Indexed OCR Text

Pages 21-40

وقال ابن القشيري: قال الشافعي: الغرض من القول بالمفهوم أن لا يلغى
القيد الذي قيد به الشارع كلامه، فإذا ظهر للقيد فائدة ما مثل إن خرج عن المعتاد
الغالب في العرف كفى ذلك .
وذكر في ((الرسالة)) كلاما بالغا في هذا الباب. وقال: إذا تردد التخصيصٍ بين
تقدير نفي ما عدا المخصص، وبين قصد إخراج الكلام على مجرى العرف، فيصير
تردد التخصيص بين هاتين الحالتين، كتردد اللفظ بين جهتين في الاحتمال،
فيلحق بالمحتملات، كقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [سورة
البقرة / ٢٨٢]. فاستشهاد النساء مع التمكن من إشهاد الرجال خارج على العرف لما
في ذلك من الشهرة، وهتك الستر، وعسر الأمر عند إقامة الشهادة، فجرى التقييد
إجراء للكلام على الغالب، وكقوله : ﴿إِن خفتم﴾ [سورة النساء / ١٠١] في قصر
الصلاة.
وخالفه إمام الحرمين، ورأى القول بالمفهوم في ذلك كله، وأن دليل الخطاب لم
يثبت بمجرد التخصيص بالذكر، إذ لو كان كذلك للزم مثله باللقب، ولکن إنما دل
على ذلك لما في الكلام من الإشعار على مقتضى حقائقه من كونه شرطا، فلا يصح
إسقاط مقتضى اللفظ باحتمال يؤول إلى العرف. نعم، يظهر مسلك التأويل،
ويخف الأمر على المؤول، في قرينة الدليل العاضد للتأويل.
وقد وافقه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وزاد فقال: ينبغي العكس، أي
لا يكون له مفهوم إلا إذا خرج مخرج الغالب، وذلك لأن الوصف الغالب على
الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على
ثبوته لها عن ذكر اسمه، فإذا أتى بها مع أن العادة كافية فيها دل على أنه إنما أتى بها
لتدل على سلب الحكم عما يفهم السامع / أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة . ١٩٤ / أ
وقد أجاب القَرَافي عن هذا بأن الوصف إذا كان غالبا كان لازما لتلك الحقيقة
بسبب الشهرة والغلبة، فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لغلبة حضوره في
الذهن لا لتخصيص الحكم به. وأما إذا لم يكن غالبا فالظاهر أنه لا يذكر مع
الحقيقة إلا لتقييد الحكم به، لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذ، فاستحضاره
٢١

معه واستجلابه لذكره عند الحقيقة إنما يكون لفائدة، والفرض عدم ظهور فائدة
أخرى، فيتعين التخصيص.
ونازع بعضهم في هذا الشرط أيضا، واعترض بالاستفسار، فقال: ما تريدون
بالغالب؟ أعادة الفعل أم عادة التخاطب؟ فإن أريد عادة الفعل فلا نسلم إلا إذا
صحبها عادة التخاطب، ودعوى أن عادة الفعل مستلزمة عادة التخاطب ضعيفة
بمنع تسليم اللزوم. ولأنه إثبات اللغة لغلبتها، وهو واه جدا. وإن أريد عادة
التخاطب فإثباتها في موضع الدعوى عسير .
الثاني: أن لا يكون هناك عهد، وإلا فلا مفهوم له، ويصير بمنزلة اللقب من إيقاع
التعريف عليه، إيقاع العَلَم على مسماه. وهذا الشرط يؤخذ من تعليلهم إثبات
مفهوم الصفة أنه لو لم يقصد نفي الحكم عما عداه لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة.
وقولهم في مفهوم الاسم: إنه إنما ذكر لأن الغرض منه الإخبار عن المسمى فلا
يكون حجة .
الثالث: أن لا يكون المذكور قصد به زيادة الامتنان على المسكوت، كقوله تعالى:
﴿لتأكلوا منه لحما طريا﴾ [سورة النحل /١٤] فلا يدل على منع القديد.
الرابع: أن لا يكون المنطوق خرج لسؤال عن حكم أحد الصنفين، ولا حادثة
خاصة بالمذكور . ولك أن تقول: كيف جعلوا هنا السبب قرينة صارفة عن إعمال
المفهوم، ولم يجعلوه صارفا عن إعمال العام، بل قدموا مقتضى اللفظ على السبب.
وبتقدير أن يكون كما قالوه، فهلا جرى فيه خلاف: العبرة بعموم اللفظ أو
بخصوص السبب؟ لاسيما إذا قلنا: إن المفهوم عام. ثم رأيت صاحب ((المسودة))
حكى عن القاضي أبي يعلى من أصحابهم فيه احتمالين، ولعل الفرق أن دلالة
المفهوم ضعيفة تسقط بأدنى قرينة، بخلاف اللفظ العام.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ [سورة آل
عمران / ١٣٠] فلا مفهوم للأضعاف إلا عن النهي عما كانوا يتعاطونه بسبب
الآجال، كان الواحد منهم إذا حلّ دينه يقول له: أما أن تعطي وأما أن تربي،
فيضاعف بذلك أصل دينه مرارا كثيرة، فنزلت الآية على ذلك .
الخامس: أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم وتأكيد الحال، كقوله: (لا يحل
٢٢

لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد) فإن التقييد بالإيمان لا مفهوم له، وإنما ذكر
التفخيم الأمر لا المخالفة، وكقوله وَالر: (الحج عرفة). ويحتمل أن يكون منه:
(إنما الربا في النسيئة) إذ كان أصل الربا عندهم ومعظمه إنما هو النسيئة .
السادس : أن يذكر مستقلا، فلو ذكر على جهة التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له،
كقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [سورة البقرة / ١٨٧]. فإن
قوله: ((في المساجد)) لا مفهوم له بالنسبة لمنع المباشرة ، فإن المعتكف يحرم عليه
المباشرة مطلقا.
السابع : أن لا يظهر من السياق قصد التعميم ، فإن ظهر فلا مفهوم كقوله
تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ [سورة البقرة / ٢٨٤] لأنا نعلم أن الله قادر على
المعدوم الممكن، وليس بشيء، فإن المقصود بقوله: ((كل شيء)) التعميم في الأشياء
الممكنة لا قصر الحكم .
الثامن : أن لا يعود على أصله الذي هو المنطوق بالإبطال ، فلا يحتج على صحة
بيع الغائب الذي عند البائع بمفهوم قوله: (لا تبع ما ليس عندك) إذ لو صح،
لصح بيع ما ليس عنده الذي نطق الحديث بمنعه، لأن أحدا لم يفرق بينهما .
وشرط الماوَرْدي والرُّؤْياني أن يكون المنطوق معناه خاصا كقوله تعالى: ﴿وإن
كنتم مرضى أو على سفر﴾ [سورة النساء /٤٣] إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا
صعيدا طيبا﴾ [سورة النساء / ٤٣] فتقييد التيمم بالمرض والسفر شرط في إباحته، فإن
كان معناه عاما لم يكن له مفهوم، وسقط حكم التقييد، كتقييد الفطر بالخوف،
والكفارة بقتل العمد.
وقالا : عمم داود وأهل الظاهر الحكم في المقيد اعتبارا باللفظ، لأن الاعتماد
على النصوص دون المعاني عندهم، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقتلوا
أولادكم خشية إملاق﴾ [سورة الإسراء / ٣١] ولا يستباح قتلهم مع أمن إملاق.
وقال: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾ [سورة النور/ ٣٣] ولا يجوز
الإكراه وإن لم يردن التحصن، فلما سقط حكم التقييد في هذا، ولم يصر نسخا،
جاز أن يسقط غيره.
٢٣

فإن قيل: إذا سقط التقييد كان مقيدا؟ قلنا: يحتمل ذكر التقييد مع سقوط
حكمه أمورا :
منها: أن يكون حكم المسكوت عنه مأخوذا من حكم المنطوق به، ليستعمله
المجتهد فيما إذا لم يجد فيه نصا، فإن الحوادث غير منقرضة.
ومنها: أن يكون للتنبيه على غيره كما في قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن
تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك﴾ [سورة آل
عمران / ٧٥] فنبه بالقنطار على الكثير، وبالدينار على القليل، وإن كان حكم القليل
والكثير سواء .
ومنها: أن يكون الوصف هو الأغلب من أحوال ما قيد به، فيذكره لغلبته، كقوله
تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ الآية [سورة
البقرة / ٢٢٩] وإن كانت مفاداة الزوجين تجوز مع وجود الحد وعدمه .
وإن احتمل هذه الأمور وغيرها وجب النظر في كل مقيد، فإن ظهر دليل على
عدم تأثيره سقط حكم التقييد، وصار في عموم حكمه كالمطلق، وإن عدم الدليل
وجب حكمه على تقييد، وجعل شرطا في ثبوت حكمه .
فصْل
في أنواعه
النوع الأول
مفهوم اللقب
وهو تعليق الحكم بالاسم العَلَم نحو قام زيد، أو اسم نوع نحو في الغنم
زكاة، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه، وقد نص عليه الشافعي، كما قاله في
((البرهان))، وقال الأستاذ أبو إسحاق لم يختلف قول الشافعي وأصحابه فيه.
وخالف فيه أبو بكر الدَّقَّاق، وبه اشتهر ، وزعم ابن الرفعة وغيره أنه لم يقل به
من أصحابنا غيره، وليس كذلك، فقد قال سليم في ((التقريب)): صار إليه الدَّقاق
٢٤

وغيره من أصحابنا، ورأيت في كتاب ابن فُورَك حكايته عن بعض أصحابنا، ثم
قال: وهو الأصح .
وقال إلْكِيا الطبري في ((التلويح)): إن أبا بكر بن فُورَك كان يميل إليه، ويقول:
إنه الأظهر والأقيس. وحكاه السهيلي في ((نتائج الفكر)) عن أبي بكر الصَّيْرفي،
ولعله تحرَّف عليه بالدَّقاق، ونقله عبد العزيز في التحقيق عن أبي حامد المرْوَزي،
والمعروف عن أبي حامد المَرْوَزي إنكار القول بالمفهوم مطلقا .
وقال إمام الحرمين في أوائل المفهوم في ((البرهان)): / ما صار إليه الدَّقّاق صار ١٩٤ / ب
إليه طوائف من أصحابنا، ونقله أبو الخطاب الحنبلي في ((التمهيد)) عن منصوص
أحمد. قال: وبه قال مالك، وداود، وبعض الشافعية. اهـ
وقال المازري أشير إلى مالك القول به لاستدلاله في ((المدونة)) على عدم إجزاء
الأضحية إذا ذبحت ليلا بقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾
[سورة الحج /٢٨]. قال: فذَكَر الأيام ولم يذكر الليالي، ونقل القول به عن
ابن خُوَيز مَنْداد، والباجي، وابن القَصَّار .
وحكى ابن برهان في ((الوجيز)) قولا ثالثا عن بعض علمائنا ، وهو الفرق بين
أسماء الأنواع فيدل على نفيه عما عداه، نحو في السُّود من النعم الزكاة، وبين أسماء
الأشخاص، إلا أن مدلول أسماء الأنواع أكثر، وهما في الدلالة متساويان .
وحكى ابن حمدان وأبو يعلى من الحنابلة قولا رابعا، وهو الفرق بين أن تدل
قرينة فيكون حجة، كقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهورا) إذ قرينة
الامتنان تقتضي الحصر فيه .
قال إمام الحرمين: وقد سفَّه الأصوليون الدَّفاق ومن قال بمقالته، وقالوا: هذا
خروج عن حكم اللسان، فإن من قال: رأيت زيدا لم يقتض أنه لم ير غيره قطعا،
والإجماع العلماء على جواز التعليل والقياس، فهو يقتضي أن تخصيص الربا بالاسم
لا يدل على نفيه عما عداه، ولو قلنا به بطل القياس.
قال: وعندي أن المبالغة في الرد عليه سرف، لأنه لا يظن بعاقل التخصيص
٢٥

