Indexed OCR Text
Pages 321-340
معمولاً لعاملين، وحسَّنَهُ هنا أن معنى الثانية فريب من معنى الأولى. فإذا استَثْنَی من أحدها فكأنه يستثني منهما، ولا يجوز أن يكون الاستثناء من الجملة الواحدة سادّاً مسدّ الاستثناء من ◌َُل مختلفة معانيها، وإن ظَنَّه بعض الفقهاء في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [سورة النور / ٤] الآية، وقاسوها على الشرط، لأنه متى تعقب عاد إلى الكل. والفرق ظاهر لأنه لا يلزم من الشرط اجتماع عاملين على معمول واحد بخلاف الاستثناء، والذي / يقتضيه اللفظ أنه مستثنى من ((لهم))(١)، وهو في موضع جرّ ١٦٦/ب على البدل من الهاء والميم في ((لهم))، أو ينصب على أصل الاستثناء، وهو أولى من جعله مستثنى من ﴿أولئك هم الفاسقون﴾ [سورة النور / ٤] لأنه أكثر فائدة، ولهذا قال عمر (رضي الله عنه) للمحدود في القذف: تُبْ أَقْبَلْ. لأنه يلزم من قبول الشهادة عدم الفسق، بخلاف ما إذا استثنى من الفاسقين، فلا يلزم من عدم الفسق قبول الشهادة، ولا يضر الفصل لتعلقه به، وليس بأجنبيّ، ولا يجوز أن يكون مستثنى من ﴿فاجلدوهم﴾ [سورة النور / ٤] لأن حق الآدمي لا يسقط بالرجوع بعد التوبة. وهذا منهم بناء على أن العامل في المستثنى ما قبل إلّ؛ فإن قلنا: إن العامل ((إلا)) كما صححه ابن مالك وغيره، لم يكن مستحيلاً. والحاصل أن القائلين بعوده إلى الجميع، إن قالوا بأن العامل ((إلا)) فلا كلام، وإن قالوا: ما قبلها، فعليه هذا الإشكال. وقال إلكِيا الطبري: قد نقل عن أبي علي الفارسي مُقَدَّم أئمة النحو ومتبوعهم عود الاستثناء إلى الأخيرة، کمذهب أبي حنيفة. وهذا بناه أبو على على مذهبه أن العامل في الاستثناء - الفعل الذي قبل ((إلا))، وقد قام الدليل اللغوي والقياس النحويّ على أنه يجوز أن يعمل عاملان في معمول واحد، وهذا مقطوع به في المعمول أيضاً. قال شيخنا أبو الحسن: لا يجوز أن يجتمع سَوَادَانِ في محل واحد، لأنهما لو اجتمعا لجاز أن يرتفع أحَدُهما بضده، وإذا جاز ذلك عقلاً فلو قدرنا رَفْعَ أحد السوادين ببياض لأدّى إلى اجتماع السواد والبياض في محل واحد، وذلك ممتنع (١) يريد من (لهم)) في قوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾. ٣٢١ عقلًا، فكذلك لا يجوز أن يعمل عاملان في معمول واحد، لأنه يجوز أن يرتفع أحد العاملين بضده، فيكونُ أحدُهما مثلاً يوجب الرفع، والآخر يوجب النصب، فيؤدي إلى أن يكون اللفظ الواحد مرفوعاً ومنصوباً، وذلك باطل. الرابع: أن الاستثناء في القرآن الكريم عقيب الجمل مختلف، فمنه ما يعود إلى الكل كقوله تعالى في آل عمران: ﴿كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم﴾ [سورة آل عمران / ٨٦] إلى قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [سورة آل عمران / ٨٩] وفي المائدة ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ [سورة المائدة / ٣] إلى قوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ قيل: الاستثناء متصل، وقيل منقطع، يعود على المنخنقة وما بعدها. أي ما أدركتم ذكاته من المذكورات. وقوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [سورة المائدة / ٣٣] الآية فإن الإجماع قائم كما حكاه ابن السمعاني على أن قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [سورة المائدة / ٣٤] عائد إلى الجميع. ومنه ما يعود على جملة واحدة، كقوله: ﴿فأسر بأهلك بقطعٍ من الليل﴾ [سورة هود / ٨١] إلى قوله: ﴿إلا امرأتك﴾ [سورة هود / ٨١] قرىء بالنصب على الاستثناء من الجملة الأولى، لأنها موجَبَةً، وبالرفع على الاستثناء من الثانية لأنها منفية. وقد تكون خرجت معهم، ثم رجعت، فهلكت. قاله المفسرون. ومنه ما يتضمن عوده إلى الأخيرة فقط، كقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة إلا أن يصدقوا﴾ [سورة النساء / ٩٢]، فهذا راجع إلى أقرب مذكور، وهو الدية لا الكفارة. وجعل منه بعضُهم آية القذف، فإن الله تعالى ذكر ثلاث جُمَل، وعقبها بالاستثناء، فلا يمكن عوده إلى الأولى بالاتفاق؛ أما عند أبي حنيفة فلبعده عن آخر مذكور، وأما عندنا فلخروجه بدليل، وهو أنه حق آدمي، فلا يسقط بالتوبة؛ ولا إلى الثانية لتقييدها بالتأبيد. وبه يقوى مذهب الحنفية على اختصاصه بالأخيرة. وقال الرُّؤْياني في ((البحر)): بل هو راجع إلى الشهادة فقط، لأن التفسيق خرج ٣٢٢ مخرج الخبر، والتعليل لرد الشهادة، وردُّ الشهادة هو الحكم المذكور، فالاستثناء به أوْلى. ومنه ما يتعين عوده إلى الأول كقوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾ [سورة آل عمران / ٢٨] إلى قوله: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [سورة آل عمران / ٢٨] فهو عائد إلى النهي الأول دون الخبر الثاني. وقوله: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يَطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾ [سورة البقرة / ٢٤٩]، فهذا مختص بالأول، ولا يجوز عوده إلى الأخير، وإلا يلزم أن یکون من اغترف غرفةً ليس منه، وليس المعنى عليه، فإن المقصود من لم يطعم مطلقاً، ومن اغترف منه غرفة على حدّ سواء . ونظيره قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك﴾ [سورة الأحزاب / ٥٢] فإنه عائدٌ إلى الأول، ولا يجوز عوده إلى الأخيرة، وإلا يلزم أن يكون قد استثنى ((الإماء)) من أزواج. وكقوله عليه السلام: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر) فإنه عائد إلى الأول فقط. وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً﴾ [سورة النساء / ٨٣] إنه استثناء من قوله: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [سورة النساء / ٨٣] فهذا موضع الاستثناء بقوله إلا قليلاً، وكقوله: ﴿إلا من خَطِف الخطفة﴾ [سورة الصافات / ١٠] بعد الجمل المذكورة، وهو الأول. وجعل ابن جني في ((الخاطريات)) منه قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون. وأنهم يقولون مالا يفعلون. إلا الذين آمنوا﴾ [سورة الشعراء / ٢٢٤ - ٢٢٧] فيكون استثناء من الضمير المرفوع في يفعلون، ولو كان ما يدعون أنهم يفعلونه لا يفعله إلا الذين آمنوا لكان مَدْحَاً لهم وثناء عليهم، وهذا ضد المعنى هنا. فإن قيل: هلا كان الكلام محمولاً على المعنى؟ أي أنهم يكذبون ٣٢٣ ايه إلا الذين آمنوا. قيل: فيه شيئان: أحدهما: أنه ترك للظاهر. والثاني: أن المقصود ذم الشعراء على الإطلاق صدقوا أم كذبوا، فالمراد أن الشعراء هذه حالتهم إلا الذين آمنوا. قال: وحينئذ ففيه جواز الاستثناء من الأول الأبْعَدَ دون الآخر الأقْرَب، وهو حجة للشافعي. وهو في الظاهر إلى الآن على(١) أصحابنا. انتهى. ومنه ما يلتبس كقوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ [سورة الفرقان / ٦٨] إلى قوله: ﴿إلا من تاب وآمن﴾ فقد يتخيل أنه من الجمل، وإنما هو من لفظ ((مَنْ))، وهو مفرد. الخامس: أنهم أطلقوا النقل عن الحنفية، والموجود في كتبهم تخصيص هذا الاستثناء ((بإلّاً))، فأما الاستثناء بالمشيئة نحو إن شاء الله، فلا خلاف عندهم في عوده إلى الجميع. ذكر ذلك أبو علي البخاري في كتاب ((معاني الأدوات))، فقال: الاستثناء بلفظ المشيئة يسمى التعطيل، لأنه لا يبقى بعد الاستثناء شيء، والاستثناء بإلّ يسمى التحصيل، لأنه يبقى بعده شيء، وكذا وقع في كلام القاضي، والإمام فخر الدين، والآمدي وأتباعهم أن الاستثناء بالمشيئة محل وفاق بيننا وبين الحنفية. وفي ((البرهان)) لإمام الحرمين: وادعى بعض أصحاب الشافعي أن بعض أصحاب أبي حنيفة يقولون: إن الرجل إذا قال: نسوتي طوالق، وعبيدي أحرار، ودوري محبّسة إن شاء الله، فهذا استثناء راجع إلى ما تقدم، وما أراهم يسلمون ١/١٦٧ ذلك إن عقلوا، فإن سلموه / فطالب القطع لا يغني فيها التعلق بهفوات الخصوم ومناقضاتهم. فليبعد طالب التحقيق عن مثل هذا. انتهى. فائدة اختلف في ((إن شاء الله)) هل هو استثناء؟ فظاهر كلام طائفة دخوله في الاستثناء، ومنهم من منعه، واحتج بأنه لو قال: أنت طالق ثلاثاً إن شاء الله، لم يقع خلافاً لمالك. ولو قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثاً، وقع الثلاث، فدل على أنه لیس باستثناء. (١) لعل الصواب: عند أصحابنا. ومع ذلك فمعناه غير واضح. ٣٢٤ ١ وقال الرُّؤْياني في ((البحر)): اختلف أصحابنا في قوله: ((إن شاء الله)) هل هو استثناء يمنع من انعقاد الیمین، أو يكون شرطاً يعلّق به، فلم يثبت حكمه لعدمه؟ على وجهين، وظاهر المذهب أنه استثناء. قلت: وبه جزم الرافعي في كتاب الطلاق، ثم قال: وقال الإمام: لا يبعد عن اللغة تسمية كل تعليق استثناء. وإذا قلنا بأنه استثناء، فهل هو حقيقة أو مجاز؟ صرح الإمام بالثاني فقال: سماه أئمتنا استثناء تَجُوُّزا، لأنه ثنى بموجب اللفظ عن الوقوع، كقوله: طالق ثلاثاً إلا اثنتين، فإنه ثنى اللفظ عن إيقاع الثلاث، لكن سماه النبي عليه السلام استثناء في قوله : (من اعتق أو طلق، ثم استثنى فله ثنياه)، وهو عام في قوله: ((إن شاء الله)) وغيره. مسألة إذا تعددت الجُمل، وجاء بعدها ضمير جمع فهو راجع إلى جميعها كما قلنا في الاستثناء نحو: ادخل على بني هاشم، ثم بني المطلب، ثم سائر قريش، وجالِسْهُم، والْزَمهم. قال بعضهم: ولا يجىء فيه خلاف الاستثناء، لأن مأخذ المخالف ثَمَّ أن الاستثناء يرفع بعض ما دخل في اللفظ. وقال من قصره على الجملة الأخيرة: إن المقتضي للدخول في الجمل السابقة قائم، والُخْرِج مشكوك