Indexed OCR Text

Pages 1-20

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
الدّجُ المعداء
في أصول الفقه
للزركشي
وهَو بدر الدين محمد بن بجَاد بن عدابه الشّائعِى (٧٤٥ - ٧٩٤هـ)
الجزء الرابع
قَام بتحَريْره
د. محمد سليمان الأشقر
وَرَاجَعَه
د.عبد السَّار أبو عدّة ود.محمد سليمان الأشقر

V
一つ
V
0
L
L
البَحـ

فى أصول الفقه

حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت
الطبعة الأولى
١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م
تشرفت بإعادة طبعه :
دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع - بالغردقة ج.م.ع
'=
الغردقة: شارع الكورنيش - تليفون: ٤٤٦٠٤٥/ ٤٤٧٥٧٠ - ت + فاكسميلى: ٤٤٧٣١٥
القاهرة: ٦ (أ) شارع ينبع متفرع من ش الأنصار - الدقى - ت + فاكسميلى : ٣٦١٤٧٥٧

المفهوم
اعلم أن الألفاظ ظروف حاملة للمعاني، والمعاني المستفادة منها تارة تستفاد من
جهة النطق والتصريح، وتارة من جهة التعريض والتلويح؛ والأول : ينقسم إلى
نص إن لم يحتمل، وظاهر إن احتمل. والثاني: هو المفهوم، وهو بيان حكم
المسكوت بدلالة لفظ المنطوق. وسمى مفهوما لا لأنه مُفْهِم غيره، إذ المنطوق أيضا
مفهوم؛ بل لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق، فلما فهم من غير تصريح بالتعبير
عنه سمی مفهوما.
قال العَبْدَرِي: والمفهوم ينقسم إلى النص والمجمل والظاهر والمؤول، كانقسام
المنطوق. قال ابن رشد في مختصره: فمثال النص: ﴿واسأل القرية﴾ [سورة
يوسف /٨٢]. فإنه يعلم قطعا أنه أراد أهل القرية. وكذا﴿حرمت عليكم
أمهاتكم﴾ [سورة النساء / ٢٣]. فإن المفهوم منه قطعا تحريم النكاح. ومثال
المحتمل: (لا صيام)، فإنه يحتمل نفى القبول أصلا، أو نفي الكمال. وقوله :
(من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فإنه متردد بين فضل الصلاة أو
حكمها أو وقتها . اهـ .
تنبيه
[هل المفهوم مستفاد من دلالة العقل أو من اللفظ؟]
وهل المفهوم مستفاد من دلالة العقل من جهة التخصيص بالذكر، أو مستفاد
من اللفظ؟ قولان، وبالثاني قطع الإمام في البرهان. ورده الكَرْخِي في (نُكَتِه)) بأن
٠

اللفظ لا يشعر بذاته، وإنما دلالته بالوضع، ولا شك أن العرب لم تضع اللفظ دالا
على شيء مسكوت عنه، فإن اللفظ إما أن يشعر بطريق الحقيقة أو المجاز، وليس
المفهوم واحدا منهما، وبني على هذا أنه لا يصح الاستدلال بكون أهل العربية
صاروا إلى المفهوم، فإنهم إنما أخذوه بطريق الاستدلال بالعقل، وقد يخطئون،
فيكون إذن نسبتهم كنسبة غيرهم من المخالفين .
تقسيم
وهو إما أن يلزم عن مفرد أو مركب، واللازم عن المفرد إما أن يتوقف الصدق
أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه أولا . والثاني: أن يقترن بحكم لو لم يكن
اقترانه به لتعلیله کان اللفظ به قصدا من الشارع فیبینه إيماءً کما سیأتي في باب
القياس .
والأول يسمى : دلالة الاقتضاء بأن يتوقف تحقق دلالة ذلك المفرد عليه، إما
لوجوب صدق المتكلم كقوله: (رفع عن أمتي الخطأ) أي حكم ذلك أو المؤاخذة،
لأن عين الخطأ والنسيان موجود. وإما لاستحالة المنطوق به عقلا، كقوله تعالى:
﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف /٨٢]. فإن العقل يحيل سؤال الجدران، فالتقدير:
أهل القرية؛ وإما للصحة الشرعية كقوله: اعتق عبدك عني، لاستدعائه تقدير
الملك، إذ العتق لا يحصل إلا في ملك .
وما ذكرناه من جعل الاقتضاء بأقسامه من فن المفهوم هو الذي صرح به الغزالي
في ((المستصفى))، وجرى عليه البيضاوي وغيره. وأما الآمدي وابن الحاجب
فجعلاه من فن المنطوق، وكذا الإيماء والإشارة، مع تفسيرهما المنطوق بدلالة اللفظ
في محل النطق، والمفهوم بدلالة اللفظ لا في محل النطق، وهذا بعيد من التوجيه،
مخالف لما ذكره أئمة الأصول فإنهم قالوا: سمي المفهوم مفهوما، لأنه فهم من غير
التصريح بالتعبير عنه، وهذا المعنى شامل للاقتضاء والإيماء والإشارة أيضا، فتكون
هذه الأقسام من قبيل المفهوم، لا المنطوق .
ويمكن أن يجعل واسطة بين المفهوم والمنطوق، ولهذا اعترف بها من أنكر
٦

