Indexed OCR Text
Pages 461-480
وقال ابن القُشَيْري في تفسيره: قال العلماء هذه الآية مجملة، لأن قوله: ﴿أحل الله البيع﴾ [سورة البقرة/ ٢٧٥] يقتضي تحليل كل بيع وقوله: ﴿وحرم الربا﴾ [سورة البقرة/ ٢٧٥] يقتضي تحريم كل بيع، لأنه لا بيع إلا وتقصد منه الزيادة. فالرجوع إذن إلى بيان النبي المحلية. وقيل: البيع الذي لا زيادة فيه هو بيع عشرة بعشرة مع التجانس، فهو حلال ليس فيه إجمال، وإنما الإجمال فيما يتضمن زيادة، فبعض ما يتضمن الزيادة حلال ، والبعض حرام. وقال غيره: هذه الآية مخصصة لا مجملة، فإن قوله: ﴿وحرم الربا﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥] دل على أن المراد في قوله: ﴿أحل الله البيع﴾ [سورة البقرة/ ٢٧٥] البعض دون الكل الذي هو ظاهر بأصل الوضع. وقيل: إن البيع مجمل، لأن الربا مجمل، وهو في حكم المستثنى من البيع، واستثناء المجهول من المعلوم يعود بالإجمال على أصل الكلام. والصحيح الأول ، فإن الربا عام في الزيادات كلها، وكون البعض غير مراد فرع تخصيص، فلا تتغير به دلالة الأوضاع . ومنها: الآيات التي ذكر فيها الأسماء الشرعية، كقوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾[سورة النور / ٥٦] وقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [سورة البقرة/ ١٨٥] وقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [سورة آل عمران / ٩٧] وفيها وجهان: أحدهما : أنها عامة غير مجملة، فتحمل الصلاة على كل دعاء ، والصوم على كل إمساك، والحج على كل قصد، إلا ما قام الدليل عليه. والثاني: أنها مجملة، لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها في اللغة، وإنما تعرف من جهة الشرع، فافتقرت إلى البيان، هكذا حكاهما الشيخ في ((اللمع)) وجعلهما مبنيين على أن هذه الأسماء منقولة، أو حقائق شرعية. فمن قال: منقولة / قال: هي مجملة. قال: وهو الأصح. ومن قال: حقائق شرعية. قال: ٢/١٨٦ هي عامة . ونسب القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)) القول بالإجمال في هذا إلى مذهب الشافعي. قال: وحكى أبو علي الطبري أن الشافعي جعله من المجمل، لأن ٤٦١ مدلول الصلاة في اللغة والشرع مختلف. قال الأستاذ أبو منصور: وأجاز الشافعي الاستدلال بعموم قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [سورة النور / ٥٦]، لأن الشرع وإن ضَمَّ إليه أوصافا وشروطا، فقد ضم إلى السرقة في آية القطع بها نصابا وحرزا، ومع ذلك يجوز الاستدلال بعموم قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة/ ٣٨] إلا ما خصه الدليل، فكذلك الصوم والصلاة. ومنها: الألفاظ التي علق التحريم فيها على الأعيان، كقوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [سورة المائدة/ ٣] ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء/ ٢٣] وفيها وجهان : أحدهما: أنها مجملة لا يصح التعلق بظاهرها، لأن العين لا توصف بالتحليل والتحريم، وإنما الموصوف بهما أفعالنا، وهي غير مذكورة، فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال، وما لا يحرم، وبه قال الكرخي، وتلميذه أبو عبد الله البصري. وإذا قلنا بهذا، فاختلفوا لأي وجه. الوجه الثاني : وهو الأصح، أنها ليست مجملة، لأن المعقول منه التصرف، فيعم جميع أنواع التصرفات من العقد على الأم ووطئها ، وأكل الميتة والتصرف فيها، وهو حقيقة في ذلك، وهو قول القاضي عبد الجبار وأبي علي وابنه أبي هاشم، وأبي الحسين من المعتزلة، لقوله: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، فأكلوا ثمنها) فدل على أن تحريمها أفاد جميع أنواع التصرف، وإلا لم يتجه اللعن في البيع. قال الشيخ أبو إسحاق وسليم: هذا هو الصحيح. وقال ابن برهان: إنه مذهب الشافعي، وإن الأول قول الحنفية . وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني: مثل قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء / ٢٣] ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [سورة المائدة/٣]. لا خلاف أنه ما أريد به تحريم العين نفسها. وإنما أريد به تحريم أفعالنا، وهو حقيقة فيه. وقال بعض الحنفية: هي حقيقة في تحريم العين، مجاز في تحريم الفعل، فلا يحتج به إلا بدليل. ولنا أن الصحابة احتجوا بظاهر هذه الآيات في إثبات التحريم، ولم ينقل عنه أنهم رجعوا في ذلك إلى شيء آخر. ٤٦٢ وجعل القاضي أبو الطيب من أمثلة المسألة قوله: (لا أحل المسجد لجنب ولا حائض). قال: فمن أصحابنا من قال: مجمل، لأن الأعيان لا تدخل في التحريم، إنما تدخل الأفعال ، ويحتمل أن يكون المراد المرور أو المكث، فيتوقف فيه. وقيل: ليس إضمار أحدهما بأولى من الآخر متعينا، وإليه ذهب بعض الحنفية . واعلم أن هذه المسألة هي عين مسألة المقتضى هل له عموم في جميع مقدراته أم لا؟ وابن الحاجب ممن يمنع العموم في بابه، ويقول به ههنا، إلا أن يدعي أنه لا تلازم بين نفي الإجمال والعموم. قال القاضي أبو الطيب: اختلف أصحابنا في قوله: (إنما الأعمال بالنيات) على وجهين : أحدهما : أنه مجمل، لأن العمل يوجد بغير النية، فيجب أن تكون النية شرطا في الجواز أو الفضيلة، ولا ذكر لهما في الخبر، فليس إضمار أحدهما بأولى من الآخر، ولا يجوز دعوى العموم فيهما، لأن العموم للألفاظ، فيجب التوقف فيه . والثاني : ليس بمجمل، لأنه قصد بيان الشرع دون اللغة، وإضمار إحدهما خلاف الأصل، فيجب العموم. قال: وقلت: أما إذا ثبت أنه قصد بيان الشرع، وجب أن تكون النية شرطا في العمل دون صفته، فلا يصح العمل شرعا إلا بالنية، وهذا الجواب يغني عن دعوى العموم فيه . وقال أبو الحسين بن القطان: إذا قيل: (إنما الأعمال بالنيات)، (وإنما الولاء لمن أعتق) أفاد شيئين: أحدهما: إذا وقع بهذا صح، وإذا لم يأت به لم يصح. وهذا معقول الخطاب. وقيل: أراد الكمال لا الصحة. ولنا إذا بطل الصحة، بطل الكمال أيضا. فهو أكثر عموما فهو أكثر فائدة . قال: وكان ابن أبي هريرة يقول: قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، ليس المراد إخراجه من العدم إلى الوجود، فتعين أن يكون المراد به صحته أو كماله، لكن حمله على الصحة أولى، لأنه إنما يكون عاملا بنيته . ومنها: قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [سورة المائدة/ ٦] ذهب بعض الحنفية إلى أنه مجمل . لتردده بين الكل والبعض، والسنة بينت البعض. وحكاه ٤٦٣ في المعتمد عن أبي عبد الله البصري، وقال آخرون: لا إجمال، ثم اختلفوا، فقالت المالكية: يقتضي مسح الجميع، لأن الرأس حقيقة في جميعها، والباء إنما دخلت للإلصاق . وقال الشريف المُرْتَضَى فيما حكاه ((صاحب المصادر)): إنه يقتضي التبعيض. قال: لأن المسح فعل متعد بنفسه غير محتاج إلى حرف التعدية، بدليل قوله: مسحته كله، فينبغي أن يفيد دخول الباء فائدة جديدة، فلو لم يفد التبعيض لبقي اللفظ عاريا عن الفائدة. وقالت طائفة: إنها حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم، وهو القدر المشترك بين مسح الكل والبعض، فيصدق بمسح البعض. ونسبه في ((المحصول)) للشافعي. قال البيضاوي هنا: وهو الحق، وهو مخالف لإثباته مجيء الباء للتبعيض. ونقل ابن الحاجب عن الشافعي وأبي الحسين وعبد الجبار ثبوت التبعيض بالعرف، والذي في المعتمد لأبي الحسين عن عبد الجبار أنها تفيد في اللغة تعميم مسح الجميع، لأنه متعلق بما يسمى رأسا. وهو اسم للجملة لا للبعض؛ لكن العرف يقتضي إلحاق المسح بالرأس إما جميعه، وإما بعضه، فيحمل الأمر عليه. ثم قال: إنه الأولى ، ثم قال ابن الحاجب: وعلى قول الشافعي ومن وافقه لا إجمال. اهـ . قلت: وعبارة الشافعي في كتاب ((أحكام القرآن)): فكان معقولا في الآية أن من مسح من رأسه شيئا، فقد مسح برأسه، ولم تحتمل الآية إلا هذا، وهذا أظهر معانيها، أو مسح الرأس كله. قال: فدلت السنة على أن ليس على المرء مسح رأسه كله، وإذا دلت السنة على ذلك فمعنى الآية: أن من مسح شيئا من رأسه أجزأه . اهـ. فلم يثبت التبعيض بالعرف كما زعم ابن الحاجب . وقال صاحب ((المصادر)): ينبغي على قول الشافعية أن يكون مجملا، لأنه إذا أفاد إلصاق المسح بالرأس من غير تعميم أو تبعيض صار محتملا لهما، فيصير مجملا. وقولهم: إنه صار مفيدا للتبعيض(١) ممنوع. وقال الأصفهاني: مذهب (١) في الباريسية: للتنصيص . ٤٦٤ الأولين أقرب إلى النص، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أقرب إلى الفعل . ومنها : قال بعض الحنفية: آية السرقة مجملة، إذ اليد للعضو من المنكب والمرفق والكوع لاستعمالها فيها، والقطع للإبانة والشق /، لأنه استعمل فيهما . ١٨٦/ب ومنعه الجمهور، بل اليد حقيقة في العضو إلى المنكب، ولما دونه مجاز، لصحة بعض اليد، ولفهم الصحابة إذ مسحوا إلى الآباط لما نزلت آية التيمم، والمجاز خير من الاشتراك . وقال بعضهم: اليد في الشرع تستعمل مطلقة ومقيدة، فالمطلقة تنصرف إلى الكوع بدليل آية التيمم، وآية السرقة، وآية المحاربة. وقوله: (فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثا) وقوله: (إذا أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ) والمقيدة