فيه، فلا يُزَالُ المقتضى بالشك. وهذا المعنى غير موجود في الضمير، فإن الضمير اسم موضوع لما تقدم ذكره، وهو صالح للعموم على سبيل الجمع، ولا مقتضى للتخصيص، فيجب حمله على العموم. وهذا إذا كان الضمير جمعاً؛ فإن كان مفرداً اختص بالأخيرة، لأنه أقرب مذكور، فلو قلت: أتاني زید وعمرو وخالد فقتلته، لرجع الضمير إلى خالد بالاتفاق، ولا يرجع إلى ما قبله إلا بدليل، كقوله تعالى: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [سورة الأنعام / ١٤٥] فإن الضمير راجع إلى اللحم، لأنه المُحَدَّث عنه، خلافاً للمَاوَرْدِي وابن حزم حيث أعاداه إلى الخنزير، لأن اللحم دخل في عموم الميتة هروباً من التكرار، وعملاً برجوع الضمير إلى الأقرب، وهو مردود بما ذكرنا. ٣٢٥ قال ابن حزم في ((الاحكام)): والإشارة تخالف الضمير في عودها إلى أبعد مذكور. هذا حكمها في اللغة إذا كانت الإشارة: بذلك، أو تلك، أو أولئك، أو هو، أو هم، أو هن، أو هما؛ فإن كانت بهذا أو هذه، فهي راجعة إلى حاضر قريب ضرورة. قال: وهذا لا خلاف فيه بين اللغويين، ولذلك أوجَبْنا أن يكون القرء من حكم العدة، وهو الطهر خاصة دون الحيض، وإن كان القرء في اللغة واقعاً عليهما سواء. ولكن لما قال: (مُرْهُ فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء)، كأن قوله: ((تلك)) إشارة تقتضي بعيداً. وأبْعَدُ مذكور في الحديث قوله: ((تطهر)) فلما تصح بهذا الحديث أن الطهر هو العدة المأمور أن يطلق لها النساء صح أنه هو العدة المأمور بحفظها لإكمال العدة. مسألة إذا وقع بعد المستثنى منه والمستثنی جملة تصلح أن تكون صفة لكل واحد منهما، فظاهر مذهبنا رجوعها إلى المستثنى منه، وعند أبي حنيفة إلى المستثنى. ويتخرجُ على هذا مالو قال: له عليّ ألف درهم إلا مائة قَضَيْتُهُ إياه. قال الرُّؤْياني في ((البحر)): يكون استثناء صحيحاً يرجع إلى المقضيِّ دون القضاء، ويصير مقِرّاً بتسعمائة، قد ادعى قضاءها. وقال أبو حنيفة: يكون مقراً بألف مدعياً لقضاء مائة، فيلزمه الألف، ولا يقبل منه دعوى القضاء، فجعل الاستثناء متوجهاً إلى القضاء دون المقضيّ. ٣٢٦ [المخصّصُ] الثاني الشرط قالوا: وهو لغة: العلامة، والذي في الصحاح وغيره من كتب اللغة ذلك في الشَرَط بالتحريك، وجمعه أشراط، ومنه أشراط الساعة، أي علاماتها: وأما الشَرْط بالتسكين، فجمعه شروط في الكثرة، وأَشرط في القلة كفلوس وأفلسُ. وأما في الاصطلاح: فذكر فيه حدُودٌ، أَوْلاها: ما ذكره القَرَافي، وهو أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته؛ فاحترز بالقيد الأول من المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء. وبالثاني من السبب، فإنه يلزم من وجوده الوجود. وبالثالث من مقارنة الشرط وجود السبب فيلزم الوجود ، أو وجود المانعِ فيلزم العدم، ولكن ليس ذلك لذاته، بل لوجود السبب والمانع. قال ابن القَشَيْرِي: والشرط لا يتخصص بالوجود؛ بل يجوز أن يكون عدماً، لأنا كما نشترط في قيام السواد بمحله وجود محله، يشترط عدم ضده، ويشترط عدم القدرة على استعمال الماء في صحة التيمم. [ هَل للشَرَطِ دَلالة فِي جَانِب الإثبَات؟] وقع في باب القياس من ((البرهان)) أن للشرط دلالتين: إحداهما مصرح بها، وهي إثبات المشروط عند ثبوت الشرط، والأخرى ضمنية، وهي الانتفاء. والذي ذكره غيره من الأصوليين أن الشرط لا دلالة له في جانب الإثبات بحالٍ، وإنما يدل في جانب الانتفاء خاصة، ولو صح ما قاله لم يظهر فرق بين العلة والشرط. وأما تمسُّك الإمام بقول القائل: إن جئتني أكرمتك، فنحن لا ننكر أنه إذا جاء استحق الإكرام؛ ولكن هل ذلك لوجود الشرط أو لأجل الإكرام الموقوف على ٣٢٧ الشرط؟ وكذلك لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنها إذا دخلت الدار تطلق، لا لاقتضاء الشرط ذلك؛ بل للالتزام والإيقاع من جهة المُطلِّق، هذا بالنظر إلى وضع اللغة. وأما بالنظر إلى الفقه فدخول الدار ليس هو سبب الطلاق، إذ لا يناسب ذلك، وإنما السبب تطليق الزوج الموقوف على الدخول. وقد طوّل الأبْيَاري معه الكلام في ذلك، ورد عليه أبو العباس بن المنير، وقال: قال الإمام: إن الشرط يدل في جانب الإثبات صريحاً، وفي جانب النفي ضمناً، وما ◌َلَه على ذلك إلا رؤيته العلل تستعمل بصيغة الشرط كثيراً، فاعتقد أن الشرط اللغوي علة. قال: وهو عندي أعْذَر ممن ردّ عليه، فإن الذي ردّ عليه زعم أن قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق شرطً حقيقةً قال: والعلة الموجبة لوقوع الطلاق إنما هي إيقاع الزوج عند الشرط، وإلا فالدخول ليس علة للطلاق شرعا . وهذا الرد وَهَمُ من جهة أن الدخول، وإن كان ليس علة للطلاق شرعاً ابتداء؛ لكنه يجوز