المفهوم، وقد وقع البحث في كلام ابن الحاجب هنا بين الشيخين علاء الدين
القونوي وشمس الدين الأصفهاني، وكتبا فيها رسالتين، وانتصر الأصفهاني لابن
الحاجب بأن فسر المنطوق بما دل عليه اللفظ في محل النطق، فلزم منه جعل الثلاثة
منطوقا، لأنها من قبيل ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وإن لم يوضح اللفظ لها،
بخلاف المفهوم، فليراجع کلامهما .
وجعل ابن الحاجب دلالة الإشارة أن لا يقصد وهو في محل النطق، ومثّلها
الحنفية بقوله تعالى : ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآية [سورة الحشر /٨]. فإنه يدل على
أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء بطريق الإشارة إليه، أي بطريق
التبعية من غير قصد إلى بيانه، إذ الآية سيقت لبيان استحقاقهم سهما من الغنيمة،
لا لبيان أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء، لكن وقعت الإشارة إليه من
حيث إن الله سماهم فقراء ، مع إضافة الأموال إليهم. والفقير: اسم لعديم
المال، لا لمن لا تصل يده إليه مع كونه مالكاً له، فلو كانت أموالهم باقية على
ملكهم لكانت التسمية المذكورة مجازا، وهو خلاف الأصل .
وضُعِّف بأن التسمية، وإن دلت على ما ذكروه لكن إضافة الأموال إليهم تدل
على بقاء ملكهم ، إذ الأصل في الإضافة الملك، فليس حملهم الإضافة على
التجوز، وإجراء التسمية المذكورة على الحقيقة أولى من العكس .
مفهوم الموافقَة
والمعنى اللازم من اللفظ المركب، إمّا أن يكون موافقا لمدلول ذلك المركب في
الحكم أو مخالفا له، والأول مفهوم الموافقة، لأن المسكوت عنه موافق للملفوظ به،
ويسمى فحوى الخطاب، لأن فحوى الكلام ما يفهم منه على سبيل القطع، وهذا
كذلك؛ لأنه أولى بالحكم من المنطوق به أو مساوٍ له، ويسمى أيضا لحن الخطاب
لكن لحن الخطاب معناه. قال تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [سورة
محمد / ٣٠]. هكذا قال الأصوليون.
وحكى الماوَرْدي والرُّؤْياني في باب القضاء في الفرق بين الفحوى ولحن
الخطاب وجهين: أحدهما: أن الفحوى ما نبه عليه اللفظ، واللحن ما لاح في أثناء
٧

اللفظ. والثاني: الفحوى ما دل على ما هو أقوى منه، ولحن القول ما دل على
مثله . اهـ .
وذكر القَفَّال في ((فتاويه)) أن فحوى الخطاب: ما دل المُظْهَر على المُسْقَط ، ولحن
القول: ما يكون محالا على غير المراد في الأصل والوضع من الملفوظ، والمفهوم: ما
١٩١ / أ يكون المراد به المُظْهر والمُسْقَط كقوله: (في سائمة / الغنم الزكاة)، فالمراد به إثبات
الزكاة في السائمة وإسقاطها في غيرها. ومثّل فحوى الخطاب بقوله تعالى: ﴿فمن
كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [سورة البقرة / ١٨٤]. وقوله:
﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ [سورة الشعراء /٦٣]. أي فضرب فانفلق، لأن
الفحوى هو المعنى، وإنما يعرف المراد به بدلالة اللفظ المظهر على المضمر
المحذوف .
قال: وكان الشيخ أبو الحسن المقري يجوز الوقف على قوله تعالى: ﴿أن اضرب
بعصاك البحر﴾ [سورة الشعراء / ٦٣] ثم يبتدىء بقوله: ﴿فانفلق﴾ فقلت له: إن
ذلك لا يجوز، لأن قوله: ﴿أن اضرب﴾ وقوله: ﴿فانفلق﴾ بمجموعهما يدلان على
ذلك المسقط، فلم يجز الوقف عليه .
قال: وأما لحن القول فهو غير هذا، ويسمى به، لأن اللفظ يُذكر ويراد غيره،
لكن باللحن من القول تبين أن المراد به غيره، كما قال تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن
القول﴾ [سورة محمد / ٣٠] لأنه قال قبل ذلك: ﴿حتى إذا خرجوا من عندك قالوا
للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا﴾ [سورة محمد /١٦]. كان المراد أن ما قال عليه
السلام ليس بشيء، فهذا هو لحن القول، لأن قولهم: ماذا قال محمد آنفا؟ لم يكن
غرضهم من هذا اللفظ استكشاف القول، والفحص عن معناه. وهذا اللفظ يجوز
أن يراد به ذلك، لكن في لحن القول قد يراد به ما قدَّرناه، فهم كانوا يقولون
ذلك، وكان ذلك بينا في لحن قولهم، والله أعلم .
وهذا المفهوم تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق ، إما في الأكثر كدلالة تحريم
التأفيف من قوله: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [سورة الإسراء / ٢٣] على تحريم الضرب،
وسائر أنواع الأذى، فإن الضرب أكثر أذى من التأفيف، وكقوله ◌َّ في المسلمين:
٨

