Indexed OCR Text

Pages 121-140

إزالة الشبهة عن الناس، وإزالة عذرهم، وذلك يقتضي أنه لا يبقى له سنة تخالف
الكتاب إلا بين أنها منسوخة بيانا صريحا بقوله أو فعله، حتى لا يتعلق من في قلبه
ريب بأحدهما، ويترك الآخر. وهذا من محاسن الشافعي الذي لم يسبقه غيره إلى
الإفصاح به .
وقد وقع على هذا المعنى ونبه عليه جماعة من أئمتنا، منهم أبو إسحاق المَرْوزي
في كتابه ((الناسخ)). فقال: وقد نقل كلام الشافعي في ((الرسالتين))، فذكر الكلام
السابق ثم قال: وذكر الشافعي في ((الرسالة القديمة)) منع نسخ القرآن بالسنة، ثم
قال: وكذلك القرآن لا ينسخ السنة، ولو أحدث الله عز وجل لنبيه في سنة سنها
غير ما سن الرسول لبينّ رسول الله صل أيضا غير السنة الأولى، حتى تنسخ سنته
الأخيرة سنته الأولى. وقال أيضا في القديمة في مناظرة بينه وبين محمد حكاية عن
محمد أنه قال: وإذا كانت لرسول الله وَلا سنة، فرسول الله وَلو أعلم بمعنى ما أراد
الله عز وجل، ولا يتأول على سنة لرسول الله وَيقر، ولا يزعم أن الكتاب ينسخ
بسنة، ولكن السنة تدل على معنى الكتاب. فقال الشافعي: إذاً أصبت. وهذا
قولنا، فكيف لا نقول باليمين مع الشاهد .
قال أبو إسحاق: فقد نص الشافعي في ((الرسالة)) القديمة والجديدة على أن سنة
الرسول لا تنسخ الا بسنة، وأن الكتاب لا ينسخ السنة، ولا السنة تنسخ
الكتاب، وأن كتاب الله فيما (١) للنبي وَ لّ فيه سنة إنما يأتي أمر ثان ینسخ سنته، حتى
يكون هو المتولي لنسخه، وسنته أن يكون ذلك، لئلا يختلط البيان بالنسخ، فلا
يوجد لرسول الله سنة ظاهر القرآن خلافها، إلا جعل القرآن ناسخا، أو جعلت
السنة إذا كان ظاهرها خلاف القرآن ناسخة للقرآن، فيكون ذلك ذريعة إلى أن
يخرج أكثر السنن من أيدينا .
وقد قال الشافعي في مواضع ما يوجب أن القرآن / ينسخ السنة، إلا أنه في ٢٠٨ / ١
أيدينا(٢) وجب استعمالها على ما يمكن منهما، والذي يمكن تخصيص العام بالنص
بعلمنا ذلك، ثم سواء تقدمت السنة أو تأخرت، لأنها إن تقدمت فالكلام العام
(١) في القاهرية: وإن كان فيما للنبي بحذف: كتاب الله.
(٢) في الباريسية: ((إلا أنه لا في أيدينا)) والمعنى غير ظاهر في كلتا العبارتين.
١٢١

مثبت عليها، وهي بيان، وإن تأخرت فهي تفسيره، وهي بيان. ومن جعلها
منسوخة فإنما يريد منا أن نترك المفسَّر بالمجمل، والنص بالمجمل، ومن أراد ذلك
منا قلنا له: بل بيان كما أمر الله نبيه بالبيان به. فلا يجوز ترك النص بما يحتمل
المعاني. قال: وهذا جملة مما قاله الشافعي في هذا الباب، وما قاله أبو العباس
بن سریج فیه . اهـ.
ومنهم أبو بكر الصَّيْرفي في كتابه، فقال: ومعنى قول الشافعي: أن السنة لا
تنسخ القرآن صحيح على الإطلاق لا يأتي برفع حكم القرآن أبدا، ومعنى قوله:
لا ينسخ القرآن السنة إلا أحدث النبي ◌َّلل سنة تبين أن سنته الأولى قد أزيلت
بهذه الثانية كلام صحيح، أحال أن تكون السنة تأتي برفع القرآن الثابت على ما
بيّنا من قيام الأدلة، وأجاز أن يأتي القرآن برفع السنة، بل قد وجده، ثم قرنه بأنه
لابد من سنة معه تبين أنه أزال الحكم، لئلا يجوز أن يجعل عموم القرآن مزيلا لما
بينه من سنن النبي ◌َّة، لوهم أن يتوهم أن قوله: فاغسلوا أرجلكم(١) مزيل
لحكم مسح الخفين، ومثله قوله: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم
يطعمه﴾ [سورة الأنعام / ١٤٥] مزيل لتحريم كل ذي ناب من السباع ونحوه .
وهكذا قال الشافعي عند ذكره صلاة الخوف: وحكى عن أبي سعيد صلاة
النبي وَّير يوم الخندق، وذلك قبل أن ينزل الله: ﴿فرجالاً أو ركبانا﴾ [سورة
البقرة / ٢٣٩] فقال: وهذا من الذي قلت لك: إن الله إذا أحدث لرسوله في شيء
سَنَّهُ عليه السلام، فلابد من سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخيرة،
يعني أن الله عز وجل رفع الحكم بالآية ففعل هذه السنة لأن الرافع هو القرآن،
والسنة هي المثبتة أن القرآن قد رفع حكم ما سنه، وبيانا للأمة، ألا ترى النبي
وير قد علم أن الحكم قد زال بما أمر، وصار هو الفرض يفعله امتثالا للمفروض
عليه وعلى أمته، وبيانا للأمة أنه قد أزيل ما سنه، فيعلم بسنته الثانية أن الله قد
أزال سنته الأولى لما وصفت من احتمال ترتيب الآية على السنة، لئلا يشكل ذلك
في الترتيب والفرض. وقد نص الشافعي على ذلك فقال فيما عقده النبي وَيلة
(١) لا يوجد نص قرآني بهذا اللفظ، والمصنف يريد الاستشهاد بآية المائدة ﴿فاغسلوا وجوهكم
وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
١٢٢