أن يكون علة له بوضع المطلَّق وغرضِه، لأنه قد فوّض الشرعُ إليه في إيقاع الطلاق بلا سبب /، فيلزم أن يفوض إليه في وضع الأشياء أسباباً(١)، ولهذا لا يعلق الطلاق غالباً إلا على وصف مشتمل على حكمة عنده، مثل أن تكون تلك الدار عورة، أو فيها ما ينافي غرضه، فإذا ارتكبت الزوجة ذلك ناسب الفراق في غرضه وقصده، وكما أن الطلاق غير مشروط شرعاً بدخول الدار، وقد صار عند هذا القائل مشروطاً بوضع المعلِّق، فلا مانع من أن يكون غير معلل شرعاً، ويصير معلَّلاً بوضع المطلّق فعلًا يقتضيه. ولهذا لو قال: أنت طالق أن دخلت الدار بفتح الهمزة، وقصد ذلك، وكان فصيحاً طلقت في الحال. وكان الدخول علة للطلاق لا شرطاً . ١٦٧/ب وفيهمسائل الأولى: أنه ينقسم إلى أربعة أقسام: شرعي كالطهارة للصلاة. فيلزم من وجود الصلاة وجود الطهارة. ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة. وعقلي كالحياة (١) في الأصل ((في وضع الأسباب أشياء)) ٣٢٨ للعلم، فيلزم من وجود العلم وجود الحياة، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم. وعادي كالسُّلّم مع صعود السطح، فيلزم من صعود السطح وجود نصْب السلم، ولا يلزم من نصب السلم صعود السطح. ولغوي مثل التعليقات نحو إن قمتَ قمتُ، ونحو أنت طالق إن دخلت الدار، والمخصِّص المتصل الذي الكلام فيه إنما هو اللغوي. والشروط اللغوية أسباب وفاقاً للغزالي والقَرّافي وابن الحاجب بخلاف غيرها من الشروط، ولهذا تقول النحاة في الشرط والجزاء بسببيَّة الأول ومسبَّبية الثاني، ويظهر الفرق بينها بتبيين حقيقة السبب والشرط والمانع. [الفَرْق بَيْن الشَرَطِ وَالسَبَبْ وَالمَانع] فالسبب: هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. والمانع: هو الذي يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، وحينئذ فالمعتبر في المانع وجوده، وفي الشرط عدمه، وفي السبب وجوده وعدمه. ومثاله الزكاة، فالسبب النصاب، والحول شرط، والديْنُ مانع عند من يراه مانعاً. وإذ وضحت الحقيقة ظهر أن الشروط اللغوية أسباب بخلاف غيرها من الشروط العقلية والشرعية والعادية؛ فإنه يلزم من عدمها العدم في المشروط.، ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم، فقد توجد الشروط عند وجودها. كموجب الزكاة عند الحول الذي هو شرط، وقد يقارن الدَّين فيمتنع الوجوب. وأما الشروط اللغوية التي هي التعاليق نحو إن دخلت الدار فأنت طالق يلزم من الدخول الطلاق، ومن عدمه عدمه إلا أن يخلفه سبب آخر. وحينئذ فإطلاق لفظ الشرط على الجميع إما بالاشتراك أو الحقيقة في واحد والمجاز في البواقي أو بالتواطؤ إذ بينهما قدر مشترك، وهو مجرد توقف الوجود على الوجود، ويفترقان فيما عدا ذلك. ٣٢٩ ثم الشرط اللغوي يمتاز بثلاثة أشياء: إمكان التعويض عنه، والإخلاف، والبدل، كما إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، ثم يقول لها: أنت طالق ثلاثاً، فيقع الثلاث بالإنشاء بدلاً عن المعلقة. وكما إذا قال: إن رددتَ عبدي فلَك هذا الدرهم، ثم يعطيه إياه قبل رد العبد هِبَةً، فتخلُف الهبة استحقاقه إياه بالرد. ويمكن إبطال شرطيته كما إذا نَجَّزَ الطلاق، أو اتفقا على فسخ الجعالة. والشروط الشرعية لا يقتضي وجودها وجوداً، ولا تقبل البَدَل ولا الإخلاف، ويمكن قبولها الإبطال، فإن الشرع قد يُبْطِل شرطية الطهارة للعذر. [المسألة] الثانية: في صيغته وهي ((إنْ)) وهي أمُّ الأدوات، لأنها لا تخرج عن الشرط، بخلاف غيرها. وهي للتّوقع، كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار. و((إذا)) وهي للمحقَّق كقوله: أنت حر إذا احْرَّ البُسْرُ، وقد يستعمل في التوقع ((كان)) مجازاً. ومما يجىء شرطاً من الأسماء ((مَنْ، ومَا، وأيّ، ومهما))، ومن الظروف ((أين، وأنّ، ومتى، وحيثما، وأينما، ومتى، وما، وكيف)) يجازى بها معنى لا عملاً خلافاً للكوفيين. [المسألة] الثالثة: من حق الشرط أن لا يدخل إلا على المنتظر، لأن ما انقضى لا يصح الشرط فيه؛ ولهذا كانت الأفعال الواقعة بعد أدوات الشرط مستقبلة أبداً، سواء كان لفظها ماضياً أو مضارعاً إلا أن تدخل الفاء، فإن الفعل يكون على حسب ماهو، نحو إن يقم زيد فقد أكرمته. فإن لم يكن فاء، فالأمر على ما قلناه؛ إلا في ((كان)) وحدها، فإن المبرد نُقِل عنه أنها تبقى على مُضيّها، فتقول: إن كان زيد قائماً قمت، و((كان)) ماضية، واحتج بقوله تعالى: ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ [سورة المائدة / ١١٦] لأن قوله: ﴿وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس﴾ [سورة المائدة / ١١٦] قد كان. ومن جهة المعنى إنها مستغرقة للزمان، ألا ترى أنها لا تخص زماناً دون