Indexed OCR Text

Pages 201-220

القسم الثالث
التقرير
وصورته : أن يسكت النبي (عليه السلام) عن إنكار قول أو فعل قيل، أو
فُعِل بين يديه أو في عصره، وعلم به . فذلك مُنَزَّل منزلة فعله في كونه مباحا ، إذ
لا يُقِرُّ على باطل .
وقال الحارث المحاسبي : هو أن يراهم أو بعضهم يفعل الفعل، أو يخبر عنهم
أو بعضهم ، وذلك الفعل لا يحتمل إلا الطاعة من عمل في فرض أو عمل لا
يحتمل إلا الحِلَّ أو التحريم عندهم، لا ينهاهم عنه، كأكلهم الضب بحضرته
ونحوه، ثم قال ابن سُرَيْج في كتاب ((الودائع)): هو على الندب فقط ، بخلاف
القول والفعل .
والمانعون من التعلق بفعله عليه السلام يسلّمون أن تقريره لغيره شرع لنفي
رفع الحرج من حيث تعلق التقرير بالمقرر ، فكان ذلك في حكم الخطاب برفع
الحرج ، وهذا مما لا خلاف فيه كما قاله ابن القُشَيْري وغيره ، وإنما اختلفوا في
شيئين :
أحدهما : أنه إذا دل التقرير على انتفاء الحرج ، فهل يختص بمن قرر ، أو يعم
سائر المكلفين ؟ فذهب القاضي إلى الأول ، لأن التقرير ليس له صيغة تعم ، ولا
يتعدى إلى غيره إلا أن ينعقد الإجماع على أن التحريم إذا ارتفع في حق واحد
ارتفع في حق الكافة .
وذهب إمام الحرمين إلى الثاني، وهو الأظهر، لأنا بينا أنه في حكم الخطاب،
وقد تقرر أن خطاب الواحد خطاب للجميع . واختاره المازرى ، ونقله عن
الجمهور .
٢٠١

هذا إذا لم يكن التقرير مخصصا للعموم المتقدم، فإن كان كذلك، فاختلفوا فيه
أيضا، واختار الآمدي أنه إن بين لذلك الفعل معنى يقتضي جواز مخالفة ذلك
الواحد للعموم ، فإنه يتعدى إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى بالقياس على ما
قرر .
وقال الرَّازي : إن ثبت أن حكمه عليه السلام في الواحد حكمه في الكل ،
كان ذلك التقرير تخصيصا في حق الكل ، وإلا فلا . واختار ابن الحاجب عند
فهم المعنى قطع الإلحاق والاختصاص بمن قرر فقط ، واختار جماعة التعدي إلى
الكل .
وقد صرح جمع من الأصوليين بأن الفعل إذا سبق تحريمه فيبقى تقريره نسخا
لذلك الحكم ، ولولا أن التقریر یتعدی حکمه لکان تخصیصا لا نسخا . وقد نص
الشافعي على أن تقرير النبي عليه السلام للصلاة قياما خلفه وهو جالس ناسخ
لأمره السابق بالقعود .
الأمر الثاني : إذا تضمن رفع الحرج إما خاصا أو عاما ، فهل يحمل على
الإباحة ، أو لا يقضي بكونه مباحا أو واجبا أو ندبا ، بل يحتمل ، فيتوقف؟ ذهب
القاضي إلى الثاني وابن القشيري إلى الأول ، لأنه الأقل .
وإذا قلنا بالإباحة وهو المشهور، فاختلفوا في حكم الاستباحة لما أقر على وجهين
حكاهما إِلْكِيا والماوَرْدي والرُّوياني: أحدهما : أنه مباح بالأصل المتقدم، وهو براءة
الذمة، فلا ينتقل إلا بسبب، وهذا منهم تعلق باستصحاب الحال . والثاني : أنه
مباح بالشرع حين أَقِرُّوا عليها ، وهما الوجهان في أصل الأشياء قبل ورود
الشرع ، هل كانت على الإباحة حتى حظرها الشارع أو على الحظر حتى أباحها ؟
ولم يقف الشيخ السُّبْكى على هذا الخلاف، وسأله الصدر بن الوكيل، فلم
يستحضر فيه نصّاً، ورَجَّح أنه يدل على الإباحة، لأنه لا يجوز الإقدام على فعل،
حتى يعرف حكمه . فمن هنا دل التقرير على الإباحة .
[شروط حجية التقرير]
إذا ثبت هذا فإنما يكون التقرير حجة بشروط : أحدها : أن يَعْلَمَ به، فإن لم
٢٠٢

