Indexed OCR Text
Pages 301-320
مسألة الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات على الأصح. وقال الحنفية: لا يقتضي ذلك، وجعلوا بين الحكم بالإثبات والحكم بالنفي واسطة، وهي عدم الحكم، ونقل في ((المعالم)) الاتفاق على الأول، والخلاف في الثاني. واختار مذهب الحنفية في ((المعالم))، وفي ((تفسيره الكبير)) في سورة النساء، ووافق الجمهور في ((المحصول)). وليس كما ادعى من الوفاق، فإن الخلاف عندهم موجود كما ذكر القَرَافي. قال الهندي: وبه صرح بعضهم، وهو الحق، لأن المأخذ الذي ذكروه موجود فيهما، وهو أن بين الحكم بالنفي، وبين الحكم بالإثبات واسطة، وهو عدم الحكم، وتركه على ما كان عليه قبل الاستثناء بلا فرق بين الاستثناء من النفي والإثبات، إذ الواسطة حاصلة . نعم، يلزم النفي المستثنى من الإثبات عنده، بناء على أنه الأصل قبل الحكم بالإثبات لا أن الاستثناء اقتضى ذلك، فإن قيل: له علي عشرة إلا درهماً كان معناه عنده أن الدرهم غیر محكوم عليه باللزوم، لا أنه محکوم علیه بعدم اللزوم، وحينئذ فعدم اللزوم لازم له بناء على العدم الأصلي. ولعل الإمام لهذا السبب خصص الخلاف بالاستثناء من النفي إذ لا يَظْهر للخلاف في الإثبات فائدة، فإن النفي ثابت فيه بالاتفاق، لكن المأخذ مختلف، فعندنا بسبب الاستثناء، وعنده بسبب البقاء على الحكم الأصلي. فمن هنا ظُنّ . عدم خلافه / فيها، ولهذا قيل: إن أبا حنيفة لا يفرق بين النفي والإثبات من جهة ١٦٣/ب الدلالة الوضعية، وإنما يفرق بينهما من جهة الحكم، وذلك أن السكوت عن إثبات الحكم، يستلزم نفي الحكم بالبراءة الأصلية، بخلاف السكوت عن النفي إذ لا مقتضى معه للإثبات، فهو يَحْمل كلام أهل العربية على نفي الحكم النفسي، وكلمة التوحيد على عرف الشارع. ٣٠١ قلت: والحنفية موافقون لنحاة الكوفة، إذ ذهبوا إلى أن قولك: قام القوم إلا زيداً، معناه الإخبار بالقيام عن القوم الذين فيهم زيد، وزيد مسكوت عنه لم يحكم عليه بقيام ولا بنفيه. وأبو حنيفة كوفي، فلهذا كان مذهبه كذلك، ومذهب سيبويه أن الأداة أخرجت الاسم الثاني من الأول، وحُكْمُهُ من حكمه. وهذا الخلاف في الاستثناء المتصل، وبه يظهر أن الخلاف في المتصل، لا في الأعم من المتصل والمنقطع؛ بل حكى القَرَافيّ في ((العقد المنظوم)) عن الحنفية أنهم أجْرَوا ذلك في التام والمفرَّغ، نحو ما قام إلّا زيد، قالوا: زيد غير محكوم عليه بالإثبات، والمعنى ما قام أحد إلا زيد. قال: ويلزمهم أن يُعْرِبُوه بدلاً لا فاعلاً، ويكون الفاعل مضمراً، تقديره ما قام أحد، فلا يكون زيد فاعلاً. والنحاة لا يجيزون حذف الفاعل، ونحن نقول: زيد فاعل بالفعل المنفي السابق قبل إلا، وهو الذي نسب إليه عدم القيام، فهو غير قائم. واحتج الجمهور بالإجماع عَلَى الاكتفاء بلا إله إلا الله في كلمة التوحيد، كما قال وَله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّ الله). ومما يحتج به على أن الاستثناء من النفي إثبات قوله تعالى: ﴿فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ [سورة النبأ / ٣٠]. واحتج الخصم بوجهين: أحدهما: أن الاستثناء مأخوذ من قولك ثنيت الشيء عن جهته، إذا صرفتّه عنها فإذا قلت: لا عالم إلا زيد، فهنا أمران: أحدهما: هذا الحكم. والثاني: نفس العدم. فقولك إلا زيد يحتمل أن يكون عائداً إلى الأول، وحينئذ لا يلزم تحقق الثبوت، إذ الاستثناء إنما يزيل الحكم بالعدم، فيبقى المستثنى مسكوتاً عنه غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات. ويحتمل أن يكون عائداً إلى الثاني، وحينئذ يلزم تحقق الثبوت، لأن ارتفاع العدم يحصِّل الوجود لا محالة، لكن عود الاستثناء إلى الأول أولى، إذ الألفاظ وضعت دالة على الأحكام الذهنية، لا على الأعيان الخارجية، فثبت أن عود الاستثناء إلى الأول أولى. الثاني: ما جاء من وضع هذا الاستثناء من غير أن يكون للإثبات كقوله عليه الصلاة والسلام: (لا نكاح إلا بولي)، (ولا صلاة إلا بطهور) والمراد في الكل مجرد ٣٠٢ الاشتراط. قال: والصور التي دل فيها على الإثبات، يجوز أن لا يكون مستفاداً من اللفظ، بل بدليل منفصل، وأجاب عن الدليل السابق بأن هذه الكلمة، وإن كانت لا تفيد الإثبات بالوضع اللغوي، لكنها تفيده بالوضع الشرعي؛ فإن المقصود نفي الشريك. وأما إثبات الإلهية فمتفق عليه. قال الشيخ تقي الدين في ((شرح الإلمام)): وكل هذا عندي تشغيبُ، ومراوغات جَدَلية، والشرع خاطب الناس بهذه الكلمة، وأمرهم بها لإثبات مقصود التوحيد، وحصل الفهم لذلك منهم، والقبول له منهم من غير زيادة ولا احتياج إلى أمر آخر، ولو كان وضع اللفظ لا يقتضي التوحيد، لكان أهم المهمات تعليم اللفظ الذي يقتضيه، لأنه المقصود الأعظم، والاكتفاء الذي ذكرناه عندنا في محل القطع بالظن، لكن هل هو لمدلول اللفظ، أو لقرائن اختصت به لا تبلغ إلى القطع؟ واعلم أن أكثر ما يستدل به الحنفية راجع إلى الشرط، وقد استعظم القَرَافي شبهتهم من (لا صلاة إلا بطهور) وليس كما زعم، وذلك لأن الخلاف في غير الشرط، فإن الاستثناء يقع في الأحكام والموانع والشروط. مسألة الاستثناء من التحريم إباحة، ولم يتعرض لها الأصوليون، وذكرها صاحب ((الذخائر)) من الفقهاء في باب العِدَد في قوله ◌َيقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً). واستشكل الاستدلال بالحديث على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها. وقال القاضي الحسين في تعليقه: هذا استثناء للواجب من المحرم، لأن الإحداد على غير الزوج فوق الثلاث حرام، وعلى الزوج واجب. وإنما الصحيح أنه يستثنى الواجب من الجائز، والحرام من المباح، ويمكن الاحتجاج بالحديث على جواز الاستثناء من غير الجنس . ٣٠٣ ، مسألة [الاستثناء مِن الاستثناء] يصح الاستثناء من الاستثناء، وحكى ابن العربي في ((المحصول)) عن بعضهم مَنْعَهُ. وقال صاحب ((الذخائر)) في باب الإقرار: حكى بعض الفقهاء عن بعض أهل العربية منْعَه، لأن العامل في الاستثناء الفعل الأول بتقدير حرف الاستثناء، ولا يعمل عامل في أحد المعمولين. ولنا قوله تعالى: ﴿إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته﴾ [سورة الحجر / ٥٩ - ٦٠] قال أبو عبيد وغيره: استثنى الآل من القوم، ثم استثنى امرأته . قال القاضي مُجَلِي في ((الذخائر)) في كتاب الطلاق: وذهب الأكثرون إلى أن الأول استثناء منقطع، ولم يحك الزَّجَّاجى سواه. ووجهه أن الله تعالى قال: ﴿إِنا أرسلنا إلى قوم مجرمين﴾ [سورة الحجر / ٥٨] أي لإهلاكهم، فلا يصح استثناء آل لوط منهم؛ لأنهم ليسوا من المجرمين؛ بل هو كلام مستأنف، معناه: لكن آل لوط، فإنهم منجون. ثم قال: إلا امرأته استثناها من المنجين، وجعلت من الهالكين، فتكون مستثناة. قال: وهذا قَدْحُ في الاستدلال بالآية، لكن الدليل على الجواب لسان العرب. وقد ترجم عليه سيبويه: باب تثنية المستثنى إذا ثبت ذلك، فتقول: الاستثناءات المتعددة إن كان البعض معطوفاً على البعض كان الكل عائداً إلى الأول المستثنى منه، وأسقط المجموع من العدد، ويلزم الباقي نحو له عَلىّ عشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة، وإلا اثنين، فيلزمه واحد. هكذا أطلقه الأستاذ أبو إسحق وأبو منصور. وقال القاضي أبو الطيِّب في تعليقه: هذا إذا كان المجموع ناقصاً عن المستثنى منه، فإن كان مساوياً أو أزيد بعضها أو مجموعها، فإن حصلت المساواة بالاستثناء (١) كذا في الأصل. ٣٠٤ 1 الأول فلا شك في فساده، وإن حصلت بالأول والثاني مثلاً، وكان الثاني مساوياً للأول، وقد تعذر رجوعه مع الأول إلى المستثنى منه، وتعذر رجوعه إلى الثاني بالعطف والمساواة فيفسد لا محالة. وهل يفسد معه الأول أيضاً حتى لا يسقط من المستثنى منه شيء، أم يخص الثاني بالفساد، لأنه نشأ منه؟ فيه احتمالات. قال الهندي: والظاهر الثاني، وإن كان الثاني أنقص من الأول، تعارضا. أما إذا لم يكن البعض معطوفاً على البعض، فنقل الأستاذ أبو / إسحاق ١/١٦٤ وأبو منصور إجماع أصحابنا على رجوع الاستثناء الثاني إلى الأول، ويوجب ذلك الزيادة في الأصل كقوله: له علي عشرة إلا درهمين إلا درهماً، فأسقط من الدرهمين اللذين استثناهما من العشرة درهماً، فيبقى درهم، فيلزمه تسعة. وكذا قال سليم في ((النقريب)): يرجع كل واحد إلى الذي يليه، فإذا قال: له عليّ عشرة إلا أربعة، إلا ثلاثة، إلا اثنين إلا واحداً، لزمه ثمانية. وكذا قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: يرجع كل واحد منها إلى الذي يليه، فإن كان الأول إثباتاً كان هو نفياً، وإن كان نفياً كان هو إثباتاً؛ فإذا قال: أنت طالق خمساً إلا أربعاً إلا اثنين إلا واحدة طلقت طلقتين، لأن قوله: خمساً إثبات. وإذا قال: إلا أربعاً كان نفياً، تبقى واحدة. فإذا قال: إلا اثنتين فيقع عليها ثلاث. فإذا قال: إلا واحدة كان نفياً فيبقى طلقتان. اهـ. قلت: لكن لا إجماع، فقد حكى الرافعي عن الحَنَاطِي احتمالاً فيما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، فإنه يحتمل عود الاستثناء الثاني إلى أول اللفظ، أعني المستثنى منه. قلت: وهو قويّ، فإن الأول ليس له مأخذ غير القرب، وهو لا يوجب ذلك، إنما يقتضي الرجحان. وقال الإمام فخر الدين: هذا إذا كان أقل من الأول. يعني كما دل عليه أمثلتهم. فإن كان الثاني أكثر من الاستثناء الأول أو مساوياً له عاد الكل إلى المتقدم، وهو المستثنى منه، نحو عليّ عشرة إلا اثنتين إلا ثلاثة إلا أربعة، ويلزمه واحد، وتبعه في ((المنهاج)). وقال صاحب ((الذخائر)): هذا إذا كان الاستثناء الثاني مما يمكن إخراجه من ٣٠٥ الأول، فإن لم يمكن فإن الثاني لغو. ويعمل الأول. فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقة إلا طلقة لغا الثاني، وصار كقوله ثلاثاً إلا طلقة، فتطلق طلقتين. وكذلك إذا كان الثاني أكثر من الأول، كقوله: ثلاثاً إلا طلقة إلا طلقتين يلغى قوله إلا طلقتين. قال: هذا مقتضى المذهب. وقد حكى السِّيرافي عن أهل اللسان في هذا المحل قولين: أحدهما: إعمال الاستثنائين لجعلهما بمثابة استثناء واحد، حتى لو قال: علي عشرة إلا درهماً إلا درهماً يسقطان من العشرة، ويصير مقراً بثمانية. وحكى عن سيبويه أنه إذا قال: ما أتاني إلا زيد