غيره، وزعم ابن السَّرَّاج أن المبرِّد احتج بالآية، قال: وفيها نظر، فلم يَجْزِم، ولم يجعل الآية قطعية في المقصود. والصحيح عدم خروجها عن سائر الأفعال، ونزّل الآية ٣٣٠ . على أن ((إنْ)) دخلت على فعل محذوف مستقبل، إما على إضمار: ((يكن)) أي إن يكن قلته. وإما على إضمار القول، أي: إن أكن فيما أستقبل كنتُ قلته، أي موصوفاً بهذا، أو إن أقل كنت قلته. والصحيح عند ابن مالك وغيره أن الشرط لا يكون غير مستقبل المعنى بلفظ ((كان)) وغيرها إلا مؤوّلاً. لكن ما قاله مستدرك ((بلو، ولما)) الشرطيتين . فإن الفعل بعدها لا يكون إلا ماضياً. وقال أبو نصر بن القُشَيْرِي: المشروط ينبغي أن يكون مشروطاً في الاستقبال، تقول: لا أضرب زیداً حتی یقوم عمرو، ولا يحسن لا أضرب زیداً بالأمس حتی يقوم عمرو. فأما الشرط، فقالوا: يجب أن يكون مَرْقُوباً في الاستقبال. قال القاضي: وفيه نظر، إذ قد يقع الشرط كائناً في الحال غير مستقبل، فيحسن أن تقول: إن كان زيد اليوم راكباً يركب غداً، فيوافق وجود الشرط لفعلك، ويتقدم على المشروط. قال ابن القُشَيْرِي: وهذا نزاع لفظي، لأن هذا القول لا يحسن إذ مخاطبك يعرف أن زيداً اليوم راكب، وكذلك إن لم يعرف، وإنما يحسن عند الجهل، فكأنك قلت: إن كان أوْضح لنا أن زيداً راكب قمت غداً، فهذا الشرط إذن على الحقيقة مرقوب. [المسألة] الرابعة: من أحكامه إخراج مالولاء(١) علم إخراجه، كأكرم زيداً إن استطعت، أولا(٢) کأكرمه إن قام. ثم قد يوجد دفعة كالتعليق على وقوع الطلاق، فالحكم عند أول وجوده. وقد يوجد على التعاقب كالحركة والكلام؛ فعند آخر جزء، إذ العرف يقضي بوجوده حينئذ، وقد يمكن أن يقع على الوجهين، كالطهارة لمن نوى وهو منغمس في الماء، ولمن توضأ ناوياً، وقلنا بتفريق الارتفاع، فالحكم عند وجوده دفعة إذْ يمكن أن يعد وجوده حقيقة، ولا تحقق لوجوده إلا كذلك بخلاف القسم الثاني. (١) لعل الصواب: ما لولاه ما علم إخراجه. (٢) لعل الصواب حذف ((لا)). ٣٣١ ١/١٦٨ [المسألة] الخامسة: الشرط والمشروط / قد يتحدان، نحو إن دخلت الدار فأنت طالق. وقد يتعدد الشرط، ويتحد المشروط، بأن يكون للمشروط الواحد شرطان، فإن كانا على الجمع لم يحصل المشروط إلا بحصولهما معاً، كقوله: إن دخلتِ الدار، وكلمتِ زيداً فأنت طالق. وإن كان على البدل حصل المشروط بحصول أحدهما، كقوله: إن دخلت الدار، أو كلمت [زيداً] فأنت طالق. قال إِلْكِيا الطبري: ومتَىَ زِيدَ في شرطه زِيدَ في تخصيصه لا محالة، فإنه يَحُطُّهُ في كل دفعة عن رتبة الإطلاق. قال: وينشأ من جواز مشروط لمشروط أن لا يُشعِر انتفاء الشرط بانعكاس حكم المشروط إلا في العموم(!) وقد يتعدد المشروط، ويتحد الشرط بأن يكون للشرط الواحد مشروطات، فإما على الجمع کقوله: إن زنيْت جلدتك، وعزّرتك، فإذا حصل الزنى حصل استحقاق الأمرين. وإما على البدل، كقوله: جلدتك أو عزّرتك، والمحقق أحدهما. [المسألة] السادسة: لا يشترط في الشرط أن يكون متأخراً عن المشروط في اللفظ، حتى يكون كالاستثناء؛ بل الأصل تقديمه، لأنه متقدم في الوجود، ولأنه قسم من الكلام، فكان له الصدر كالاستفهام والتمني. ويجوز تأخره لفظاً، كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار. قال في ((المحصول)): ولا نزاع في جواز تقديمه، وتأخيره، وإنما النزاع في الأولى، ويشبه أن يكون الأحرى هو التقديم، خلافاً للفراء. قلت: قوله لا نزاع في تقديمه وتأخيره مردود، فمذهب البصريين أن الشرط له صدر الكلام كالاستفهام، فلا يتقدم عليه الجواب. فإن تقدم عليه شُبِّهَ بالجواب، وليس بجواب. وجوزه الكوفيون، فنحو أنت طالق إن دخلت الدار، تقديره عند البصريين: أنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق، ولا تقدير عند الكوفيين؛ بل هو جواب مُقدَّم من تأخير، ورد بأنه لو كان كذلك لما افترق المعنيان، وهما مفترقان. ففي التقديم مبْنى الكلام على الجزْم، ثم طرأ التوقف، وفي التأخير مبْنَى (١) كذا في الأصل وفيه خفاء ولعل الكلام تصحيفاً. ٣٣٢ الكلام من أوله على الشرط. وبهذا يظهر قول الإمام: إن الأولى تقديم الشرط. وما حكاه عن الفراء غريب. وقال الصَّفِي: في صحة النقل نظر. وإن صح النقل فضعْفُهُ بِينٌ. وقال ((شارح اللمع)): يجوز أن يتقدم الشرط في اللفظ، كما يجوز تأخره، قياساً على الاستثناء على الأصح، لأنه لا فرق بين قوله: أنت طالق إن دخلت الدار، وبين قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق. قال: ومن شرطه أن يقصد إلى الشرط. فإن جاء به على جهة العادة لم يصح على المشهور. وفي الوقت الذي يعتبر فيه القصد وجهان كالاستثناء. قلت: لو قال لزوجته: طلقى نفسك ثلاثاً إن شئت، فطلَّقَتْ واحدة يقع. ولو قال: إن