لقريش بنقض الله الصلح من رد المؤمنات: فهذا يدل على أن القرآن هو الذي
رفع السنة. انتهى كلامه .
وقال الغزالي في ((المنخول)): أما ورود آية على مناقضة ما تضمنه الخبر فجائز
بالاتفاق، ولكن الفقهاء قالوا: النبي ◌ّر هو الناسخ لخبره دون الآية. قال: وهذا
كلام لا فائدة فيه، ولا استحالة في كون الآية ناسخة للخبر وعُزي إلى الشافعي
المصير إلى استحالته، ولعله عنى في المسألة أن النبي وَ لّ لا ينسخ، ولا يبين، وإنما
الناسخ الله. اهـ .
وقال القاضي في ((التقريب)): كان الشافعي يقول بتجويز ورود القرآن بلفظ
ينفي الحكم الثابت بالسنة، غير أنه لا يقع النسخ به حتى يحدث النبي بَّ مع
القرآن سنة له أخرى يبين بها انتفاء حكم السنة المتقدمة، وهذا مما لا وجه له، لأنه
إذا كان القرآن من عند الله، وكان ظاهره ينفي حكم السنة، وجب القضاء على
رفعه لها، ولو كان ما هذا حكمه من القرآن لا يكفي في ذلك في رفع حكم السنة
لفظ سنة أخرى ينفي حكمها. فإن قيل: قد يلتبس الأمر في ذلك، فيظن سامع
لفظ الآية أنه غير مراد به رفع حكم السنة؟ قلنا: إذا لم يحتمل اللفظ غير ما يضاد
حكم السنة ارتفع التوهم .
وقال أبو إسحاق المرْوَزي: نص الشافعي في موضع آخر على أن الله ينسخ سنة
رسوله، غير أن قوله لم يختلف في أن الله إذا نسخ ذلك لم يكن بد من أن يكون
لرسول الله وَ ل سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة، إما بالسنة أو بكتاب الله، لأن
المنع من إجازة نسخ الله سنة نبيه لئلا يختلط البيان بالنسخ، فتخرج السنن من
أيدينا، فإذا انضم إلى السنة الأولى وإلى القرآن الذي أتى برفعه سنة أخرى تبين أن
السنة الأولى منسوخة، فقد زال ما يُخَوِّف من اختلاط البيان بالنسخ، ولا يبالي بعد
ذلك أيهما الناسخ للحكم الأول: الكتاب للسنة، أو السنة للسنة، وليس في أیدینا
دليل واضح على أنه لا ينسخ الكتاب السنة، كما أن السنة لا تنسخ القرآن .
قال: وحكى أبو العباس ابن سُرَيْج قولا للشافعي في ((الرسالة)) أن الله لا
ينسخ سنة إلا ومعها سنة له تبين أن سنته الأولى منسوخة، وإلا خرجت السنن من
أيدينا .
١٢٣

ثم قال: وهذا الذي احتج به الشافعي بَينَ لمن تدبره، وذلك أن الله قال لنبيه:
﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [سورة النحل / ٤٤] فإذا كانت هذه الآيات محتملة
الخصوص، ثم جاء عنه ◌َّالرَ ما يدل على ذلك، فهو بيان منه لها، فإذا جعلت
ناسخة له فقد أدى ذلك إلى إبطال الوضع الذي وضع الله له نبيه من الإبانة عن
معنى الكتاب. فإن قيل: إنما هي بيان إذا ثبت أنه قال بعد نزول الآية. قيل: إن
قوله والآية إذا جعلنا الناسخ دليلا على أنه الناسخ، وأن الذي ينافيه منسوخ،
كقوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) .
تنبيهات
الأول: قَسَّم الصيرفي ما يأتي من القرآن برفع ما حكم به النبي ◌َّ إلى
ضربين :
أحدهما: ما لا يحتمل الموافقة فبالخطاب يعلم رفعه، كقوله: ﴿قد نرى تقلب
وجهك في السماء﴾ الآية [سورة البقرة /١٤٤]. وكصلح الرسول لقريش على أن يرد
النساء إليهم، فأنزل الله: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [سورة الممتحنة / ١٠] فهذا
يعلم من ظاهر الخطاب أن الحكم قد أزيل، ويكون فعل النبي ◌َّ امتثالا لأمر
الله .
والثاني : يحتمل الموافقة كآية الوصايا مع الميراث، فإنه يحتمل أن يجمع الوصية
والميراث للوالدين والأقربين، فلا يثبت النسخ إلا أن تأتي سنة تبين أن الآية رافعة
كقوله ◌َّير: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث). قال: ومثل
أن عموم آية على سنة (١)، فلا بد حينئذ من سنة تبين أن السنة الأولى قد أزيل
حكمها ببيان السنة الثانية.
الثاني : أن الكلام هنا في الجواز هل هو الشرعي أو العقلي؟ فيه ما سبق. وقد
٢٠٨ / ب صرح الماوردي بأن العقلي محل وفاق، فقال بعد ما سبق: ثم اختلف أصحابنا في /
طريق الجواز والمنع في الشرع مع جوازه في العقل على ثلاثة أوجه:
(١) كذا في الأصول ولعل في الكلام سقطاً نحو: أن [يقضي] عموم آية على سنّة.
١٢٤

أحدها : لا توجد سنة إلا ولها في كتاب الله أصل كانت فيه بيانا لمجمله، فإذا
ورد الكتاب بنسخها كان نسخا لما في الكتاب من أصلها، فصار ذلك نسخ
الكتاب بالكتاب .
والثاني: يوحي إلى رسوله بما تحققه من أمته، فإذا أراد نسخ ما سنه الرسول
أعلمه به، حتى يظهر نسخه، ثم يَرد الكتاب بنسخه تأكيدا لنسخ رسوله، فصار
ذلك نسخ السنة بالسنة .
والثالث: نسخ الكتاب بالسنة، فيكون أمرا من الله لرسوله بالنسخ، فيكون
الله هو الآمر به، والرسول هو الناسخ، فصار ذلك نسخ السنة بالكتاب .
الثالث(١): حكى أبو بكر الرازي من الحنفية في كتابه عن بعضهم طريقا آخر في
الامتناع، وهو أنه ◌َّو قد كان يقف في تأويل مجمل الكتاب على ما لا يشركه في
الوقوف عليه أحد من أمته. فليست له سنة لا كتاب فيها إلا وقد يحتمل أن يكون
لها في الكتاب جملة تدل عليها، فخص الله رسوله بعلم ذلك، فلم يثبت أن آية
نسخت سنة لأن تلك السنة قد تكون مأخوذة من جملة الكتاب وإن خفي علينا
علم ذلك بعد. قال أبو بكر: وهذا يوجب أن لا يكون للنبي وَله سنة أصلا. وأن
يكون كل ما بينه فهو بيان لجملة مذكورة في القرآن قد علمها دوننا. قال: وبطلانه
معلوم باتفاق الأمة.
قلت(٢): قد حكاه الشافعي في أول الرسالة قولا عن بعض أهل العلم، ثم
حکی الرازي عن هذا القائل استقراء أنه لم يرد أنه نسخت عنده سنة إلا وقد وجد
لها حكمة من الكتاب، نحو ما ادعوه من نسخ استقبال بيت المقدس، واستحلال
الخمر، وتحريم المباشرة والفطر بعد النوم في ليالي الصوم، فقد يكون استقبال بيت
المقدس مأخوذا من قوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [سورة
الأنعام / ٩٠] وشرب الخمر من قوله: ﴿إثم كبير ومنافع للناس﴾ [سورة البقرة / ٢١٩]
ومعلوم أن شربها لا يحل وفيه إثم، ويحرم ما يحل للمفطر ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب
عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [سورة البقرة / ١٨٣] أي على الصفة،
(١) أي التنبيه الثالث، وفي القاهرية بدل الثالث: مسألة.
(٢) في القاهرية هنا: مسألة .
١٢٥