بالذكر من غير غرض. ثم اختار إمام الحرمين أن التخصيص بالاسم يتضمن
غرضا مبهما، ولا يتعين انتفاء غير المذكور .
ثم قال: وأنا أقول وراء ذلك، لا يجوز أن يكون من غرض المتكلم في
التخصيص نفي ما عدا المسمى بلقبه، فإن الإنسان لا يقول: رأيت زيدا، وهو
يريد الإشعار بأنه لم ير غيره. فإن هو أراد ذلك قال: إنما رأيت زيدا، وما رأيت إلا
زيدا، وحاصله أن التخصيص باللقب يتضمن غرضا مبهما، ولا يتضمن انتفاء
الحكم في المسكوت. والدَّقاق يقول: يتضمن غرضا معينا.
واختار الغزالي في ((المنخول)) أنه حجة مع قرائن الأحوال. قال: وهذا رددنا
على ابن الماجشون في تعليله تخصيص الأربعة في الربا بالذكر، حيث علل الربا
بالمالية العامة، إن قلنا : لم تكن الأشياء الأربعة غالب ما يعامل به، وكان
[الحجاز(١) مصب التجار] في الأعصار الخالية، فلو ارتبط الحكم بالمالية لكان
التنصيص عليها أسهال من التخصيص، كما في العاريَّة (على اليد ما أخذت حتى
تؤديه) فكان هذا مأخوذا من قرائن الأحوال مع التخصيص باللقب.
وههنا أمور مهمة :
أحدها: أن الأستاذ أبا إسحاق الأسفرايني قال في كتابه ((شرح الترتيب)): إن
أبا عبد الله البصري ألزم الدَّقاق ذلك في مجلس النظر فالتزمه. قال: وكنا نكلمه
في هذا في الدرس، فألزمناه أنه إذا قال له: صم، يجب أن يدل على منع الصلاة.
وإذا قال: صل، يجب أن يمتنع من الصوم والزكاة والحج وغيرها من العبادات.
فقال: كذلك أقول. فقلنا: إذا قال لواحد من جملة القوم: يازيد تعال، ينبغي أن
لا يجوز للباقين أن يأتوه. قال: كذلك أقول: فقلنا: إذا وصلنا إلى هذا سقط
الكلام .
قال الأستاذ: وهذا الذي ركبه خلاف الإجماع، وليس مما يتخالج لقبوله في
القلوب وجه عند العقلاء ألبتة . قال: ولو تصور دليل الخطاب لم يصر إلى ذلك،
(١) العبارة في الأصل: ((وكان الحجار يصيب الثمار)) والتصويب من المنخول ص ٢١٧ .
٢٦

ثم ذكر أن صورته أن يذكر الشيء بلفظه العام مقيدا بأحد أوصافه، نحو: اقتل
أهل الكتاب اليهود منهم.
قال: وکان الدَّقَّاق إذا جرى له كلام في مثله یذكره في مجلس الدرس، ويعيده،
ويتحجج له، وينصره، ورأيناه كأنه استحى من هذا القول الذي ركبه في دليل
الخطاب، فلم نره عاد إليه أو تكلم به في كتاب. اهـ . وهذا يدل على رجوع
الدَّقَّاق عن هذا الرأي أو توقفه فيه. وليس ما ألزم به الدَّفَاق بعجيب، لأنه يقول:
أقول بذلك ما لم يقم دليل النطق بخلافه .
الأمر الثاني: إطلاق أن مفهوم اللقب ليس بحجة مطلقا قد استشكل، فإن
أصحابنا قد قالوا به في مواضع واحتجوا به، كاحتجاجهم في تعيين الماء في إزالة
النجاسة بحديث : (حتيه ثم اقرصيه بالماء). وعلى تعيين التراب بالتيمم بقوله:
(وتربتها طهورا). والحق أن ذلك ليس من اللقب، بل من قاعدة أخرى ، وهي
أنه متى انتقل من الاسم العام إلى الخاص أفاد المخالفة، فلما ترك الاسم العام وهو
الأرض إلى الخاص وهو التراب، جعل دليلا. وأما في الماء فلأن امتثال المأمور لا
يحصل إلا بالمعينّ. وقال في ((شرح الإلمام)): الأمر إذا تعلق بشيء بعينه لا يقع
الامتثال إلا بذلك الشيء، لأنه قبل فعله لم يأت بما أمر به، فلا يخرج عن العهدة،
وسواء كان الذي تناوله الأمر صفة أو لقبا عندنا لما ذكرناه من توقف الامتثال
عليه .
وكان بعض أصحابنا قد اعترض في مسألة تعيين الماء في النجاسة بقوله عليه
. السلام: (اغسليه بالماء) بأنه حُكْمِ عُلَّق بلقب، ومفهوم اللقب ليس بحجة.
فيقال عليه: متعلق الأمر لابد له منه لضرورة الامتثال، ولا نظر هنا لكونه لقبا أو
صفة، وإنما يفرق بينهما في محل الحكم، وهو الدم مثلا. فلا يقال: إنه يدل على أن
غير الدم يجوز غسله بغير الماء ، عملا بالمفهوم، لأن الدم لقب لا يدل على انتفاء
الحكم عما عداه. اهـ .
وقال الشريف المرْتَضَى في ((الذريعة)): احتجوا على أن غير الماء لا يطّهر بقوله
تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [سورة الفرقان /٤٨]. فنقول: الحكم غير
الماء ، وهو متعلق بالاسم لا بالصفة، ويمكن أن يكون من استدل بهذا إنما عوَّل
٢٧

على أن الاسم يجرى فيها مجرى الصفة، لأن مطلق الاسم الماء، يخالف اتصافه،
فأجري مجرى كون الإبل سائمة أو عاملة.
والتحقيق أن يقال: إنه ليس بحجة، إذا لم يوجد فيه رائحة التعليل، فإن وجد
كان حجة ، وقد أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد، فقال في قوله: (إذا استأذنت
أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها) يحتج به على أن الزوج يمنع امرأته من
الخروج إلا بإذنه، لأجل تخصيص النهي بالخروج للمساجد، فيقتضي بمفهومه
جواز المنع في غير المساجد. ولا يقال: إنه مفهوم لقب، لأن التعليل هنا موجود،
وهو أن المسجد فيه معنى مناسب، وهو محل العبادة، فلا يمنع من التعبد، فلا
يكون ذلك من مفهوم اللقب .
قلت: ولهذا ينفصل الجواب عن استدلالهم بالحديثين السابقين، فإن في
اختصاص إزالة النجاسة بالماء والتيمم بالتراب معنى لا يوجد في غيرهما. وقال
الأبْياري: ظن قوم أن المنفي مأخوذ من المفهوم وهو غلط. فإذا قال لوكيله : بع
١٩٥ / ١ غانما، لا يتمكن من بيع سالم، لا لأجل النص على بيع غانم /، ولكنه لا يبيع إلا
بإذن، والحجر سابق، والإذن قاصر، فيبقى الحجر على ما كان عليه في غير محل
الإذن .
قلت: قال الأصحاب: لو قال لوكيله: بع هذا من زيد، تعين عليه بيعه منه.
فلا يبيعه من غيره، لأنه قد يكون للموكل غرض في تخصيصه، لكون مَالِه أقرب
إلى الحل ونحوه. ففيه رائحة التعليل، فلهذا قلنا به. ولهذا قال الماوردي: لومات
ذلك الشخص المعين بطلت الوكالة، بخلاف ما لو امتنع من الشراء فإنه يجوز أن
يرغب بعد ذلك. ولو أوصى بأن تباع العين الفلانية من زيد، فإن كانت محاباة
صح، وتعينت لأنه قربة، وإن لم تكن محاباة، فوجهان: أصحهما المنع، لأنه لا
قربة حينئذ .
ولو قالت المرأة للأولياء غير المجبرين: رضيت بأن أزوج من فلان، فالصحيح
أنه يكتفى به، ولكل منهم تزويجها منه، فلو عينت بعد ذلك واحدا، فهل ينعزل
الآخرون؟ وجهان، الصحيح عدم الانعزال. قال الرافعي: وبناه بعضهم على أن
المفهوم هل هو حجة أم لا؟ ولو قال اليهودي : عيسى رسول الله حكم بإسلامه،
٢٨