شئت طلقي نفسَك ثلاثاً فطلقت واحدة. قال ابن القاصّ: لا يقع شيء. ووافقه الأصحاب؛ وكان ينبغي أن يقع واحدة لجواز تقدم الشرط وتأخره. [المسألة] السابعة: قد يرد الكلام عُرْياً عن الشرط مع كونه مراداً فيه، ويُبَيْنٌ في موضع آخر كقوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [سورة البقرة / ١٨٦] فإنه مقيد بقوله: ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [سورة الأنعام / ٤١]. [الشرط مخصص للأحوال لا للأعيان] [المسألة] الثامنة: نقل صاحب ((المصادر)) عن الشريف المُرْتَضَىَ مَنْعَ كون الشرط يدل على التخصيص، وقال: الشرط لا يؤثر في زيادة ولا نقصان، ولا يجري مجرى الاستثناء والصفة. وجزم به صاحب ((المصادر))، فقال: لا يجرى مجرى الاستثناء في التخصيص، لأن الاستثناء تقليل في العدد قطعاً بخلاف الشرط؛ لأن قولك: أعط القوم إن دخلوا الدار لا يقطع بأن بعضهم خارجٍ من العطية؛ بل يجوز أن يدخل الكل فيستحقوا العطية، فإذن الشرط غير مخصِّص للأشخاص والأعيان كالاستثناء. وإنما هو مخصص للأحوال من حيث إن الأمر بالعطية لو كان مطلقاً لا يستحقونها على كل حال. فإذا شرط بدخول الدار يخصص بتلك الحالة التي هي دخول الدار. ٣٣٣ قال: وذكر القاضي عبد الجبار أن الشرط ((إن)) يخصص ما دخله، إلا أن يَدخل للتأكيد فلا، كقوله: إن تطهرتَ فَصَلِّ، لأنه ليس بشرط في التحقيق. انتهى. والمشهور أن الشرط من المخصصات مطلقاً، لأن الجزاء والشرط جملتان صيرهما حرف الشرط كلاماً واحداً، فيتقيد إحداهما بقيد الأخرى وتخصيصها بالاستثناء كذلك، وبذلك أشبه الشرطُ الاستثناء. فإذا قلت: أكرم بني فلان إن كانوا علماء، صار كقولك أكرم بني فلان إلا أن يكونوا جُهَّالاً. وكذا إذا قال: من جاءك من الناس فأكرمه، ومن دخل الكعبة فهو آمن. غير أن الاستثناء لابد فيه من إخراج كما تقدم، والشرط يُقَيِّد فلا يشترط فيه الإخراج إلا على ما سبق ذكره. وقال ابن العارض في ((النكت)): الاستثناء يُخْرِجُ الأعيان، والشرط يخرج الأحوال. وقال إنْكِيا الطبري: من حق الشرط أن يخص المشروط، وليس من حقه أن يختص به. وقال المَاوَرْدِي والرُّوياني: إنما يكون الشرط للتخصيص إذا لم يقم دليل على خلافه، وإلا فلا اعتبار به، ويُصْرف بالدليل عما وضع له من الحقيقة إلى المجاز، كقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن﴾ [سورة الطلاق / ٤] وحكمها في العدة مع وجود الرِّيّة وعدمها سواء. وقال ابن السَّمْعاني: يكون تخصيصاً إلا أن يقع موقع التأكيد، أو غالب الحال يصرف بالدليل عن حكم الشرط، كقوله: ﴿إِن خفتم﴾ [سورة النساء / ١٠١] فإن الخوف تأكيد لا شرط، وقوله: ﴿اللاتي دخلتم بهن [فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم]﴾ [سورة النساء / ٢٣]. [المسألة] التاسعة: لا خلاف في وجوب اتصال الشرط في الكلام، وإن اختُلِفَ في الاستثناء، ولا خلاف في أنه يجوز تقييد الكلام بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي، ولا يأتي فيه الخلاف في الاستثناء، قاله الإمام. قال الهندي: وهذا يجب تنزيله على ما علم أنه كذلك، وأما ما يجهل فيه الحال فيجوز أن يقيّد، ولو بشرط لا يبقى من مدلولاته شيء، كقولك: أكرم من يدخل الدار إن أكرمك، وإن اتفق أن أحداً منهم لم يكرمه. ٣٣٤ [المسألة] العاشرة: اختلفوا في الجمل المتعاطفة إذا تعقبها شرط، هل يرجع إلى الجميع أو يختص بالأخيرة؟ على طريقين: أحدهما: على قولين، وممن حكاها الصيرفي في كتابه الدلائل، فقال: اختلف أهل اللغة في ذلك، فقال قوم: يرجع إلى ما يليه حتى يقوم دليل على إرادة الكل. وقال قوم: بل يرجع إلى الكل حتى يقوم دليل على إرادة البعض. ثم اختار الصَّيْرفيّ رجوعه إلى الكل، لأن الشرط وقع في آخر الكلام، فَلَمْ يكن آخر المعطوفات أوْلى به من غيره، فأَمضي على عمومه. وحكى الغزالي عن الأشعرية عدم عوده إلى الجميع. وقال ابن العارض المعتزلي في ((النكت)): الذي في كتب علمائنا كثيراً رجوعه إلى الجميع. ويفرقون بينه وبين الاستثناء. ومنهم من سَوَّى بينهما في ردّه إلى الجميع /، قال: ووجدت بعض ١٦٨/ب الأدباء يسوِّي بينهما في الرجوع إلى ما يليهما. والطريقة الثانية: القطع بعوده إلى الجميع، والفرق أن الشرط منزلته التقدم على المشروط، فإذا أخر لفظاً كان كالمُصَدَّر في الكلام، ولو صُدِّرَ لتعلق بالجميع، فكذا المتأخر. وعلى هذا جرى ابن مالك في باب الاستثناء من ((شرح التسهيل))، فقال: واتفق العلماء على تعلق الشرط بالجميع في نحو: لا تصحب زيداً ولا تَزُرْهُ ولا تكلمه إن ظلمني، واختلفوا في الاستثناء. انتهى. وهو ما أورده القَفَّال والَمَاوَرْدِي قالا: إلا أن يخصّه دليل. ونقل الأستاذ أبو إسحاق فيه