قال: وإن ورد ما لم يطلع فيه على ذلك، فيجوز أن يكون مأخوذا من الكتاب،
وإن خفي علينا علمه. ثم زيف الرازي هذه المقالة، ورد هذا كله .
الرابع(١): أشار الدبوسي إلى أن الخلاف في هذه المسألة والتي قبلها نشأ من
الخلاف في أن الزيادة نسخ أو بيان؟ فالشافعي يرى أنه بيان، وما ورد مما يوهم
النسخ جعله من قسم البيان. وعندنا أن الزيادة نسخ، فاضطررنا إلى القول بجواز
نسخ السنة بالكتاب وبالعكس .
وقال ابن المنير في ((شرح البرهان)): طريق النظر عندي في هذه المسألة غير ما
ذهب إليه المصنفون، وذلك لأن الناسخ والمنسوخ أمر قد فرغ منه، وجف به
القلم، فلا تتوقع فيه الزيادة. وينبغي أن يسمع الناسخ والمنسوخ من الكتاب
والسنة، فإن لم نجد شيئا من الذي نسخ بالسنة، ولا العكس، قطعنا بالواقع،
واستغنينا عن الكلام على الزائد، لأنه لا يقع أبدا .
قال: وههنا مزلة قدم لابد من التنبيه عليها، وذلك أنا قد نجد حكما من السنة
منسوخا، ونجد في الكتاب حكما مضادا لذلك المنسوخ، فيسبق الوهم إلى أنه
الناسخ، وهذا غير لازم، لأنا قد نجد في السنة ناسخا، فلعل الموجود في السنة هو
الذي نسخ، والموجود في الكتاب نزل بعد أن استقر النسخ، فلا يتعين كون ذلك
هو الناسخ، ثم نتبع ذلك بالأمثلة.
مسألة
إذا وردت السنة بيانا لمجمل الكتاب، كقوله: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [سورة
المائدة /٦] وبَيْنَ الرسول الوضوء، ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به.
قال أبو إسحاق المرْوَزي: فما كان من السنة من هذا النوع فلا يجوز أن ينسخ
بالسنة، لأن الفرض إنما ثَبَتَ بالكتاب لا بالسنة. قال: وكذلك ما ورد في الكتاب
مجملا ففسرته السنة، أو عاما فخصصته، أو متشابها أو بيانا للناسخ من المنسوخ،
مثل: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة النساء / ٧٧] فلا يجوز نسخ ذلك بالسنة
(١) أي التنبيه الرابع. وفي القاهرية هنا مسألة .
١٢٦

فيما كان بيانا للجملة التي احتيج إلى تفسيرها، فأما ما ضم هو إليها، فيجوز نسخه
بالسنة .
مسألة
[ نسخ كل واحد من القول والفعل بالآخر]
ظاهر مذهب الشافعي كما قاله الماوَرْدي والرُّوياني أن القول لا ينسخ إلا
بالقول، وأن الفعل لا ينسخ إلا بالفعل. وقال بعض أصحابنا: يجوز نسخ كل
واحد منهما بالآخر؛ لأن كلا منهما سنة يؤخذ بها.
وقد قال چي# في السارق: (فإن عاد في الخامسة فاقتلوه)، ثم رفع إليه سارق في
الخامسة، فلم يقتله، فدل على أنه منسوخ. وقال: (الثيب بالثيب جلد مائة
والرجم)، ثم رجم ماعزا ولم يجلده، فدل على أن الجلد منسوخ .
وما حكيناه عن بعض الأصحاب صححه الشيخ في ((اللمع)) وهو الذي يقتضيه
مذهب الشافعي، فإنه ذكر في إيجاب القعود إذا صلى الإمام قاعدا أنه نسخ
بفعله الر في مرض موته.
وقال القاضي: يجوز نسخ الفعل بالفعل إذا علم كونهما مثبتين لحكمين
متنافيين، فأما النسخ بإقرار الرسول و8# على الفعل أو المنع منه فقد ذكرناه في باب
الأخبار. قال: واختلف أيضا في نسخ قوله بفعله فأجازه قوم ومنعه آخرون.
والصحيح الجواز .
وقال ابن عقيل من الحنابلة: لا يجوز النسخ بالأفعال، وإن جعلناها دالة على
الوجوب دون دلالة صريح القول، والشيء إنما ينسخ بمثله أو بأقوى منه.
وقال ابن فُورَك: إذا أقر على غير ما أمر به، هل يدل إقراره على نسخ الأول؟
وجهان: أحدهما: أنه يقع به نسخ، كما يقع به التخصيص على قولنا: أن الفعل
يدل على الوجوب. ومن توقف في الفعل قال: ويستدل بإقراره على أنه قد سبقه
قول نسخ به الأمر الأول، لأن فعله يقع تخصيصا، ويقع متعديا، فمن قال بهذا
١٢٧