ذكره الرافعي في كتاب الردة. قال: لأن المسلم لو جحد نبوته كفر. وحكاه الإمام
في كتاب الكفارات عن المحققين. قال الرافعي ثَمَّ : والمشهور عند الجمهور
خلافه، وفي هذا نفي القول بمفهوم اللقب .
الثالث: قال ابن الحاج في تعليقه على ((المستصفى)): ينبغي تحقق المراد
باللقب. وليس المراد به المرتجل فقط، بل المرتجل والمنقول من الصفات. وقد جعل
الغزالي منه: لا تبيعوا الطعام بالطعام، لأن الطعام لقب لجنسه، وإن كان مشتقا
مما يطعم إذ لا يدرك فرق بين قوله: في الغنم زكاة، وفي الماشية زكاة، وإن كانت
((الماشية» مشتقة. اهـ .
وما ذكره الغزالي من إلحاق الاسم المشتق الدال على الجنس باللقب تبعه عليه
الآمدي، لأن الصفة فيه ليس مخيلة، إذ الطعام لا يناسب حكم الربا. لكن قال
القاضي أبو الطيب: يلحق بالصفة الصريحة وجها واحدا، لأن المشتق يتضمن
صفة. وجزم به سلیم في ((التقریب))، وجعل الآمدي اسم الجنس والعلم من باب
مفهوم اللقب. قال: لتخصيص الربويات الستة بتحريم التفاضل، وقولِنا: زيد
عالم. وقال القَرَافي: قال التّبْرِيزي: اللقب كالأعلام، وألحق بها أسماء الأجناس.
قال: وغيره أطلق في الجميع، كأنه يشير للآمدي .
قال ابن السَّمْعاني: وأما تعليق الحكم بالاسم فضربان: أحدهما: اسم مشتق
من معنى كالمسلم والكافر والزاني والقاتل، فحكمه حكم الصفة في قول جمهور
أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: ينظر في الاسم المشتق. فإن كان لمعنى اشتقاقه
تأثير في الحكم استعمل دليل خطابه، وإن لم يكن له تأثير في الحكم لم يستعمل
دليل خطابه. فإن ما لا يؤثر في الحكم لا يكون علة في الحكم. والثاني: اسم لقب
غير مشتق من معنى كالرجل والمرأة ونحوه، فمذهب الشافعي أنه غير حجة .
وخالف فيه الدَّقَّق، قال: ويلتحق باللقب تعليق الحكم بالأعيان كقوله: في
هذا المال الزكاة ، وعلى هذا الرجل الحج ، فدليل خطابه غير مستعمل، ولا يدل
وجوب الزكاة في ذلك المال على تركها في غيره، وهذا عندنا كتعليق الحكم
بالاسم. اهـ .
٢٩

النوع الثاني
مفهوم الصفَة
وهو تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف، نحو في سائمة الغنم زكاة،
وكتعليق نفقة البينونة على الحمل، وشرط ثمرة النخل للبائع إذا كانت مؤبرة؛
فيدلّ على أن لا زكاة في المعلوفة، ولا نفقة للحائل، ولا ثمرة لبائع النخلة غير
المؤبرة .
والمراد بالصفة عند الأصوليين : تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر مختص
ليس بشرط ولا غاية، ولا يريدون بها النعت فقط كالنحاة. ويشهد لذلك تمثيلهم
بمطل الغني ظلم، مع أن التقييد به إنما هو بالإضافة فقط وقد جعلوه صفة .
إذا علمت ذلك فقد ذهب الشافعي ومعظم الفقهاء وأصحاب مالك وأهل
الظاهر إلى أنه يدل على نفيه عما عداه. وحكاه سليم الرازي عن اختيار المُزُني
والاصطخرى وأبي إسحاق الَّرْوَزي وابن خَيْرَان. قال: وإليه ذهب مالك وأحمد
وداود وأبو ثور .
قلت: وأبو بكر الصيرفي، ونقله في كتابه عن نص الشافعي، فقال: قال
الشافعي: ومعقول في لسان العرب أن الشيء إذا كان له وصفان، فوصِفَ أحدُهُما
بصفة أن ما لم يكن فيه تلك الصفة بخلافه. اهـ .
وكذا حكاه أبو الحسين بن القَطَّان، وقال إنه نص عليه في كتاب الزكاة، ثم
حكى في القول به بمجرده وجهين لأصحابنا. قال القاضي: ويدل عليه كلام
شيخنا أبي الحسن، لأنه قال في إثبات خبر الواحد: قال تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق
بنبأ فتبينوا﴾ [سورة الحجرات /٦] مفهوم ذلك يدل على أن غير الفاسق لا نتبينه،
وتمسك أيضا في إثبات الرؤية ب﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [سورة
٣٠