اتفاق أصحابنا. لكن في كتب الفروع عن ابن الحَدَّاد إذا قال: أنت طالق واحدة وثلاثاً إن دخلت الدار، أنّ الشرط يتعلق بالأخيرة. ونقل أصحاب ((المعتمد)) و((المصادر)) و((المحصول)) وفِاقَ أبي حنيفة لنا على ذلك، لكن القاضي ابن كُج والمَاوَرْدِي حكيا عن أبي حنيفة اختصاصه بالأخيرة على قاعدته في الاستثناء. قال المَاوَرْدِي: وهو غلط لقوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [سورة المائدة / ٨٩] إلى قوله: ﴿فمن لم يجد﴾ [سورة المائدة / ٨٩] فهو عائد إلى جميع ما تقدم لا إلى الرقبة. ٣٣٥ ومثّلَ القَفَّال والصَّيْرفي لتخصيصه ببعض المعطوفات بقوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] فإن الشافعي قصر الشرط على الربائب دون أمهات النساء، لدليل قام عنده في ذلك لا يصلح رده إلى الأمهات، لأن الشرط لو اقترن به لم يستقم. ألا ترى أنه لو قيل: وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن لم يكن للكلام معنى ! لأن أمهات نسائنا أمهات أزواجنا، وهي نساؤكم اللاتي دخلتم بهن من أزواجكم فكيف ترون أمهات أزواجنا من أزواجنا اللاتي دخلتم بهن"؟ وفي هذا بيان أنّ قوله: ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ [سورة النساء / ٢٣] وصف للربيبة. ألا ترى أنه يصلح أن يقال: هذه ربيبة لامرأة لي، قد دخلت بها، ولا يصلح أن يقال: هذه أم امرأتي من امرأة لم أدخل بها، ولهذا بطل رجوعه إلى الأولى. وإنما يرجع الاستثناء والشرط إلى جميع ما سبق إذا صلح أن يذكر مقروناً بكل واحد منهما كما سبق. انتهى كلام القَفَّال. وشرط ابن القُشَيْرِي للعود إلى الجميع ما سبق في الاستثناء، فقال: إذا كان الخطاب على جمل كل منها مستقل، ولو نيطت واحدة منها بشرط لم يقتض تعلقه بالكل، وكذا إذا توالت ألفاظ عامة يثبت المخصص في بعضها لم يوجب التخصيص فيما عداه، كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [سورة البقرة / ٢٢٨] الآية. واختار الرازي التوقف هنا، ولا بُعْدَ في توقف القاضي فيه على ما تقدم في الاستثناء، وتكلف الفرق بينهما ضعيف. تنبيهات [حكم الشّرَط أذا تَقَدم عَلى المَعَطوفات] الأول: هذا إذا تأخر الشرط . فإن تقدم قال الصَّفِيّ الهندي: اختص بما يليه عند من خصه بجملة. قلت: وصرح الصَّيْرفي بأن الحكم في تقدم الشرط على (١) كذا في الأصل والكلام مضطرب وفي الرّد تكلّف. ٣٣٦ 1 المعطوفات كحكمه إذا تأخر في العود إلى الكل. وبذلك جزم القاضي أبو الطيب فيما لو قال: إن شاء الله امرأتي طالق وعبدي حر، ومالي صدقة، وقصد الشرط أنه يرجع إلى الجميع. وصرح إلكِيا الطبرى بأنه إذا قدِّر للعموم شرط متقدم أو متأخر اقتضى تخصيص المشروط. وقال أبو الحسن السُّهَيْلي من أصحابنا في كتاب ((أدب الجدل)): مذهب الشافعي وكثير من أهل اللغة عود الشرط إلى الجميع، سواء تقدم الشرط الجمل أو تأخر عنها. وقال أبو حنيفة وأصحابه وكثير من أهل اللغة: إن كان الشرط في أول كلامه رجع إلى جميع ما يذكر عقبه، وإن كان في آخره رجع إلى أقرب مذكور إلا أن يقوم دليل على رجوعه إلى الجميع أو إلى أبعد مذكور. انتهى. وهذا التفصيل غريب . وجعل شارح ((اللمع)) الخلاف فيما إذا لم يقم دليل على رجوعه إلى الجميع أو البعض، فإن قام دليل على الجميع تعين قطعاً، كقوله تعالى: ﴿فكفارته) الآية [سورة المائدة / ٨٩]. فإن هذا الشرط يرجع إلى جميع الجمل بلا خلاف. وإن قام دليل على رجوعه إلى جملة منها رجع إليها كقوله: أنت طالق يا زانية إن شاء الله، فالاستثناء راجع إلى الطلاق لا إلى الزنا، لأنه صفة، فلا يصح تعليقه. [اذَا لَمَ يَكن الشرط مَنطوقاً به فَهَل يَعَود الى جميع الجمّل] الثاني: هذا إذا كان الشرط منطوقاً به، فلو لم ينطق به؛ ولكن دل عليه دليل من خارج في بعض المذكورات، فهل يكون كالمنطوق حتى يرجع إلى جميع الجمل؟ فيه وجهان . وهذه المسألة غريبة لم أرها إلا في تعليق ابن أبي هريرة. قال في باب قسم الفىء: إنّ سَهْمَ ذوي القربى يستحقونه مع الغِنى، بخلاف اليتامى فإنه شُرِط فيهم الحاجة، فإن قيل: إن الشرط عندكم إذا نيط بآخر الكلام نصاً أو دلالة رَجَعَ إلى أوله، وقد قام الدليل عندكم في اليتامى أنهم يُعْطَوْن مع الحاجة، فوجب عود هذا الشرط إلى ذوي القربى. قيل له: هذا قول قاله بعض أصحابنا، وهو خطأ، ونحن نفرق بين المنطوق به والمدلول عليه. هذا لفظه. ٣٣٧ [الفَرَق بَين الشّرَطِ وَالاسْتثناء] [المسألة] الحادية عشرة: فيما يفارق فيه الشرط الاستثناء. قال الماوَرْدِي والرُّؤْياني: الشرط يتعلق به إثبات ونفي، فيجرى مجرى الاستثناء من جهة إثباتهما حكماً ونفيهما آخر، ويفترقان من وجوه: منها: أن الاستثناء يخرج الأعيان، والشرط يخرج الأحوال. قاله