يعلم به لا يكون حجة. وهو ظاهر من لفظ التقرير ، وخرج من هذا ما فعل في
عصره مما لم يطلع عليه غالبا، كقولهم : كنا نجامع ونُكْسِلُ .
وما فُعِلَ في عهده عليه السلام، ولم يعلم انتشاره انتشارا يبلغ النبيَّ عليه
السلام، فهل يجعل ذلك سنة وشريعة من شرائعه؟ جزم الشيخ أبو إسحاق في
((الملخّص)) بأنه لا يدل. وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني في ((شرح الترتيب)):
اختلف قول الشافعي فيه، ولهذا قال في الأقط: هل يجوز في الفطرة أم لا؟ على
قولين، لأنه لم يكن قد علم أنه بلغ النبي عليه السلام ما كانوا يخرجونه في الزكاة
في الأقط، لأنه روي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نخرج على عهد النبي ◌َ*
صاعا من أقط، فعلق الشافعي القول في هذا على وجهين. اهـ.
وقال ابن السَّمْعاني إذا قال الصحابي كانوا يفعلون كذا ، وأضافه إلى عصر
النبي ◌َّر، وكان مما لا يخفى مثله حمل على الإقرار، ويكون شرعا لنا . وإن كان
مثله يخفى ، فإن تكرر منه ذِكْرُه حمل على إقراره ؛ لأن الأغلب فيما كثرُ أنه لا
يخفى ، كقول أبي سعيد : كنا نخرج صدقة الفطر في زمن النبي عليه السلام
صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير، أو صاعا من بر. قال : وعلى هذا إذا خرَّج
الراوي الرواية مخرج الكثير بأن قال : كانوا يفعلون كذا ، حملت الرواية على
عمله وإقراره ، وصار كالمنقول شرعا . وإن تجرد عن لفظ التكثير ، كقوله : فعلوا
كذا فهو محتمل ، ولا يثبت شرع باحتمال . أما إذا أضافه إلى عصر الصحابة أو
أطلق فسيأتي .
الشرط الثاني : أن يكون قادرا على الإنكار ، كذا قال ابن الحاجب وغيره ،
وفيه نظر . فقد ذكر الفقهاء من خصائصه عدم سقوط وجوب تغيير المنكر بالخوف
على النفس، وعدم السقوط في الحقيقة لأنه لا يقع منه خوف على نفسه بعد إخبار
الله بعصمته في قوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [ سورة المائدة/ ٦٧] قال القاضي
أبو الطيب في تعليقه : وإنما اختص عليه السلام بوجوبه لأمرين : أحدهما : أن
الله ضمن له النصر والظفر بقوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ [سورة الحجر/٩٥]
الثاني : أنه لو لم ينكره لكان يوهم أن ذلك جائز، وإلا لأمر بتركه . اهـ .
وحينئذ فلا يعقل هذا الشرط .
٢٠٣

الشرط الثالث : كون المُقَرِّ على الفعل منقادا للشرع ، سامعا مطيعا ، فالممتنع
كالكافر لا يكون / التقرير في حقه دالا على الإباحة ، وألحق به إمام الحرمين
المنافق ، ونازعه المازَري ، لأنا نجري عليه الأحكام ظاهراً . وهو كما قال ، لأنه
من أهل الالتزام والانقياد في الجملة . وحكى الغزالي في ((المنخول)) في تقرير
المنافق خلافا ، ومال إلْكِيا إلى ما قاله إمامه . قال : لأنه عليه السلام كان كثيرا ما
يسكت عن المنافقين علما منه أن العظة لاتنفع معهم . وإن كان العذاب حقيقا
بهم .
وشرط ابن أبي هريرة في تعليقه كون التقرير بعد ثبوت الشرع ، وأما ما كان
يقر عليه قبل استقرار الشرع ، حين كان داعيا إلى الإسلام فلا ، وهذا يرجع إلى
الثاني .
وشرط ابن السَّمْعاني أن لا يتقدم تقريره إنكار سابق قال : وإذا ذم الرسول
فاعلا بعد إقراره على فعل مثله ، دل على حظره بعد إباحته . وإن كان الآخر هو
الذم بعد الإقرار، دل على الحظر بعد الإباحة(١).
قال : وإذا علم من حال مرتكب المنكر أن الإنكار عليه يزيده إغراء على مثله،
فإن علم به غير الرسول لم يجب عليه الإنكار، لئلا يزداد من المنكر بالإغراء، وإن
علم به الرسول ففي إنكاره وجهان : أحدهما : لا يجب لما ذكر ، وهو قول
المعتزلة . والثاني : يجب إنكاره ليزول بالإنكار توهم الإباحة . قال : وهذا الوجه
أظهر ، وهو قول الأشعرية . وعليه يكون الرسول مخالفا لغيره ، لأن الإباحة
والحظر شرع مختص بالرسول دون غيره .
وشرط ابن القشيري أن لا نجد للسكوت محملا سوى التقرير ورفع الحرج .
فلو كان مشتغلاً ببيان حكم مستغرقا فيه ، فرأى إنسانا على أمر ولم يتعرض له ،
فلا يكون تركه ذلك تقريراً إذ لا يمكنه تقرير جميع الموانع بمرة واحدة . قال : ولهذا
أقول : ليس كل ما كان عليه الناس في صدر الشرع ، ثم تغير الأمر لا يدعى فيه
(١) كذا الأصل، وفيه تكرار لا داعي له.
٢٠٤