إلا عمرو يكونان جميعاً أتياهُ. فعلى هذا إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة إلا واحدة، تطلق طلقة. وإذا قال: ثلاثاً إلا طلقة إلا طلقتين. تطلق ثلاثاً. كقوله ثلاثاً إلا ثلاثاً. وحكى عن الفراء أنه إذا كان الثاني أكثر من الأول كقوله: عليّ عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة أن الثاني يكون منفياً(١)، كأنه قال: عليّ عشرة إلا ثلاثة، بقيت سبعة. ثم قال: إلا أربعة، فيضاف إلى السبعة. فيصير أحد عشر، فعلى هذا ومثله الطلاق مع الثلاث، لأنا إذا أضفنا الاثنين في الاستثناء الثاني إلى ما بقي من الثلاث بعد الاستثناء الأول صار أربعاً، ثم بقيت الثلاث. انتهى. وما نقله عن الفراء، حكاه غيره، وأنه إذا قال له: عليّ عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، تكون الثلاثة مستثناه من العشرة، فيبقى سبعة. ويزال منها أربعة، فيكون المقَرُّ به ثلاثة(٢). وذكر الرافعي في كتاب الإقرار فيما إذا قال: له عليّ عشرة إلا خمسة إلا خمسة. لزوم عشرة، لأن الثاني مستغرق للأول فيُلْغيه. وذكر فيه أيضاً فيما إذا قال: له علي عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة أن الثاني يكون توكيداً، وحكى فيه في كتاب الطلاق وجهين من غير ترجيح: أحدهما هذا. والثاني: يلزمه عشرة، لأن الاستثناء من النفي إثبات. أما إذا كان الاستثناء الأول مستغرقاً للمستثنى منه دون الثاني لأنه من باطل، (١) سياق الكلام يقتضي ((يكون مثبتاً)). (٢) كذا ومقتضى السياق ((أحد عشر)). ٣٠٦ يلزمه أربعة، ويصح الاستثناءان، لأن الكلام إنما يتم بآخره. قال ابن الصباغ وهذا أقيس. والثالث: يلزمه ستة لأن الأول باطل. والثاني: يرجع إلى أول الكلام. قلت: والثاني هو نظير ما صححوه من الطلاق في أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين أنه يقع اثنتان. مسألة الاستثناء الوارد بعد مُمل متعاطفة يمكن عوده لجميعها ولبعضها. ومثّله ابن کُج في كتابه بقوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [سورة الفرقان / ٦٨] إلى قوله: ﴿إلا من تاب﴾ [سورة الفرقان / ٧٠] فيه مذاهب: أحدها: وهو قول الشافعي كما قاله المَاوَرْدِي والرُّوياني أنه يعود إلى جميعها مالم يخصه دليل كقوله: ﴿إنما جزاء الذي يحاربون الله ورسوله﴾ الآية [سورة المائدة / ٣٤] ونقله البيهقي في ((سننه)) في باب شهادة القاذف عن نص الشافعي، فقال: قال الشافعي: والثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل اللغة لا يفرق بين ذلك أحد. انتهى. وقال في ((الأم)) في باب الخلاف في إجازة شهادة القاذف: قال الشافعي لمن يناظره: أرأيت رجلاً لو قال: لا أكلمك أبداً، ولا أدخل لك بيتاً، ولا آكل لك طعاماً، ولا أخرج معك سفراً، وإنك لغیر حمید عندي، ولا أکسوك إن شاء الله، أيكون الاستثناء واقعاًعلى ما بعد غير حميد عندي، أم على الكلام كله؟ قال: بل علی الکلام کله. انتهى. وقال القَفَّال الشاشي: إنه الذي جرى عليه الشافعي. وقال القاضي أبو الطيب: إنه المحكي عن الشافعي وأصحابه، قال: وما وجدت من كلامه ما يدل عليه إلا أنه قال في كتاب ((الشاهد واليمين)): إذا تاب، قبلت شهادتهم، ذلك بينٌ في كتاب الله تعالى، وهذا يدل على أن الاستثناء رده إلى الفسق ورد الشهادة. ٣٠٧ وقد استدل أبو إسحاق الّرْوزي وغيره من أصحابنا على قبول شهادته بعموم الاستثناء، وأنه راجع إلى الجميع. انتهى. وقال المَازَرِي: نسبه ابن القصّار لمالك، وهو الظاهر من مذاهب أصحابه، وحكاه صاحب ((المصادر)) عن القاضي عبد الجبار. وقال ابن القُشَيْرى: قال القاضي: لو قلنا بالعموم فأوْضَحُ المذاهب صَرْفه إلى الجميع، وهذا الراجح عند الحنابلة ونقلوه عن نص أحمد، فإنه قال: في قوله وَلّ: (لا يؤمَّن الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) قال: أرجو أن يكون الاستثناء على كله. والثاني: أنه يعود إلى الأخيرة خاصة، إلا أن يقوم الدليل على التعميم. وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحابه. واختاره الإمام فخر الدين في ((المعالم)). وقال الأصفهاني في ((القواعد)): إنه الأشبه، ونقله صاحب ((المعتمد)) عن الظاهرية، وحكاه صاحب ... (١) عن أبي عبد الله البصري، وأبي الحسن الكرخي، وإليه ذهب أبو علي الفارسي، وحكاه إلّكِيا الطبري وابن برهان عن الفارسي، واختاره الَهَابَاذي من النحويين في ((شرح اللمع)). وقد يظن أن ذلك مذهب الشافعي، فإن الشيخ أباإسحق قال: وإن قال أنتِ ١٦٤/ب طالق / طلقة وطلقة إلا طلقة ففيه وجهان: أحدهما: تطلق طلقة. والثاني: وهو المنصوص أنها تطلق طلقتين. لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه، وهو الطلقة واستثناء طلقة من طلقة باطل، فيسقط، وتبقى الطلقتان. انتهى. وقال ابن الصباغ في كتاب الطلاق: قال في ((البويطي)): إذا قال: أنت طالق ثلاثاً وثلاثاً إلا أربعاً، وقعت ثلاثاً. وهذا إنما هو لأنه أوقع جملتين، واستثنى إحداهما بجملتها، فلم يقع لأن الاستثناء يرجع إلى الأخير من الجملتين. اهـ. أي ولو عاد إلى الجميع. لوقع طلقتان، وكأنه