فإنه يقول في حديث معاذ: وكان قد تقدم من النبي وسلّ لمعاذ قول في ذلك، ثم
قال: سن لكم معاذ سنة فاتبعوه، فأضافها إليه تنويها بذكره، لما كان هو المبتدي
به. ومن قال بالأول جعل سكوته على الإنكار نسخا له .
مسألة
الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به
أما كونه لا ينسخ، فلأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة الرسول، والنسخ لا
يكون بعد موته. هكذا قاله ابن الصباغ، وسليم، وابن السَّمْعاني، وأبو الحسين
في ((المعتمد)) والإمام فخر الدين .
وجعلوا هذه المسألة مبنية على أن الإجماع لا ينعقد في زمانه؛ لأن قولهم بدون
قوله لاغ؛ وأما معه فالحجة في قوله، وقول الغير لاغ، وإذا لم ينعقد إلا بعد زمانه
فلا يمكن نسخه بالكتاب والسنة لتعذرهما بعد وفاته، ولا بإجماع آخر، لأن هذا
٢٠٩ / ١ الإجماع / الثاني إن كان لا عن دليل فهو خطأ. وإن كان عن دليل فقد غفل عنه
الإجماع الأول، فكان خطأ، والإجماع لا يكون خطأ، فاستحال النسخ بالإجماع،
ولا بالقياس، لأن من شرط العمل به أن لا يكون مخالفا للإجماع فتعذر نسخ
الإجماع مطلقا، لأنه لو انتسخ لكان انتساخه بواحد مما ذكرنا، والكل باطل.
وما ذكروه من عدم تصور انعقاد الإجماع في حياته عليه السلام هو ما ذكره أكثر
الأصوليين، وفيه نظر إذا جوزنا لهم الاجتهاد في زمانه كما هو الصحيح، فلعلهم
اجتهدوا في مسألة، وأجمعوا عليها من غير علمه وَّر. وقد ذكر أبو الحسين
البصري في ((المعتمد)) بعد ذلك ما يخالف الأول ، فإنه جزم بأن الإجماع لا ينسخ،
لأنه إنما ينعقد بعد وفاته، ثم قال: نعم، يجوز أن ينسخ الله حكما أجمعت عليه
الأمة على عهده. ثم قال: فإن قيل: يجوز أن ينسخ إجماع وقع في زمانه. قلنا:
يجوز، وإنما منعنا الإجماع بعده أن ينسخ. وأما في حياته فالمنسوخ الدليل الذي
أجمعوا عليه، لا حكمه .
وقد استشكل القَرّافي في ((شرح التنقيح)) هذا الحكم، ونقل عن أبي إسحاق
١٢٨

وابن برهان جواز انعقاد الإجماع في زمانه. قال: وشهادة الرسول لهم بالعصمة
متناولة لما في زمانه وما بعده .
وقال صاحب ((المصادر)) ذهب الجماهير إلى أن الإجماع لا يكون ناسخا ولا
منسوخا، لأنه إنما يستقر بعد انقطاع الوحي، والنسخ إنما يكون بالوحي .
قال الشريف الْمُرْتَضَى: وهذا غير كاف، لأن دلالة الإجماع عندنا مستقرة في كل
حال قبل انقطاع الوحي وبعده. قال: فالأقرب أن يقال: أجمعت الأمة على أن ما
ثبت بالإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، أي لا يقع ذلك، لا أنه غير جائز .
ولا يلتفت إلى خلاف عيسى بن أبان، وقوله: إن الإجماع ناسخ لما وردت به
السنة من وجوب الغسل من غسل الميت. انتهى .
وأما كونه ينسخ به فكما لا يكون منسوخا لا يكون ناسخا، لأنه لما كان ينعقد
بعد زمانه لم يتصور أن ينسخ ما كان من الشرعيات في زمانه، ولأن الأمة لا تجتمع
على مثل هذا، لأنه يكون إجماعا على خلافه، وهم معصومون منه. فإن قيل: قد
نسختم خبر الواحد بالإجماع ، وهو حديث الغسل من غسل الميت، والوضوء من
مسِّه؟ قلنا: إنما استدل بمخالفة الإجماع له على تقدير نسخه، فصار منسوخا بغير
الإجماع، لا بالإجماع، وصار الإجماع في هذا الموضع دليلا على النسخ، لا أنه وقع
به النسخ. قاله ابن السمعاني في ((القواطع)).
وقال الأستاذ أبو منصور: إذا أجمعت الأمة على حكم واحد، ووجدنا خبرا
بخلافه استدللنا بالإجماع على سقوط الخبر، لا نسخه أو تأويله على خلاف ظاهره.
وكذا قال الصَّيْرفي في كتابه: ليس للإجماع حظ في نسخ الشرع، لأنهم لا
يشرعون، ولكن إجماعهم يدل على الغلط في الخبر أو رفع حكمه، لا أنهم رفعوا
الحكم، وإنما هم أتباع لما أمروا به .
وقال القاضي من الحنابلة: يجوز النسخ بالإجماع لكن لا بنفسه، بل بمستنده.
فإذا رأينا نصا صحيحا والإجماع بخلافه، استدللنا بذلك على نسخه، وأن أهل
الإجماع اطلعوا على ناسخ، وإلّ لما خالفوه.
وقال ابن حزم: جَوَّز بعض أصحابنا أن يورد حديث صحيح والإجماع على
١٢٩

خلافه. قال: وذلك دليل على أنه منسوخ. قال ابن حزم: وهذا عندنا خطأ
فاحش ، لأن ذلك معدوم، لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾
[سورة الحجر/٩] وكلام الرسول وحي محفوظ. اهـ .
وممن جوَّز كون الإجماع ناسخا الحافظ البغدادي في كتاب ((الفقيه والمتفقه))
ومثّله بحديث الوادي الذي في الصحيح حين نام الرسول وأصحابه، فما أيقظهم
إلا حَرُّ الشمس . وقال في آخره: (فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين
يذكرها، ومن الغد للوقت). قال: فأعاد(١) الصلاة المنسية بعد قضائها حال الذكر
وفي الوقت منسوخ بإجماع المسلمين على أنه لا يجب ولا يستحب .
ومثَّله أيضا بحديث أسنده إلى زِرِّ قال: قلت لحذيفة: أيّ ساعة تسحّرتم مع
رسول الله؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. فقال: أجمع المسلمون أن
طلوع الفجر يُحرِّم الطعام والشراب على الصائم مع بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿من
الفجر﴾ [سورة البقرة / ١٨٧]. انتهى.
ودعواه النسخ في الثاني بالإجماع فيه نظر، فإن قوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ [سورة
البقرة / ١٨٧] صريح في التقييد بالفجر، فهو الناسخ حينئذ لا الإجماع، إلا أن يريد
أن الأمة لما أجمعت على ترك ظاهره دل إجماعهم على نسخه لا أن الإجماع هو
الناسخ .
وقال إلْكِيا: يتصور نسخ الإجماع بأن الأولين إذا اختلفوا على قولين، ثم أجمعوا
على أحدهما، فنقول: إن الخلاف نسِخ وجُزِمَ القولُ به مع إجماع الأولين على
جواز الاختلاف .
قلنا: الصحيح أن الخلاف الأول يزول به، ومن قال: يزول به، قال: هذا لا
يعدّ ناسخا، لأنهم إنما سوغوا القول الأول، بشرط أن لا يكون هناك ما يمنع من
الاجتهاد، كالغائب عن الرسول لا يجتهد إلا بشرط فقد النص، والإجماع كالنص
في ذلك، والاختلاف مشروط بشرط. وهذا بعيد فإن نص الرسول ذلك الحكم
المخالف لم يكن حكم الله، وهنا الإجماعُ بَعْدَ الخلاف لا يبين أن الخلاف لم يكن
(١) لعل الصواب : فإعادة.
١٣٠

