Indexed OCR Text
Pages 101-120
[النسخ في الوعد والوعيد] الثالث: النسخ في الوعد والوعيد، نقل أبو الحسين في المعتمد عن شيوخ المعتزلة منع النسخ فيهما. وأما عندنا فكذلك في الوعد لأنه إخلاف، والخلف في الإنعام مستحيل على الله، وبه صرح الصَّيْرفي في كتابه. وأما الوعيد كآخر البقرة فنسخه جائز كما قاله ابنِ السَّمْعاني. قال: ولا يعد ذلك خُلفا، بل عفوا وكرما. وظاهر كلام / ابن القَطّان السابق جواز نسخهما . ٢٠٥ / أ وذكر بعضهم أن منشأ الخلاف أن الوعيد هل هو خبر محض؟ أو هو مع ذلك إنشاء؟ كصيغ العقود التي تقبل النسخ؛ لكونه إخباراً عن إرادة المتوعد وعزمه؟ كالخبر عن الأمر والنهي المتضمن خبره عن طلبه المتضمن إرادته الشرعية. وفي صحيح مسلم لما نزل قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [سورة البقرة /٢٨٤] عظم ذلك فأمرهم النبي و هو أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فلما ذلت بها ألسنتهم، نسخها الله بقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [سورة البقرة / ٢٨٦]. قال البيهقي: وهذا النص بمعنى التخصيص، فإن الآية الأولى وردت مورد العموم، فبينتها التي بعدها: أن مما لا يخفى لا يؤاخذ به، وهو حديث النفس الذي لا يستطيع العبد دفعه عن قلبه. قال: وكثير من المتقدمين كانوا يطلقون عليه اسم النسخ على الاتساع، بمعنى أنه لولا الآية الثانية لكان مؤاخذا بجميع ذلك. قال: ويحتمل أن يكون هذا خبراً مضمناً لحكم ، وكأنه حكم بمؤاخذة عباده بجميع ذلك وتعبدهم به، فلما قابلوه بالطاعة خفف عنهم، ووضع عنهم حديث النفس، فيكون قوله: ﴿يحاسبكم به الله﴾ [سورة البقرة / ٢٨٤] خبرا مضمنا لحكم، أي محاسبكم به. وهذا كقوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ الآية [سورة الأنفال /٦٥]. قال: وهذا كتبته من جملة كلام الشيخ أبي بكر الإسماعيلي . قال: وقال الخطابي: النسخ لا يجرى فيما أخبر الله عنه أنه كان، وأنه فعل ذلك فيما مضى، لئلا يؤدي إلى الكذب والخلف، ويجري عند بعضهم فيما أخبر أنه ١٠١ يفعله، لجواز تعليقه بشرط، بخلاف إخباره عما فعله، فإنه لا يجوز دخول الشرط فيه وهذا أصح الوجوه، وعليه تأول ابن عمر الآية، ويجرى ذلك مجرى العفو والتخفيف. وليس بخلف. وقال الصَّيْرفي: فإن سبَّب على أحدنا(١) إدخال الوعيد في باب الأخبار فقد وهم، لأن الله قد أخبر أنه يغفر ما دون الشرك إن شاء . وقال القرطبي: أما الوعيد والوعد، فلما كانا معلقين على ما يجوز النسخ والتبديل جاز نسخهما. نعم، قد ورد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق، وقيدت في مواضع أخرى كقوله: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [سورة البقرة /١٨٦]. فقد جاء تقييده بقوله: ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [سورة الأنعام / ٤١] ونحوه. فقد يظن من لا بصيرة له أن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك؛ بل هو من باب الإطلاق والتقييد . وقال ابن حاتم الأزدي في ((اللامع)): وأما الأوقات فلا تنسخ، لأنها لا تدخل تحت قدرة العباد. وقال شارحه: وهذا صحيح، وإنما نؤمر أن نوقع أفعالنا في أوقات تعين لها. الرابع: هل يرد النسخ في الدعاء؟ روى الترمذي عن ابن عمر أن النبي قال: (اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية) قاله عليه السلام: وهم كفار قريش، ثم أسلموا بعد ذلك. قال صاحب («مسند الفردوس)»: وهذا منسوخ بقوله: (اللهم أيما رجل سببته أو شتمته فاجعل ذلك قربة إليك). متفق عليه. وفي رواية: (أيما مؤمن) . مسألة [نسخ جميع القرآن ممتنع] يمتنع نسخ جميع القرآن بالإجماع، كما قاله الإمام الرازي وغيره، وأما نسخ بعضه فجائز خلافا لأبي مسلم الأصفهاني كما نقله عنه الإمام . (١) في القاهرية : فإن ثبت على إدخال . ١٠٢ فصْل في وجوه النسخ في القرآن وقسمه أبو إسحاق المَرْوزي والماوَرْدي وابن السَّمْعاني وغيرهم إلى ستة أقسام : أحدها: ما نسخ حكمه، وبقى رسمه، وثبت حكم الناسخ ورسمه، كنسخ آية الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ العدّة حولا بأربعة أشهر وعشر. فالمنسوخ ثابت التلاوة مرفوع الحكم، والناسخ ثابت التلاوة والحكم . ومنع بعض الأصوليين من ذلك، لأن المقصود من التلاوة حكمها، فإذا انتفى الحكم فلا فائدة في بقائها. حكاه جماعة من الحنفية والحنابلة. ومنهم من ادعى الإجماع على الجواز. وقال الأستاذ أبو إسحاق: هكذا مثلوا بآية العدة، وعندي أنها من المخصوص، لأن فيها تخصيص بعض الشروط بالإيجاب وبعضها بالإسقاط . الثاني: ما نسخ حكمه ورسمه، وثبت حكم الناسخ ورسمه، كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، وصيام عاشوراء برمضان. قال أبو إسحاق المروزي: ومنهم من جعل القبلة من نسخ السنة بالقرآن، وزعم أن استقبال بيت المقدس بالسنة لا بالقرآن . الثالث: ما نسخ حكمه وبقي رسمه، ورفع رسم الناسخ وبقي حكمه، كقوله: ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [سورة النساء / ١٥] بقوله: (الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما ألبتة نكالا من الله). وقال عمر: كنا نقرؤها على عهد النبي وَلَه، ولولا أن يقال: زاد عمر في كتاب الله لأثبتها، فإن قيل: لا نسلم أن الرجم ثبت بهذه الآية؛ بل إنما ثبت بقوله وجعلته : (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الرجم) رواه مسلم. قلنا: هذا مقرِّر لحكم تلك الآية. ويعرف أنه لم ينسخ . ١٠٣ وقد يضعَّف هذا من وجهين: أحدهما: أن حمل الحديث على التأسيس وإثبات الرجم ابتداء أولى من حمله على تأكيد الآية المنسوخة. وثانيهما: أن الحديث ورد مبينا للسبيل المذكور في قوله: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [سورة النساء /١٥]. فدل على أنه غير متعلق بآية الرجم؛ بل هو إما مستقل بإثباته أو مبين للسبيل من الآية الأخرى. الرابع: ما نسخ حكمه، ورسمه، ونسخ رسم الناسخ وبقي حکمه، كالمرويّ عن عائشة (كان فيما أنزل عشر رضعات ثم نسخن بخمس رضعات، فتوفي النبى ﴿ وهن مما يتلى من القرآن). قال البيهقي: فالعشر مما نسخ رسمه وحكمه، والخمس مما نسخ رسمه بدليل أن الصحابة حين جمعوا القرآن لم يثبتوها رسما، وحكمها باق عندهم. وقولها: وهي مما يقرأ من القرآن. قال ابن السمعاني: يعني أنه يتلى حكمه دون لفظه. وقال البيهقي : يعني من لم يبلغه نسخ تلاوته قرآنا، فهذا أولى. وإنما احتجنا لهذين التأويلين لأنه ليس في القرآن اليوم، وإنَّ حكمه غير ثابت، فكان المنسوخ مرفوع التلاوة والحكم، والناسخ باقي التلاوة . ومنع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء حكمه، ومن نسخ حكمه مع بقاء لفظه؛ لأنه يؤدي أحدهما إلى أن يبقى الدليل ولا مدلول، والآخر يؤدي إلى أن يرتفع الأصل ويبقى الناسخ. والصحيح هو الجواز، لأن التلاوة والحكم في الحقيقة شيئان مختلفان، فجاز نسخ أحدهما، وتبقية الآخر كالعبادتين. وجزم شمس الأئمة السَّرخسي بامتناع نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، لأن الحكم لا يثبت بدون التلاوة . ٢٠٥ / ب وقد أورد على أثر عمر السابق كونه مما نسخ رسمه، لأن القرآن لا یثبت بمثل / هذا، فإن من أنكر آية من القرآن كفر، وبمثل هذا لا يكفر، فإذا لم يثبت كونه قرآنا، فكيف يدعي نسخه؟ والرجم ما عرف بهذا، بل بحديث ماعز. وكذلك حديث عائشة، فإن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، فلا تثبت به تلاوة ما هو من القرآن وحكمه معا، فإنا لا نعقل كونه منسوخا، حتى نعقل كونه قرآنا، وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد . ١٠٤ وهذا الاعتراض في القسمين أعني في منسوخ التلاوة دون الحكم وعكسه . ولهذا قال صاحب ((المصادر)): وأما نسخ التلاوة دون الحكم فوجوده غير مقطوع به، لأنه منقول من طريق الآحاد، وكذلك نسخهما جميعا، لا يقال: إن ذلك لم يكن قرآنا، لقول عمر: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في القرآن، وذلك يدل على أنه لم يكن قرآنا. قلنا: إنما قال ذلك لارتفاع تلاوته، فلم یکتبه لأنه نسخ رسمه . وقال: لولا أن يقال: زاد في القرآن المثبت، لكتبت ذلك . فإن قيل: (الشيخ والشيخة) لم يثبت بالتواتر؛ بل بقول عمر، ونسخ المتواتر بالآحاد ممتنع، سواء كان قرآنا أو خبرا. قلنا: والرجم أيضا لم يثبت بالتواتر؛ بل بالآحاد. وغايته أن الرجم ثابت إجماعا، والإجماع ليس بناسخ، وغايته الكشف عن ناسخ متواتر، وقد تكون سنة متواترة، وليس كون أحدهما متواترا أولى من الآخر. وأجاب الهندي عن أصل السؤال بأن التواتر شرط في القرآن المثبت بين الدفتين. أما المنسوخ فلا نسلم أن ذلك شرط فيه، بل يثبت بخبر الواحد؛ لكن الذي قد ثبت ضمنا بها لا يثبت به استقلالا، كالنسب بشهادة القوابل، وكقبول قول الراوي في أحد الخبرين المتواترين أنه قبل الآخر على رأي، وإن لزم نسخ المعلوم بقوله. وأجاب غيره بأن زماننا هذا ليس زمان نسخ، وفي زمان النسخ لم يقع النسخ بخبر الواحد . وقال إلْكِيا الطبري: القرآن وإن لم يثبت بخبر الواحد، لكن يثبت حكمه والعمل به بقول عائشة: وهي مما يتلى، أي في حق الحكم. وضُعِّف هذا بأن التلاوة لا تجوز بذلك . وأجاب آخرون بأن قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [سورة النساء /٢٣] مطلق في الإرضاع، والخبر جاء لبيان العدد، فلفظ القرآن مجمل في حق العدد، والتغير إنما يلحق بخبر عائشة، فالآية إذا كانت مبيّنة بالخبر، وكان المراد به خمس رضعات كان المتلو خمس رضعات، يعني وهذا كقوله: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة النساء / ٧٧] إذا ثبت بالخبر بيان قدر الزكاة نصف دينار، ١٠٥ وهو المراد بالخبر، فكان قراءة الزكاة في القرآن قراءة نصف دينار . والدليل على جواز نسخ الآخر مع بقاء الحكم، أن التلاوة حكم، فلا يبعد نسخ أحد الحكمين مع بقاء الآخر. وليس أحدهما تبعا للثاني . فرع هل يجوز للمُحدِثِ مَسْ المنسوخ التلاوة قال الآمدي: تردد فيه الأصوليون، والأشبه المنع. وخالفه ابن الحاجب، وقال: الأشبه الجواز، وهو أصح الوجهين عندنا. ولذلك تبطل الصلاة بذكره فيها. وذكر الرافعي في أول باب حدّ الزنى أن القاضي ابن كج حكى عن بعض الأصحاب وجها أنه لو قرأ قارىء آية الرجم في الصلاة، لم تفسد صلاته. والصحيح خلافه. وأما المنسوخ حكمه دون لفظه فله حكم ما لم ينسخ بالإجماع . الخامس : ما بقي رسمه وحكمه ولا نعلم الذي نسخه، كالمروي أنه كان في القرآن (لو كان لابن آدم واد من ذهب، لابتغى أن يكون له ثان. ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) . رواه البخاري ومسلم من حديث أنس مرفوعا، ورواه أحمد في مسنده. وقال: كان هذا قرآنا فنسخ خطه. قال ابن عبد البر في التمهيد: قيل: إنه في سورة ص، وفي رواية، عن أنس، قال: فلا ندري أشيء نزل أم شيء كان يقوله، وکما رواه أنس في أصحاب بئر معونة: أنهم لقُوا رَبَّم فرضي عنهم وأرضاهم. فكنا نقرأ: أن قد بَلَّغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا. وأخرج الحاكم في مستدركه من حديث زِرِّ بن حبيش، عن أبيّ بن كعب أن النبي وَلّ قرأ عليه: لم يكن، وقرأ فيها: إن ذات الدين عند الله الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية، ومن تعجل خيرا فلن يكفر. قال الحاكم: صحيح الإسناد . هكذا ذكر الماوردي هذا القسم في ((الحاوي))، ومثّله بالحديث الأول، وفيه نظر ١٠٦ كما قاله ابن السَّمْعاني. وقال: هذا ليس بنسخ حقيقةً ولا يدخل في حده، وعَدَّه غيره مما نسخ لفظه وبقي معناه. وعَدَّه ابن عبد البرفي ((التمهيد)) مما نسخ خطه وحكمه، وحفظه ينسى مع رفع خطه من المصحف، وليس حفظه على وجه التلاوة، ولا يقطع بصحته عن الله، ولا يحكم به اليوم أحد. قال: ومنه قول من قال: إن سورة الأحزاب كانت نحو سورة البقرة والأعراف. السادس : ناسخ صار منسوخا وليس بينهما لفظ متلو، كالمواريث بالحلف والنصرة، نسخ بالتوارث بالإسلام والهجرة، ثم نسخ التوارث بالهجرة ذكره الماوَرْدي. قال ابن السَّمْعاني: وهذا يدخل في النسخ من وجه، ثم قال: وعندي أن القسمين الأخيرين تكلف، وليس يتحقق فيهما النسخ. وجعل أبو إسحاق المروزي التوريث بالهجرة من قسم ما علم أنه منسوخ، ولم يعلم ناسخه. قال: وكذا قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [سورة البقرة / ٢٨٤] فهو منسوخ لا ندري ناسخه. وقيل ناسخه: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [سورة البقرة / ٢٨٦]. وذكر أبو إسحاق في وجوه النسخ في القرآن شيئا أَنْسي فرفع بلا ناسخ يعرف، فلم يبق له رسم ولا حكم، مثل ما روي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، فرفعت. قال: وهذه الأوجه في نسخ القرآن، أما نسخ السنة فإنما يقع في الحكم، فأما الرسم فلا مدخل له . مسألة لا يشترط في الناسخ أن يكون متأخرا عن المنسوخ في التلاوة. وهذا كالآية الدالة على البقاء بالبيت سنَّةً متأخرة عن الدالة على البقاء أربعة أشهر وعشرا، لأنها متقدمة في النزول على أربعة أشهر وعشر، ولكن كتابتها في المصحف جاءت على خلاف ما وقع به النزول، كذلك نقله المفسرون وشبهوه ١٠٧ بقوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [سورة البقرة / ١٤٢] وهذا نزل بعد أن تَوَلَّوْا عن القبلة الأولى، وتوجهوا إلى الكعبة، ثم جاء بعد ذلك: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها﴾ [سورة البقرة / ١٤٤] وقوله: ﴿فلنولينك﴾ [سورة البقرة / ١٤٤] يدل على أنه لم يحول بعد. وقوله: ﴿فلنولينك﴾ [سورة البقرة / ١٤٤] نزل قبل التحويل، وقوله: ﴿ما ولاهم﴾ [سورة البقرة / ١٤٢] نزل بعد التحويل، فلم يأت الترتيب في الكتابة ٢٠٦ / أ على مقتضى النزول، فتفهم هذا الفصل فإنه دقيق المسألة / عزيز الأمثلة مسألة [ نسخ المتواتر بالآحاد ] لا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر، وأما نسخ المتواتر سنة أو قرآنا بالآحاد، فالكلام في الجواز والوقوع . أما الجواز عقلا فالأكثرون عليه، وحكاه سليم عن الأشعرية والمعتزلة. ومنهم من نقل فيه الاتفاق، وبه صرح ابن برهان في ((الأوسط)) فقال: لا يستحيل عقلا نسخ الكتاب بخبر الواحد بلا خلاف، وإنما الخلاف في جوازه شرعا. ومنعه الهندي، وظاهر كلام سليم في ((التقريب)) أن غير الأشعرية والمعتزلة يقولون بمنعه عقلا، وهو ظاهر ما نقله القاضي في ((التقريب)) عن الجمهور . وقال إلْكِيا: لا يمنع منه، ولا يلتفت إلى من قال: إن خبر الواحد يفيد الظن، وكتاب الله قطعي، فكيف يرفع المقطوع بمظنون؟ فإن هذا شاع مما يلوح في الظاهر، لأن خبر الواحد وإن كان مفضيا إلى الظن، لكن العمل به مستند إلى قاطع، وذلك القاطع أوجب علينا العمل بالظن، ولولاه لما صرنا إلى العمل به. فوجوب العمل به مقطوع، والظن وراء ذلك. فعلى هذا ما رفعنا المقطوع بمظنون . ١٠٨ وأما الوقوع، فذهب الجمهور كما قاله ابن برهان وابن الحاجب وغيرهما إلى أنه غير واقع، ونقل ابن السمعاني وسليم في ((التقريب)) فيه الإجماع ، وعبارتهما: لا يجوز بلا خلاف. وهكذا عبارة القاضي أبي الطيب في ((شرح الكفاية))، والشيخ أبي إسحاق في ((اللمع))، ولم يحكيا خلافا. وينبغي حمل كلامهم على نفي الوقوع لما ذكرناه، وإن كانت أدلتهم صريحة في نفي الجواز. وذهب جماعة من أهل الظاهر منهم ابن حزم إلى وقوعه، وهي رواية عن أحمد احتجاجا بقصة أهل قباء، حكاها ابن عقيل، وألزم الشافعي ذلك أيضا، فإنه احتج على خبر الواحد بقصة قباء . وفَصَّل القاضي في ((التقريب)) والغزالي وأبو الوليد الباجي والقرطبي بين زمان الرسول وما بعده، فقالا بوقوعه في زمانه. وكذا قال إمام الحرمين: أجمع العلماء على أن الثابت قطعا لا ينسخه مظنون، ولم يتعرض لزمان الرسول. وكأن الفارق أن الأحكام في زمان الرسول في معرض التغير، وفيما بعده مستقرة، فكان لا قطع في زمانه . مسألة [نسخ القرآن بالسنة ] وأما نسخ القرآن بالسنة، فإن كانت السنة آحاداً فقد سبق المنع، وكَرَّر ابن السَّمْعاني نقل الاتفاق فيه، وليس كذلك؛ وإن كانت متواترة فاختلفوا فيه، فالجمهور على جوازه ووقوعه، كما قاله القاضي أبو الطيب وابن برهان. وقال ابن فُورَك في ((شرح مقالات الأشعري)): إليه ذهب أكثر أصحاب الشافعي، وإليه ذهب شيخنا أبو الحسن الأشعري. وكان يقول: إن ذلك وجد في قوله تعالى: ﴿﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ [سورة البقرة / ١٨٠] فإن هذه الآية منسوخة بالسنة، وهو قوله: (لا وصية لوارث). ١٠٩ وكان يقول: إنه لا يجوز أن يقال: إنها نسخت بآية المواريث، لأنه يمكن أن يجمع بينهما. اهـ. ومن خط ابن الصلاح نقلته . قال ابن السَّمْعاني: وهو مذهب أبي حنيفة وعامة المتكلمين. وقال سليم: هو قول أهل العراق، وقالوا: ليس لأبي حنيفة نص فيه، ولكن نص عليه أبو يوسف، واختاره. قال: وهو مذهب الأشعرية والمعتزلة وسائر المتكلمين. قال الدَّبُوسي في ((التقويم)): إنه قول علمائنا، يعني الحنفية . قال الباجي: قال به عامة شيوخنا، وحكاه أبو الفرج عن مالك. قال: ولهذا لا تجوز الوصية عنده للوارث للحديث، فهو ناسخ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر﴾ الآية [سورة البقرة / ١٨٠]. قال عبد الوهاب: قال الشيخ أبو بكر: وهذا سهو، لأن مالكا صرح بأن الآية منسوخة، بآية المواريث . [مذهب الشافعي في نسخ القرآن بالسنة] وذهب الشافعي في عامة كتبه كما قاله ابن السَّمْعاني: إلى أنه لا يجوزٍ نسخ القرآن بالسنة بحال، وإن كانت متواترة، وجزم به الصَّيْرفي في كتابه، والخَفَّاف في كتاب ((الخصال))، ونقله عبد الوهاب عن أكثر الشافعية، وقال الأستاذ أبو منصور: وأجمع أصحاب الشافعي على المنع، ورأيت التصريح به في آخر کتاب ((الودائع)) لابن سُرَيْج . وقال إمام الحرمين: قطع الشافعي جوابَهُ بأن الكتاب لا ينسخ بالسنة، وتردد في عكسه. قلت: وسيأتي عن الشافعي حكاية خلاف في نسخ السنة بالقرآن، فليجيء هنا بطريق أولى، أو نقطع بالمنع في العكس . قال ابن السَّمْعاني: ثم اختلف القول على مذهب الشافعي أنه منع منه العقل أو الشرع؟ قال: وظاهر مذهبه أنه منع منه العقل والشرع جميعا. وكذا قاله قبله سليم في ((التقريب))، وعبارته: وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز ذلك شرعا ولا عقلا ، وهو ظاهر مذهب الشافعي. اهـ . وفيما قالاه نظر؛ بل قصارى كلامه منع الشرع ، كيف والعقل عنده لا يحكم !! ثم قال: والثاني: أنه منع منه الشرع دون ١١٠ العقل، ثم اختلف القائلون بهذا. فقال ابن سُرَيْج فيما نقله عنه الشيخ في ((التبصرة))، وابن الصباغ في ((العدة)): إن الذي منع منه أن الشرع لم يرد به، ولو ورد به كان جائزاً وهذا أصح. وقال أبو حامد الأسفرايني: الشرع منع منه، ولم یکن مجوزا فیه . اهـ . وقال الماوَرْدي في ((الحاوي)): صرح الشافعي بأنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، ووافقه أصحابه. واختلفوا هل منع منه العقل أو الشرع؟ على وجهين. اهـ . وقال الأستاذ أبو منصور: منهم من أجازه عقلا وادعى أن الشرع منع منه، وهو قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ [سورة البقرة / ١٠٦] وبه قال ابن سريج، وأكثر أصحاب الشافعي. ومنهم من قال: يجوز ذلك في العقل، ولم يرد الشرع بمنعه، إلا أنه لم يوجد في القرآن آية نسخت بسنة. اهـ. وقال في كتابه ((الناسخ والمنسوخ)): أجمع أصحاب الشافعي على المنع من نسخ القرآن بالسنة، وبه قال أبو العباس القلانسي، وعلي بن مهدي الطبري، وجماعة من متكلميهم. واختلف هؤلاء في طريق المنع منه، فمنهم من قال: إنه مستحيل من جهة دلالة العقل على استحالته، وبه نقول. وهو أيضا اختيار الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني . ومنهم من قال: إن ذلك في العقل جائز إلا أن الشرع قد ورد بالمنع منه . وهو في قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ [سورة البقرة / ١٠٦] فلا تكون السنة خيرا ولا مثلها، فلا يجوز نسخها بها، ولولا هذه الآية لأجزنا نسخ الآية بالسنة، وهذا اختيار أبي إسحاق الّرْوزي وابن سُرَيْج وأكثر أصحاب الشافعي . ومنهم من قال: إن العقل يجيز نسخ القرآن بالنسة، ولم يرد الشرع بالمنع منه إلا أنا لم نجد في القرآن آية منسوخة بسنة. انتهى. وممن قال بنفي الجواز العقلي الحارث بن أسد المحاسبي /، وعبد الله بن سعد، والقلانسي، والأستاذ أبو ٢٠٦ / ب إسحاق الأسفرايني، وأبو منصور، والظاهرية، وحكاه صاحب ((المصادر)) عن الشريف المرتضى، وهي رواية عن أحمد، وممن نفى الجواز السمعي الشيخ أبو إسحاق في ((اللمع)) . ١١١ واعلم أنه قد غلط الناس في النقل عن الشافعي في هذه المسألة، ونحن نذكر وجه الصواب في ذلك، فنقول: قال الشافعي في ((الرسالة)): وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ بالكتاب، وأن السنة لا تكون ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب بمثل ما نزل به نصا، ومفسرة معنى بما أنزل منه حكما. قال تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله، قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحي إلي﴾ [سورة يونس / ١٥] ففي قوله: ﴿ما يكون لي أن أبدله﴾ [سورة يونس /١٥] ما وصفته من أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، كما كان المبتدىء بفرضه، فهو المزيل المثبت لما شاء منه. وليس ذلك لأحد من خلقه وكذلك قال تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [سورة الرعد /٣٩] وهو أشبه ما قيل، والله أعلم. وفي كتاب الله دلالة عليه، قال تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [سورة البقرة /١٠٦] وقال تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [سورة النحل / ١٠١]. انتهى لفظه. ومن صدر هذا الكلام قيل عنه: إن السنة لا تنسخ الكتاب. وقد استنكر جماعة من العلماء ذلك، حتى قال إلْكِيا الهراسي: هفوات الكبار على أقدارهم، ومن عُدَّ خطؤه عظم قدره. قال: وقد كان عبد الجبار بن أحمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع، قال: هذا الرجل كبير، ولكن ((الحق)) أكبر منه. قال إلّكِيا في ((التلويح)): لم نعلم أحدا منع جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد عقلا فضلا عن المتواتر، فلعله يقول دل عرف الشرع على المنع منه، وإذا لم يدل قاطع من السمع توقفنا، وإلا فمن الذي يقول إنه عليه السلام لا يحكم بقوله مِنْ نَسخ ما ثبت في الكتاب! وهذا مستحيل في العقل. قال: والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره، كيف وهو الذي مهد هذا الفن ورتبه، وأول من أخرجه! قالوا: لابد وأن يكون لهذا القول من هذا العظيم محمل، فتعمقوا في محامل ذكروها . قال: وغاية الإمكان في توجيهه شيئان: أحدهما: أن الرسول ولو كان له أن ١١٢ يجتهد، وكان اجتهاده واجب الاتباع قطعا، فقال الشافعي: لا يجوز أن يبين الرسول باجتهاده ما يخالف نص الكتاب، مع أن اجتهاده مقطوع به؛ لأنه لابد له من مستند في الشرع، ولا يتصور أن يلوح له من وضع الشرع ما يقتضي نسخ الكتاب، وهذا بعيد ، لأن الاجتهاد لا يتطرق إلى النسخ أصلا. الثاني : لأصحاب الشافعي. قالوا: قال الله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [سورة البقرة / ١٠٦] يحتمل الكتاب وغيره مما هو أجزل في المثوبة وأصلح في الدارين، فلما قال بعده: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ [سورة البقرة / ١٠٦]. علمنا أنه أراد بما تقدم ما تفرد هو بالقدرة عليه، وهو القرآن المعجز. فكأنه تعالى قال: ﴿نأت بخير منها﴾ [سورة البقرة / ١٠٦] مما يختص بالقدرة عليه، وهو بعيد، فإن المراد بذلك أنه القادر على العلم بالمصالح أو إنشائها أو إزالتها عن الصدور. وقد قيل: ﴿نأت بخير منها﴾ [سورة البقرة /١٠٦] بعد النسخ إذا قدم النسخ عليه، وليس في الآية نسخ حكم الآية، ولأن المراد خير منها لكم. انتهى كلامه . وقد صنف الإمام أبو الطيب سهل بن سهيل الصعلوكي كتابا في نصرة قول الشافعي، وكذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني وتلميذه أبو منصور البغدادي، وكانا من الناصرين لهذا الرأي، وكذلك الشيخ أبو إسحاق الَّرْوزي في كتابه ((الناسخ))، حكى نص الشافعي بالمنع وقرره . وقال: قال أبو العباس بن سریج: کنت أتأول قول الشافعي - رحمه الله - قديما في المنع، أنه لم يُرِدْ ذلك، فلم يجوزه، وأنه يجوز كونه، حتى تدبرت هذه الآية: ﴿ما ننسخ من آية﴾ [سورة البقرة / ١٠٦] فقيل له: لم لا يكون معنى خير منها حكما لكم خير من الحكم الأول ، وقد يكون ذلك بالسنة؟ فقال: هذا هذيان، لأن الآمر قد يأمر بالشيء؛ ثم يأمر بعده بخلافه، وهذا جار في قدرة الرب الآمر به، وإنما أخبر الله - عز وجل - عن قدرته التي تعجز الخلق عن إبدال هذا القرآن المعجز الذي يعجز الخلق عن افتعال مثله، وذلك دلالة على أنه حق، وأن الرسول الذي جاء به صادق، وأن الجميع من عند الله ونبه بقوله: ﴿ألم تعلم أن الله على ١١٣ كل شيء قدير﴾ [سورة البقرة / ١٠٦] على عجيب قدرته فيما ذكر أنه يفعل، وإنما ذلك في إنزال الآيات المعجزات بدلا من الآي المعجز، وإذ هي آيات معجزات للخلق أن يأتوا بمثله، ولذلك أتى بصفة القدرة. ومعنى ﴿نأت بخير منها﴾ [سورة البقرة / ١٠٦] أي في عينها، ويجوز إطلاق ذلك والمراد أكثر ثوابا في التلاوة، كما ورد في أم القرآن وسورة الإخلاص. قال أبو إسحاق: هذا كلام أبي العباس بعد كلام الشافعي، وفي كل منهما كفاية، ثم أخذ أبو إسحاق في الاستدلال على المنع، وفيه فائدة جليلة، وهي تحرير النقل عن ابن سُرْيج: أنه كان أولا يذهب في تأويل كلام الشافعي إلى منع الوقوع، ثم ثبت على الامتناع، فاعرف ذلك، فإن الناس خلطوا في النقل عن ابن سُرْیج . وكذلك كلام الشافعي في المنع حرره الإمام أبو بكر الصيرفي في كتابه، ثم قال: وجماع ما أقوله أن القرآن لم ينسخ قط بسنة، فمن شاء فليرنا ذلك، فإنه لا يقدر عليه. قال: والشافعي لم يُحِلْ جواز العبادة أن يأتي برفع حكم القرآن بالسنة، وإنما قال: لا يجوز للدلائل التي ذكرناها، فقيام الدليل عنده هو المانع من جواز ذلك، وهو كقوله: لا يجوز نكاح المحرم، ولا يجوز بيع كذا بالخبر، وغير ذلك من قيام الدليل، فهذا وجه قوله: يمتنع أن تنسخ السنة القرآن. اهـ . وعلى ذلك جرى أبو إسحاق في ((اللمع)) فقال: لا يجوز نسخ القرآن بالسنة من جهة السمع على قول الشافعي، وكذا ابن برهان فقال: لا يصح عن الشافعي ذلك وإنما نقل عنه امتناع ذلك من جهة السمع، لا من جهة العقل. وقال القاضي في ((مختصر التقريب)): منهم من يقول يجوز عقلا، وإنما امتنع بأدلة السمع. قال: وهذا هو الظن بالشافعي مع علو مرتبته في هذا الفن. انتهى . والحاصل على هذا الوجه أن الشافعي لم يمنع الجواز العقلي، بل لم يتكلم فيه ألبتة لا في هذا الموضع ولا في غيره، ولا وجه للقول به، لأنه إن أراد به قائله أنه يلزم من فرضه المحال فباطل، وإن أراد أن العقل يقتضي تقبيحه فهو قول معتزلي، والشافعي بريء من المقالتين. ١١٤ فإن قلت: فما وجه قول سليم وابن السَّمْعاني: إن ظاهر مذهب الشافعي أنه منع منه العقل والسمع جميعا؟ وكذلك نُقِل عن أبي الحسين / في ((المعتمد)) أن ٢٠٧ / أ الشافعي منع منه بالعقل، وكذا الباجي. قلت: من نقل عنه المنع الشرعي فقط أعظم وأكثر، فيرجح على نقل هؤلاء، ولو قطعنا النظر عن كلّ من المقالتين لرجعنا إلى قول الشافعي، وقد علمت أن كلامه في نفي الجواز الشرعي على هذه الكيفية التي بيناها، لا المنع مطلقا، ولهذا احتج بأدلة الشرع، ولهذا ذهب الصعلوكي، وأبو إسحاق الإسفرايني، وأبو منصور البغدادي، إلى أن العقل يُجَوِّز نسخ كل واحد منهما بالآخر، ولكن الشرع مانع منه فيهما جميعا . وقال المقترح: لم يرد الشافعي مطلق السنة، بل أراد السنة المنقولة آحادا، واكتفى بهذا الإطلاق ، لأن الغالب في السنن الآحاد . قلت: والصواب أن مقصود الشافعي أن الكتاب والسنة لا يوجدان مختلفين إلا ومع أحدهما مثله ناسخ له، وهذا تعظيم عظيم وأدب مع الكتاب والسنة، وفهم بموقع أحدهما من الآخر، وكل من تكلم في هذه المسألة لم يقع على مراد الشافعي؛ بل فهموا خلاف مراده حتى غلطوا وأولوه، وسيأتي مزيد بيان فيه في المسألة بعدها. وقد احتج من خالف الشافعي بآي من الكتاب نسخت أحكامها، ولا ناسخ لها في القرآن، وإنما نسختها السنة التي كانت متواترة في الصدر الأول، ثم استغني عن نقلها بالإجماع، فصارت آحاداً، كوجوب الوصية للوالدين والأقربين بقوله: (لا وصية لوارث). وأجاب الصَّيْرفي بأن آية المواريث نَسَخَتْ، والرسولِ وَ بينَّ أنها ناسخة. وقال إلكْيا الطبري: يمكن أن يقال: نسخ بآية أخرى لم ينقل رسمها ونظمها إلينا، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم﴾ [سورة الممتحنة /١١] فإن هذا الحكم منسوخ اليوم إلا أنه لم يظهر له سنة ناسخة، فإن جاز لكم الحمل