(يسعى بذمتهم أدناهم)، فإنه يفهم ثبوت الذمة لأعلاهم بطريق الأولى. وإما في
الأقل كقوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ [سورة آل
عمران /٧٥] مفهومه أن أمانته تحصل في الدرهم بطريق الأولى. وتارة يكون
مساويا، كدلالة جواز المباشرة من قوله: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله
لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] على جواز أن يصبح
الرجل صائما جنبا، لأنه لو لم يجز ذلك، لم يجز للصائم مَدُّهُ المباشرةَ إلى الطلوع؛
بل وجب قطعها مقدار ما يسع فيه الغسل قبل طلوع الفجر .
وينقسم إلى قطعي لأنه لا احتمال كآية التأفيف، وإلى ظني وهو ما فيه احتمال
مع الظهور، ومثّلوه بقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة﴾ [سورة
النساء / ٩٢] فإن هذا عند طائفة يشعر بأن القاتل عمدا عليه تحرير رقبة من طريق
أولى، لكن فيه احتمال من جهة قصر الكفارة على المخطىء، لكون ذنب المتعمد
أعظم من أن يكفّر، ولهذا اتفقوا على العمل به إذا كان جليا؛ وتنازعوا في المظنون
فيه، فلم يوجب مالك الكفارة في العمد لما ذكرناه. وإن شئت فقل إلى ضروري
ونظري . وحكى المازري عن بعض الأصوليين أن المفهوم إن تطرق إليه أدنى
احتمال، فإنه لا يستدل به، ويرون أن الاحتمال في هذا يسقط العمل به،
بخلاف اللفظي .
وما ذكرناه من أن مفهوم الموافقة تارة يكون أولى ، وتارة يكون مساويا، هو ما
ذكره الغزالي والإمام فخر الدين وأتباعه. ومنهم من شرط فيه الأولوية، وهو قضية
ما نقله إمام الحرمين في البرهان عن كلام الشافعي في ((الرسالة)) وهو قضية كلام
الشيخ أبي إسحاق، وعليه جرى ابن الحاجب في موضع، ونقله الهندي عن
الأكثرين. والصواب أن يقال: شرطه أن لا يكون المعنى في المسكوت عنه أقل
مناسبة للحكم من المعنى في المنطوق فيه، فيدخل فيه الأولى والمساوي وهو ظاهر
كلام الجمهور من أصحابنا وغيرهم.
قال الهندي: ويدل عليه تسمية الشافعي له بالقياس الجلي، فإنه لا يشترط في
القياس الجلي كون الحكم في المقيس أولى من المقيس عليه، فلا يحسن عند القائلين
٩

باشتراط الأولوية تسميته جليا بل هو عندهم أخص منه. ولو سمي به لكان من
تسمية الخاص بالعام، وعليه ينزلون تسمية الشافعي؛ لكن يسمي أكثرهم الأول
بفحوى الخطاب. والثاني بلحنه. واختلفوا في دلالة النص عليه: هل هي لفظية أو
قیاسیة؟ على قولین، حکاهما الشافعي في ((الأم)). وظاهر كلامه ترجيح أنه قیاس،
وهو الذي صدر به كلامه في ((الرسالة))، وأوضحه بالأمثلة .
ثم قال: وقد منع بعض أهل العلم أن يسمى بيانا، لأنه نقله من النص. ونقل
الرافعي في باب القضاء عن الأكثرين أنه قياس. وكذا الهندي في ((النهاية)). وقال
الصَّيْرفي: ذهبت طائفة جلة سيدّهم الشافعي، إلى أن هذا هو القياس الجلي،
وذلك أن المذكور هو المسمى باسمه، وهو التنبيه على العموم، وإذا كان به عُقِلَ
كان هو الأصل، وكان مما نبه عليه فرعه.
وقال الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع)): إنه الصحيح، وجرى عليه القفال
الشاشي فذكره في أنواع القياس. وقال سليم في ((التقريب)): الشافعي يومىء إلى
أنه قياس جلي، لا يجوز ورود الشرع بخلافه.
قال: وأنكر داود المفهوم. قال: وذهب المتكلمون بأسرهم: الأشعرية والمعتزلة
إلى أن المنع من التأفيف وسائر أنواع الأذى مستفاد من النطق. انتهى .
وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني: الصحيح من المذاهب أنه جار مجرى النطق
لا مجرى القياس، وسماه الحنفية دلالة النص. وقال آخرون: ليس بقياس ولا
يسمى دلالة النص، لكن دلالته لفظية، ثم اختلفوا، فقيل: إن المنع من التأفيف
مثلا منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى.
وقيل: إنه فهم بالسياق والقرائن، وعليه المحققون من أهل هذا القول
كالغزالي وابن القُشْيري والآمدي وابن الحاجب والدلالة عندهم مجازية من باب
إطلاق الأخص وإرادة الأعم .
قال المازري: والقائلون بهذا شرطوا كون المسكوت عنه أولى بالحكم من
المنطوق به. قال: والجمهور على أن دلالته من جهة اللغة لا من القياس وذهب
١٠