شرعيا، وإنما اعترض على دوام حكم الخلاف نسخا، فإن قيل بهذا المذهب، فهو
نسخ الإجماع على الخلاف لا محالة. انتهى .
وقال ابن برهان في ((الأوسط)): وأما إجماع الطبقة الثانية على أحد القولين فليس
بنسخ؛ لأن القول المهجور بطل في نفسه، ولهذا قال الشافعي: المذاهب لا تموت
بموت أربابها، وأيضا فلفقد شرط الإجماع، وهو أن يكون للمذهب الأول ذاتٌ
وناصر .
وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): وأما نسخ الإجماع بالإجماع فمثل أن تجمع
الصحابة في حُكْمٍ على قولين، ثم يجمع المانعون بعدهم على قول واحد، فيكون
الصحابة مجمعين على جواز الاجتهاد، والمانعون مجمعين على عدم جواز الاجتهاد.
قال: وفي هذه المسألة للشافعي قولان، وإن قلنا بجوازه لا يكون نسخا؛ لأن
الصحابة وإن سوغوا الاجتهاد فشرطه ما لم يمنع مانع .
م
مسألة
القياس لاينسخ ولا يُنسح به
أما كونه ناسخا فالجمهور على منعه، ومنهم الصيرفي في كتابه، وإِلْكِيا في
((التلويح)) وابن الصباغ، وسليم، وأبو منصور البغدادي في ((التحصيل))، وابن
السَّمْعاني، ونقله أبو إسحاق الَّرْوَزي عن نص الشافعي وكلام ابن سُرَيْج،
واختاره أيضا. وقال القاضي الحسين في ((تعليقه)) في باب / الأقضية: إنه الصحيح ٢٠٩/ ب
في المذهب .
واختاره القاضي أبو بكر، ونقله في ((التقريب)) عن الفقهاء والأصوليين، قالوا:
فلا يجوز نسخ شيء من القرآن والسنة بالقياس، لأن القياس يستعمل مع عدم
النص، فلا يجوز أن ينسخ النص. ولأنه دليل محتمل، والنسخ يكون بأمر
مقطوع، ولأن شرط صحة القياس أن لا يكون في الأصول ما يخالفه، ففي نسخ
الأصول بالقياس تحقيق القياس دون شرطه، وهو ممتنع، ولأنه إن عارض نصا أو
١٣١

إجماعا فالقياس فاسد الوضع، وإن عارض قياسا آخر، فتلك المعارضة إن كانت
بين أصلي القياس، فهذا يتصور فيه النسخ قطعا، إذ هو من باب نسخ النصوص،
وإن كان بين العلتين فهو من باب المعارضة في الأصل والفرع لا من باب
القياس .
قال الصَّيْرفي: لا يقع النسخ إلا بدليل توقيفي، ولا حظ للقياس فيه أصلا،
اللهم إلا أن يرد خبر لمعنى، ثم يرد ناسخ لذلك الخبر الذي فيه ذلك المعنى،
فیرتفع هو ودلالته، كما لو حَرَّم بيع البر بالبر للأكل، فقسنا كل مأكول عليه؛ ثم
أحل البر بالبر، فيصير ما قسناه عليه حلالا، لأن تحريمه للمعنى الذي أوجبه ما
أوجبه في غيرها، فمتى أزال حكمها بطل حكم ما تعلق بها، وليس هذا نسخا
بالقياس، إنما هو نسخ للمنصوص عليه بالمنصوص. وقال: كذلك ما أقر عليه
النبي ◌َّه، لا يجوز رفعه بالقياس، لأنه قد ثبت تحليل عينه، والقياس يقع فيه
الخطأ. انتهى .
والمذهب الثاني: الجواز مطلقا بكل دليل يقع به التخصيص. حكاه القاضي
وغيره. وقال الجَزَري في أجوبة ((التحصيل)): لو دل نص على إباحة النبيذ مثلا كما
يقول من يبيحه، ثم دل نص على تحريم الخمر، وكان متراخيا عن إباحة النبيذ،
ثم قسنا التحريم في النبيذ على الخمر، كان القياس الثاني ناسخا. وهذا مبني على
أمرين: تقدم إباحة النبيذ، وكون التحريم في النبيذ بالقياس لا بالنص، كما قال
بعضهم، وحينئذ يتصور كون القياس ناسخا للنص.
وحكى القاضي عن بعضهم أنه ينسخ به المتواتر ونص القرآن، وعن آخرين أنه
إنما ينسخ به أخبار الآحاد فقط .
الثالث: التفصيل بين الجلي، فيجوز النسخ به، وبين الخفي فلا يجوز. حكاه
الأستاذ أبو منصور وغيره عن أبي القاسم الأنماطي، إجراء له مجرى التخصيص،
وحكاه صاحب المصادر عن ابن سُرَيْج، وحكى أبو الحسين بن القَطَّان عن
الأنماطي أنه كان يقول: القياس المستخرج من القرآن ينسخ به القرآن، والقياس
المستخرج من السنة ينسخ به السنة. وحكى في موضع آخر عنه أنه جوز ذلك،
١٣٢

وقال: ما لا يحتمل إلا معنى واحدا. وقال: جوَّزه أكثر أصحابنا إلا أنه لم يقع.
وحكى الباجي عن الأنماطي التفصيل الأول، ثم قال: وهذا ليس بخلاف في
الحقيقة، لأن القياس عنده مفهوم الخطاب، وهو ليس بقياس في الحقيقة، وإنما
يجري مجرى النص .
وقَسَّم الماوَرْدي والرُّؤْياني القياس الجلي ثلاثة أقسام :
أحدها: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير الاستدلال، كقوله: ﴿فلا تقل لهما
أف﴾ [سورة الإسراء /٢٣] فإنه يدل على تحريم الضرب قياسا لا لفظا على الأصح،
وفي جواز النسخ به وجهان، والأكثرون على المنع.
الثاني: ما عرف(١) كنهيه عن الضحية بالعوراء والعرجاء، فكانت العمياء قياسا
على العوراء، والعرجاء على القطع، لأن نقصها أكثر، فهذا لا يجوز التعبد به
بخلاف أصله، ويجوز التخصيص به، ولا يجوز النسخ بالاتفاق، لجواز ورود
التعبد في الفرع بخلاف أصله .
الثالث: ما عرف معناه باستدلال ظاهر بتأدي النظر، كقياس الأمة على العبد
في السراية، وقياس العبد عليها في تنصيف الحد، فلا يجوز النسخ به، ويجوز
تخصيص العموم به عند أكثر أصحابنا. اهـ .
الرابع(٢) : التفصيل بين أن تكون علته منصوصة، كقوله: حرمت الخمر
لأجل الشدة، فهذا يجوز النسخ به مع التعبد بالقياس، ويرفع به حكم تحليل
الأنبذة التي فيها الشدّة، وبين أن تكون مستنبطة فهي على ضربين :
أحدهما: أن تستنبط من خطاب متأخر عن الخطاب المعارض لها، فهذا قد كان
يجوز أن يرد الشرع بنسخها للخطاب المتقدم. وإنما منع من ذلك الشرع .
والثاني: أن تكون العلة مستخرجة من خطاب سابق على الخطاب المعارض
لها، فهذا يستحيل أن يرد شرع بنسخها للخطاب المتأخر، لأن المفهوم من العلة
المستنبطة تحريم المباح بدليل الخطاب، ثم يرد الخطاب المنسوخ بعد العلة الناسخة
(١) لعل في العبارة حذفًاً تقديره ((ما عرف معناه من مفهوم النص)).
(٢) أي المذهب الرابع.
١٣٣