قال: ستاً إلا أربعاً. والجواب أنه ليس المأخذ ما ظنوه، وإنما قاله الشافعي مفرعاً على أن المفرَّق لا يُجمعِ، وهو الأصح. فإن قلنا: يجمع وقع طلقتان، وكأنه قال: ستاً إلا أربعاً، تفريعاً على أن الاستثناء يرجع إلى الملفوظ، فإن عاد إلى المنوي وقع الثلاث. ثم إن (١) بياض في الأصل. ٣٠٨ هذا لبس، ويدل لهذا قول القاضي أبي الطيب في باب الإقرار من («تعليقه)): لو قال: عليَّ درهم ودرهم إلا درهماً، فالذي نص عليه الشافعي أنه يلزمه درهمان، لأنه ذكر جملتين، ثم عقبهما بالاستثناء، والاستثناء يرجع لما يليه، وهو يستغرقه، فلا يبقى شيء فيبطل. كما لو قال: عليّ درهم إلا درهماً لا يصح الاستثناء، فكذلك هنا. وكذا لو قال: أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة يقع طلقتان. ونص الشافعي على هذه المسألة في كتاب إباحة الطلاق. قال القاضي: ومن أصحابنا من خرّج فيها وجهاً أنه يصح الاستثناء، ويلزمه درهم واحد، وطلقة واحدة، واحتج بأن الجملتين إذا كان بينهما حرف العطف كانتا بمنزلة الجملة الواحدة، فهو بمنزلة أن يقول: على درهمان إلا درهماً، وأنت طالق طلقتين إلا طلقة. وهذا خلاف النص، وإن كان له وجه. انتهى. وتمسك القائلون بهذا بأن الموجِب لتعليق الاستثناء بالمتقدم كونه لا يفيد بنفسه، فإذا تعلق بالأخيرة صار مفيداً. فلا حاجة إلى صرفه إلى غيره. ولنا أن الجمل إذا تعاطَفَتْ صارت كالجملة الواحدة بدليل الشرط والاستثناء بالمشيئة، فإنهما يرجعان إلى ما تقدم إجماعاً، فإن فَرَقَ بأن الشرط قد يتقدم كما يتأخر، فيجوز أن يوقف ما قبل الآخر على الاتصال بالشرط، ولا كذلك الاستثناء. قلنا: هذا لا يؤثر في الجمع إذ تعليقه على ما يليه لا يمنع من تعليقه على ما تقدم، والذي يليه والمتقدم والمتأخر في هذا الفرق سواء. قال القرطبى: وقد خالف أبو حنيفة أصله، فإنه يلزمه أن لا يقبل التوبة قبل الحد ولا بعده، كما ذهب إليه شريح، لكنه قال بقبولها قبله لا بعده، فخالف أصله . تنبيه قياس مذهب الحنفية أن الاستثناء إذا تقدم اختص بالجملة الأولى، لأنها التي تلیه، ويحتمل خلافه. والثالث: الوقف بين الأمرين، فيجوز أن يصرف إلى الأول وإلى المتوسط وإلى ٣٠٩ الأخير؛ ولكن في الحال توقف، والمتّبع الدليل، فإن قام دليل على انصرافه لأحدها صرنا إليه. قال أبو الحسين بن فارس في كتاب ((فقه العربية)): فإن دل الدليل على عوده إلى الجميع عاد، كآية المحاربة؛ وإن دل على منعه امتنع، كآية القذف. قال سليم في ((التقريب)): وهو مذهب الأشعرية. وحكاه ابن برهان عن القاضي واختاره الغزالي، والإمام فخر الدين في ((المنتخب))، وصرح به في ((المحصول)) في الكلام على التخصيص، وحكاه إلّكِيًا الطبري عن اختيار إمام الحرمين. قال: فقيل له : فقد قال الشافعي: إذا قال الواقف: وقفت داري على [بني] فلان، وحَبَّسْتُ أرضي على بني فلان، وذكر نوعاً آخر، ثم قال: إلا الفُسّاق، فيصرف الاستثناء إلى الكل. فأجاب بأن ذلك ليس لظهور الاستثناء في الأنواع، ولكن للتعارض بين الأمرين. وهما احتمال عوده إلى الجميع، أو إلى ما يليه، والتوقف فيه، ولا صَرْف مع التوقف. قال إلْكِيا: وهذا المأخذ غير مرْضيّ. فإن التوقف في المستثنى، يوجب التوقف في المستثنى منه، حتى لا ينصرف إلى العُدُول أيضاً. ونحن نصرف كل المال إلى العدول، والتوقف يقتضي التوقف في حق الكل، فإنا لا ندري أنهم يستحقون أم لا، وهو كالتوقف في الميراث للحمل. ونقل ابن القُشَيْري والمازَري عن إمام الحرمين مسلك التفصيل في التوقف، فرأى أن الجمل إن كانت متناسبة، والغرض منها متحد، فاللفظ متردد، ولا قرينة؛ وإن كانت مختلفة الجهات متباينة المأخذ، فالظاهر الاختصاص بالجملة الأخيرة لانقطاع ما بين الجمل في المعنى والغرض؛ وإن أمكن انعطافه على جميعها. وهذا ما اختاره إلّكِيا الطبري، فقال: نعم، لو تباينت الجمل في الأحكام بأن يَذْكرَ حكماً، ثم يأخذ في حكم آخر. فالأول: منقطع والاستثناء لا يعمل فيه، وإن صرح به، والواو هنا لا تعد مشرِّكةً ناسقة للنظم، كقولك: ضرب الأمير زيداً، وخرج إلى السفر، وخلع على فلان. قال: وهذا حسن جداً، وبه تَهَذَّب مذهب الشافعي، ويغني عما عداه. ٣١٠ واعلم أنهم حكوا قول الوقف عن الشريف المُرْتَضَى، وأنه يغاير مذهب القاضي من جهة أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله لغة، والمرْتَضَى توقف لكونه عنده مشتركاً بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخيرة فقط، وهو من باب الاشتراك في المركبات لا في المفردات. قلت: والذي حكاه صاحب ((المصادر)) عن الشريف المُرْتَضَى أنه يقطع بعوده إلى الجملة الأخيرة، وتوقف في رجوعه إلى غيرها لما تقدم، فجّوَّز صرفه إلى الجميع، وقصْرَه على الأخيرة، كمذهبه في الأمر. هذا لفظه، وهو أثْبَتُ منقولٍ عنه، لأنه على مذهبه الشيعي. والرابع: إن كانت الجمل كلها سِيقَتْ لمقصود واحد انصرف إلى الجميع، وإن سيقت لأغراض مختلفة اختص بالأخيرة. حكاه ابن برهان في ((الأوسط)) عن عبد الجبار. والخامس: إن ظهر أن الواو للابتداء كقوله: أكرم بني تميم والنحاة