النسخ ؛ بل إذا ثبت حكم شرعي ، ثم تغير فهو النسح ، فأما ما كان عليه الناس
في الجاهلية ، ثم قرر الرسول فيه حكما ، فلا يقال : كان ذلك المتقدِّم شرعا
مستمرا ثم نسخ، إذ ربما لم يتفرغ الرسول لبيانه ، أو لم يتذكره.
مثاله قول الخصم في نكاح المشركات: كان قد تقرر في ابتداء الإسلام انتفاء
الحظر في المنكوحات ، ثم طرأ الحظر ، فنسخ ذلك الحكم ، وهذا مجازفة : إذ من
الممكن أنهم كانوا (١)، ولم يكن ذلك شرعا ؛ بل جريا على حكم الجاهلية . ثم بين
النبي عليه السلام أنه لا تجوز الزيادة على أربع بيانا مبتدأ . وأما إذا أمكن أن
يكون سكوته محمولا على أن جبريل عليه السلام لم يبين له بعد ذلك الحكم ، لم
يقطع بمشروعية ذلك التقرير ، بل يقال بانتفاء الحكم إذ لا عثور فيه على شرع،
لاندراس الشرائع المتقدمة ، فهذا لا يقضى فيه بحكم أصلا . اهـ .
[صور التقرير] :
ثم في التقرير صور تعرض لها الشيخ في ((شرح الإلمام)):
إحداها : أن يخبر النبي عليه السلام عن وقوع فعل في الزمن الماضي على وجه
من الوجوه ، ويحتاج إلى معرفة حكم من الأحكام ، هل هو من لوازم ذلك
الفعل ، فإذا سكت عن بيان كونه لازما دل على أنه ليس من لوازم ذلك الفعل ،
كما لو أخبر بإتلاف يحتاج إلى معرفة تعلق الضمان أو عدمه ، كإتلاف خمر الذمي
مثلا ، فسكوته يدل على عدم تعلق الضمان به . وكما لو أخبر عن وقوع العبادة
المؤقتة على وجه ما ، ويحتاج إلى معرفة حكم القضاء بالنسبة إليها ، فإذا لم يبينه دل
على عدم وجوب القضاء .
وثانيتها : أن يُسْأل(٢) عن قول أو فعل، لا يلزم من سكوته عليه مفسدة في نفس
الأمر ، لكن قد يكون ظن الفاعل أو القائل يقتضي أن تترتب عليه مفسدة على
تقدير امتناعه ، فهل يكون هذا السكوت دليلا على الجواز ، بناء على ظن المتكلم
أو لا، لأنه لا يلزم منه مفسدة في نفس الأمر، لكن المطلق إنما أرسل الثلاث بناء
(١) كذا الأصل، ولعل هنا سقطاً، تقديره (يزيدون على أربع).
(٢) في الأصل : أن يُسأل
٢٠٥

على ظنه بقاء النكاح ، فيقضي ظنه بكون المفسدة واقعة على تقدير امتناع
الإرسال . هذا إذا ظهر للمتلاعنين والحاضرين عقب طلاقه أن الفرقة وقعت
باللعان ، وإلا فيكون البيان واجبا لمفسدة الوقوع في الإرسال .
ومثاله أيضا استبشاره عليه السلام بإلحاق القائف نسب أسامة بن زيد ، فإن
الذين لا يعتبرون إلحاق القائف يعتذورن بأن الإلحاق مفسدة في صورة الاشتباه ،
ونسب أسامة لاحق بالفراش في حكم الشرع، فلا تتحقق المفسدة عندهم في
نفس الأمر ، لكن لما كان الطاعنون في النسبة اعتقدوا أن إلحاق القافة صحيح ،
اقتضى ذلك الظن منهم مع ثبوت النسب شرعا عدم المفسدة في إلحاق القائف
وثالثتها : أن يخبر عن حكم شرعي بحضرته عليه السلام ، فیسكت عنه فيدل
ذلك على الحكم ، كما لو قيل بحضرته : هذا الفعل واجب أو محظور إلى غيرهما
من الأحكام .
ورابعتها : أن يخبر بحضرته عن أمر ليس بحكم شرعي ، يحتمل أن يكون
مطابقا ، وأن لا يكون ، فهل يكون سكوته دليلا على مطابقته ؟ كحلف عمر
بحضرته أن ابن الصياد الدجال ولم ينكر عليه ، فهل يدل على كونه هو ؟ وفي
ترجمة بعض أهل الحديث ما يشعر بأنه ذهب إلى ذلك . قال الشيخ : والأقرب
عندي أنه لا يدل ، لأن مأخذ المسألة ومناطها أعني كون التقرير حجة هو العصمة
من التقرير على باطل ، وذلك يتوقف على تحقق البطلان ، ولا يكفي فيه تحقق
العصمة . نعم ، التقرير يدل على جواز اليمين على حسب الظن ، وأنها لا تتوقف
على العلم ، لأن عمر حلف على حسب ظنه، وأقره عليه . اهـ .
ويلتحق بالتقرير صور أخرى :
إحداها: ذكرها ابن السَّمْعاني ، وهي ما يبلغ النبي عليه السلام عنهم ،
ويعلمه ظاهرا من حالهم ، وتقرر عنده من عاداتهم ، مما سبيله الانتشار
والاشتهار ، فلا يتعرض له بنكير ، كنوم الصحابة قعودا ينتظرون الصلاة ، فلا
يأمرهم بتجديد الطهارة ، وكعلمه بأن أهل الكتاب يتعاملون بالربا ويشربون
الخمر فلا يتعرض لهم .
٢٠٦