الشافعي إلى أنه من باب القياس، ورد عليه بأن سامع الخطاب يفهم منه النهي
عن الضرب، وإن لم ينظر في طرق القياس، ويؤمن بذلك، وإن لم يؤمن بالتعبد
بالقياس .
وقال عبد العزيز في ((كشف الأسرار)): ظن بعض الشافعية أن هذا قياس جلي،
وأصله التأفيف، وفرعه الضرب وعلّته دفع الأذى . وليس كما ظنوا، لأن الأصل
في القياس لا يجوز أن يكون ضربا من الفروع بالإجماع. وقد يكون في هذا أصلا
بما يجعلوه (١) فرعا، ولأنه كان ثابتا قبل شرع القياس، فعلم أنه من الدلالات
اللفظية، وليس بقياس، ولهذا احتج به نفاة القياس، ولأن المفهوم نظري، وهذا
ضروري .
قال: وفائدة الخلاف في هذه المسألة أنه هل يعمل عمل النص؟ وأنه هل يجرى
في الحدود والكفارات؟.
تنبيهات
الأول /: أن إمام الحرمين في ((البرهان)) في كتاب القياس أشار إلى أن الخلاف ١٩٢ / بـ
لفظي، وليس كذلك، بل من فوائده : أنه هل يجوز النسخ به؟ إن قلنا: لفظية،
جاز وإلا فلا، وسيأتي في النسخ. ومنها ما حكيناه عن صاحب ((الكشف)) أيضا،
وقال الغزالي في باب القیاس من ((المنخول)): قالوا: فائدة الخلاف فيه أنه إن كان
قياسا قدم عليه الخبر، وإلا فلا . وقال الأستاذ أبو إسحاق: هو قياس، ولكن لا
يقدم على الخبر، وهذا ما يعتقده في منع التقديم، والخلاف بعده يرجع إلى عبارة.
انتهى. قلت: سيأتي تقديمه على القياس عند التعارض، لأنه أقوى منه. نعم، لو
كان القياس علته منصوصة فالظاهر تقدم القياس عليه، لأنه بمنزلة النص .
وقال ابن التِلِمْسَاني: من قال: مستنده التنبيه بالأدنى على الأعلى، قال: لا فرق
بين أن تكون الفحوى قطعية أو ظنية، وإليه ميل الشافعي، فإنه قال في قوله
تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة﴾ [سورة النساء /٩٢]: إن تقييد القتل
بالخطأ في إيجاب الكفارة يدل على إيجابها في العمد أولى. وهذا ظاهر غير مقطوع
(١) الصواب : يجعلونه ..
١١

به. ومن قال: مستنده القرائن والسياق، وإليه ميل الحنفية لم يشترط في الفحوى
أن يكون مقطوعا به.
قال: وفائدة الخلاف أنه لو وجد في بعض الصور لفظ من الشارع يشعر
بنقيض الحكم في المسكوت عنه، إن قلنا: مأخوذ من قياس جلي امتنع القياس إلا
على رأي من يقدم القياس الجلي على الظاهر؛ وإن قلنا: يعتمد التنبيه أو القرائن
اللفظية تعارض اللفظان، ويبقى النظر في جهات الترجيح .
الثاني: القول بمفهوم الموافقة من حيث الجملة مجمع عليه كما قاله القاضي أبو
بكر وغيره، ووقع في ((البرهان)) وغيره ما يقتضي أن أبا حنيفة ينكره، وليس
كذلك، فقد صرح الإمام بعد كلام ذَكَرَهُ أن من أنكر المفهوم سلَّم الفحوى في
مثل قوله: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [سورة الإسراء / ٢٣]. قال: وأما منكرو صيغ العموم
فلا شك أنهم ينكرون المفهوم، وهو بالتوقيف أولى ، لكن نقل عن الأشعري ما
يقتضي القول به؛ فإنه تعلق في مسألة الرؤية بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم
يومئذ لمحجوبون﴾ [سورة المطففين /١٥]. وقال: إذا ذكر الحجاب في إذلال الأشقياء
أشعر ذلك بنقيضه في السعادة .
وأما الظاهرية، فقد قال المازري: نُقِل عنهم إنكار القول بمفهوم الخطاب على
الإطلاق، كما حكي عن قوم من الأصوليين أن المفهوم متى تطرق إليه أدنى احتمال
فإنه لا يستدل به، ويرون أن الاحتمال في هذا يسقط العمل به، بخلاف الظاهر
اللفظي .
وقال ابن رشد: لا ينبغي للظاهرية أن يخالفوا في مفهوم الموافقة، لأنه من باب
السمع، والذي يَرُدُّ ذلك يرد نوعا من الخطاب. قلت: قد خالف فيه ابن حزم.
قال ابن تيمية: وهو مكابرة .
الثالث : اختلفوا كما قاله المازَري في جواز الحكم بنقيض هذا المفهوم، مثل:
ولا تقل لهما أف واقتلهما. قال: ورأيت الأَذْري تردد فيه، فسلم أن قوله تعالى:
﴿ومن يعمل مثقال ذرة﴾ [سورة الزلزلة /٨]. لا يصح أن يقال لمن عمل قنطارا لم
يرده للتناقض.
١٢