ابن العارض في ((النكت)). ومنها: أن الشرط يُثبت الحكم في حال وجوده وینفیه في حال عدمه؛ والاستثناء يجمع بين النفي والإثبات في حالة واحدة، وربما يتقدم الحكم شرطً يقوم الدليل على ثبوت الحكم مع وجوده وعدمه، فلا يتعلق بالشرط إثباتٌ ولا نفي، ويُصْرَف بالدليل عما وضع له من الحقيقة كآية العدة. ومنها: أن الشرط لا يجوز تأخير النطق به في الزمان عن المشروط قطعاً، ويجوز ذلك في الاستثناء على قول. ومنها: أن الاستثناء لا يجوز أن يرفع جميع المنطوق به ويبطل حکمه بالإجماع، ويجوز أن يدخل الشرط في كلام يبطل جميعه بالإجماع، كقوله: أنتن طوالق إن دخلتن الدار، فلا تدخل واحدة منهن، ويبطل وقوع الطلاق. انتهى. ومنها: أنه يجوز في الشرط أن يكون الخارج به أكثر من الباقي بلا نزاع، بخلاف الاستثناء على قول. [المسألة] الثانية عشرة: يصح دخول الشرط على الشرط، فيكون الثاني شرطاً في الأول. ويسميه النحويون اعتراض الشرط على الشرط، كقوله تعالى: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن کان الله يريد أن يغویكم﴾ [سورة هود / ٣٤] ومعناه إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي، إن أردت أن أنصح لكم. وشرط ابن مالك في توالي الشرطين عدم العطف. قال: فلو عُطِفا فالجواب لهما معاً، كقوله تعالى: ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم ٣٣٨ أموالكم، إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا﴾ [سورة محمد / ٣٦ -٣٧] وقد يقال /: ٢/١٦٩ هذا من توالي فِعْلَيْ شرط لا من توالي شرطين، واختار الإمام في ((النهاية)) أن حكمه بالعطف كحكمه مع عدمه. [المسألة] الثالثة عشرة: المشروط، هل يجب أن يحصل آخر جزء من الشرط أو عقبه؟ قال صاحب ((النكت)): ذكر أبو هاشم في ((البغداديات)) أنه يقع مع آخر جزء منه. قال: والمحكي عن فقهاء العراق وأكثر الشافعية أنه يقع بعد الشرط. قال: وكذلك الخلاف في الإيقاع. ومنهم من فرق بين الشرط والإيقاع. قال: وفائدة الخلاف تظهر في قولهم: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها، فإنه يصح العقد عند أبي هاشم، ويلغو الشرط، وذلك أنه إذا وجب حصول المشروط مع حصول الشرط والشرط هو العقد، والمشروط حَلّه، والعقد وحَلَّه لا يجتمعان في وقت واحد. وجب أن يلغو الشرط ويصح العقد، وعلى قول مخالفيه أن المشروط يقع بعد الشرط، فيصح العقد في الأول، وينحل في الثاني. وقال الأصفهاني ((شارح المحصول)): العلة العقلية تتقدم على معلولها بالذات لا بالزمان على ما تقرر في علم المعقول. والشرط مع المشروط يجب أن يكون حكمه حكم العلة العقلية، لأن الشرط ما يتوقف عليه تأثير المؤثر، فإذا وجد وجد المؤثر التام، والمؤثر التام يقارنه وجود الأثر من غير ترتب، فإن المؤثر الشرعي حكمه حكِم المؤثر العقلي، وذلك لمطابقة الشريعة الحقيقة، ومنهم من نقل الخلاف في أنهما معاً، ولابد من ترتبه. واعلم أن الخلاف وجهان لأصحابنا حكاهما الرافعي في باب تعليق الطلاق وأصحهما أنه عقبه، ولهذا لو قال لغير المدخول بها: إن طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها لم يقع المعلق على الأصح. [المسألة] الرابعة عشرة: لا يلزم في الشرط وجوابه أن يكون اللزوم بينهما ضرورياً بالعقل، بل تكفي الملازمة بالوضع، فإذا قلت: إن جاء زيد أكرمته، فهذا لازم بالوضع، أي وضع المتكلم، وليس بالضرورة الإكرام لازماً للمجىء، ٣٣٩ وكلام ابن خروف من النحويين يقتضي اللزوم العقلي؛ فإنه قدّر في قوله تعالى: ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء﴾ [سورة النمل / ١٢] أن المعنى: وأخْرجْها، تخرج وإنما قدّره كذلك، لأنه لا يلزم من إدخالها خروجها، و((تخرجْ)) مجزوم على الجواب، فاحتاج أن يقدر جواباً لازماً وشرطاً ملزوماً حذفا، لأنهما نظيرا ما أثبت. لکن وقع في تقدیر مالا یفید، لأنه يلزم أنه إن أدخلها تدخل. والصواب - وبه قال ابن الصائغ من النحويين - أنه لاحاجة إلى ذلك، فإنَّ الادخال سبب في خروجها بيضاء بقدرة الله تعالى. ألا ترى أنه لا يلزم أيضاً من إخراجها أن تخرج بيضاء لزوماً ضرورياً إلا بضرورة صدق الوعد؟ [المسألة] الخامسة عشرة: عند أهل العربية أن الحكم هو الجزاء وحده، والشرط قيد بمنزلة الظرف والحال، حتى إن الجزاء إن كان خبراً فالشرطية خبرية. وإن كان إنشاء فإنشائية، وعند أهل النظر أن مجموع الشرط والجزاء كلام واحد، دل على ربط شيء بشيء، وثبوته له على تقدير ثبوته من غير دلالة على الانتفاء عند الانتفاء، وكل من الشرط والجزاء بمنزلة المبتدأ والخبر. وعلى الأول يتفرع مذهبنا في مفهوم الشرط، وعلى الثاني يتفرع قول الحنفية في إنكاره، وسنبينه هناك إن شاء الله تعالى. ٣٤٠