قال: ويتصل بهذا ما استدل أصحابنا به من إسقاط الزكاة في أشياء سكت النبي
عليه السلام عنها من الزيتون والرمان ونحوهما ، وذلك أنه كان لا يخفى عليه أن
الناس يتخذونها كما يتخذون الكروم والنخيل ، وكان الأمر في إرساله المصدقين
والسعاة في أقطار الأرض ظاهرا بينا ، وكان إذا بعثهم كتب لهم الكتب ، فتقرأ
بحضرته ويشهد عليها ؛ فلو كان يجب فيها شيء لأمر بأخذه ، ولو أمر لظهر كما
ظهر غيره من الأشياء التي فيها الوجوب للأخذ ؛ فلما لم / يكن كذلك دل على ٢٢٠/ أ
سقوط الزكاة عنها .
وأما قول من روى أنهم كانوا يبيعون أمهات الأولاد على عهد النبي عليه
السلام ، فإنها لم تجر بهذا المجرى في الدلالة على جواز بيعهن ، لأنه لا يعلم هل
كان يبلغه هذا الفعل عنهم أو لم يظهر له ذلك . وقد قام الدليل على فساد بيعهن
من وجوه ، فلم يعترض به على تلك الدلالة .
وهكذا ذكر الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني في كتابه من صور كون الشيء من
الأمور العامة ولا يتعرض فيه بالأخذ والإيجاب ، فيعلم أنه غيره واجب ، كما قال
الشافعي ومالك في الخضروات كانت على عهد الرسول ، فلم يبلغهما أنه أخذ منها
الزكاة أو أوجبها .
قال: وهذا فيما إذا كان تركه يؤدي إلى ترك الفرض ، فأما المبايعات والإجارة
التي لم ترد فيها النصوص المبينة للصحة والفساد ، فلا يكون الإمساك عنه دليلا
على الصحة لأنه لا يتعلق بالفوات ، وقد أقام الدليل عليه من المعاني المودعة في
النصوص ، ولا يكفي إقامة الدلالة في مثل الخضروات ؛ بل الأخذ والتقدم
بالإحرام إن كان فيها فرض(١). اهـ.
[أحكام سكوته {ێ﴾]
ثم تكلم ابن السَّمْعاني على أحْكام سُكُوتِه ، وقد نقلها إلى دليل مسألة
التحسين والتقبيح ، لأنه ذكرها هناك فلتراجع.
(١) كذا الأصل فليحرر.
٢٠٧

وقد ذكرها إِلْكِيا، وهو أن يسكت عما لم تشتمل عليه أدلة الشرع ، ومما ذكر له
في القرآن ، والمستفتي ليس خبيرا بأدلة الشرع بصيرا بالأحكام . قال : فسكوت
الرسول في مثل ذلك حجة ، وإلّ لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فإنه لو كان
واجبا عليه لبَيَّنَه .
ومثاله ما روي أن أعرابيا محرما جاء إلى الرسول ، وعليه ثوب مضمخ
بالخلوق ، فقال له عليه السلام : (انزع الجبة واغسل الصفرة ، واصنع في
حجتك ما تصنع في عمرتك) ، ولم يتعرض لوجوب الفدية ، ولو وجبت لبينها،
لجهل الأعرابي، فإنّ من جهل جواز اللبس ، فهو بالفدية أجهل . وكذلك سكوته
في قضية الأعرابي المجامع عن بيان حال المرأة .
قال : ومن هذا القبيل استدلال الشافعي في مسألة الخارج من غير السبيلين ،
بأنه ليس من الأحداث لأن الأحداث مقصاة(١) من الكتاب والسنة ، ولو كان من
قبيل الأحداث لذكر في الكتاب والسنة ، فلو كان حدثا كان من الأحداث
المشهورة التي تعم بها البلوى ، واقتباس ذلك من القياس غير ممكن، وكذلك قال
في صلاة المغرب : بَيْنْ جبريل لكل صلاة وقتين ، ولم يبين للمغرب وقتين، وإنما
جاء مبينا للأوقات . فلو كان لها وقتان لبينه جبريل . قال : ويشترط في هذا أن
یکون المسكوت عنه لم يشمله أدلة الشرع ، فلو کان له ذکر فیها، كما لو أتي بزان
فأمر بالجلد ، ولم يذكر المهر والعدة ونحوهما ، فذلك مما لا يحتج به ، لأن ذلك
يحال به على البيان في غير الموضع.
قال : وعلى هذا سكوت الراوي ، قد يحتج به ، وقد لا يحتج به ، فإذا ساق
الراوي قضية ظهر منها أنه بعد استغراقها بالحكاية أنه لم يغادر من مشاهير أحكامها
شيئا كما نقل الراوي قضية ماعز من مفتتحها إلى مختتمها ، ولم ينقل أنه جلد ، ورد
على هذا من ظن المعترض أن الجلد لا يتشوف إلى نقله عند نقل الرجم ، فإنه غير
محتفل به في مثل ذلك ، ويجاب بأن سياق القضية واستغراقه بتفاصيلها بالحكاية
من غير تعرض للجلد دليل على نفي الجلد ، إذ لو جرى الجلد لنقله .
(١) الصواب: مستقصاة.
٢٠٨