وقال في موضع آخر من كتابه: إنما يستفاد المنع من قبلهما، لأجل تحديد النهي
عن التأفيف، وأشار إلى جواز مضامة هذين اللفظين بعضهما لبعض، وهذا
الخلاف يلتفت إلى أن دلالة هذا: هل هي نص أو ظاهر؟ فإن قلنا: نص لم يجز
وإلا جاز .
الرابع: قال بعض الحنابلة من فاسد هذا الضرب قول الشافعية: إذا جاز
السَّلَم في المؤجل ففي الحال أجوز، ومن الغرر أبعد، فإنه لابد من اشتراكهما في
المقتضي، وليس المقتضي لصحة السلم المؤجل بُعْده عن الغرر، فيلتحق به الحال،
والغرر مانع، احتمل في المؤجل، والحكم لا يصح لعدم مانعه، بل لوجود
مقتضيه، ثم لو كان بُعْدُه عن الغرر علة الصحة مما وجدت في الفرع، فكيف
يصح الإلحاق؟
والثانى
مفهوم المخالفَة
وهو إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت ويسمى دليل الخطاب، لأن دليله
من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه. قال في ((المنخول)) وقد بدَّل ابن
فُورَك لفظ المفهوم بدليل الخطاب في هذا القسم، لمخالفته منظوم اللفظ .
قال القَرَافي في قواعده: وهل المخالفة بين المنطوق والمسكوت بضدّ الحكم
المنطوق به أو بنقيضه؟ الحق الثاني. ومن تأمل المفهومات وجدها كذلك. قال:
ويظهر التفاوت بينهما في استدلال بعض أصحابنا على وجوب صلاة الجنازة بقوله
في حق المنافقين: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ [سورة التوبة / ٨٤] إذ
مفهومه يقتضي وجوب الصلاة على المؤمنين، وليس كما قال؛ بل مفهومه عدم
تحريم الصلاة على المؤمنين، وعدم التحريم صادق مع الوجوب والندب والكراهة
والإباحة فلا يلزم الوجوب، لأن الأعم من الشيء لا يستلزمه، فالنقيض أعم
من الضد .
وأقسامه عشرة : اقتصر الأصوليون منها على ذكر أربعة أو خمسة، قال
١٣

المازري: وحصرها الشافعي في خمس، فذكر الحد والعدد والصفة والمكان
والزمان. وأشار إمام الحرمين إلى شمول التعبير عنها بالصفة، وهو صحيح، لأن
الصفة مقدَّرة في ظرف الزمان والمكان، ككائن، ومستقر ، وواقع، من قولك:
زيد في الدار، والغسل يوم الجمعة، والجميع عندنا حجة إلا اللقب. وأنكر
أبو حنيفة الجميع.
وحكاه الشيخ في ((شرح اللمع)) عن القَفَّل الشاشي، وأبي حامد المَرْوَزي،
وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني في ((شرح الترتيب)): قد تكلم أصحابنا في هذا
الباب، وخلطوا فيه، وآخرهم أبو بكر القَفّال؛ وأول من تكلم فيه أبو العباس بن
سُرَيْج، وذكر أنه نظر في كتاب ((الرسالة)) وغيرها من كتب الشافعي، فلم ينكشف
له ما قاله الشافعي كل الانكشاف، فحسبها أجوبة مختلفة لاختلاف صورها،
فقال: إنما قال الشافعي بدليل الخطاب بدليل يزيد على نفس اللفظ، لا بنفس
اللفظ ومقتضاه، مثل ما ذكر من قلة النماء وقلة(١) المؤونة في المعلوفة، فتلطف أبو
العباس في منع القول بدليل الخطاب، وصرح القَفَّال بخلاف الشافعي فيه. اهـ .
قال الشريف المُرْتَضَى في ((الذريعة)): أنكره ابن سُرَيج وتبعه جماعة من شيوخهم
كأبي بكر الفارسي والقَفّال وغيرهما. وذكر ابن سُرَيج أن الْمُعَلّق بالصفة يدل على ما
تناوله لفظه إذا تجرد، وقد تحصل منه قرائن يدل معها على أن ما عداه بخلافه،
كقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ [سورة الحجرات /٦]. وقوله: ﴿وإن كن أولات
حمل فأنفقوا عليهن﴾ [سورة الطلاق /٦]. ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [سورة
الطلاق /٢]. ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [سورة النساء /٤٣]. وقوله عليه السلام: (في
سائمة الغنم الزكاة) وقال: وقد يقتضي ذلك أن حكم ما عداه مثل حكمه، كقوله
تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ [سورة المائدة /٩٥]. وقوله: ﴿فلا تقل لهما اف﴾
[سورة الإسراء / ٢٣]. وقوله: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ [سورة التوبة /٣٦].
وحاصله أنه إنما يدل على النفي والإثبات بالقرائن. قال: وقد أضاف ابن سريج
قوله هذا إلى الشافعي، وتأول كلامه المقتضى لخلاف ذلك، وبناه عليه. اهـ .
وأما الأشعري فقال القاضي والإمام: / إن النَّقَلَة نقلوا عنه نفي القول
١٩٣ / ١
(١) كذا الأصل ولعل الصواب ((كثرة المؤونة)).
١٤