بحسب ما قيدت به، كآية الوضوء، فلا إجمال، والقطع حقيقة في الإبانة، وإطلاقه على الشق لوجودها فيه، والتواطؤ خير من الاشتراك . ومنها: ما ورد من الأوامر بصيغة الخبر، كقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [سورة المائدة / ٤٥]، وقوله: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [سورة البقرة/ ٢٢٨]، وقوله عليه السلام: (الثيب تشاور) فذهب الجمهور إلى أنها تفيد الإيجاب، وقال قوم من الأصوليين وأصحاب الشافعي: إنه موقوف فيه إلى دليلٍ يعين جهة من الجهات، لأنه يتعذر الحمل على ظاهره، وهو الخبر، لأنا نجد مطلّقة لا تتربص، وجرحا لا يقتص، وثيبا لا تُشَاوَر. واللفظ لا يتعرض لجهة أخرى بالنص فلابد في تعيين الجهة من دليل. وحجة الجمهور أنها خبر من اللّه. فلو حمل على حقيقة الخبر، لزم الخلف في خبر اللّه، فوجب حملها على إرادة الأمر، كذا حكاه صاحب ((الكبريت الأحمر))، وأدخله في باب الإجمال . ٤٦٥ مسألة حَرف النفِى قد يَدخل عَلى المَاهية والمراد نفي الأصل، كقوله: ﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما﴾ [ سورة الواقعة/ ٢٥] وقوله: ﴿فاليوم لا يخرجون منها﴾ [سورة الجاثية / ٣٥] وقد يراد به نفي الكمال مع بقاء الأصل، كقوله تعالى : ﴿إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ [سورة التوبة / ١٢] ثم قال: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم﴾ [سورة التوبة / ١٣]، فنفاها أولا، ثم أثبتها ثانيا، فدل على أنه لم يرد نفي الأصل، بل نفي الكمال. وهذا كله إنما أخذ من القرينة، فأما عند الإطلاق، كقوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، (ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)، (ولا نكاح إلا بولي)، (ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) ونحوه. فاختلفوا هل هي مجملة أم لا؟ فنقل الإجمال عن القاضيين أبي بكر وعبد الجبار والجبائيين: أبي علي، وابنه، وأبي عبد الله البصري. قال ابن برهان: إلا أن الجبائیین ادعیا الإجمال من وجه، والقاضي من وجه آخر. وقال ابن الأبْيَاري: إنما صار القاضي إلى الإجمال لأنه نفى الأسماء الشرعية، والذي دل اللفظ على نفيه موجود، فافتقر إلى التقدير، وتعدد المُقَدَّر. ونقله الأستاذ أبو منصور عن أهل الرأي . ونقل المازّرِي عن القاضي أبي بكر الوقف. قال: وهو غير مذهب الإجمال، فيقول: يحتمل عندي نفي الإجراء ونفي الكمال لا أكثر من ذلك، حتی یقوم دليل على أحد الأمرين. والقائل بالإجمال يقول: إنه يستغرق جميع الأشياء الصالحة للنفي. قلت: وهذا هو ظاهر كلام القاضي في ((التقریب)). بل صَرَّح في صدر كلامه بأنه ليس بمجمل. وذهب الجمهور إلى أنها عامة، منهم القَفّال الشاشي، والأستاذ أبو إسحاق ونقله إمام الحرمين في ((التلخيص))، وابن القشيرى عن معظم الفقهاء، وصححه ٤٦٦ ابن برهان وابن السَّمِعْاني، وحكاه عن الأصحاب، وقال ابن القطّان: إنه الظاهر. قال: وتجاهل قوم فقالوا: ليس فيه دلالة على دفعه . قال شارح ((اللمع)): واختلفوا إلى ماذا يعود النفي على وجهين، أحدهما: إلى نفي المذكور، وهو النكاح الشرعي، والصلاة الشرعية، والصوم الشرعي، لأنه الذي ورد به الشرع، وذلك لم یوجد مع شرطه المذكور، فاستغنی هذا عن دعوى العموم في المُضْمَر، وعن حمل الكلام على التناقض، وعلى معنيين مختلفين، لأن النبي (عليه السلام) بعث لبيان الشرعيات . وقيل: بل يرجع إلى الصفات التي يقع بها الاعتداد في الكفاية، كما يرجع النفي عند أهل اللسان في قول القائل: ليس في البلد سلطان ، على نفي الصفات التي يقع بها الكفاية، وهذه الصفات وإن لم تكن مذكورة، فهي معقولة من ظاهر اللفظ، فنزلت منزلة الملفوظ به. وقال بعض المتأخرين: اختلف الأصوليون في النفي إذا وقع في الشرع على ماذا يحمل ، فقال بعضهم يلحق بالمجملات، لأن نفيه يقتضي نفي الذوات ، ومعلوم ثبوتها حسًّا، فقد صار المراد مجهولا. وهذا الذي قالوه خطأ، فإنّ المعلوم من عادة العرب أنها لا تضع هذا النفي للذات في كل مكان، وإنما تورده مبالغة، فتذكر الذات، ليحصل لها ما أرادت من المبالغة . وقال آخرون: بل يحمل على نفي الذات، وسائر أحكامها، ويخص الذات بالدليل على أن النبي عليه السلام لم يُرِدْه. وقال قوم: لم تقصد العرب إلى نفي الذات، ولكن لنفي أحكامها، ومن أحكامها الكمال والإجزاء، فيحمل اللفظ على العموم فيها. وأنكر هذا بعض المحققين، لأن العموم لا يصح دعواه فيما يتنافى ، ولا شك أن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء ، فإذا قُدِّر الإجزاء منفيا لتحقق العموم، قُدّر ثابتا لتحقق إشعار نفي الكمال بثبوته، وهذا يتناقض، وما يتناقض لا يحتمل الكمال، وصار المحققون إلى التوقف بين نفي الإجزاء ونفي الكمال، وادعوا الاحتمال من هذه ٤٦٧ الجهة، لا بما قال الأولون، فعلى هذه المذاهب يخرج (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). والقائلون اختلفوا في سببه على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنها ظاهرة في نفي الوجود، وهو لا يمكن، لأنه واقع قطعا، فاقتضت إيهاما . والثاني: أنها ظاهرة في نفي الوجود، ونفي الحكم، فصار مجملا. والثالث: أنها مترددة بين نفي الجواز ونفي الوجود. قال المقترح: وهو الأليق بمذهب القاضي. قلت: قد سبق التصريح به عنه في كتاب ((التقريب)). وصرح بنقله عنه ابن القشيري، ورَدَّه . وقال القاضي أبو الطيب: الصحيح حمل اللفظ على نفي المنطوق به، دون صفته، لأنه ظاهر اللفظ، ويغني عن دعوى العموم فيه، يعني أنه يلزم من نفي الأصل نفي صفته. وقال الأستاذ أبو منصور: الصحيح عندنا أن لفظ النفي في الشرع يقتضي نفي العين، كقوله: (لا نكاح إلا بولي)، (ولا صلاة إلا بطهور). فأما قوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) فإنما أراد ذكر القلب، ولا يصح بدونه. وقوله: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) أراد بالمسجد المكان الطاهر، بدليل قوله: (جعلت لي الأرض كلها مسجدا) انتهى . وأجاز الشيخ أبو حامد تقدير نفي الصحة، وحكى عن أهل العراق نفي الكمال، وعن بعض أصحابنا أنه يقتضي نفي الأمرين جميعا. واختار إمام الحرمين والغزالي أن النفي ظاهر في الإجزاء ، محتمل على الخفاء لنفي الكمال، فإن عَضَدَه دليل قَوِيٌّ يزيد على قوة الظهور انصرف إلى الكمال ١٨٧/أ وإلا فهو ظاهر في الإجزاء. فَعُرْفُ الشرع عندهم / عُرف مقصود ، وله في الألفاظ اللغوية تَصَرُّفُ، ومعنى الإجزاء عندهم أسماء(١) الصورة الشرعية. وقال المَاوَرْدي: إذا كان الحكم مطلقا يحتمل الجواز، ونفي الكمال. قال: (١) كذا في الأصل ولم يتبين وجهه. ٤٦٨ ويجري على مذهب من قال: يوقف المحتمل يجعل هذا موقوفا، لأنه محتمل، والقائلون بالعموم اختلفوا: هل النفي انصب إلى الأعيان والأحكام فهو عام فيهما، ثم خصت الأعيان بدليل الحِسّ أو العقل، وبقيت الأحكام على موجبها، ويجري ذلك مجرى تخصيص اللفظ العام؛ أو انصب إلى الأحكام فقط، ولا يقدّر دخول الأعيان ليحتاج إلى تخصيصه، لأنه عليه السلام لم يتعرض للمحسوسات، فهو عام بالنسبة إلى أفراد الأحكام، على قولين حكاهما إمام الحرمين وغيره. قال ابن القشيري: والمختار أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز، مؤول في نفي الكمال، فيحمل عند الإطلاق على نفي الجواز، ولا يحمل على نفي الكمال إلا بدليل، وهكذا اختاره الشيخ أبو إسحاق الأسفرايني، والإمام في ((البرهان)) والغزالي في ((المنخول)) والماوَرْدي والرُّؤْياني في كتاب القضاء ، ونقله أبو بكر الرازي في كتابه عن عيسى بن أبان، ثم قال: إنه الصحيح. وجزم به ابن القطان. قال: وللتعبير عنه طريقان: إما أن يقول: هو باطل، أو يقول: لا كذا إلا بكذا، فظاهر البطلان إلا أن يقوم دليل يصرفه عنه إلى الكمال والفضيلة. قال: وهذا من آكد ما يخاطب به في إيجاب الشيء . ثم قال إمام الحرمين في ((التلخيص)) تبعا للقاضي: الذي نرتضيه إلحاق اللفظ بالمحتملات لتردد اللفظ بين الجواز والكمال، ويستحيل الحمل عليهما جميعا، ولا طريق إلى التوقف لتعين لفظ المحتملين. فإن قيل: هذا هو المذهب الأول في ادعاء الإجمال . قلنا: الفرق بينهما أن الذين ادعوا الإجمال أولا استندوا إلى توقع نفي الأعيان، وهو مستحيل، ونحن أسندنا ادعاء الإبهام إلى الأحكام. قال: ثم هذا كله إذا قلنا بإثبات صيغ العموم، فإن منعناه لم نحتج إلى إيضاح وجه الإجمال. قال الأستاذ أبو إسحاق: فقوله: (لا صلاة إلا بطهور) مَنْ قال: إن النفي تعلق بالعين، منع من الاستدلال به على جواز الصلاة وفسادها. وقال: إن النفي يتعلق بالصورة، وقد وجدت، والمصير إلى الجواز والكمال لابد له من دليل، ومن جعله عاما في الجميع زعم أنه يوجب نفي الحكم، وثبوت العين بالدليل لا يمنع من استعمال الظاهر فيما بعده. وقال: هذا هو الصحيح. اهـ ٤٦٩ والمختار، وعليه جماعة أنه إن دخل على مسمى شرعي، كالصلاة، فالمراد نفي الصحة لإمكان حمله عليه، فلا إجمال؛ وإن دخل على مسمى حقيقي، نظر فيه، فإن لم يكن إلا حكم واحد تعين، كقوله: لا شهادة لمجلود في