بالإباحة فيجتمع الحظر والإباحة في حكم واحد، وذلك يمنع التكليف. قال
الباجي في أحكامه: وهذا هو الحق .
وفصل الآمدي بين أن تكون العلة منصوصة فيصح، وإلا فإن كان القياس
قطعيا كقياس الأمة على العبد في السراية، فإنه وإن كان مقدما، لكن ليس نسخا،
لكونه ليس بخطاب، والنسخ عنده هو الخطاب، وإن كان ظنيا بأن تكون العلة
مستنبطة فلا يكون ناسخا. وقد سبقه إلى هذا التفصيل صاحب ((المصادر)) أيضا،
ثم قال: قال القاضي عبد الجبار: إذا كان كذلك يعني العلة منصوصة، فالأقرب
أن الناسخ هو ما كان من جهة الرسول، ولكن فعلنا بشرط، وجعل الهندي محل
الخلاف في حياة الرسول. وقال: أما بعده فلا ينسخ بالاتفاق.
وأما كونه منسوخا ففيه مسألتان: إحداهما مع بقاء أصله، قال ابن السمعاني:
وفيه وجهان كالوجهين فيما إذا نسخ الأصل، هل يكون ذلك نسخا للقياس؟ قال:
وصورته أن يَثْبُتَ الحكم في عين بعلة، ويقاس عليها غيرها، ثم ينسخ الحكم في
تلك العين المفيس عليها، فالأصح أنه يبطل الحكم في الفرع، لأن الفرع تابع
للأصل، فإذا بطل الحكم في الأصل بطل في الفرع .
وقال ابن برهان في ((الأوسط)): نقل عن عبد الجبار أنه لا يُجُوِّز نسخ القياس،
لأنه يتضمن نسخ أصوله من الكتاب والسنة، وهي لم تنسخ. ونقل عنه قول آخر
أنه يُجُوِّز نسخه. قال: والحق ما ذكره أصحابنا، وهو أنه يجوز نسخه في زمن
الرسول بالكتاب، لا السنة والقياس. وأما بعد موته فلا يجوز. اهـ .
وكذا قال إلكِيا: قيل لا يصح نسخه، لأنه مع الأصول، فما دامت الأصول
ثابتة فنسخه لا يصح. قال: وهذا عندنا بعد الرسول؛ فإنه إنما تبين بطلانه من
أصله، وذلك ليس من النسخ في شيء؛ بل يظهر مخالف أو لا يظهر، وكيفما قدّر
فلا يكون نسخا؛ وإن كان في عهد الرسول، فيجوز ذلك إن قلنا بجواز الاجتهاد
٢١٠ / أ للغائب عنه، بناء على الأصول. فإذا طرأ ناسخ بعده / صح نسخ القياس، ثم
يتجه أن يقال: ليس نسخ القياس، فإنه تبع للأصول فإذا ارتفعت ارتفع التبع .
وأطلق سليم أنه لا يجوز نسخ القياس. قال: لأنه يستفاد من أصله، فلا يجوز
١٣٤

أن ينسخ مع بقاء حكم أصله. وقال صاحب ((المعتمد)): منع القاضي عبد الجبار
من نسخ القياس. قال: لأنه تبع للأصول، فلم يجز مع ثبوتها رفعه، ولأنه إنما
ثبت بعد انقطاع الوحي.
وقال في الدَّرس: إن كان معلوم العلة جاز نسخه. قال: لأن النبي وَّ لو نص
على أن علة تحريم البُرِّ هي الكيل، وأمر بالقياس، لكان ذلك كالنص في تحريم
الأرز، فكما جاز أن يحرم الأرز ثم ينسخه جاز أن ينسخ عنا تحريم الأرز المستفاد
بهذه العلة المنصوص عليها، ويمنع من قياسه على البُرّ.
وقال البيضاوي في ((منهاجه)): إنما ينسخ القياس بقياس أجلى منه .
وقال الإمام فخر الدين في ((المحصول)) تبعا لصاحب ((المعتمد)) وابن الصباغ:
ينسخ القياس إن كان في حياته، فلا يمتنع رفعه بالنص، وبالإجماع وبالقياس؛ أما
بالنص فبأن ينص عليه السلام في الفرع بخلاف حكم القياس بعد استمرار التعبد
بالقياس؛ وأما بالإجماع فإنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياسا، ثم أجمعوا على
أحد القولين كان إجماعهم رافعا لحكم القياس المقتضي للقول الآخر؛ وأما بالقياس
فبأن ينص على صورة بخلاف ذلك الحكم، ويجعله معللا بعلة موجودة في ذلك
الفرع. ويكون أمارة عليها أقوى من أمارة علِّيَّة الوصف للحكم في الأصل
الأول .
وأما بعد وفاته فإنه يجوز نسخه في المعنى، وإن كان لا يسمى نسخا في اللفظ،كما
إذا أفتى المجتهد بالقياس، ثم ظفر بالنص أو بالإجماع أو بالقياس المخالف للأول،
فإن قلنا: كل مجتهد مصيب، كان هذا الوجدان نسخا لقياسه الأول. وإن قلنا:
المصيب واحد لم يكن القياس الأول متعبدا به، فلم يكن النص الذي وجده آخرا
ناسخا لذلك القياس .
قال صاحب ((التحصيل)): ولقائل أن يقول: وفي هذه الأقسام نظر، فليتأمله
الناظر. وهو كما قال، فإن تجويزه نسخ القياس في حياة النبي ◌َّ بالإجماع،
يناقض قوله قبل ذلك: إن الإجماع لا ينعقد في زمانه، كما قاله القَرَافي، ونَقْله
الإجماع على بطلان الأقسام الثلاثة الأول ليس بجيد؛ بل الخلاف ثابت في تجويز
١٣٥