بالمفهوم، كما نقلوا عنه نفي صيغ العموم، وقد أضيف إليه خلاف ذلك، وأنه قال
بمفهوم الخطاب، لأجل استدلاله على رؤية المؤمن ربه يوم القيامة بقوله في
الكافرين: ﴿إنهم عن ربهم يومئذ لمحجربون﴾ [سورة المطففين / ١٥].
وذكر شمس الأئمة السَرَخْسي من الحنفية في كتاب ((السير)): أنه ليس بحجة في
خطابات الشرع. قال: وأما في مصطلح الناس وعرفهم فهو حجة، وعكس ذلك
بعض المتأخرين منا، فقال: حجة في كلام الله ورسوله، وفي كلام المصنفين
وغيرهم ليس بحجة.
فصْل
اختلف المثبتون للمفهوم في مواضع :
أحدها: هل هو دليل من حيث اللفظ أو الشرع؟ على وجهين لأصحابنا،
حكاهما المازَري والرُّوياني. قال ابن السَّمْعاني: والصحيح أنه من حيث اللغة
ووضع لسان العرب. وقال الإمام الرازي في ((المعالم)): لا يدل على النفي بحسب
اللغة، لكنه يدل عليه بحسب العرف العام. وذكر في ((المحصول)) في باب العموم
أنه يدل عليه العقل، فحصل أربعة أقوال .
وحكى الأبْياري في ((شرح البرهان)) أن القائلين بالمفهوم اختلفوا هل نفي
الحكم فيه عما عدا المنطوق به من قبيل اللفظ أو من قبيل المعنى؟ كعدم وجوب
الزكاة في المعلوفة هل هو ملفوظ به؟ حتى نقول: إن العرب إذا قالت: في سائمة
الغنم الزكاة، إن هذا الكلام قائم مقام كلامين: أحدهما: وجوبها في السائمة،
والآخر نفيها عن المعلوفة، أم نقول: إن هذا ليس من قبيل اللفظ، بل من قبيل
المعنى؟ قال: ومذهب الشافعي أنه من قبيل اللفظ.
وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا خُصَّ المفهوم هل يبقى حجة فيما بقى بعد
١٥

التخصيص؟ إن قلنا: إنه من قبيل اللفظ، فنعم. وإن قلنا: إنه من قبيل المعنى،
فلا. اهـ .
وهذا الخلاف غريب، وممن حكاه أيضا بعض شراح (اللمع)). ويتحصل
حينئذ خمسة مذاهب: من جهة اللغة، من جهة الشرع، من جهة العرف، من
جهة العقل، من جهة المعنى .
الموضع الثاني: اختلفوا أيضا في تحقيق مقتضاه، أنه هل دل على نفي الحكم عما
عدا المنطوق مطلقا سواء كان من جنس المثبت فيه أم لم يكن، أو اختصت دلالته
بما إذا كان من جنسه؟ فإذا قال: في الغنم السائمة الزكاة. فهل نفينا الزكاة عن
المعلوفة مطلقا، سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم، أو لم ننف إلا عن معلوفة
الغنم؟ على وجهين لأصحابنا حكاهما الشيخ أبو حامد الأسفرايني، والشيخ أبو
إسحاق، وسليم، وابن السَّمْعاني، والإمام الرازي وغيرهم. قال الشيخ أبو
حامد: والصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فقط؛ لأنه تابع للمنطوق.
ووجه النفي مطلقا أن السَّوْم كالعلة فينتفي بانتفائها، وكذا صحح سليم أن النفي
عن معلوفة الغنم فقط؛ لكن صحح أبو الحسن السهيلي من أصحابنا في ((أدب
الجدل)) له الثاني. قال الشيخ: وهو ضعيف جدا .
الثالث : أنه ظاهر لا يرتقي إلى القطع. وكلام إمام الحرمين يقتضي أنه قد يكون
قطعيا. وعلى الأول: فهل يصح إسقاطه بجملته حتى يكون كإزالة الظاهر، أولا
وإنما يُؤَوَّل حتى يردّ إلى البعض كما في تخصيص العموم؟ قال الإمام في ((البرهان)):
يصح إسقاطه بجملته، لأنه غير مستقل بنفسه، فإذا دل الدليل على إسقاط المفهوم
بكماله بقي اللفظ فيما دل عليه بالنطق، فلم يتعطل اللفظ بخلاف ما إذا خرج من
العموم كل أفراده، لأنه يؤدي إلى تعطيل اللفظ .
والحاصل أن إسقاط المفهوم بالكلية كتخصيص العموم. وحكى في ((المنخول))
عن ابن مجاهد أنه لابد من ترك بقية منه كما في المنطوق. قال: والمختار خلافه إذ
ليس المفهوم سائر الكلام، وإنما هو بعض مقتضيات اللفظ، فليس في تركه مع
تبقية المنطوق نسخ، بل هو كتخصيص العموم .
١٦