المطففين / ١٥]. قال: مفهومه يقتضي إثبات الرؤية لأهل الجنان، وهذا نص عليه
الشافعي أيضا في ((أحكام القرآن)).
وقال عبد الوهاب في ((الملخص)): قال جمهور أصحابنا بمفهوم الصفة ، ونص
عليه أبو الفرج في ((اللمع))، وهو ظاهر قول مالك. اهـ . وبهذا يُرَدُّ نقل صاحب
((المعالم)) عن مالك موافقة أبي حنيفة. قال ابن التِلِمْساني: ولعلهما ينقلان عنه
بالتخريج في مسائل. وفي صحيح البخاري في كتاب الجنائز عن ابن مسعود قال:
قال رسول الله وَّر: (من مات يشرك بالله دخل النار) وقلت أنا : من مات لا
يشرك بالله شيئا دخل الجنة . اهـ. وهذا مصير منه إلى القول بالمفهوم .
وذهب أبو حنيفة وأصحابه وطوائف من أصحابنا والمالكية إلى نفيه. قال
الأستاذ أبو منصور: وقد رآه الحنفية أقوى الأدلة، ومنعهم من الزيادة على
النص. اهـ. وهو اختيار القاضي، وبه قال ابن سُرَيْج والقَفّال، زاد صاحب
((المصادر)): وأبو بكر الفارسي. قال: وأضاف ذلك ابن سُرَيْج إلى الشافعي،
وتأول كلامه المقتضي بخلاف ذلك .
وقال الأستاذ أبو إسحاق: باح القَفَّال بمخالفة الشافعي في مفهوم الصفة. وأما
ابن سُرَيْج فتلطف، وقال: إنما قال الشافعي بالمفهوم بدليل يزيد على نفس
اللفظ، لا من نفس اللفظ. اهـ. واختاره الغزالي، والآمدي وصاحب
((المحصول)) فيه. واختار في ((المعالم)) خلافه. وممن صار إليه من أهل اللغة
الأخفش، وابن فارس في كتاب ((فقه العربية))، وابن جِني .
وذهب الماوَرْدي من أصحابنا إلى التفصيل بين أن يقع ذلك جواب سؤال فلا
يكون حجة، وبين أن يقع ذلك ابتداء ، فيكون حجة ، لأنه لابد لتخصيصه
بالذكر من موجب، فلما خرج / عن الجواب ثبت وروده للبيان. قال: وهذا هو ١٩٥ / ب
الظاهر من مذهب الشافعي، وقول جمهور أصحابنا، ولا يحسن أن يجعل هذا
مذهبا آخر، لأن من شرط القول بالمفهوم من أصله أن لا يظهر للتخصيص بالذكر
فائدة غير نفي الحكم .
وذهب أبو عبد الله البصري فيما حكاه صاحب ((المعتمد)) إلى أنه حجة في ثلاث
٣١
٠

صور: أن يرد مورد البيان، كقوله: (في سائمة الغنم)، أو مورد التعليم، نحو خبر
التحالف والسلعة قائمة، أو يكون ما عدا الصفة داخلا تحت الصفة، نحو الحكم
بالشاهدين يدل على نفيه عن الشاهد الواحد، لأنه داخل تحت الشاهدين، ولا
يدل على نفي الحكم فيما سوى ذلك .
وفَصَّل إمام الحرمين بين الوصف المناسب وغيره، فقال بمفهوم الأول دون
الثاني. وعليه يحمل ما نقله الرازي عنه من المنع وابن الحاجب من الجواز، وإلا
فهما نقلان متنافيان. نعم، صرح في باب الربا من ((الأساليب)) بعدم الاشتراط،
فقال: إذا عللنا بالشيء المحتمل، فلا تشترط الإحالة في المفهوم، بل نقول: إذا
خصص موصوف بذكر أينفي الحكم عما عداه، وإن لم يُفدْ إحالة في الصفة ؟
قال الإمام: ومن سر مذهبنا أنه لا يشترط في الوصف المناسب ما يشترط في
العلل من السلامة عن القوادح ، وصلاحيته استقلالا لإثبات الحكم في المنطوق
به، لأنه لا يسند إلى المعنى، وإنما يسند إلى اللفظ، والمناسبة عنده معتبرة لترجيح
قصد اختصاص الحكم بالمنطوق به، وقطع الإلحاق.
وخالف إمام الحرمين الشافعي في زيادة هذا الشرط، وقال: لأن كل صفة لا
يفهم منها مناسبة الحكم فالموصوف بها كاللقب. قلت: وخرج من هذا أنا إذا
أثبتناه فهل هو من جهة العلة، أو من جهة اللفظ؟ قولان. والأول ظاهر مذهب
إمام الحرمين. وهذا شرط الوصف المناسب، وعلى هذا محل القول به إذا كانت
الصفة في المحكوم عليه، والحكم تعليل بها فلا يثبت عند انتفائها. وهذا التفصيل
هو قضية اختيار القاضي عبد الوهاب كما ذكره المازَري .
وقد رَدَّ ابن السَّمْعاني هذا التفصيل على الإمام فإنه خلاف مذهب الشافعي،
وبأن العلة ليس من شرطها الانعكاس. اهـ . والإمام قد أورد هذا على نفسه،
وأجاب بأن قضية اللسان هي الدالة عند إحالة الوصف على ما عداه بخلافه وزعم
أن هذا وضع اللسان ومقتضاه، والحالة هذه. وما ذكره من مقتضيات اللسان
بخلاف العلل المستنبطة. وإذا قلنا: حجة، فهل دل عليه اللغة أم استفدناه من
جهة الشرع؟ على وجهين حكاهما الرُّؤْياني في ((البحر)).
٣٢