نسخ الكتاب بالقياس كما سبق. وقال بعضهم: ينبغي أن يجوز مطلقا؛ فإنا وإن
قلنا: إن كل مجتهد مصيب فلا خلاف أنه مكلف بما غلب على ظنه، كالقبلة إذا لم
يُعَيِّنْها، فإنه تكليف بما أدى إليه اجتهاده .
وقال ابن برهان: نقل عن عبد الجبار أنه منع نسخ القياس، لأنه إنما تنسخ
أصوله، وأصوله باقية لم تنسخ. ونقل عنه الجواز، والحق البين ما قسمه أصحابنا
فقالوا: إذا كان القياس في زمن الرسول جاز نسخه بالكتاب والسنة والقياس، فإذا
قال: لا تبيعوا البر بالبر، ونبه على علته فعدّيناها إلى الأرز، ثم وجد نص من
كتاب اللّه أو سنة رسوله يقتضي إباحة بيع الأرز بالأرز متفاضلا، فإنه نسخ لحكم
ذلك القياس، أما بعد وفاته فلا يجوز نسخه، لأنه يستحيل بعد الوفاة تجدد
شرع .
وقال الآمدي : العلة الجامعة في القياس إن كانت منصوصة، فهي في معنى
النص، ويمكن نسخه بنص أو قياس في معناه لو ذهب إليه ذاهب بعد النبي صل﴾ ،
لعدم اطلاعه على ناسخه بعد البحث، فإنه وإن وجب عليه اتباع ما ظنه، فرفع
حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ - لا يكون نسخا متجددا، بل تبين أنه كان
منسوخا؛ وإن كانت مستنبطة فحكمها في حقه غير ثابت بالخطاب، فرفعه في حقه
عند الظفر بذلك معارضة، ويترجح عليه فلا يكون نسخا، لكونه ليس بخطاب،
لأن النسخ هو الخطاب .
المسألة الثانية
الحكم الثابت بالقياس نسخ أصله يوجب نسخه في قول الجمهور، كما قاله
ابن السَّمْعاني. وصورته ما لو نص الشارع على حكم، وعلله بعلة وألحق غيره به،
ثم نسخ الحكم في الأصل، فهل يرتفع في الفرع؟ عندنا يرتفع. وقالت الحنفية:
يبقى، لأنه لو زال لكان زواله نسخا بالقياس، وهو ممنوع. والصحيح الأول لأن
الفرع لا يبقى بعد زوال الأصل، لأنه إذا بقي لا يكون فرعا .
١٣٦

٦
وفصَّل إلْكِيا الهراسي بين أن ينسخ الأصل لا إلى بدل. فلا يبقى الفرع. وبين
أن ينسخ إلى بدل فيبقى. وهو غريب. قال إمام الحرمين: الحق أن المعنى يبقى
استدلالا، وفيه نظر؛ فإن شرط الاستدلال عند العامل به أن لا يشهد عليه
أصل، وهذا المعنى قد ألغاه الناسخ .
ومنشأ الخلاف في هذه المسألة البحث في ثبوت الحكم، وكون الوصف علة
شرعا، هل هما متلازمان تلازمهما؟ والحنفية يعتقدونهما منفكين، فلا يلزم من
بطلان أحدهما بطلان الآخر .
واعلم أن التعبير في هذه المسألة بالرفع وقع في عبارات لسليم في ((التقريب))،
وابن برهان في ((الأوسط))، وإمام الحرمين في ((التلخيص))، وهو أحسن من تعبير
غيرهم كابن برهان والهندي وغيرهما بالنسخ، لأن أصحابنا لا يقولون: إن حكم
الفرع ينسخ بارتفاع حكم الأصل، بل يزول لزوال كون العلة معتبرة، والحكم
إذا زال لزوال علته، لا يقال: إنه منسوخ. قالوا: لو كان نسخ الأصل نسخ الفرع
لكان ذلك بالقياس على الأصل إذا لم يرد ناسخ للفرع، وأجيب بمنعه، إذ لا جامع
وهو لا يتم بدونه، بل هو لزوال حكم الأصل إذ العلة مبنية عليه. قال الهندي :
وهذا يبين أن محل النزاع في زوال الحكم لا من حيث إنه نسخ حقيقة، إذ زوال
الحكم لزوال علته ليس نسخا بالاتفاق .
قال القاضي أبو الطيب، وسليم الرازي، وإمام الحرمين في ((التلخيص))،
وغيرهم: قد بنت الحنفية على أصلهم فرعين، أنه لا يجوز التوضؤ بالنبيذ المسكر
النيء، وإنما يجوز إذا كان مطبوخا. وقد توضأ النبي وَّرَ بالنيء، وألحقوا به المطبوخ
قياسا، ثم نسخ التوضؤ بالنيء، وبقى التوضؤ بالمطبوخ.
والثاني: ادعوا أن يوم عاشوراء كان يجب صومه، ويجوز إيقاع النّة فيه نهارا، فإن
النبي وَّ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء أن من لم يأكل، فليصم. فدل على
أنه يجوز إيقاع النية من النهار، وألحق به رمضان من حيث إنه صوم. ثم نسخ
صوم يوم عاشوراء، وبقي القياس مستمرا في رمضان .
وقد نوزع في هذا المثال الثاني، لأنه غير مطابق، من جهة أن حكم القياس مغاير
١٣٧