الرابع: إذا دلّ دليل على إخراج صورة من صور المفهوم، فهل يسقط المفهوم
بالكلية أو يتمسك به في البقية؟ ينبني على أن العموم إذا خص هل يكون مجملا؟
فإن قلنا: يصير مجملا، فالمفهوم أولى؛ وإن قلنا: لا يكون مجملا، فمقتضى مذهب
الشافعي ترك المفهوم بالكلية، لأنه إنما تلقاه بالنظر إلى فوائد التخصيص، ولأنه لا
فائدة إلا مخالفة المسكوت عنه للمنطوق به. فإذا أثبت أن بعض المسكوت عنه
يوافق المنطوق به بطل أن تكون تلك هي الفائدة، فيطلب فائدة أخرى. والحق
جواز التمسك به بعد التخصيص، كما إذا قيل: إنما العالم زيد، ولا عالم إلا زيد،
فإذا دل دليل على إثبات عالم غيره اقتصرنا في الإثبات على ما دل عليه الدليل
الجديد، ويبقي النفي فيما سواه، لأن اللفظ الشامل إذا أخرجت منه صورة بقى
على العموم فيما سواها، وعلى هذا يقبل فيه التخصيص، كما إذا حلف لا آكل
السمك مثلا، ونوى تخصيص النفي بغيره يقبل منه .
الخامس: هل يجب العمل به قبل البحث عما يوافقه أو يخالفه من منطوق آخر؟
فيه خلاف العمل بالعام قبل البحث عن المخصص. وحكى القَفّال الشاشي في
كتابه وجها عن بعض أصحابنا أن سبيله سبيل العموم بنظره عند ورود الخطاب
به، فإن وجد ما يدل على موافقة المسكوت عنه للمذكور صير إليه، وإلا اقتصر
على المذكور، وكان المسكوت عنه مخالفا له. قال: وصار بعض أصحابنا إلى أنه
يجب العمل به حتى يقوم دليل على خلافه، واستدل كل فريق منهم على صحة
مذهبه بألفاظ سردها من كلام الشافعي. اهـ .
فصْل
[شروط مفهوم المخالفة العائدة إلى المسكوت]
للقول بمفهوم المخالفة شروط : منها ما يرجع للمسكوت، ومنها ما يرجع
للمذكور. فمن الأول أن لا يكون المسكوت عنه أولى بذلك الحكم من المنطوق،
١٧

فإن كان أولى منه كان مفهوم موافقة، أو مساويا كان قياسا جليا على الخلاف
السابق .
ومنها: أن لا يعارض بما يقتضي خلافه، فيجوز تركه بنص يضاده وبفحوى
مقطوع به يعارضه، كفهم مشاركة الأمة العبد في سراية العتق، فأما القياس فلم
يجوّز القاضي ترك المفهوم به مع تجويزه ترك العموم بالقياس. هكذا نقله في
(المنخول)). قال: ولعله قريب مما اخترناه في المفهوم، فإنه تلقاء الظاهر، والعموم
قد لا يترك بالقياس؛ بل يجتهد الناظر في ترجيح أحد الظنين منهما على الآخر،
وكذلك القول في القياس إذا عارضه العموم. اهـ. والذي نقله الإمام عن
القاضي التوقف في تجويز تخصيص العموم بالقياس .
وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): القول بالمفهوم عند تجرده عن القرائن، أما
إذا اقترن بظاهر الخطاب قرينة، فإنه لا يكون لدلالة الخطاب حكم بالإجماع.
وقال شارح ((اللمع)): دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه ما هو أقوى
منه، كالنص والتنبيه، فإن عارضه أحد هؤلاء سقط، وإن عارضه عموم صح
التعلق بدليل الخطاب على الأصح. وإن عارضه قياس جلي قدم القياس. وأما
١٩٣ / ب الخفي فإن جعلناه كالنطق / قدم دليل الخطاب، وإن جعلناه كالقياس، فقد رأيت
بعض أصحابنا يقدمون كثيرا القياس في كتب الخلاف، والذي يقتضيه المذهب
أنهما يتعارضان .
قلت: وما صححه في معارضة العموم هي مسألة تخصيص العموم بالمفهوم،
لكن كلام الشافعي في ((البويطي)) يخالفه، فإنه قال: وإذا قتل الرجل صيدا عمدا
أو خطأ ضمنه، والحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ [سورة
المائدة / ٩٥]. والحجة في الخطأ قوله: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾
[سورة المائدة /٩٦]. فدخل في هذا العمد والخطأ. اهـ. فقد قدم هذا العموم على
مفهوم قوله: متعمدا .
ومن الفوائد ما نقله الخطابي وغيره عن الحسن البصري: لا يقتل الذكر
بالأنثى، وهو شاهد لكن شبهته قوية. فإن مفهوم قوله تعالى: ﴿والأنثى بالأنثى﴾
١٨