البصريين إلا البَغَادَّة، اختص بالأخيرة؛ وإن ترددت بين العطف والابتداء فالوقف. والسادس: إن كانت الجملة الثانية إعْراضاً وإضراباً عن الأولى اختص بالأخيرة، وإلا انصرف إلى الجميع. حكاه ابن برهان عن أبي الحسين البصري. والذي وجدته في ((المعتمد)) حكاية هذا عن عبد الجبار، وسكت عليه أبو الحسين، وقرر دلیله. وحكى في ((المحصول)) عن أبي الحسين أنه إن كان بينهما تعلق عاد إلى الجميع، وإلا اختص بالأخيرة. وقال: إنه داخل في التحقيق، وإنه حق، ثم قال ابن برهان: والحق في ذلك قول أبي الحسين البصري وهو المعتمد، وهو مذهب الشافعي. قال: ولم يُنقَل عن الشافعي نص في هذه المسألة بخصوصها، وإنما أخذ من مذهبه في مسألة المحدود بالقذف، ونحن نبين أن الشافعي إنما صار إلى ذلك لأن ذكر الجمل هناك لم يكن إضراباً عن الجملة المتقدمة، لأن الآيات / سيقت ١٦٥/أ لغرض واحد، وهو الجزاء على تلك الجريمة. انتهى. وقد اختاره ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) أيضاً، فقال: إذا لم يكن خروجاً من ٣١١ قضية إلى قضية أخرى لا يليق بها عاد إلى الكل وإلا اختص بالأخيرة، ونظيره: اضرب بني تميم والأشراف هم قريش، إلا أهل البلد الفلاني. وهذا لأنه لما عدل عن الأول إلى مثل هذا، وأحدهما لا يليق بالآخر ، أو إحداهما قضية والأخرى قضية أخرى، دل على أنه استوفى غرضه من الأول، لأنه لا شي أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام. وعلى هذا إذا قال: من استقامت طريقته فأكرمه، ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب، فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه أيضاً. انتهى. وحاصله أنه إن صلُّحَ العود إلى الكل عاد إليه، وإلا فلا، وهذا تحرير لمذهب الشافعي في الحقيقة كما سيأتي، فلا ينبغي أن يعُدّ مذهباً آخر. وقال المُقْتَرحُ: لا خلاف في صلاحية اللفظ لعوده إلى الجميع أو البعض، وإنما النزاع في أنه هل هو ظاهر في الجميع، ولا يحمل على الأخيرة إلا بدليل أو بالعكس؟ فأبو حنيفة يقول بالثاني، والشافعي بالأول. وقال صاحب ((المصادر)): الخلاف في هذه المسألة إنما نشأ من اختلافهم في الفروع من المحدود في القذف، هل تقبل شهادته بعد التوبة أم لا؟ على معنى أنهم اختلفوا في هذه المسألة التي هي فرع، حداهم هذا الاختلاف الذي هو أصل لذلك الفرع، لا أنهم ذهبوا فيما هو فرْعُ هذا الأصل إلى مذاهب، ثم رتبوا عليه هذا الأصل، لأن هذا عكس الواجب من حيث إن الفرْع يترتب على أصله، ويستوي عليه لا أن يترتب الأصل على فرعه ويستوي عليه، فإن ذلك بمنزلة تسوية الصنجة على مقدار المبتاع في أنه غير صحيح ولا مستقيم، إذ الصحيح المستقيم أن يستوي مقدار المبتاع الموزون على الصنجة المعتدلة. انتهى. واعلم أن للقول بعوده إلى الجميع عندنا شروط: الأول: أن تكون الجمل متعاطفة، فإن لم يكن عطف، فلا يعود إلى الجميع قطعاً، بل يختص بالأخيرة إذ لا ارتباط بين الجملتين. وممن صرح بهذا الشرط القاضيان: أبو بكر في ((التقريب))، وأبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق، (١) كذا بالأصل واللفظ مضطرب ومعناه واضح. ٣١٢ ١٠٧ وابن السَّمْعاني، وابن القُشَيري، والآمدي، وابن الساعاتي، والهندي، وغيرهم. وأما مَنْ أطلق ذلك فأمره محمول على أنه سكت عن ذلك لوضوحه. وأمثلتهم وكلامهم يرشد إلى أن المسألة مصورة بحالة العطف. ويدل لذلك قول أصحابنا في كتاب الطلاق: لو قال: يا طالق أنت طالق ثلاثاً إن شاء الله، أن الاستثناء منصرف إلى الثلاثة، ووقعت واحدة بقوله: يا طالق، ولوكان العطف لا يشترط، لكان الاستثناء عائداً إلى الجميع. وأما ما فهمه القَرَافي من جريان الخلاف، وإن لم يعطف، فغرّه إطلاق الرازي وغيره، فإنه إذا لم يكن عطف فلا ارتباط بينهما. نعم، ذكر البيانيون أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط بين الجملتين، كقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [سورة البقرة / ٢] فإذا كان مثل ذلك فلا يبعد مجىء الخلاف، ويحتمل أن يقال: إنهما كالجملة الواحدة، لأن الثانية كالمؤكدة للأولى، فيعود للجميع قطعاً. وقد حكى الرافعي في باب الاستثناء في الطلاق أنه لو قال: أنت طالق، أنت طالق، إن شاء الله، وقصد التأكيد أنه يعود للجميع. ولم يحك فيه خلافاً. وكذا لو قال: أنت طالق واحدة ثلاثاً إن شاء الله من غير واحد، فلا يقع شيء، لأن الواحدة المتقدمة عائدة إلى الثلاث، والاستثناء راجع إلى جميع الكلام. نعم، قال القَرافي في ((كتاب الأيمان)» فيما لو قال: إن شاء الله أنت طالق، عبدي حر، أنها لا تطلق، ولا يعتق. قال: وليكن هذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما جميعاً. فإن أطلق فيشبه أن يجيء فيه خلاف في أنه يختص بالجملة الأولى، أم يعمّهما؟ قال في ((الروضة)): قلت: الصحيح التعميم. واستفدنا من هذا فائدتين: إحداهما: أن الخلاف جار مع عدم العطف. والثانية: أن المسألة لا تختص بما إذا تأخر الاستثناء، بل تكون في حالة تأخره، وحاله تقدمه، وهو خلاف قول الأصوليين في الاستثناء إذا تعقب جملاً. وهي مسألة حسنة. الشرط الثاني: أن يكون العطف بالواو، فإن كان بثم اختص بالجملة الأخيرة. ذكره إمام الحرمين في تدريسه، حكاه عنه الرافعي في باب الوقف، بعد أن صرح أن أصحابنا أطلقوا العطف. وعليه جرى الآمدي، وابن الحاجب، ٣١٣ وابن الساعاتي، والعجب أن الأصفهاني في ((شرح المحصول)) حكاه عن الآمدي، وقال: لم أر من تقدمه به؛ لكن ذكر الإمام في ((النهاية)) من صور الخلاف التمثيل: بثمَّ، وصرح بأن مذهبنا عوده إلى الجميع، والظاهر أن ((ثم، والفاء، وحتى)) مثل ((الواو)) في ذلك. وقد صرح القاضي أبو بكر في ((التقريب)) ((بالفاء)) وغيرها، فقال: وهذه سبيل ◌ُمل عُطف بعضها على بعض بأيّ حروف العطف عطفت، من (فاءٍ وواو)) وغيرها. انتهى. وأطلق ابن القُشَيْرِي والشيخ أبو إسحاق أن صورة المسألة أن يجمع بين الجمل بحرف من حروف العطف جامع في مقتضى الوضع، ويوافقه ما ذكره ابن الصباغ في كتاب ((العدة)) فإنه قال: ومن أصحابنا من احتج بأن واو العطف يشترك(١) بين الجملتين فتجعلان كالجملة الواحدة، وهذا يخالف ما نص عليه الشافعي، فإنه قال: إذا قال أنت طالق، وطالق، فطالق، إلا واحدة لم يصح الاستثناء، ولو كان الإيقاع جملة واحدة صح الاستثناء. هذا لفظه، وهو صريح في أنه لا فرق بين الواو والفاء. وإن كانت للترتيب. وأما بقية حروف العطف فلا يتأتى فيها ذلك، لأن ((بل، ولا، ولكن)) لأحد الشيئين بعينه، فلا يصح عوده إليهما، وكذلك ((أوْ، وَأَمْ، وأمّا)) لأحد الشيئين لا بعينه. لكن الَمَاوَرْدِي وغيره مثلوا المسألة بآية المحاربة، مع أن العطف فيها بـ ((أو)) وحكى الرافعي الخلاف في ((بل)) قبيل الطلاق بالحساب، فقال: لو قال: أنت طالق واحدة، بل ثلاثاً، إن دخلتِ الدار، فوجهان: أصحهما - وبه قال ابن الحَدَّاد - تقع واحدة، بقوله: أنت طالق، وثنتان بدخول الدار. رداً للشرط إلى ما يليه خاصة. والثاني: يرجع الشرط إليهما جميعاً، إلا أن يقول: أردت تخصيص الشرط بقولي: بل ثلاثاً. الثالث: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، فإن تخلل اختص بالأخيرة، كما لو قال: وقفت على أولادي، فمن مات منهم وأعقب كان نصيبه لأولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، وإلا فنصيبه لمن في درجته، فإذا انقرضوا صرف إلى إخوتي فلان ١٦٥/ب وفلان الفقراء إلا أن يفسقوا. حكاه / الرافعي عن إمام الحرمين. والمعنى أن طول (١) لعل الصواب: تُشرِّك. ٣١٤ الفصل يشعر بقطع الأولى عن الثانية. الرابع: أن تكون الجمل منقطعة، بأن تنبىء كل واحدة عما لا تنبىء عنه أخواتها. ذكره أبو نصر بن القُشَيْري. قال: فإن توالت عبارات كلها تنبىء عن معنى واحد، ثم عقبها باستثناء، كقولك: اضرب العصاة، والجُناة، والطغاة، والبغاة إلا من تاب، رجع الاستثناء إلى الجميع قطعاً. ويوافقه مالو قال: أنت طالق أربع مرات بنية التكرار، وقال في الرابعة: إن شاء الله، ففي فتاوي الغزالي: أنه راجع إلى الجميع. قال: لأن الكلام مادام متصلًا برابطة التأكيد كان كالجملة الواحدة. الخامس: أن يكون بين الجمل تناسب. فإن لم يكن بينها تناسب لا يصح العطف. فضلاً عن إرادة البعض أو الكل. وهذا الشرط اعتبره البيانيون في صحة عطف الجمل، فمنعوا عطف الإنشاء على الخبر، وعكسه. ووافقهم ابن مالك، لكن أكثر النحويين على الجواز مطلقاً. وعلى الأول فلا يحسن التمثيل بآية القذف، لأن قوله: ﴿أولئك هم الفاسقون﴾ [سورة النور / ٤] جملة خبرية. عطفت على إنشائية؛ لكن يقال: وإن كانت خبرية لفظاً. لكنها إنشائية معنى. نعم، مَن اشترط في عطف الجمل اتفاقهما في الاسمية أو الفعلية، حتى لو اختلفتا امتنع، لم يحسن أن تكون الآية منه، فإن قوله: ﴿وأولئك هم﴾ [سورة النور / ٤] جملة اسمية، وقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ [سورة النور / ٤] جملة فعلية، بل ((الواو)) هنا للاستئناف أو الابتداء، وإذا كان كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله لم ينصرف الاستثناء إليه. السادس :. أن يمكن عوده إلى كل واحدة على انفرادها، فإن تعذر عاد إلى ما أمكن، أو اختص بالأخيرة. قاله القَفَّل الشاشي، وابن فُورَك، والقاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية))، وإنْكِيا الطبري في (التلويح)). قال القَفَّال: وهذا كآية الجلد، فلا يمكن عود الاستثناء فيها إلى الأول، لأنه تعلق به حق آدمي، ولهذا لا يسقط عنه الجلد بالتوبة، وإن قبلت شهادته، وزالت ٣١٥ عنه سِمَة الفسق، لأنه من حقوق الآدميين، فالتوبة لا ترفعه إنما ترفع حق الله تعالى. وحكى الرافعي في باب ((قاطع الطريق)) عن ابن كج أنه حكى قولاً عن الشافعي في القديم بسقوط الجلد بالتوبة. وبه قال الزهري، وحكاه النُّحَّاس في ((معاني القرآن)) عن الشافعي أيضاً. فعلى هذا يخرج له في هذه المسألة الأصولية قولان. ثم أكثرهم يمثلون الآية بهذا الأصل، ومنهم من قال: على تقدير نظم الاختصاص بالأخيرة: إن الأخيرة هي عدم قبول الشهادة، فإنه المحكوم به، وأمّا سِمَة الفسق فهي علة هذا الحكم، فالاستثناء إذا تعقب حكماً وتعليلاً؛ فإما أن يرجع إلى الكل، أو إلى الحكم