قذف، إذ لا يراد به نفي الفضيلة، وإن كان له حكمان: الفضيلة والجواز فهو مجمل، لعدم التعين، ونحو: (لا يستوي) لا يسمى مجملا عند من لا يقول بعمومه . فائدة المقَدر فى قوله [لاصَلاة بحَارِ المَسَجَد] منع ابن الدَّهان النحوي تقدير من قدر (لا صلاة لجار المسجد)، بقوله: لا صلاة كاملة، من جهة الصناعة ، لأن الصفة لا يجوز حذفها، فلا يجوز حذف بعضها. قال: وإنما التقدير لا كمال صلاة، فحذف المضاف فأقام المضاف إليه مقامه، وكذا قال العَبْدري في ((شرح المستصفى)) من قَدَّر لا صيام صحيح أو كامل، فقد أبعد، لأن حذف الصفة وإبقاء الموصوف غير معروف في كلام العرب، لم يأت إلا في قولهم: سَيْرى سَيْرٌ، وألفاظ قليلة، وإنما المعروف عكسه، وهو حذف الموصوف وإبقاء الصفة . ٤٧٠ مسألة [المُقَدر في مثل قوله: (رفع عَن أمَيِّ الخَطَأ)] وهذا الخلاف يجرى في الرفع أيضا، نحو (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، (رفع القلم عن الصبي). قال الغزالي: قضية اللفظ رفع نفس الخطأ والنسيان، وهو غير معقول، فالمراد به رفع حكمه لا على الإطلاق؛ بل الحكم الذي عُلم بِعُرْف الاستعمال قبل الشرع إرادته بهذا اللفظ، وهو دفع الإثم، فليس بعام في جميع أحكامه من الضمان، ولزوم القضاء وغيره، ولا هو مجمل بين المؤاخذة التى ترجع إلى الذم ناجزا وإلى العقوبات آجلا، وبين الغرم والقضاء لا صيغة لعمومه حتى يجعل عاما في كل حكم ، كما لم يجعل قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] عاما في كل فعل مع أنه لابد من إضمار الفعل. ثم قال: فأما إذا ورد في موضع لا عين فيه فهو مجمل يحتمل نفي الأثر مطلقا، أو نفي البعض . وحكى شارح ((اللمع)) في هذا وجهين: أحدهما: أنه مجمل؛ لأنه يقتضي رفع الأفعال المذكورة، وهو محال لأنها موجودة، فوجب الرجوع إلى ما ليس بمذكور، وهو إما الإثم أو الحكم، ولا يحمل على شيء إلا بدليل. ومن أصحابنا من قال: نحمله على موضع الخلاف، ومنهم من يحمله على الأعم فائدة. قال: والصحيح أنه ليس بمجمل، لأنه معقول لغة، فإن السيد لو قال لعبده: رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤاخذة عن كل ما يتعلق بالجناية، فعلى هذا [هل] يرجع الرفع إلى الإثم والحرج، أو إلى جميع الأحكام إلا ما أخرجه دليل فيه وجهان، حكاهما في ((الإرشاد)). وجمع الأصفهاني شارح ((المحصول)) ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه مجمل. والثاني: الحمل على رفع العقاب آجلا والإثم ناجزا، وهو مذهب الغزالي لأنه المفهوم منه في العرف، وليس بعام في نفي الضمان. الثالث : واختاره الرازي في ((المحصول)) حمله على رفع جميع الأحكام الشرعية. ٤٧١ قلت: وممن حكى الثلاثة القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)). ونسب الثالث لأكثر الفقهاء من أصحابنا وأصحابهم، واختار هو الثاني أعني أنه محمول على نفي الإثم والحرج خاصة. مسألة في أن لَفَظ الشارع إذا دار بَين مدلولَين إن حمل علی أحدهما أفاد معنی واحدا، وإن حمل على الآخر أفاد معنیین، ولیس هو أظهر بالنسبة إلى أحدهما، فهل هو مجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما أم هو ظاهر بالنسبة إلى إفادة المعنيين؟ قال الهندي: ذهب الأكثرون إلى الثاني، وذهب الأقلون منهم الغزالي أنه مجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما. قلت : واختاره ابن الحاجب، والأول اختيار الآمدي تكثيراً للفائدة، ولما فيه من رفع الإجمال الذي هو خلاف الأصل، فمن لم يجعله مجملا يجعله حقيقة في المعنيين مجازا في الواحد. واللفظ الدائر بين الحقيقة والمجاز ليس بمجمل بالنسبة إلى كل منهما، بل هو ظاهر بالنسبة إلى الحقيقة، ومن جعله مجملا لا يجعله حقيقة في أحدهما عينا، بل يحتمل غيره احتمالا سواء، أو يكون حقيقة في المعنى الواحد، مجازا في المعنيين وبالعكس، وأن يكون حقيقة فيهما، ولا يرجع لسبب إفادة ١٨٧/ب المعنيين، ثم قال الآمدي والهندي: محل الخلاف إنما هو فيما إذا لم يكن / حقيقة في المعنيين، فإنه يكون مجملا؛ أو حقيقة في أحدهما، فالحقيقة مرجحة قطعا. وظاهره جعل الخلاف فيما إذا كانا مجازين، لأنه إذا لم يكونا حقيقتين ولا أحدهما حقيقة والآخر مجازا فما بقي إلا أن يكونا مجازين، وحينئذ فقد يستشكل جريان الخلاف فيه، لأن نسبة المجازين إلى اللفظ نسبة الحقيقتين، والحق أن صورة المسألة أعم من ذلك، وهو اللفظ المحتمل لمتساويين، سواء كانا حقيقتين أو مجازين، أو أحدهما حقيقة مرجوحة، والآخر مجازا راجحا عند القائل