك ، وتنزيل مذهب الكَعْبِي عليه، لم يبق خلاف . وقال / إلْكِيا: ما ذكره الكَعْبِي يرجع إلى سبب العلم، يعني أن العلم لم يحصل ، وليس الخلاف في هذا ، إنما الخلاف في أن الخبر إذا حصل بشرائطه هل يوجب العلم من غير نظر ؟ واعلم أن الكَعْبِي لا يُجَوِّز أن يخالف في هذا، فإنا نرى العلم يحصل للنساء والصبيان من غير نظر ، وإلا فالكَعْبِي لا ينكر المحسوس ويقول : لم أعلم البلاد الغائبة إلا بالنظر ، وما كان ضروريا يعلم ضرورة، لأنه لا يربط النظر (١). قال: وقاضينا أبو بكر يقول: أعْلَمُ أن العلم ضرورة، وأَعْلَمُ بالنظر أنه ضروري . فجعل العلم به بالنظر يدرك ، والمعلوم الثاني : وهو صدق الُخِبْرِين مدركا بالنظر ، ووجه النظر تيسير مدارك البحث الذي يظن المخالف أنه يتطرق منه إلى العلم ، وإذن بطل تعين كونه مدركا بالضرورة ، وهذا بعيد ؛ فإنه يلزم مثله في العلم باستحالة اجتماع الضدين ، فبطل ما رآه القاضي ، وصح ما قلناه من أن الكعبي إنما ادَّعى النظر في السبب الأول ، لا في العلم بصدق المخبرين . هـ . ويدل له أن ابن القَطّان احتج على أنه ليس ضروريا بأن العلم به لا يزيد المعجزة ، ونحن لم نعلمها إلا بالاستدلال، فكذا الخبر . (١) لعله: لا يرتبط بالنظر. ٢٤٠