ومنه حكاية المواقع في الصور النادرة ، والظن بالراوي أنه إذا نقل الحديث أن
ينقل بصورتها إذا كانت الصورة نادرة ، فإذا سكت عنها فسكوته حجة .
مثاله ما روي أنه عليه السلام أقاد مسلما بكافر ، وقال أنا أحق من وفى بذمته .
قال بعض المتأولين : لعل كافرا قتل كافرا ، ثم أسلم القاتل ، وفي ذلك نظر ،
فإنه لو كان لنقل مثل ذلك على ندور ، وتشوف الطباع إلى نقل الغرائب ، وهذا
حسن . اهـ .
الثانية : اذا استبشر من فعل الشيء أو قوله ، كان ذلك دليلا على كونه جائزا
حسنا ، لأنه لا يستحسن ممنوعا منه . يبقى أنه هل استحسنه لكونه مندوبا إليه
شرعا ؟ أو لكونه لغرض عادي ؟ فيه احتمال ، وينبغي أن يطرقه الخلاف
السابق . والأولى حمله على الشرعي ، لأنه الأغلب من حاله عليه السلام ،
ولكونه مبعوثا لبيان الشرعيات .
وأما غضبه ، وتغير وجهه الكريم من شيء ، فذلك يدل على منع ذلك
الشيء ، ثم هل ذلك المنع على جهة التحريم أو الكراهية ؟ يحتمل أن يجيء فيه
الخلاف . والمرجع في هذا النظر في قرائن أحواله وقت غضبه ، فيحكم بها ، فإن
لم تكن قرينة أو لم يفعل فالظاهر التحريم .
واعلم أن الاستبشار أقوى في الدلالة على الجواز من السكوت ، ولذلك تمسك
الشافعي في إثبات القيافة وإلحاق النسب بها باستبشار النبي عليه السلام بقول
مجزز المدلجي ، وقد بدت له أقدام زيد وأسامة : إن هذه الأقدام بعضها من
بعض . واستضعفه الغزالي في ((المنخول)). وقال : إنما سُرَّ بكلمة صدق صدرت
ممن هو مقبول القول فيما بين الكفار على مناقضة قولهم لما قدحوا في نسبة أسامة إلى
زيد(١)، إذ كان رسول الله قد تأذّى به، وغايته أنه ألحق نسبه بمعلوم عنده اهـ.
ورد عليه الطَّرَسُوسي، وقال : لو احتج النبي عليه السلام عليه بما لا يعتقده
لدحضت حجته عندهم ، ولقالوا : كيف تحتج علينا بالرمز والقيافة ، وأنت لا
(١) في الأصل: ((نسبة زيد إلى الرسول)) ولعله سبق قلم.
٢٠٩

تقول به ؟ ونقل إلّكِيا أن هذا السؤال أورد على الشافعي ، فقيل له : إنما ثبت
نسبه بالرسول(١) وقول مجزز لغو، إذ القائف يُقْضى به في بيان نسب ملتبس،
ولكن كان الاستبشار لانقطاع مظاهر الكفار عن نسب أسامة بن زيد. فقال مجيبا :
لو لم يكن للقيافة أصل لم يستبشر، فإن ذلك یوهم التلبيس، وقد كان شديد النکیر
على الكهان والمنجمين، ومن لا يستند قولهم إلى أصل شرعي، ولو لم تكن القيافة
معتبرة، لكانت من هذا القبيل .
(١) صوابه: بزيد.
٢١٠

القسْم الرابع
مَاهَمَّ به
ولهذا استحب الشافعي في الجديد للخطيب في الاستسقاء مع تحويل الرداء
تنكيسه بجعل أعلاه أسفله محتجا بأنه عليه السلام استسقى وعليه. خميصة
سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على
عاتقه . قال الشافعي : فيستحب الإتيان بما همّ به الرسول .
وعند التعارض قال الأصحاب - ومنهم الرافعي في كتاب الإحرام نقلا عن
الشافعي -: إنه يقدم القول على الفعل، ثم الهم .
٢١١

القسم الخامس
ما أشارإليه
كإشارته عليه السلام بأصابعه العشر ثلاث مرات إلى أيام الشهر الكامل ،
٢٢٠/ ب حيث قال : (الشهر كذا وكذا ثم / أشار مثل ذلك وقبض في الثالثة الإبهام) ،
فبين بهذه الإشارة أن الشهر قد يكون ثلاثين ، وقد يكون تسعة وعشرين وقوله :
((الشهر)) عام في الشهور كلها من حيث إنه لا معهود يصير إليه، وهذا مبطل لقول
من قال: إن رمضان لا ينقص، حكاه صاحب ((المصادر)).
٢١٢

القسْم السّادس
الكتابة
مثل كتابته إلى عماله في الصدقات وسائر الأحكام ..
وزاد الأستاذ أبو منصور : التنبيه على العلة ، كحصره الربا في ستة أشياء ،
تنبيها على جريانه في كل ما شاركها .
قال : ويقدم القول، ثم الفعل، ثم الإشارة، ثم الكتابة، ثم التنبيه على
العلة ، وهذا ذكره الحارث المحاسبي ، فذكر أن سنته منحصرة في أربع : القول،
والفعل، والتقرير . ثم قال : والرابع : أن يَرَوْه عليه السلام يفعل أو يترك،
فيفهمه أخصاؤه عنه ، وما أراد به، فيتدينوا بذلك ، لفهمهم عن نبيهم مراد الله
في قوله أو فعله ، وإن كان القول والفعل في الظاهر أقل من المعنى كنهيه عن
الأشياء الستة الربوية ، فأجمعوا على أن كل طعام مرجوع واحد ، يقوم مقام ذلك
في الربا، وأجمعوا فقالوا: كل مالم يسمه لنا النبي ◌ِّر بعينه فهو لنا مباح ،
وكذلك الزكاة في البقر ، وأجمعوا على أن الجواميس كذلك إذ هو في معناه ، وذكر
لذلك نظائر.
٢١٣