وقد سبق أن ابن السَّمْعاني حكاهما في صيغ مفاهيم المخالفة. واختار الإمام في
((المغالم)) أنه يدل بالعرف لا باللغة، لأن أهل العرف يقصدونه، وإلا لم يكن
للتخصيص فائدة. وأما انتفاؤه بحسب الوضع، فلأن مقتضاه ثبوت الحكم في
تلك الصورة المقيدة بالصفة. وهو غير مستلزم للانتفاء في الصورة الأخرى وإلا لما
كانت القضية الكلية ممكنة، وهو المطلوب .
ثم إن الصفة على قسمين: تارة يقتصر على ذكر الصفة من غير ذكر الموصوف
كقوله: في السائمة الزكاة، وتارة تذكر الصفة والموصوف معا كقوله: في سائمة
الغنم، فدلالة هذا على الاختصاص أقوى من الترتب على مجرد الصفة، إذ لولا
اختصاص الحكم بحالة السوم لوقع ذكر السوم لغوا لا فائدة فيه .
وقال بعضهم: صورة مفهوم الصفة أن تذكر ذات، ثم تذكر صفتها، كالغنم
السائمة، والرجل القائم. أما إذا ذكر الاسم المشتق كالقائم فقط، أو السائمة
فقط، فهل هو كالصفة ، أو لا مفهوم له لأن الصفة إنما جعل لها مفهوم لأنه لا
فائدة لها إلا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يحتمل، وإما المشتق فكاللقب يختل
الكلام بدونه؟ اختلف أصحابنا في ذلك كما حكاه الشيخ أبو حامد وابن السَّمْعاني
وغيرهما، وعبارة ابن السَّمْعاني: الاسم المشتق كالمسلم والكافر والقاتل يجري
مجرى تعليقه بالصفة في استعمال دليله في قول جمهور أصحاب الشافعي. وقال
بعضهم: ينظر في الاسم المشتق، فإن صلح للغلبة استعمل، وإلا فلا. اهـ.
وجعل أبو الحسن السهيلي من أصحابنا في كتاب ((أدب الجدل)) له محل الخلاف
في الاقتصار على الصفة دون الاسم، فإن ذكرا جميعا كقوله: (في سائمة الغنم
زكاة) فظاهره أنه حجة قطعا يستدل به على نفي الزكاة في المعلوفة، لكن اختلفوا
هل يستدل به على نفي الزكاة عن سائمة غير الغنم؟ على وجهين: أحدهما المنع،
وإلا لكان استدلالا بالألقاب. وأصحهما الجواز، لأنه علق الحكم بشرطين: كونها
غنما، وكونها سائمة. والحكم المعلق بشرطين يسقط بسقوط أحدهما. اهـ . وقد
سبق الوجهان.
-
٣٣

قال: فإن علق الحكم بنوع من جنس كقوله: حرمت عليكم لحم الخنزير،
فهل يدل على أن شحم الخنزير وجلده وشعره غير محرم؟ وهل يدل على أن لحم
الشاة والبقرة وغيره حلال أم لا؟ على وجهين كما ذكرنا. اهـ .
وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني، وسليم الرازي: هذا إذا كانت الصفة
مقصودة، فإن كانت غير مقصودة لذلك الحكم، كقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم
إن طلقتم النساء﴾ [سورة البقرة / ٢٣٦] إلى قوله: ﴿ومتعوهن﴾ [سورة البقرة / ٢٣٦]
لم يكن له دليل في أصح القولين، لأن الصفة لم تذكر لتعليق الحكم بها، وإنما قصد
بيان رفع الحرج عمن طلق قبل المسيس والفرض، هذا الحكم وهو إيجاب
المتعة على وجه التبع، فصار كأنه مذكور ابتداء غير معلق على الصفة. اهـ .
وقال الشيخ أبو حامد: القياس تخصيص المتعة لها، لأن الصفة ◌ُلِّق بها
حكمان، فاقتضى انتفاء الحكمين معا بانتفائها. وقال الأبْياري: موضع هذا
الخلاف في الأوصاف التي تطرأ وتزول، كقوله: (الثيب أحق بنفسها) (والسائمة
فيها الزكاة). وأما التخصيص بالصفات التي لا تطرأ، ولا تزول، كأسماء
الأجناس نحو: (لا تبيعوا الطعام بالطعام) ففيه خلاف .
وجزم العَبْدَري وابن الحاج باشتراط هذا، وزادا شرطا آخر، وهو أن يكون
نقيض الصفة يخطر بالبال. قال الأبْياري: فأما إذا ذكر الاسم العام ثم ذكر الصفة
الخاصة في معرض الاستدراك كقوله: (من باع ثمرة غير مؤبرة، فثمرتها للبائع)
وكقوله: من يلوم العلماء الصالحين؟ فقد يقال: لو كان الحكم يعمها لما أنشأ بعد
ذلك استدراكا. وهذا ضعيف. نعم، التخصيص يُفهم أن هذا هو المنطوق به .
أما أنه ينفي الحكم فيما عداه فلا. اهـ . وقد سبق في كلام السهيلي هذه الصورة.
تنبيهات
الأول : خرج لنا من هذا أن الصور ثلاث : الاقتصار على الصفة، والجمع
١٩٦ / أ بينها وبين الاسم، ثم الصفة فيهما إما أن تتبدل أو لا. وبقيت صورة / أخرى،
وهي أن تقدم الصفة نحو في سائمة الغنم، وهذا يستدعى تجديد عهد بما سبق أن
٣٤

المراد بالصفة التقييد. وظاهر كلام البَيْضاوي أنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر.
والغنم موصوف والسائمة صفة في الموضعين.
قيل: والظاهر تغايرهما، وأنهما مشتركان في أن لكل منهما مفهوم صفة، لكن
المفهوم فيهما متغاير، فالمقيد في قولنا: في الغنم السائمة ، إنما هو الغنم. وفي
قولنا: في سائمة الغنم إنما هو السائمة، فمفهوم الأول عدم وجوب الزكاة في الغنم
المعلوفة، إذ لولا التقييد بالسوم لشملها لفظ الغنم. ومفهوم الثاني عدم وجوب
الزكاة في سائمة غير الغنم كالبقر مثلا، إذ لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم
لشملها لفظ السائمة. وأما عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة بالنسبة إلى هذا
التركيب الثاني فمن باب مفهوم اللقب، وفي هذه الدعوى نظر.
الثاني: هذا إذا تجردت الصفة عن دليل آخر، فلو اقترن بالحكم المعلق بالصفة
حكم مطلق. قال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): فقد اختلف قول الشافعي في دليل
المقيد بالصفة، هل يصير مستعملا في المطلق؟ على قولين. ومثاله قوله تعالى: ﴿إذا
نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة
تعتدونها﴾ [سورة الأحزاب / ٤٩] قضيته أن لا عدة على غير المدخول بها، ودليله
وجوبها على المدخول بها، ثم قال: ﴿ومتعوهن﴾ [سورة الأحزاب / ٤٩] فهل يكون
إطلاق المتعة معطوفا على العدة في اشتراط الدخول بها؟ على قولين: أحدهما: أنه
تصير المتعة بالعطف على العدة مشروطة بعدم الدخول. والثاني: أن قوله:
و((متعوهن)) لا يقيد بما تقدم .
الثالث: قال بعض مشايخنا: ما أطلقه الأصحاب، عن أبي حنيفة من إنكار
مفهوم الصفة ليس على إطلاقه. والصواب أنه هنا أمران: أحدهما: أن یَرِدَ دلیل
العموم، ثم يَرِدَ إخراج فرد منه بالوصف، فهو محل الخلاف كقيام الدليل على
وجوب زكاة الغنم مطلقا، ثم ورد الدليل بتقييدها بالسائمة، فيقول أبو حنيفة لا
تقتضي نفي الحكم عما عداها لقيام دليل العموم فيستصحبه، ولا يجعل للتقييد
بالوصف أثرا معه. والثاني: أن يرد الوصف مبتدأ كما يقول: أكرم بني تميم
الطوال، فأبو حنيفة يوافق على أن غير الطوال لا يجب إكرامهم، فليتفطن لذلك .
٣٥