بتساویهما، ويكون ذلك باعتبار الظهور والخفاء وينزل كلام الآمدي على ما سنذكره . ٤٧٢ واعلم أن ترجمة المسألة هكذا تحتمل معنيين: أحدهما: أن المعنى الواحد ليس واحدا من المعنيين، والظاهر في هذا ترجيح الإجمال، وقولهم: الحمل على المعنيين أكثر فائدة ممنوع، لأن هذا صحيح فيما إذا كان المعنى الواحد أحد المعنيين، وعلى هذه الحالة ينزل قول الآمدي والهندي أنه لم يقل بالحمل على المعنى الواحد أحد، والإعراض عن الآخر ذي المعنيين المغايرين للمعنى الواحد، بل الظاهر الإجمال، ويحتمل أن يرجح المجمل ذو المعنيين، لكونه أكثر فائدة. وقد يُمثَّل لهذه الحالة بقوله: (المحرم لا يَنكِح ولا يُنكِح) إذا قلنا: النكاح مشترك، فإنه دائر بينهما من غير ترجيح، فإن حمل على الوطء استفيد منه معنى واحد، وهو أن المحرم لا يطأ ولا يوطأ؛ وإن حمل على العقد استفيد منه شيئان بينهما قدر مشترك: وهو أن المحرم لا يعقد لنفسه، ولا لغيره. والثاني: أن يكون واحدا منهما. فيعمل به قطعا، لأنه مراد على كل حال، ويبقى النظر في المعنى الآخر ، وقد يمثل لهذه الحالة بقوله: (الأيم أحق بنفسها) فإنه يحتمل أنها أحق بنفسها فتعقد على نفسها، كما يقول به الخصوم، أو أنها أحق بنفسها، فتمكّن من أمرين: أحدهما: أن تأذن لمن يعقد عليها. والثاني: أن تعقد بنفسها، ونقل ذلك عن نص الشافعي إذا كانت في موضع لا ولي فيه، ولا حاكم، وكذا قوله: (فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصفه) يحتمل أنه أراد مقدار الواجب، أو مقدار ما يجب فيه، أو مقدار الواجب خاصة . مسألة [الَّذِي لَهَ مسمى شرعي هَل هو مُجْمَل] ما له مسمى شرعي كالصوم والصلاة ليس بمجمل عند الأكثرين، بل اللفظ محمول على الشرعي، لأنه عليه السلام بعث لبيان الشريعة لا اللغة ، ولأن الشرع ٤٧٣ طارىء على اللغة وناسخ لها، فالحمل على الناسخ المتأخر أولى، ولهذا ضَعَّفُوا قول من حمل الوضوء من أكل لحم الجزور على النظافة بغسل اليد . وثانيها : أنه مجمل، ونقله الأستاذ أبو منصور عن أكثر أصحابنا، وبه قال القاضي . وقال الغزالي: ولعله فرَّعه على مذهب من يثبت الأسامي الشرعية، وإلا فهو منكر لها . وثالثها : وهو المختار عند الغزالي، التفصيل بين أن يَرِدَ مُثْبَتًا فيحمل على الشرعي، كقول (إنّ إذن صائم) فيستفاد منه صحة نية النهار، وإن ورد منفيا فمجمل لتردده بينهما كالنهي عن صيام يوم النحر، وأيام التشريق، فلا يستفاد منه صحة صومهما من جهة أن النهي عن الممتنع ممتنع . وهذا منه بناء على أصله أن النهي لا يقتضي الفساد، ثم هو مع ذلك لا يقول بأنه يقتضي الصحة . ورابعها : لا إجمال أيضا، والمراد في الإثبات الشرعي، وفي النهي اللغوي، واختاره الآمدي لتعذر حمله على الشرعي، لأن الشرعي يستلزم الصحة، والنهي غير صحيح. والصحيح الأول ، ولهذا اتفقوا على حمل قوله: (دعي الصلاة أيام أقرائك) على المعنى الشرعي، مع أنه في معنى النهي. تفريع : [إذا تعذر الحمل على الشرعي] إن قلنا بالأصح أنه يحمل على الشرعي، فلو تعذر ولم یمکن الرد إليه إلا بضرب من التجوز، فهل يحمل على اللغوي. أو يكون مجملا، أو يرد إلى الشرعي؟ فيه ثلاثة مذاهب، واختار الغزالي الإجمال. قال: ولم يثبت أن النبي ◌َّ لم ينطق بالحكم العقلي، ولا بالاسم اللغوي، ولا بالحكم الأصلي، فترجيح الشرعي تحکم . وتمثل المسألة بالطواف بالبيت صلاة، وبالاثنين فما فوقهما جماعة. قال: فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه يسمى جماعة، وانعقاد الجماعة وحصول فضيلتها، والأكثرون منهم ابن الحاجب أنه يحمل على الشرعي، لأن الشارع بعث لبيان الشرعيات، وهو الأغلب . ٤٧٤ وقال الشيخ عز الدين في كتاب ((المجاز)): أما قوله ◌َّه (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها) فمحمول على صيغةٍ إيجاب النكاح اللغوية دون الشرعية، وذلك حقيقة بالنسبة إلى اللغة دون الشرع، كالصلاة المحمولة على الدعاء في قوله: (وإن كان صائما فليصل) أي فليدع، وكذلك نهيه عن بيع الحر، فإنه محمول على اللغوي دون الشرعي؛ وأما نهي الحائض عن الصلاة فليست الصلاة فيه محمولة على العرف الشرعي لتعذره، ولا على اللغوي الذي هو الدعاء، لأنه خلاف الإجماع، وإنما هو مجاز تشبيه، لأن صورة صلاتها شبيهة بصورة الصلاة الشرعية فهو مجاز عن حقيقة شرعية. والمختار: أن صلاتها مجاز عن مجاز شرعي بالنسبة إلى اللغة، لأن الأظهر أن تسمية الصلاة الشرعية بهذا اللفظ من مجاز تسمية الكل باسم جزئه، لأن الدعاء جزء من أجزاء الصلاة، فَتُجُوِّز به عنها، كما تُجُوِّز عنها بالقيام والركوع والسجود . مسألة ما له مسمی عرفي وشرعي علام يحمل عند الإطلاق؟ وجهان خرجهما بعض المتأخرين من الخلاف فيمن نذر عتق رقبة، هل يجزى ما يقع عليه الاسم في العرف، أو لا يجزىء إلا ما يجزىء في الكفارة؟ فيه وجهان مشهوران . قلت : الراجح الحمل على الحقيقة الشرعية أولاً ، ثم العرفية، ويشهد له ما لو وقف أو أوصى للفقراء والمساكين ولسبيل الله، فإنه يعتبر من اعتبره الشرع في الزكاة، وكذا لو حلف لا يبيع الخمر فإنه لا يحنث ببيعه. وكذا لو قال: إن رأيت الهلال فأنت طالق، فهو محمول على العلم . ٤٧٥ مسألة [مَا المَقَدمِالعر في أم اللغوي إذا تَرَدد اللَفظ بَيَنْهمَا ] إذا تردد اللفظ بين المسمى العرفي واللغوي، قدم العرفي المطرد، ثم اللغوي كذا قاله الأصوليون. ويخالفه قول الفقهاء: ما ليس له حد في الشرع، ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف. فإنه صريح في تأخير العرف عن اللغة . وجمع بينهما بوجوه: منها: عدم ورودهما على محل واحد، فكلام الفقهاء في الضوابط، وهي في اللغة أضبط، فتقدم اللغة بالنسبة إليها، وكلام الأصوليين في أصل المعنى، وهو في العرف أظهر، فيقدم بالنسبة إليه . ومنها: أن كلام الأصوليين في اللفظ الصادر من الشارع ينظر فيه إلى عرفه، ١/١٨٨ وهو الشرعي، ثم عرف الناس، لأن الظاهر / أنه يخاطبهم بما يتعارفونه، ثم اللغوي؛ وكلام الفقهاء في الصادر من غيره، ولهذا قال الرافعي في باب الطلاق: إذا تعارض المدلول اللغوي والعرفي فكلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع، والإمام والغزالي يريان اتباع العرف، وصحح الأول لأن العرف لا يكاد ينضبط . ومنها: قال الشيخ علاء الدين الباجي: مراد الأصوليين العرف الكائن في زمنه عليه السلام. ومراد الفقهاء غيره. قلت: ويظهر أن مراد الأصوليين ما إذا تعارض معناه في اللغة والعرف، يقدم العرف. ومراد الفقهاء ما إذا لم يعرف حده في اللغة، فإنا نرجع فيه إلى العرف، ألا ترى إلى قولهم ليس له حد في اللغة، ولم يقولوا: ليس له معنى . ٤٧٦ البَّيَانُ وَالمُبَيِّن قال الغزالي : جرت عادة الأصوليين بعقد كتاب له ، وليس النظر فيه مما يجب أن يسمى كتابا، فالخطب فيه يسير، والأمر فيه قريب، وأولى المواضع به أن يذكر عقب المجمل، فإنه المفتقر إلى البيان. اهـ . وأمره ليس بالسهل، فإنه من جملة أساليب الخطاب؛ بل هو من أهمها، ولهذا صدَّر به الشافعي كتاب ((الرسالة)). والبيان لغة : اسم مصدر بَيَنَّ إذا أظهر،يقال: بيِنَّ بيانا وتبيانا، كَكَّلم يكلم كلاما، وتكليما، قال ابن فُورَك في كتابه: مشتق من البَيْنْ، وهو الفراق، شبَّه البيان به، لأنه يوضح الشيء، ويزيل إشكاله . وقال أبو بكر الرازي: سميَ بيانا لانفصاله مما يلتبس به من المعاني، ويشكل من أجله . وأما في الاصطلاح : فيطلق على الدال على المراد بخطاب ثم يستقل بإفادته، ويطلق ويراد به الدليل على المراد، ويطلق على فعل المبينُ. ولأجل إطلاقه على المعاني الثلاثة اختلفوا في تفسيره بالنظر إليها، فلاحظ الصَّيْر في فعل المبيَّّ، فقال: البيان إخراج الشيء من حَيِّز الإشكال إلى حيز التجلي. وقال القاضي في ((مختصر التقريب)): وهذا ما ارتضاه من خاض في الأصول من أصحاب الشافعي. وقال القاضي أبو الطيب الطبري: إنه الصحيح عندنا، لأن كل ما كان إيضاحا لمعنى وإظهاراً له، فهو بيان له . ٤٧٧ واعترضه ابن السَّمْعاني بأن لفظ البيان أظهر من لفظ إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي. وللصيرفي منع ذلك . ونقض أيضا بالنصوص الواردة في الحكم المبتدأ من غير سبق إشكال، فإنه ربما ورد من اللّه تعالى بيان لم يخطر ببال أحد. ويخرج منه بيان المعدوم، فإنه لا يقال عليه شيء، وبيان المعلّم لمن لا يفهم عنه لقصوره. ولعله يمنع تسمية ما كان ظاهرا ابتداء بيانا. وقال الغزالي: هذا الحد لفرع من البيان، وهو بيان المجمل خاصة، والبيان يكون فيه وفي غيره . اهـ . ولاحظ القاضي وإمام الحرمين والغزالي والآمدي والإمام الرازي وأكثر المعتزلة كأبي هاشم وأبي الحسين: أنه الدليل، فحدوه بأنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم أو الظن بالمطلوب . اهـ . ولاحظ أبو عبد الله البصري أنه نفس العلم أو الظن الحاصل من الدليل، فحدَّه بأنه تبيين الشيء، فهو والبيان عنده واحد. كذا قاله الهندي تبعا للغزالي. وحكى أبو الحسين عنه أنه العلم الحادث، لأن البيان هو ما به يتبين الشيءٍ ، والذي به يتبين هو العلم الحادث. قال: ولهذا لا يوصف الله سبحانه بأنه مبين، لمّ كان علمه لذاته لا بعلم حادث . وقال العَبْدَرِيُّ بعد حكاية المذاهب: الصواب أن البيان هو مجموع هذه الأمور الثلاثة، فعلى هذا يكون حده: أنه انتقال ما في نفس المعلم إلى نفس المتعلم بواسطة الدليل. لكن الاصطلاح إنما وقع على ما رسم به القاضي، وذلك أن الدليل هو أقوى الأمور الثلاثة، وأكثرها حظا من إفادة البيان والمبين . وقال الماوَرْدي: الذي عليه جمهور الفقهاء أن البيان إظهار المراد بالكلام الذي لا يفهم منه المراد إلا به . قال ابن السَّمْعاني: وهذا الحد أحسن الحدود، ويَرِدُ عليه ما أورده هو على الصيرفي، أعني الوارد ابتداء من غير سبق إجمال . وقال شمس الأئمة السَّرَخْسي من الحنفية في كتابه : اختلف أصحابنا في معنى البيان ، فقال أكثرهم: هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلا عما يستر به. وقال بعضهم: هو ظهور المراد للمخاطب، والعلم بالأمر الذي حصل له عند ٤٧٨ الخطاب. قال: وهو اختيار أصحاب الشافعي، لأن الرجل يقول: ((بان هذا المعنى)) أي ظهر. والأصح الأول أي الإظهار. اهـ . وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني: قال أصحابنا في البيان إنه الإفهام بأي لفظ كان. وقال أبو بكر الدَّفَاق: إنه العلم الذي يتبين به المعلوم، حكاه القاضي أبو الطيب . وذكر الشافعي في ((الرسالة)) أن البيان اسم جامع لأمور متفقة الأصول متشعبة الفروع ، وأقل ما فيه أنه بيان لمن نزل القرآن بلسانه، فاعترض عليه أبو بكر بن داود، وقال: البيان أبين من التفسير الذي فسره به. قال القاضي أبو الطيب: وهذا لا يصح، لأن الشافعي لم يقصد حدّ البيان وتفسير معناه، وإنما قصد به أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان، وهي متفقة في أن اسم البيان يقع عليها، ومختلفة في مراتبها، فبعضها أجلى وأبين من بعض، لأن منه ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر، ومنه ما يحتاج إلى دليل، ولهذا قال عليه السلام: (إن من البيان لسحرا) فأخبر أن بعض البيان أبلغ من بعض، وهذا كالخطاب بالنص والعموم والظاهر، ودليل الخطاب، ونحوه، فجميع ذلك بيان. وإن اختلفت مراتبها فيه. اهـ . وكذا قال الصَّيْرَفي وابن فُورَك: مراد الشافعي أن اسم البيان يقعٍ على الجنس، ويقع تحته أنواع مختلفة المراتب في الجلاء والخفاء. وقال أبو بكر القَفَّال: أراد أنه وإن حصل من وجوه، فكل ذلك يجتمع في أنه يعود إلى الكتاب، ويستفاد منه. حكاه سليم الرازي في ((تقريبه)) . وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): هذا ليس بحدّ، وإنما هو وصف للبيان بأنه يجمعه أمر جامع، وهو أنه سنة أهل اللغة ، وأنه يتشعب إلى أقسام كثيرة، فإن حُدَّ بأنه بيان لمن نزل القرآن بلغته كان قد حد البيان بأنه بيان، وذلك حدّ الشيء بنفسه، وإن كان قد حد البيان العام، فإنه يخرج منه الأدلة العقلية، وإن حد البيان الخاص الذي يتعارفه الفقهاء، فإنه يدخل فيه الكلام المبتدأ إذا عرف به المراد كالعموم والخصوص وغيرهما . ٤٧٩ فصْل فى مَرَاتِبْ البَيَّان للأحْكَامِ ... .' وقد ذكره الشافعي في أول ((الرسالة)) ورتّبها خمسة أقسام، بعضها أوضح بيانا من بعض. ١٨٨/ب فأولها / بيان التأكيد ، وهو النص الجلي الذي لا يتطرق إليه تأويل، كقوله في صوم التمتع : ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ [سورة البقرة / ١٩٦] وسماه بعضهم بيان التقرير. وحاصله أنه في الحقيقة التي تحتمل المجاز والعام المخصوص فيكون البيان قاطعا للاحتمال، مقرراً للحكم على ما اقتضاه الظاهر . ثانيها : النص الذي ينفرد بدركه العلماء ((كالواو، وإلى)) في آية الوضوء، فإن هذين الحرفين يقتضيان معاني معلومة عند أهل اللسان . ثالثها: نصوص السنة الواردة بيانا لمشكل في القرآن ، كالنص على ما يخرج زمن الحصاد مع تقدم قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [سورة الأنعام / ١٤١] ولم يذكر في القرآن مقدار هذا الحق . ورابعها : نصوص السنة المبتدأة مما ليس في القرآن نص عليها بالإجمال ، ولا بالتفسير. ودليل كون هذا القسم من بيان الكتاب قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سورة الحشر /٧]. خامسها: بيان الإشارة، وهو القياس المستنبط من الكتاب والسنة ، مثل الألفاظ التي استنبطت منها المعاني، وقيس عليها غيرها ، لأن الأصل إذا استنبطتّ منه معنى، وألحقت به غيره،لا يقال: لم يتناوله النص، بل يتناوله، لأن النبي عليه السلام أشار إليه بالتنبيه كإلحاق المطعومات في باب الربا بالأربعة المنصوص ٤٨٠