القسْم السَّابع
[التَّك]
لم يتعرضوا لتركه عليه السلام.
وقد احتج القائلون بعدم دلالة الفعل على الوجوب أنه لو دل عليه لدل الترك
على الوجوب . وقال ابن السَّمْعاني : إذا ترك الرسول شيئا وجب علينا متابعته فيه
ألا ترى أنه عليه السلام لما قُدِّم إليه الضب ، فأمسك عنه ، وترك أكله ، فأمسك
عنه الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم : (إني أعافه) ، وأذن لهم في ذلك لمعنى ،
فينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا فعله لمعنى زال ، هل يبقى سنة ، ومثاله
صلاة التراويح ، فإنه عليه السلام تركها خشية الافتراض على الأمة ، وهذا المعنى
زال بعده ، فمن ثَمَّ حصل الخلاف في استحبابها .
[الحكم في حادثة لم يحكم الرسول ◌َ ﴾ في نظيرها بشىء]
إذا حدثت حادثة بحضرة النبي وَله، ولم يحكم فيها بشيء، فقال القاضي أبو
يَعْلَى: لنا أن نحكم في نظيرها خلافا لبعض المتكلمين في قولهم: تركه عليه السلام
الحكم في حادثة يدل على وجوب ترك الحكم في نظيرها. وقال: هذا كرجل شجّ
رجلا شجة، فلم يحكم فيها رسول الله وَّل بحكم، فيعلم بتركه لذلك أن لا
حكم لهذه الشجة في الشريعة. وقال بعضهم: يحتمل التوقف. ولنا أن عدم نص
الله في الحادثة على حكم لا يوجب ترك الحكم في نظيرها، فكذلك في السنة.
٢١٤

الكَلامُ فى الأخبَار
اعلم أن أساس النبوات والشرائع يتعلق بأحكام الأخبار ، وأكثر الأخبار
مستفاد منها، وما هذا شأنه فحقيق الاهتمام به ، لما يؤمل لمعرفته من صلاح الدين
والدنيا ، والكلام في الخبر في مواطن :
الموطن الأول : في مدلوله :
أما لغة : فمشتق من الخَبار ، وهي الأرض الرخوة، لأن الخبر يثير الفائدة، كما
أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر .
ويطلق في اصطلاح العلماء على أمور :
أحدها : المحتمل التصديق والتكذيب ، وهو اصطلاح الأصوليين .
وثانيها : على مقابل المبتدأ نحو قائم ، من زيد قائم ، فإنه خبر نحوي . ولا
يقال : إنه محتمل للتصديق والتكذيب ، لأن المفرد من حيث هو مفرد لا
يحتملهما ، والذي يحتمل التصديق والتكذيب إنما هو المركّب قسيم الإنشاء لا خبر
المبتدأ ، ويدل لذلك اتفاقهم على أن أصل خبر المبتدأ الإفراد ، واحتمال الصدق
والكذب إنما هو من صفات الكلام، ولهذا ضعَّف مَنْع ابن الأنْبَاري وبعض
الكوفيين كون الجملة الخبرية طلبية ، نظرا إلى أن الخبر ما احتمل الصدق
والكذب، والطلب ليس كذلك ، والصحيح الجواز . وما علل به باطل بما
ذكرناه .
وثالثها : على ما هو أعم من الإنشاء والطلب ، وهذا كقول المحدِّثين : أخبار
الرسول ، مع اشتمالها على الأوامر والنواهي . وقال القاضي أبو بكر : فإن قيل :
كيف يصح تسمية الحديث بالخبر ، ومعظم السنة الأوامر والنواهي ؟ فالجواب من
وجهين : أحدهما : أن حاصل جميعها آيل إلى الخبر ، فالمأمور به في حكم المخبر
عن وجوبه ، وكذا القول في النواهي . قال : والسرُّ فيه أنه عليه السلام ليس امرا
على سبيل الاستقلال ، وإنما الأمر حقا هو الله تعالى، وصيغ الأمر من المصطفى
٢١٥

في حكم الإخبار عن الله . والثاني : إنما سميت أخباراً لنقل المتوسطين ، وهم
يخبرون عمن يروي لهم ، ومن عاصر الرسول كان إذا بلغه لا يقول : أخبرنا
رسول الله ، بل يقول : أمرنا ، فالمنقول إذاً استجداد اسم الخبر في المرتبة الثانية
إلى حيث انتهى .
[تعريف الخبر في اصطلاح الأصوليين]:
وأما في اصطلاح الأصوليين: فيطلق الخبر على الصيغة ، كقولنا : قام زيد ،
ويطلق على المعنى القائم بذات المتكلم الذي هو مدلول اللفظ ، ثم قال ابن
الحاجب : هو حقيقة فيهما. وقيل : حقيقة في النفساني ، مجاز في اللساني . وقيل
عكسه ، كالخلاف في الكلام ، لأن الخبر قسم من أقسامه . ونقل عن الأشعرية
أنه لا صيغة للخبر . وعن المعتزلة أنه إنما يصير خبراً إذا انضم إلى اللفظ قصد
المتكلم إلى الإخبار به ، كما قالوا في الأمر . والصحيح أن له صيغة تدل عليه في
اللغة ، وهي قوله : زيد قائم وما أشبهه .
وقد اختلفوا في الخبر، هل يمكن تحديده ؟ فاختار السكاكي أنه غني عن
التعريف ، وكذا الإمام الرازي . قال : لأن تصوره ضروري ، إذ تصورىا موجود
ضروري ، وهو خبر خاص ، والعام جزؤه ، فتصوره تابع لتصور الكل ، ولأن
كل واحد يفرق بالضرورة بين معنى الخبر وغيره ، والضروري لا يحدُّ فكذا الخبر .
قال الآمدي : وهذا ضعيف ، إذ الضروري لا يفتقر إلى أن يستدل عليه ، كما
فعل . سَلَّمِنَاه ، لكن العلم الضروري نسبة خاصة ، لا بالخبر من جهة كونه
خبرا . وقولهم : العام هو جزء الخاص ، قلنا يلزم انحصار الأعم في الأخص ،
وهو محال . ثم هو منقوض بالعرض العام ، كالأسود . وليس السواد جزءا من
معنى الإنسان .
والمختار عند الجمهور اقتناصه بالحد ، ثم اختلفوا فقيل : إنه الذي يحتمل
الصدق أو الكذب لذاته، أي الصالح لأن يجاب المتكلم به : بِصَدَقَ، أو كذَبَ .
وقلنا : لذاته ليخرج ما يصلح لذلك بالتقدير ، كما يقدر النحوي في النداء
٢١٦
٠