الرابع: أصل وضع الصفة أن تجيء للتخصيص في النكرات، وللتوضيح في
المعارف، نحو مررت برجل عاقل وزيد العالم. وقد تجيء لمجرد الثناء، كصفات
الله تعالى، أو لمجرد الذم، نحو الشيطان الرجيم، أو للتوكيد نحو نفخة واحدة،
وهذه الأقسام لا مفهوم لها. وقد تترد بين التخصيص والتوضيح كما سبق ذكره في
أوائل المطلق والمقيد فليراجع.
النوع الثالث
مفهوم العلة
وهو تعليق الحكم بالعلة، مثل حرمت الخمر لشدتها، والسكر حلاوته، يدل
على أن غير الشديد والحلو لا يحرم. والفرق بين هذا والذي قبله أن الصفة قد
تكون علة كالإسكار، وقد لا تكون، بل تتمة للعلة كالسَّوم. فإن العين هي
العلة، والسَّوم متمم. قال القاضي والغزالي: والخلاف فيه وفي مفهوم الصفة
واحد، وصمما على إنكاره لا سيما إذا جوزنا تعليل الحكم بعلتين، فيثبت الحكم
عند ثبوتها، ولا ينتفي عند انتفائها على ما يقتضيه الأصل. وفائدة ذكر العلة معرفة
العلة فقط .
تنبيه
أما فهم العلة من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب كقوله تعالى: ﴿والسارق
والسارقة فاقطعوا﴾ [سورة المائدة / ٣٨] ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [سورة النور / ٢]
فإنه كما فهم وجوب القطع والجلد من المنطوق به، فهم كون السرقة والزنى علة
الحكم. وهو وإن كان غير منطوق به لكن سبق إلى الفهم من فحوى الكلام، فلم
يجعله الغزالي من المفهوم، وألحقه بدلالة الإشارة. وجعله ابن الحاجب من أقسام
المنطوق غير الصريح.
٣٦

النوع الرابع
مَفهوم الشَرْط
اعلم أن الشرط في اصطلاح المتكلمين: ما يتوقف عليه الشيء ولا يكون داخلا
في الشيء ولا مؤثرا فيه. وفي اصطلاح النحاة: ما دخل عليه أحد الحرفين ((إن
وإذا)) أو ما يقوم مقامهما من الأسباء والظروف الدالة على سببية الأول ومسببية
الثاني. وهو المراد هنا أعني اللغوي لا الشرعي والعقلي نحو ﴿وإن كن أولات
حمل﴾ [سورة الطلاق / ٦] فيتعلق الحكم بوجوده إجماعا، وينتفي بعدمه عند القائلين
بالمفهوم. قالوا: وهو أقوى المفاهيم .
وأما المنكرون له فاختلفوا، فذهب ابن سُرَيْج وابن الصباغ والكّرْخِي
وأبو الحسين البصري إلى لزوم القول [به]، ونقله إمام الحرمين عن أكثر العلماء،
ونقله ابن القُشَيْري عن معظم أهل العراق، ونقله أبو الحسن السهيلي في ((أدب
الجدل)) عن أكثر الحنفية، وذهب أكثر المعتزلة - كما نقله في ((المحصول)) - إلى المنع،
وقالوا: لا ينتفي بعدمه، بل هو باق على ما كان عليه قبل التعليق، ورجحه
المحققون من الحنفية، ونقل عن أبي حنيفة، ونقله ابن التِلِمْساني عن مالك، وهو
اختيار القاضي والغزالي والآمدي .
وقد احتج القاضي حسين في باب الأصول والثمار من تعليقه على الحنفية
بحديث يعلى بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب: لماذا نقصر، وقد أمِنًا. وقال
تعالى: ﴿إن خفتم﴾؟ [سورة النساء / ١٠١] فقال له عمر: تعجبت مما تعجبت منه،
فسألت النبي ◌َّر عن ذلك، فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا
صدقته). قال: وهما من صميم العرب، وأرباب اللسان، وعَرَفًا من الآية أن
المفهوم يعني الشرطي حجة. وإنما تركاه لقول النبي بَلَّ. اهـ.
وقد بالغ إمام الحرمين في الرد على المنكرين لهذا المفهوم، وقال: من الصزر التي
٣٧

يجب الاعتناء بها الشرط والجزاء، فإن سَلَّم الخصم اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء
به تعدينا هذه المرتبة، وإن استقر على النزاع اكتفينا بنسبته إلى الجهالة باللسان أو
المراغمة والعناد، فنحن نعلم من مذهب العرب قاطبة أنها وضعت باب الشرط
لتخصیص الجزاء به. فإذا قال القائل: منْ أکرمني أکرمته، فقد أُشعر باختصاص
إكرامه بمن یکرمه. ومن جوّز أن یکون وضع هذا الكلام علی أن یکرم مکرمه،
ويكرم غيره أيضا، فقد آل الكلام معه إلى التسفيه والتجهيل والإحالة على تعلم
مذهب العرب .
قيل: وفيه نظر: لأن النزاع في هذه المسألة راجع إلى أن مثل قول القائل: من
أكرمني أكرمته كما أنه يدل على إثبات إكرام مُكرمه بطريق المنطوق، هل يدل على
نفي إكرام غير مُكرمه بطريق المفهوم أم لا؟
ولا خلاف في أن هذا الكلام لم يوضع لأن یکرم مکرمه ویکرم غير مكرمه، فإنه
لا دلالة له على إثبات إكرام غير مُكرِمِه بالاتفاق، لا بالمنطوق ولا بالمفهوم، ولم
يصر إليه أحد من منكري المفهوم. وإنما قالوا: إنه لم يلزم إلّ إكرام مكرمه خاصة،
وأما غير مُكرمه فلا مدخل له في هذا الوعد. ولا دلالة لمثل هذا الكلام على إكرامه
١٩٦ / ب بنفي / ولا إثبات، بل هو مسكوت عنه، وهذا غير محال ولا مناف لاختصاص
الجزاء بالشرط .
تنیهات
الأول : سبق في التخصيص في الكلام على الشرط خلاف في أن مجموع الشرط
والجزاء كلام واحد، والحكم هو الجزاء، والشرط قيد بمنزلة الحال. وهو أصل
الخلاف هنا. فعلى الثاني يجعل التعليق إيجاداً للحكم على تقدير وجود الشرط،
وإعداما له على تقدير عدمه. فصار كل من الثبوت والانتفاء حكما شرعيا ثابتا
باللفظ منطوقا ومفهوما. وعلى الأول يجعل موجبا للحكم على تقدير وجود الشرط
ساكتا عن النفي والإثبات على تقدير عدمه، فصار انتفاء الحكم عدما أصليا مبنيا
على دليل عدم الثبوت لا حكما شرعيا مستفادا من النظم.
٣٨