على سنة لم تظهر، جاز لنا الحمل على كتاب لم يظهر. انتهى . وقال الصَّيْرفي: ولا يقال: إن الرجم نُسخ بالجلد عن الزاني، لأن الرجم ١١٥ رفع ... (١) لم يكن الجلد عليه بالقرآن، فحَظَّ السنة البيان والإخبار عن المراد». ولأن الله تعالى جعل السنة للبيان، فمحال أن ينسخ الشيء بما يبينه قال: وإنما جاز نسخ بعض القرآن ببعضه للاحتراز من حجة الكفار، أن يكون بغير المعجز، وليس هذا في السنة. انتهى . فإن قيل قد نسخ قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي) الآية [سورة الأنعام / ١٤٥] بنهيه عن أكل كل ذي ناب. قلنا: الآية اجتمع فيها لفظان متعارضان، فيتعين صرف أحدهما للآخر، فلفظ: ﴿أوحي﴾ ماض، لا يتناول إلا حين ورود الآية. ولفظ ((لا)) لنفي المستقبل بنص سيبويه كما في قوله تعالى: ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾ [سورة طه /٧٤] والمراد الاستقبال ضرورة، وحينئذ لابد من صرف ((لا)) لأوحي، أو صرف أوحي للفظ ((لا))، فإن صرفنا ((لا)) للفظ أوحي، فلا نسخ لعدم التناقض بين الآية والخبر، وإن عكسنا كان تخصيصا لا نسخا، فلا حجة فيه . ومما عارض به الخصوم دعواهم أن الشافعي عمل بأحاديث الدِّباغ مع أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [سورة المائدة /٣] فنسخ الكتاب بالسنة، ولنا أنه من باب التخصيص لا النسخ. وقد روى الإمام أحمد في حديث شاة ميمونة، وقوله: (هلّ أخذتم مسكها؟ فقالت ميمونة: نأخذ مسك شاة ميتة؟) فقال لها رسول الله وَ له: (إنما قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [سورة الأنعام / ١٤٥] وإنكم لا تطعمونه حينئذ). فبين ي لتر أن المراد بقوله تعالى: ﴿إلا أن يكون ميتة﴾ [سورة الأنعام / ١٤٥] تحريم الأكل مما جرت العادة بأكله وهو اللحم، فلم تتناول الآية الجلد، وهذا جواب آخر . (١) بياض في النسخ التي بأيدينا . ١١٦ تنبيهات الأول : إذا قلنا بامتناع نسخ القرآن بخبر الواحد، فماذا يفعل؟ فيه وجهان لأصحابنا، حكاهما أبو الحسين السهيلي في كتابه ((أدب الجدل)): أحدهما: يجب الاعتماد على الآية وترك الخبر، إذ لم يمكن استعماله، ولا ينسخ الآية. والثاني: أنه يجب حمل الآية على أنها نسخت بمثلها أو بما يجوز نسخها به بدليل الخبر الصحيح بعده بخلافه. قال: فأما إذا كان الخبر متواترا، وقلنا بالمنع، فحكمه ما سبق في خبر الواحد . [ نسخ القرآن بالمستفيض من السنة ] الثاني: أنهم تعرضوا للآحاد والتواتر وسكتوا عن المستفيض، لأنه يؤخذ حكمه من المتواتر بطريق الأولى، وقد توقف فيه النَّقْشَواني. وقال: قد جوزوا التخصيص به، والاحتياط في النسخ آكد، وقد تعرض له ابن برهان في ((الأوسط)» في باب الأخبار. وحكى عن بعضهم جواز نسخ الكتاب به. قال: ومنهم من منع، وجوز الزيادة على الكتاب به، لأن الزيادة ليست بنسخ. انتهى . وظاهر كلام الماوَرْدي في ((الحاوي)) أنه لا فرق بين المستفيض والمتواتر، فإنه حَكَى الخلاف في نسخ القرآن بالسنة ثم قال: وجوز أبو حنيفة نسخ الكتاب بالسنة المستفيضة، كما نسخت آية المواريث بحديث: (لا وصية). قال: وهذا غلط، فإنه إنما نسخها آية المواريث، وكانت السنة بيانا . الثالث: في المسألة حديث رواه الدارقطني عن جابر رفعه: (كلام(١) لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ بعضه بعضا)، وقال ابن عدي في ((الكامل)): إنه حديث منكر . (١) في جميع النسخ ((كلام))، وصوابه: ((كلامي)). ١١٧ مسألة [نسخ السنة بالقرآن] وأما نسخ السنة بالقرآن ، فمن جوز نسخ القرآن بالسنة فأولى أن يجوز هذا. وأما المانعون هناك فاختلفوا. وللشافعي فيها قولان: حكاهما القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق وسليم وإمام الحرمين، وصححوا الجواز. وقال ابن برهان: هو قول المعظم. وقال سليم: هو قول عامة المتكلمين والفقهاء . وقال ابن السَّمْعاني: إنه الأولى بالحق، وجزم به الصَّيْرفي هنا مع منعه هناك. وظاهر كلام أبي إسحاق المروزي نصحيحه، لكن حكى الرافعي في باب الهدنة أن المنع منسوب إلى أكثر الأصحاب . وقال الماوَرْدي في ((الحاوي)) في باب القضاء: ظاهر مذهبنا وجهان أو قولان. التردد منه. وقال: الذي نص عليه الشافعي في القديم والجديد أنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن. كالعكس. وقال ابن سُرَيْج: يجوز بخلاف ذلك، لأن القرآن آكد من السنة، وخَرَّجُوا قولا ثانيا للشافعي من كلام تأوَّله في ((الرسالة)). انتهى. [مذهب الشافعي في نسخ السنة بالقرآن] وقال أبو إسحاق المروزي في كتابه: نص الشافعي في ((الرسالة)) القديمة والجديدة على أن السنة لا تنسخ إلا السنة، وأن الكتاب لا ينسخ السنة، ولا العكس. وقال ابن السَّمْعاني: ذكر الشافعي في ((الرسالة القديمة والجديدة)) ما يدل على أن نسخ السنة لا يجوز، ولعله