والتعجب ، والمراد ما يحتمله بصيغته من / حيث هو ، مع قطع النظر عن ٢٢١ /١
العوارض لكون مخبره صادقاً أو كاذبا .
وأتى بصيغة ((أو)) ليحترز بها عن السؤال المشهور : وهو أن خبر الله ، وخبر
رسوله لا يحتمل الكذب ، وهذا إنما يَرِدُ إذا ذكر بالواو ، وأما إذا قيل باحتماله
: أحدهما فلا يَرِد .. وقد فسرنا الاحتمال بالقبول الذي يقابله عدم القبول في نفس
الأمر، وعلى هذا فلا ينتفي(١) ذلك الوجوب بأن كلما فهو محتمل بهذا التفسير ،
ولا يضر استعمال ((أو)) فيه ، لأن الترديد في أقسام المحدود لا الحد ، والاعتراض
بلزوم اجتماعهما فاسد ، لأن شرط التعبير اتحاد المحمول والموضوع ولا يتحقق هذا
إلا في الجزئي ، والمحدود إنما هو الكلي .
قال القاضي أبو بكر في ((التقريب)): فإن قيل : ما حد الخبر؟ قلنا : ما يصح
أن يدخله الصدق أو الكذب ، وذكر أهل اللغة : أنه ما يصح أن يدخله الصدق
والكذب . وما قلنا أولى ، لأن من الأخبار مالا يصح دخول الكذب فيه ، ومنها
مالا يصح دخول الصدق فيه ، ورده إمام الحرمين أيضا ، لأن المجيء بالواو
الجامعة يشعر بقبول الضدين ، والمحل لا يقبل إلا أحدهما ، لا هما معا ،
فالمقتضى المجيء ((بأو)) وغَلَّطه القَرَافي . وقال : بل المحل يقبل الضدين معا، كما
يقبل النقيضين معا، وإنما المشروط بعدم هذا، وقوع الآخر المقبول، لا قبوله .
والمحال اجتماع المقبولين لا اجماع القبولين . وهذا واجب، والأول : مستحيل .
ولا يلزم من تنافي المقبولين ، تنافي القبولين . ولهذا يقال : الممكن يقبل الوجود
والعدم ، وهما متناقضان ، والقبولان يجب اجتماعهما له لذاته، لأنه لو وجد أحد
القبولين دون الآخر لم يكن ممكنا، فإنه لو لم يقبل الوجود كان مستحيلا، ولو لم
يقبل العدم كان واجبا، فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين ، وإن تنافى
المقبولان . وإنما أوقع إمام الحرمين في ذلك التباس المقبولين بالقبولين . قلت : لم
ينف أمام الحرمين إلا المقبولين ، فإنه لم يتكلم في غيره ، لأنه لم يقل : إن الحدّ
يستلزم اجتماع الصدق والكذب المقبولين .
(١) في الباريسية والأزهرية: ((ينبغي)) والمعنى غير بَيْنّ.
٢١٧

وقيل : ما يحتمل التصديق والتكذيب ، والفرق بينهما أن الصدق والكذب
يرجعان إلى نسبتين وإضافتين في نفس الأمر ، وهما المطابقة في الصدق ، وعدمها
في الكذب ، والمطابقة والمخالفة نسبتان بين اللفظ ومدلوله ، وأما التصديق
والتكذيب فيرجعان إلى الإخبار عنهما ، فقد يوجد التصديق والتكذيب مع الصدق
والكذب عند موافقة الأخبار للواقع وبدونهما إن كان كذبا ، فقد يصدق ولیس
بصادق ، ويكذب وليس بكاذب ، فبينهما عموم وخصوص من وجه .
وهذا الحد سَلِم مما ورد على الأول من اجتماعهما في كل خبر ، وفي هذا رد على
السَّكاكي حيث قال : إن صاحب هذا الحد مازاد على أن وسّع الدائرة، وأَوْرَد
عليه أنهما نوعان للخبر لا يعرفان إلا به ، فلو عرف بهما لزم الدور ، وأجيب بمنع
نوعيتهما ، بل هما صفتان عارضتان له على سبيل البدل ، كالحركة والسكون
للإنسان .
مسألة
[تعريف الكذب ]
الكذب : الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، مع السهو والعمد، وشرطت
المعتزلة العمد، وفي الصحيح : (من كذب عليّ متعمدا).
وهنا تنبيهات
الأول : ما ذكرنا من أن الخبر موضوع لهما هو المشهور ، وخالف في ذلك
القَرَافي، وادعى أن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق ، وليس لنا خبر كذب .
قال : واحتمال الصدق والكذب إنما جاء من جهة المتكلم ، لا من جهة الوضع ،
ونظيره قولنا : الكلام يحتمل الحقيقة والمجاز ، وأجمعوا على أن المجاز ليس من
٢١٨