قال في البديع: ونص فخر الإسلام الخلاف على حرف آخر، وهو أن الشرط
م
عندنا مانع من انعقاد السبب، وعند الشافعي من الحكم، فالتعليق سبب عندنا
عند وجود الشرط بعدم الحكم فيضاف إلى عدم سببه، وعنده إلى انتفاء شرطه مع
وجود سببه. وفَرَّع على هذا أن التعليق بالملك قبله في العتق والطلاق صحيح
عندنا خلافا للشافعي، وكذا تعجيل النذر المعلق وكفارة اليمين ممتنع، وطّوْل
الحرة غير مانع من نكاح الأمة خلافا للشافعي.
الثاني: أن هذا المنزع يدل على انتفاء الحكم قبل وجود الشرط، وهو معنى
قولهم: المعلق بالشرط عَدَمٌ قبل وجود الشرط، وإلا لكان التعليق بالشرط نسخا،
ولخلا من الفائدة. وكان بعض العلماء يستدل على أن المعلق بالشرط عدم قبل
وجود الشرط، فيقول: لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، لا تطلق قبل
دخول الدار. فلولا أن الشرط ينتفي ثبوت الحكم قبله لوجب الوقوع عملا
بالمقتضي، وهو قوله: أنت طالق .
الثالث: أن المراد بالشرط هو اللغوي كما سبق، وهو مغاير للشرعي والعقلي،
فإن كل واحد منهما ينتفي المسمى بانتفائه ولا يوجد بوجوده، وأما اللغوي فلا يبقى
أثره إلا في وجود المعلق بوجود ما علق عليه لا غير. وأما عدمه فإما لعدم
مقتضيه، أو لأن الأصل بقاء ما كان قبل التعليق لا من جهة المفهوم كما سبق.
فالخلاف حينئذ إنما نشأ من إطلاق اسم الشرط. ومن قال: المعلق بكلمة ((إن))
صريح، فدل بمنطوقه على وجود ما علق عليه عند وجوده ليس إلا، وأما العدم
عند العدم فلا يدل عليه ألبتة، بل ذلك من باب المفهوم .
والحاصل: أنه لا خلاف في انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، ولكن هل الدال
على الانتفاء صيغة الشرط أو البقاء على الأصل؟ فمن جعله حجة، قال بالأول.
ومن أنكره قال بالثاني .
وههنا أمور أربعة: أحدها : ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط. وثانيها: عدم
الجزاء عند عدم الشرط. وثالثها: دلالة النطق على الأول . ورابعها: دلالته على
الثاني. فأما الدلالة الأولى فمتفق عليها. والرابع هو المختلف فيه بعد الاتفاق على
٣٩

أن عدم الجزاء ثابت عند عدم الشرط. لكن عند القائلين بالمفهوم ثبوته لدلالة
التعليق عليه، وعند النفاة ثابت بمقتضى البراءة الأصلية، فالحكم متفق عليه،
والخلاف في علته، فالخلاف إنما هو في دلالة حرف الشرط على العدم عند العدم،
لا على أصل العدم عند العدم. فإن ذلك ثابت بالأصل قبل أن ينطق الناطق
بكلام. وهكذا الكلام في سائر المفاهيم.
قال أبو زيد الدبوسي وهو من المنكرين له: انتفاء المعلق حال عدم الشرط، لا
يفهم من المتعلق، بل يبقى على ما كان قبل ورود النص. قال: وحاصل الخلاف
يرجع إلى أن الشرط هل يمنع من انعقاد علة الحكم؟ فعندنا يمنع، وعندهم لا .
فإذا لم يكن الشرط عندهم مما يمنع انعقاد العلة، كانت العلة موجودة، وكانت
موجبة للحكم، والشرط يمنع وجود الحكم، وعندنا لما كان الشرط يمنع انعقاد
العلة، لم تكن العلة موجودة حتى توجب الحكم فلم يتصور استناد منع الحكم إلى
الشرط .
فائدة
الغزالي من المنكرين لمفهوم الشرط، ورأى موافقته للشافعي في عدم النفقة لغير
الحامل، مع أن الشافعي عمدته فيه مفهوم قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل
فأنفقوا عليهن﴾ [سورة الطلاق / ٦]. قال: إن عدم النفقة ليس من ناحية المفهوم؛
بل من حيث إن انقطاع ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما استثني. والحامل
هي المستثنى، فنفي غير الحامل على أصل المنع، فانتفت نفقتها لا بالشرط، لكن
بانتفاء النكاح الذي كان عِلَّة النفقة. وهذا نظير امتناع نكاح الأمة عند القدرة على
نكاح الحرة عند الشافعي، حكم شرعي من المفهوم، ولهذا جعله تخصيصا لقوله
تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [سورة النساء / ٢٤] وعند الحنفية عدم أصلي لا
حكم شرعي، فلا يصلح تخصيصا، لأن المخصص يجب أن يكون حكما شرعيا،
لا عدما أصليا، فهما وإن اتفقا على الحكم لكن اختلفا في الأخذ. وفيما قالوه نظر،
لأنه إذا لم يكن مخصصا ولا ناسخا يبقى الجواز بالنص، وهو قوله: ﴿وأحل لكم ما
٤٠