دون التعليل؛ لأنه المقصود. ولا سبيل إلى رجوعه إلى التعليل فقط. قال القَفَّال: وكذا قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مُسَلَّمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ [سورة النساء / ٩٢] فالاستثناء يرجع إلى الأخيرة، لأن الدية حق آدمي، فيسقط بالعفو، والرقبة حق الله، فلا يَسْقط بالعفو من الآدمي. وكذا قال الَمَاوَرْدِي وغيره. وقال ابن أبي هريرة في تعليقه: إن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا عابري سبيل﴾ [سورة النساء / ٤٣] يعود على الذي يليه، وهو الجنب، لا السكران؛ فإن السكران ممنوع من دخول المسجد، لما لا يؤمن من تلويثه إياه. وخرج من هذا الشرط مالو قال: أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة، فإن المنصُوص للشافعي كما حكاه القاضي أبو الطيب، والشيخ في ((المهذب))، وابن الصبَّاغ، وعليه جمهور الأصحاب: أنها تطلق طلقتين، لأنه لا يمكن عود الاستثناء إلى ما يليه للاستغراق، فيسقط ويبقى الطلقتان. ولا يُظَنَّ أن هذا مخالف للقاعدة الأصولية، لأن شرط الرجوع إلى الكل ما ذكرناه، وهو مفقود ههنا. ولو قال: له علي درهمان ودرهم إلا درهماً، لزم ثلاثة على الأصح المنصوص، لأنه استثنى درهماً من درهم. قاله الرافعي في باب الإقرار. وقد استشكل ذلك صاحب ((الوافي)) في ((شرح المهذب))، فقال: هذا مذهب الشافعي في الفروع، ومذهبه في الأصول أن الاستثناء يعود إلى الجميع، ولا أعلم الفرق إلا أن يقال: إنه ههنا احتاط في وقوع الطلاق، وليس بشيء. انتهى. وقد علمت جوابه. ٣١٦ أ السابع: أن يكون المعمول واحداً كقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ الآية [سورة النور / ٤] فإن كان العامل واحداً والمعمول متعدداً، فلا خلاف في عوده إلى الجميع، كقوله: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من صَلُّحَ. فالاستثناء من الجميع، إذ لا موجب للاختصاص، ولو ثبت موجب فعل بمقتضاه، نحو لا تحدث النساء ولا الرجال إلا زيداً. وقد تضمنت الأمرين آية المائدة ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ الآية [سورة المائدة / ٣] فاشتملت على ما فيه مانع، وهو ما أهلّ به لغير الله، وما قبله، وهو ﴿إلا ما أكل السبع﴾ [سورة المائدة / ٣] و﴿إلا ما ذكيتم﴾ [سورة المائدة / ٣] فهو مستثنى من الخمسة، إذ كانت تذكيته سبب موته. قال ابن مالك: اتفق العلماء على تعلق الشرط بالجميع في نحو: لا تصحب زيداً، ولا تَزْن، ولا تكلّم، إلا تائباً من الظلم(١). ومذهب أبي حنيفة والشافعي تساوي الاستثناء والشرط في التعلق بالجميع، وهو صحيح للإجماع على سَدّ كل واحد مسد الآخر، نحو اقتل الكافر إن لم يسلم، واقتله إلا أن يسلم. انتهى. الثامن: أن يتّحد العامل، فإن اختلف خص بالأخيرة. ذكره ابن مالك، نحو اكسوا الفقراء، وأطعموا أبناء السبيل، إلا مَنْ كان مبتدعاً. وصرح إلْكِيا الطبري بأن الشرط اتحاد العامل والمعمول. قال: فإن اختلفا اختص بما يليه، نحو ضرب الأمير زيداً وخرج إلى السفر، وخلع على فلان. قال: وهو حسن جداً. وبه يتهذب مذهب الشافعي. اهـ. والظاهر أن المراد اتحاده لفظاً أو معنى، فإن إمام الحرمين جعل من الأمثلة: وقفت، وحَبَّست، وتصدقت. ومن أمثلته في الصفة إذ لا فرق بينها وبين الاستثناء قوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ [سورة النساء / ٢٣] فإن الشافعي يجعل هذا الوصف وهو قوله: ﴿اللاتي دخلتم بهنّ﴾ مختصاً بالأخيرة، وهي قوله: ﴿وربائبكم﴾ لأن الربيبة عنده لا تحرم إلا بالدخول، وأم الزوجة تحرم بالعقد، وإن لم يدخل. قال المُبَرِّد والزَّجَّاجي: وإنما كان كذلك لاختلاف العامل، إذ العامل في قوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ الإضافة، وفي ﴿ربائبكم) حرف الجر الذي هو قوله: ﴿من نسائكم) (١) كذا في الأصل وفيه ما فيه، ولعل في الكلام سقطاً. ٣١٧ فلما اختلف العامل أشعر بانقطاع الأولى عن الثانية. ولك أن تقول: إذا جعلنا العامل في الإضافة حرف الجر المقدَّر اتحد العامل على كل تقدير، وهذا الشرط أيضاً مخرج مما نقله ابن الحاجب عن أبي الحسين البصري. ١/١٦٦ التاسع: أن يكون في الجمل، فإن كان في المفردات عاد للجميع اتفاقًا/، ونقله ابن القشيري عن اختيار إمام الحرمين، ومثّله بقولك: أكرم زيداً وعمراً وبكراً إلا من فَسَق منهم. ويؤخذ من كلام إمام الحرمين في ((البرهان)) وابن الحاجب في جواب شبهة الخصم: أن ذلك محل وفاق، وحينئذ فتعبير أصحابنا بالجمل ليس للتقييد، وإنما جَرْيٌ على الغالب. نعم نص الشافعي على أنه إذا قال: أنت طالقة طلقة وطلقة إلا طلقة، أنها تطلق ثنتين، فجعل الاستثناء لما يليه في المفردات. ومن المهم معرفة المراد بالجملة في هذا الموضع، فالمشهور أنها المركبة من الفعل والفاعل، أو المبتدأ والخبر. وخالف في ذلك ابن تيمية، وقال: إنما المراد بها اللفظ الذي فيه شمول، ويصح إخراج بعضه، ولهذا ذكروا من صورها الأعداد واحتج بآية المحاربة ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [سورة المائدة / ٣٣] إلى قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ قال: وإنما هي من الجملة بالمعنى الذي فسرناه، وبما روي عن الصحابة، أن قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [سورة المائدة / ٣٤] في آية القذف عائد إلى الجملتين. وقوله عليه السلام: (لا يَؤُمَّن الرجلُ الرجلَ في سلطانه إلا بإذنه). العاشر: أن يكون الاستثناء متأخراً على ظاهر عباراتهم بالتعقيب، لكن الصواب أن ذلك ليس بشرط، والخلاف جار في الجميع كما صرح به الرافعي في كتاب ((الأيمان))، وقد سبق التنبيه عليه في الشرط الأول. وقد صرح القَفَّال في ((فتاويه)) بعود الصفة السابقة إلى الجميع، فقال فيما إذا وقف على محاويج حتى يستحقوا، لأنه معطوف على محاويج أقاربه: والمحاويج هم الذين يكون لهم حاجة بحيث يجوز لهم أخذ الصدقة. انتهى. ٣١٨ [الاستثناء المتوسط] أما المتوسط فإن تخلل بين جملتين، إحداهما معطوفة على الأخرى فقَلَّ من تعرض له، وقد ذكره الأستاذانِ أبو إسحاق وأبو منصور نحو: أعط بني زيد إلا مَنْ عصَاك وأعط بني عمرو. قالا: فاختلف فيه أصحابنا على وجهين: أحدهما: أنه يرجع إليهما. والثاني: أنه يرجع إلى ما قبله دون ما بعده. قالا: وسواء كان في الأمر أو الخبر. قال الأستاذ أبو منصور: فإن لم يكن لفظ [الأمر] أو الخبر مذكوراً في الثانية رجع إليهما جميعاً، كقوله: أعط بني زيد إلا من عصاك وبني عمرو الثمن. وقال الأستاذ أبو إسحاق: فإن كان معطوفاً عليه يصير الأمر والخبر كالمتقدم عليه. نحو أعط أو أعطيت بني زيد إلا من أطاعني منهم، وبني عمرو، فإنها صارت في حكم الجملة الأولى بالعطف على موضع الفائدة. وههنا تنبيهات : الأول: أن قولنا يعود الاستثناء إلى الجميع هل معناه العود إلی کل واحد منها بمفردها أو العود إلى المجموع ويتوزع عليها؟ فيه خلاف، حكاه الماوَرْدِي في کتاب ((الإقرار)) فيما لو قال: له عليّ ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين، وأراد بالخمسين المستثناة جنساً غير الدراهم أو الدنانير قبِلَ منه. وكذا إن أراد عوده إلى الجنسين معاً أو إلى أحدهما، فإن مات قبل البيان فعند أبي حنيفة يعود إلى ما یلیه، وعندنا يعود إلى المثالين المذكورين من الدراهم أو الدنانير. ثم هو على وجهين: أحدهما: يعود إلی کل منهما جمیعُ الاستثناء، فیستثنى من ألف درهم خمسون، ومن مائة دينار خمسون. والثاني: يعود إليهما نصفين، فيستثنى من الدراهم خمسة وعشرون، ومن الدنانير خمسة وعشرون. ولم يصحح المَاوَرْدِي شيئاً، وذكرها الرُّؤْياني في ((البحر)) وصحح الأول، وقال في باب العتق: قال القاضي أبو حامد إذا قال: سالم وغانم وزياد أحرار - يعني وليس له مالٌ سواهم - أقرع بينهم. وإن قال: أردت حرية الأخير وحْده قبل منه، وأعتق من غير إقراع. وإن قال: أردت حرية الأول أو الثاني لا يقبل، لأن الناس في الكناية عن الاستثناء على قولين، منهم من يَرُدُّه إلى الجميع، ومنهم من يَرُدُّه إلى ٣١٩ الأول، وهذا بخلاف القولين. انتهى. وهذا يخرج منه خلاف آخر، وهو أن العود إلى واحد إنما هو الأخير. قلت: ويظهر أثر الخلاف الذي حكاه المَاوَرْدِي فيما إذا قلت: أكرم بني تميم وبني بكر، أو أكرم بني تميم أو بني بكر إلا ثلاثة، هل معناه إلا ثلاثة من كل طائفة أو من مجموعهما ينبني على الخلاف. ويشبه أيضاً تخريجه على الخلاف فيما إذا عطف بعض المستثنیات أو المستثنى منه على بعض، هل يجمع بينهما حتى يكونا كالكلام الواحد، أم لا؟ فإن قلنا: إن الواو للجمع فالقياس جعل الاستثناء عائداً إلى المجموع، ويقع فيما لو قال: أنت طالق ثنتين وواحدة إلا واحدة، تقع ثنتان لأن الاستثناء يعود إلى جميع ما سبق، وإن قلنا: لا يجمع فالاستثناء يرجع بجملته إلى كل واحدة، وحينئذ فيقع ثنتان أيضاً، لأن الاستثناء يكون من واحدة وهو باطل الاستغراقه، فوقعت الواحدة المعطوفة، ويكون من ثنتين، وهو صحيح؛ فيقع منهما واحدة، فحينئذ يقع طلقتان على التقديرين معاً. ٠ الثاني: أن الرافعي وجماعة من الأصحاب مَثَّلُوا المسألة في كتاب الوقف بما لو قال: وقفت على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين إلا أن يفسق بعضهم، وهو من عطف المفردات لا الجمل، إلا أن يقال: العامل في المعطوف فعل محذوف مقدر بعد حرف العطف. والمطابق تمثيل الإمام في ((البرهان)) بقوله: وقفت على بني فلان دَارِي، وحبّست على أقاربي ضَيْعَتِي، وسبّلت على خَدَمتي بيتي إلا أن يفسق منهم فاسق. الثالث: أن هذه المسألة قلّ من تعرض لها من النحويين، وقد سبق أن ابن فارس ذكرها في كتاب ((فقه العربية)) واختار توقف الأمر على الدليل من خارج، وذكرها الَّهَابَاذي في ((شرح اللمع)) واختار رجوعه إلى ما يليه كالحنفية، قال: وحَملُه على أن يستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر؛ لأنه لا يجوز أن يكون معمولاً لعاملين مختلفين، ويستحيل ذلك. انتهى. وكذلك قال ابن عَمْرون في ((شرح المفصّل)) في قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله: الاستثناء من الثانية ولا يجوز أن يكون من الجملتين، لأنه يلزم أن يكون ٣٢٠ : ٠