الوضع الأول. قال: وظن جماعة من الفقهاء أن احتمال الخبر للصدق والكذب
مستفاد من الوضع اللغوي ، وليس كذلك ، بل لا يحتمل الخبر من حيث الوضع
إلا الصدق ، لاتفاق اللغويين والنحاة على أن معنى قولنا : قام زيد ، حصول
القيام في الزمن الماضي . ولم يقل أحد منهم : إن معناه صدور القيام أو عدمه ،
وإنما احتماله من جهة المتكلم لا من جهة اللغة .
وهذا الذي قاله القَرَافي مصادم لإجماع الناس على أن الخبر موضوع لأعم من
ذلك . وقوله : الإجماع منعقد على أن معنى قولنا : قام زيد حصول القيام ممنوع ،
وإنما مدلوله الحكم بحصول القيام ، وذلك يحتمل الصدق والكذب .
الثاني : المشهور أن الكذب الخبر المخالف للمخبر عنه ماضيا كان أو
مستقبلا ، خلافا لأبي القاسم الزَّجَّاجي في كتاب ((الأذكار بالمسائل النحوية))،
ولابن قتيبة ، حيث خصا الكذب بما مضى ، وأما المستقبل فيقال له : خلف ، ولا
يقال له : كذب . لنا قوله تعالى حكاية عن الذين نافقوا : ﴿لئن أخرجتم
لنخرجن معكم ، ولا نطيع فيكم أحد أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ، والله يشهد
إنهم لكاذبون﴾ [سورة الحشر/ ١١] وكذبهم في خبرهم عن المستقبل ، وكذا قوله:
﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ إلى قوله: ﴿وإنهم لكاذبون﴾ [سورة الأنعام/ ٢٧-٢٨]
وفي صحيح مسلم عن جابر : أن عبدا لحاطب جاء يشكو حاطبا ، فقال : يا
رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله محصلة: كذبت لا يدخلها، فإنه
شهد بدراً والحديبية ، وفي جانب الصدق قوله عليه السلام . (أفلح وأبيه إن
صدق) فاستعمل الصدق في الخبر عن المستقبل ، فالحق أنه يوصف بهما ماضيا
ومستقبلا ، لكن له وصف خاص ، وهو الخلف والوفاء .
وادعى بعضهم أن كلام الشافعي يُفْهِم أن الكذب يختص بالماضي إذ قال : لا
يجب الوفاء بالوعد ، وضعّف سؤال من قال لصاحبه : غدا أعطيك درهما ، ثم لم
يفعل ، كان كاذبا ، والكذب حرام ، فكيف لا يوجبون الوفاء بالوعد ؟ فقال :
والحالة هذه آية أنه حاكم على أمر مستقبل ، ولا كذب فيه والوعد إنشاء لا خبر ،
وإنما يسمى من لم يف بالوعد مخلفا لا كاذبا ، ولهذا قال عليه السلام في حق
٢١٩

المنافق : (إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف) ، فسماه مخلفا ، لا كاذبا ، ولو
كان الإخلاف كذبا دخل تحت عموم (إذا حدث كذب) .
وقد يقال : إذا لم يدخله الكذب ، لا يكون خبرا ، لأن الخبر ما يفيد
الكذب . والظاهر أن الخبر يتعلق بالمستقبل ، كما تقول : سيخرج الدجال ،
ويصح فيه التصديق والتكذيب ، والوعد إنشاء لا خبر .
الثالث : أن قولهم : الخبر ما يحتمل الصدق والكذب ، هل هو خاص بالكلام
الذي له خارج عن كلام النفس أم يجري في لفظ ((خ ب ر))؟ وقد اضطرب كلام
الفقهاء في الثاني ، فجعلوه في مواضع كثيرة مخصوصا بالصدق ، ولهذا لو قال :
إن لم تخبريني بعدد هذا النوى فأنت طالق ، ولم يكن قصده التمييز ، فلا يكتفي
بأي عدد كان ، إن كان المعلَّق عليه لفظ الإخبار .
ويوافقه قول الماوَرْدي في ((الحاوي)): أنه لا فرق بين البشارة والخبر، فيما إذا
علق الطلاق عليه في أنه يعتبر الصدق في وقوع الطلاق فيهما ، وما ذكره في البشارة
٢٢١ / ب صحيح . وأما في الخبر فكلامهم مختلف فيه ، فقد قالوا فيما / لو قال : إن لم
تخبريني بمجيء زيد، فأنت طالق ، فأخبرته بمجيئه كاذبة أنها لا تطلق، لوجود
الإخبار بقدومه، وهو لا يشترط فيه المطابقة . ولو قال : من أخبرتني منكما بكذا
فهي طالق ، فأخبرتاه صدقتا أو كذبتا طلقتا .
وجعل الفُوراني الخبر للصدق فقط إذا قرن بحرف الباء ، لأنه للإلصاق ،
فيقتضي وجود المخبر به حتى يلصق به الخبر ، فإذا قال : إن أخبرتني أن فلانا قدم
فعبدي حر ، فأخبره صادقا أو كاذبا عتق العبد ، ولو قال : إن أخبرتني بقدوم
فلان فعبدي حر، فأخبره كاذبا لا يحنث عند الفُوراني وخالفه الجمهور .
وفي ((فتاوى القَفَّال)) لو قال رجل لآخر : إن أخبرتني بخروج فلان من هذا
البلد ، فلك عشرة دراهم ، فأخبره هل يستحق العشرة ؟ نظر ، إن كان له
غرض في خروجه من البلد استحق، وإلا فلا . والنكتة في الجعالة ، فقد حكاه
عنه الرافعي ثم بحث معه في شيئين : أحدهما : أنه هل يتقيد الخبر بالصدق ؟ فلو
كان كاذبا ينبغي أن لا يستحق شيئا ، لانتفاء المعنى الذي علل به . قلت : ولعل
٢٢٠