صرح بذلك، ولوح في موضع آخر بما يدل على الجواز، فخرّجه أكثر أصحابنا على قولين، وأظهرهما من مذهبه أنه لا يجوز. والثاني: الجواز، وهو أولى بالحق. انتهى . ٢٠٧ / ب وقد استعظم إليكيا الهراسي / القول بالمنع ههنا أيضا. وقال: توجيهه عسر جدا، والممكن فيه أن يقال: إنه عليه السلام إذا قال عن اجتهاد، فلا يجوز أن يَرِدَ الكتاب من بعد بخلافه، لما فيه من تقرير الرسول وَل على الباطل، وإيهام ١١٨ المخالفة. وقال في ((تعليقه)): قد صح عن الشافعي أنه قال في ((رسالتيه)) جميعا: إن ذلك غير جائز، وعدَّ ذلك من هفواته وهفوات الكبار على أقدارهم، ومن عد خطؤه عظم قدره. وقد كان عبد الجبار بن أحمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع، قال: هذا الرجل كبير، لكن الحق أكبر منه، ثم نصر هو الحق . قال إلْكِيا: والمتغالون في محبة الشافعي لما رأوا أن هذا القول لا يليق به طلبوا له محامل ، فقيل: إنما قال هذا بناء على أصل، وهو جواز الاجتهاد للرسول، فإذا جاز له الاجتهاد في ... (١) بنص الكتاب وحكم ثمَّ أراد الرسول نسخه باجتهاده، لا يجوز له، لأن الاجتهاد لا يؤدي إلى بيان أمد العبادة، ولا يهدي إلى مقدار وقتها. وهذا باطل، لأن الشافعي منع من النسخ بالمتواتر، وقضية هذا الكلام تجويز نسخ القرآن للسنة التي لا توجد، وبيانه أن ما كان بيانا في كتاب الله بالنص كان ثبوته عنه باجتهاد الرسول، لأن الاجتهاد استخراج من جهة الله، وهو لا يجوز مع وجود الكتاب. فكأنه يقول: الشافعي يمنع من نسخ الكتاب لسنة لا يتصور وجودها. انتهى كلامه . قلت: وعبارة الشافعي في ((الرسالة)) بعد الكلام السابق: وهكذا سنة رسول اللّه وَّهُ لا ينسخها إلا سنة لرسوله، ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله ﴾ [لسن فيما أحدث الله](٢) إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها، وهذا مذكور في سنته وّله. فإن قيل: هل تنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نسخت السنة بالقرآن، كان للنبي وَّر فيه سنة تبين أن السنة الأولى منسوخة بسنته الأخيرة، حتى يقيم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله. انتهى . وفيه كذلك قوله في ((الرسالة)) في موضع آخر: وقد ورد حديث أبي سعيد في تأخير النبي عليه الصلاة يوم الخندق، وأن ذلك قبل أن ينزل الله الآية التي ذكر فيها صلاة الخوف، ثم ذكر الشافعي صلاة النبي ◌َّ﴿ بذات الرقاع، ثم قال: وفي هذا (١) بياض في النسخ التي بأيدينا . (٢) الزيادة من ((الرسالة)) ص١٠٨. ١١٩ دلالة على ما وصفت قبل هذا في هذا الكتاب، من أن رسول الله وَلقر إذا سن سنة، [فأحدث الله إليه في تلك السنة نسخها أو مخرجا إلى سعة](١) منها سن رسول الله وَلو سنة تقوم الحجة على الناس بها، حتى [يكونوا](٢) إنما صاروا من سنته إلى سنته التي بعدها، فنسخ الله تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف إلى أن يصلوها كما أنزل الله، وسن رسول الله رَّ في وقتها، ونسخ ◌َلَ [سنته](٣) في تأخيرها بفرض الله في كتابه ثم سنته صلاها رسول الله وَّ ر في وقتها كما وصفت . انتهى. ومن صَدْر هذا الكلام أخذ من قبل عن الشافعي أن السنة لا تنسخ بالكتاب، ولو تأمل عقب كلامه بان له غلط هذا الفهم. وإنما مراد الشافعي أن الرسول إذا سنَّ سنة ثم أنزل الله في كتابه ما ينسخ ذلك الحكم، فلابد أن يسنَّ النبي وَلّ سنة أخرى موافقة للكتاب تنسخ سنته الأولى، لتقوم الحجة على الناس في كل حكم بالكتاب والسنة جميعا، ولا تكون سنة منفردة تخالف الكتاب، وقوله: ولو أحدث إلى آخره ، صريح في ذلك. وكذلك ما بعده . والحاصل أن الشافعي يشترط لوقوع نسخ السنة بالقرآن سنة معاضدة للكتاب ناسخة، فكأنه يقول: لا تنسخ السنة إلا بالكتاب والسنة معا، لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معا، ولئلا يتوهم متوهم انفراد أحدهما من الآخر، فإن الكل من الله. والأصوليون لم يقفوا على مراد الشافعي في ذلك، وقد سبق أن هذا أدب عظيم من الشافعي وليس مراده إلا ما ذكرناه. فإن قيل: يرد عليه الكتاب المنفرد بلا سنة، والسنة المنفردة بلا كتاب. قيل: الحجة في ذلك قائمة بالكتاب والسنة جميعا. أما الأول فلتبليغ النبي ◌َّر، والعلم باتباعه له، ما تواتر عنه من الأمر بطاعة الله. وأما الثاني فلقوله: ﴿وما آتاكم الرسول﴾ [سورة الحشر /٧] فاجتمع في كل مسألة دليلان. فإن قيل: فهذا حاصل فيما إذا كان أحدهما ناسخا للآخر. قيل: نعم؛ ولكنا نعلم أن النبي ◌َّ أعلم بالله، وأكثر أدبا ومسارعة إلى ما يؤمر به، ولا يبقى مكان (١) هنا تحريف وبياض في جميع النسخ، والتصويب من كتاب الرسالة للشافعي ص ١٨٤ . (٢) في الأصول: ((يعلموا)) والتصويب من الرسالة . (٣) في الأصل: لسنته والتصويب من الرسالة . ١٢٠