[سورة البقرة / ١٧٨]. لا يعارض بالعموم الذي في قوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن
النفس بالنفس﴾ [سورة المائدة /٤٥]. لأن هذا خطاب وارد في غير شريعتنا، وهي
مسألة مختلف فيها.
وما قاله في القياس الجلي فيه نظر، لأن القياس عموم معنوي، وإذا ثبت تقديم
المفهوم على العموم اللفظي فتقديمه على المعنوي أولى. ويكون خروج صور المفهوم
من مقتضى القياس كخروجها من مقتضى لفظ العموم .
ومنه حاجة المخاطب، كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [سورة
الإسراء /٣١]. فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه إذ هو الحامل لهم على قتلهم،
لا لاختصاص الحكم به، ونظيره: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ [سورة آل
عمران / ١٣٠] .
[شروط مفهوم المخالفة العَائِدة للمذكور]
وأما الثاني فله شروط: أحدها: أن لا يكون خارجا مخرج الغالب مثل قوله
تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ [سورة النساء /٢٣]. فإن
الغالب من حال الربائب كونهن في حجور أزواج أمهاتهن، فذكر هذا الوصف
لكونه أغلب لا ليدل على إباحة نكاح غيرها. وكذلك تخصيص الخلع بحال
الشقاق لا مفهوم له، إذ لا يقع غالبا في حال المصافاة والموافقة خلافا لابن المنذر،
وإذا لاح للتخصيص فائدة غير نفي الحكم فيما عدا المنطوق تطرق الاحتمال إلى
المنطوق، فصار مجملا كاللفظ المجمل .
قال الشافعي : تعارض الفوائد في المفهوم، كتعارض الاحتمالات في المنطوق
يكسبه نعت الإجمال، فكذلك تعارض الاحتمالات في المنطوق يكسبه نعت
الإجمال، ولا يمكن أن يقال: إنه قصد بهذا التخصيص المغايرة دون اعتبار الفائدة
الأخرى. قال الشافعي: ولا حاجة إلى دليل في ترك هذا المفهوم. وقال الغزالي في
((المنخول)): المختار خلافه، إذ الشقاق يناسب الخَلْع، فإنه يدل على بعد الخلاف(١)
(١) في الأزهرية: الخلاص .
١٩

وتعذر استمرار النكاح، فلا ترفع الفحوى المعلومة منه بمجرد العرف، فلابد من
دليل، وإن لم يبلغ في القوة مبلغ ما يشترط في ترك مفهوم لا يقصد بالعرف، فإنه
قرينة موهمة . اهـ .
والصواب الأول ، وهو المنصوص للشافعي. قال الشيخ تقي الدين في ((شرح
العنوان)): والسبب فيه أن القول بالمفهوم منشؤه طلب الفائدة في التخصيص،
وكونه لا فائدة إلا المخالفة في الحكم، أو تكون تلك الفائدة أرجح الفوائد
المحتملة، فإذا وجد سبب يحتمل أن يكون سبب التخصيص بالذكر غير المخالفة
في الحكم وكان ذلك الاحتمال ظاهرا، ضعف الاستدلال بتخصيص الحكم
بالذكر على المخالفة، لوجود المزاحم الراجح بالعادة، فبقي على الأصل. قال:
وهذا أحسن، إلا أنه يشكل على مذهب الشافعي في قوله: (في سائمة الغنم
الزكاة)، فإنه قال فيه بالمفهوم، وأسقط الزكاة عن المعلوفة، مع أن الغالب والعادة
السَّوم، فمقتضى هذه القاعدة أن لا يكون لهذا التخصيص مفهوم.
قلت: قد ذكر القَفَّال الشاشي في كتابه هذا السؤال، وأجاب عنه بما حاصله:
أن اشتراط السَّوْم لم يقل به الشافعي من جهة المفهوم؛ بل من جهة أن قاعدة
الشرع العفو عن الزكاة فيما أعد للقنية (١)، ولم يتصرف فيه للتنمية، وإنما أوجب في
الأموال النامية. هذا أصل ما تجب فيه الزكاة، فعلم بذلك أن السَّوْم شرط. لكن
القَفَّل قصد بذلك نفي القول بالمفهوم مطلقا، وقد سبق رَدُّه .
على أن كلام الشافعي في ((الأم)) يخالف ذلك. فإنه قال في كتاب الزكاة: وإذا
قيل: في سائمة الغنم كذا، فيشبه - والله أعلم - أن لا يكون في الغنم غير السائمة
شيء، لأنه كلما قيل في شيء بصفة، والشيء يجمع صفتين، يؤخذ حقه كذا، ففيه
دليل على أنه لا يؤخذ من غير تلك الصفة من صفتيه .
قال الشافعي: فلهذا قلنا: لا نأخذ من الغنم غير السائمة صدقة الغنم، وإذا
كان هذا في الغنم، فهكذا في الإبل والبقر، لأنها الماشية التي تجب فيها الصدقة
دون ما سواها. اهـ. فلم يجعل الشافعي الغلبة إلا لذكر الغنم حتى ألحق بها
الإبل والبقر، ولم يجعل السَّوم غالبا .
(١) في الأصل هنا كلمة خفية، واستظهرنا من السياق أنها ((للقنية)).
٢٠