للحكم المنسوخ ، لأن حكم القياس ترك التبييت، والحكم المنسوخ إنما هو
٢١٠/ب وجوب / الصوم، وليست مسألتنا من هذا القبيل .
وقال إلْكِيا: ذهب أكثر الحنفية إلى جواز الاستنباط من المنسوخ في أمثلة، لابد
من مساعدتهم على بعضها. كقولهم في صوم يوم عاشوراء: كان واجبا، وجَوَّزه
الرسول بنية من النهار، ثم نسخ وجوبه، فادعوا أن النسخ يرجع إلى تبديل النية،
وما فهمناه من جواز النية من النهار باق بحاله، لا يتأثر بنسخه، فإذا عرفنا تماثل
الحكمين عند وجوبها من النية، فالنسخ راجع إلى أحدهما في الوجوب؛ لأنه المعنى
المنقول منه .
قال إلْكِيا: وهذا حسن لا ريب فيه. نعم، لو نسخ الأصل لا إلى بدل، فالفرع
لا يبقى دون الأصل. وههنا نسخ إلى بدل كما إذا نسخ تحريم التفاضل في الأشياء
الأربعة لا يمكن إثبات الحكم بالمعنى المستنبط منه في المطعومات، لأنه يكون فرعا
بلا أصل، وعلى هذا يبطل قولهم: إن التوضؤ بالنبيذ جائز بحديث ابن مسعود أنه
وإن تم أداؤه من حيث كان نقع التمر(١)، ولكن يفهم منه إجزاؤه بنبيذ التمر، حيث
إن هذا فرع بلا أصل .
قال: وقد يلتبس بهذا ما احتج به الشافعي من حيث وجوب التيمم لكل صلاة
تلقّياً من قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [سورة المائدة /٦] ثم فعل الوضوء لكل
صلاة، فكان التيمم بذلك أولى، ثم روى الجمع بين صلاتين فأكثر بوضوء
واحد، ولا يجوز ذلك في التيمم عند الشافعي. فلم يعقل من حكم النسخ ما عقل
من حكم الأصل، وهذا خطأ من الظان، فإن الظاهر دل عليها.
مسألة
في نسخ المفهوم
وهو ينقسم إلى مفهوم مخالفة، ومفهوم موافقة. أما المخالفة، فيجوز نسخه مع
نسخ الأصل وبدونه؛ كقوله: (إنما الماء من الماء)، فإنه نُسِخ مفهومه بقوله: (إذا
(١) في الكلام هنا اضطراب في نسخ الأصول فليحرر.
١٣٨

التقى الختانان)، وبقي أصله وهو وجوب الغسل من الإنزال. وقال ابن
السَّمْعاني: دليل الخطاب يجوز نسخ موجبه، ولا يجوز النسخ بموجبه، لأن النص
أقوى من دلیله . اهـ.
وما ذكره في نسخه ذكره القاضي عبد الوهاب في ((الملخص))، وأما النسخ به،
فقال الشيخ في ((اللمع)): يجوز، لأنه في معنى النطق على المذهب على الصحيح.
قال: ومن أصحابنا من جعله كالقياس، فعلى هذا لا يجوز النسخ به، والأول
أظهر. اهـ.
ويحتمل وجها ثالثا، وهو التفصيل بين أقوى المفاهيم، وهو ما قيل فيه: إنه
منطوق كالحصر والشرط، وبين ما أجمعوا على أنه ليس من قبيل المنطوق.
وأما نسخ الأصل بدونه ففي جوازه احتمالان للصفي الهندي: قال: والأظهر
أنه لا يجوز، لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القيد المذكور، فإذا بطل تأثير
ذلك القيد بطل ما يبنى عليه، فعلى هذا نسخ الأصل نسخ المفهوم. وليس المعنى
فيه أن يرفع العدم، ويحصل الحكم الثبوتي؛ بل المعنى فيه أن يرتفع العدم الذي
كان شرعيا، ويرجع إلى ما كان عليه قبل.
وقال سليم في ((التقريب)) في باب المفهوم: من أصحابنا من قال: يجوز أن
يسقط اللفظ، ويبقى دليل الخطاب، والمذهب أنه لا يجوز ذلك، لأن الدليل إنما
هو تابع للفظ، فهو تابع له، وفّرْع عنه، فيستحيل أن يسقط الأصل، ويكون
الفرع باقيا .
[نسخ مفهوم الموافقة والنسخ به]
وأما مفهوم الموافقة ، فهل يجوز نسخه والنسخ به؟ أما كونه ناسخا، فجزم
القاضي بجوازه، في ((التقريب)) وقال: لا فرق في جواز النسخ بما اقتضاه نص
الكتاب، وظاهره، وجوازه بما اقتضاه فحواه ولحنه ومفهومه، وما أوجبه العموم
ودليل الخطاب عند مثبتها، لأنه كالنص أو أقوى منه. انتهى. وكذا جزم ابن
السَّمْعاني، قال: لأنه مثل النطق أو أقوى منه. قال: لكن الشافعي جعله قياسا،
فعلى قوله لا يجوز نسخ النص به .
١٣٩

ونقل الآمدي والإمام فخر الدين الاتفاق على أنه ينسخ به ما ينسخ بمنطوقه،
وهو عجيب. فإن في المسألة وجهين لأصحابنا، وغيرهم، حكاهما الماوردي في
((الحاوي))، والشيخ في ((اللمع))، وسليم، وصححا المنع. قال سليم: وهو
المذهب، لأنه قياس عند الشافعي، فلا يقع النسخ به .
ونقله الماوَرْدي عن الأكثرين. قال: لأن القياس فرع النص الذي هو أقوى،
فلا يجوز أن يكون أن يكون ناسخا له. قال: والثاني، وهو اختيار ابن أبي هريرة
وجماعة: الجواز، لأنه لما جاز أن يرد التعبد في فرعه بخلاف أصله، صار الفرع
كالنص، فجاز به النسخ، وإن كان أصله نصا في القرآن جاز أن ينسخ به القرآن،
وإن كان أصله نصا في السنة جاز أن ينسخ به السنة دون القرآن .
قال: ومن ههنا اختلف أصحابنا في قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون
صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا﴾ [سورة
[الأنفال /٦٥] مع قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن
منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) الآية [سورة الأنفال / ٦٦] أن نسخ مصابرة عشرين
مائتين بمصابرة عشرين أربعين، علم بالقياس أو باللفظ؟ فمنهم من قال علم
بالقياس، لأن الله لم ينص على حكم العشرين، وإنما قسناه على حكم المائتين.
ومنهم من قال علم باللفظ . اهـ .
ومنشأ الخلاف في أنه قياس جلي أو لا: أن دلالته لفظية أو عقلية التزامية؟ فإن
قلنا: لفظية جاز نسخها والنسخ بها كالمنطوق؛ وإن كانت عقلية، كانت قياسا
جليا، والقياس لا ينسخ، ولا ينسخ به .
وأما كونه منسوخا، فتارة يتوجه النسخ إليه مع بقاء حكم اللفظ، وتارة يتوجه
إلى اللفظ؛ فإن توجه إلى اللفظ فلا شك في جوازه، ويكون نسخا للفحوى على
الخلاف الآتي، وإن توجه إلى الفحوى فقط، وحكم اللفظ باق، فاختلف فيه
الأصوليون على قولين، حكاهما ابن السَّمْعاني وغيره :
أحدهما: الجواز، ونقله عن أكثر المتكلمين، كالنَّصَّين، يجوز نسخ أحدهما مع
بقاء الآخر. ونقله سليم عن الأشعرية وغيرهم من المتكلمين، قال: بناء على
١٤٠