Indexed OCR Text
Pages 261-280
قال: هذا تفريعاً على رأي المُعَمِّمِين، لأن مذهبه في صيغ العموم الوقف. والرابع: عكسه، كذا حكاه ابن برهان في ((الأوسط)) عن عبد الجبار. والخامس: إن خص بدليل لفظي لم يصر مجازاً، متصلاً كان الدليل أو منفصلاً، وإن خص بدليل غير لفظي كان مجازاً، كذا حكاه الآمدي. والسادس: إن خص بالشرط والتقييد بالصفة فهو حقيقه، وإلا فهو مجاز معنى في الاستثناء. حكاه أبو الحسين في ((المعتمد)» عن عبد الجبار. السابع: إن كان المخصص مستقلاً فهو مجاز، سواء كان عقلياً أو لفظياً، كقول المتكلم بالعام: أردت به البعض المعين. وإن لم يكن مستقلاً فهو حقيقة كالاستثناء والشرط والصفة. قاله أبو الحسين البصري، واختاره الإمام فخر الدين الرازي، ولم يذكروا التقييد بالغاية على هذا المذهب. قال الهندي: وحكمه حكم أخواته من المتصلات ظاهراً، إذ لا يظهر فرق بينهما. والثامن: أنه مجاز فيما أخرج عنه، فأما استعماله في بقية المسميات فحقيقة، لأنه إذا قال: تجب الصلاة على المسلمين، ثم أخرجنا من الوجوب: المجانين، والحيَّض، وأصحاب الأعذار - فإطلاق لفظ المسلمين على البقية حقيقة، وهو اختيار إمام الحرمين. وذكر المُقْتَرح في ((تعليقه على البرهان)) أنه معنى كلام القاضي. قلت: وكذا ذكره أبو نصر بن القشيري، وهذا الذي قاله الإمام قد أورده القاضي سؤالاً على نفسه، فقال: إن قال قائل: إذا خَص بعض المسميات، فاستعمال اللفظ في الباقي ليس بمجاز؛ بل التجوز في نفي الشمول فلا مجاز إذن في بقية المسميات. فالجواب: أن هذا ساقط، لأن معنى المجاز أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له لغة. فترك الاستعمال في المخصص عن المسميات لا يحقق التجوز. فيه، فإنه عند من استعمل اللفظ الذي وضع فيه. فيجب أن يكون في استعماله مجازاً إلا فيما ترك استعماله فيه. ولفظ الحمار إذا أطلق على البليد لم يكن مجازاً لعدم استعماله في الهيئة ٢٦١ المخصوصة، وإن كان مجازاً لاستعماله في غير ما وضع له، وكذا ما نحن فيه، وإذا بطل طرف وجه التجوز إلى العدم وجب أن يكون مجازاً في بقية الأسماء، ثم أوضح القاضي هذا فقال: لو لم يبق من المسميات إلا واحد، فلفظ الجمع مجاز فيه وفاقاً، ولم يُقَدِّر فيه خلافاً، وإن كان يتناوله اللفظ مع غيره، إن قدر عاماً، فصرف الجمع إلى الواحد كصرف الجمع إلى غير الشمول. قال ابن القُشَيْرِي : وهذا الذي ذكره القاضي حق من وجهٍ، وكذا الذي ذكره إمام الحرمين حق من وجه، وذلك أن انطلاق لفظ ((المسلمين)) على جميعهم حقيقة في وضع اللفظ. فإذا أخرج الحيَّض والمجانين تناول لفظ المسلمين البقية بعد هذا الإخراج والتخصيص، كتناوله لهم قبل التخصيص لم يتغير منه شيء، فمن حيث إن اللفظ يتناولهم، فاللفظ حقيقة فيهم، ومن حيث إن اللفظ لم يجر على التعميم، وإنما وَضْعُ التعميم لِلَّفظ مجازٌ، ولا بُعْدَ أن يكون اللفظ حقيقةً من وجه ومجازاً من وجه، وإنما المحال كونه حقيقة ومجازاً من وجه واحد، فتأمله. انتهى. وحاصله أن كونه مجازاً من حيث إنه لم يُرد به المتكلم بعض مقتضاه لا ينافي أن استعماله في الباقي بجهة الحقيقة. وقال الصفي الهندي: إنه أجود المذاهب بعد الأول، وجزم به في ((المنخول))، وفيه نظر؛ إذ ليس للفظ بقضية الوضع جهتان، وقال في ((المستصفى)): هذا ضعيف، فإنه لو رُدّ إلى الواحد كان مجازاً مطلقاً، لأنه تغيير عن موضوعه في الدلالة. والتاسع: إن بقى بعد التخصيص جمع فهو حقيقة فيه، وإلا فهو مجاز، وحكاه الآمدى عن أبي بكر الرازي، واختاره الباجى من المالكية، وجعل القاضي والغزالي محل الخلاف فيما إذا كان الباقي أقل الجمع، فأما إذا بقي واحد أو اثنان كما لو قال: لا تكلم الناس، ثم قال: أردت زيداً خاصة، فإنه يصير مجازاً بلا . خلاف. وإن كان حاصلاً فيه، لأنه اسم جمع، والواحد والاثنان ليسا بجمع. قلت: لكن القاضي حكى في أواخر كلامه عن بعض أصحابنا أنه حقيقة فيما بقي، وإن كان أقل الجمع، ثم استبعده، فكأنه لم يعبأ بهذا الخلاف. لكن الخلاف فيه ثابت استدركه ابن القشيري في أصوله على القاضي، فقال: وذكر ٢٦٢ ١ القاضي أبو الطيب / في أصوله عن بعض أصحابنا أن اللفظ حقيقة فيما بقي، وإن ١/١٥٨ كان أقل الجمع. اهـ. وحكاه المَاوَرْدِي عن أبي حامد الأسفرايني، فقال: إذا لم يبق إلا واحد، فالمشهور أن اللفظ يتناوله على المجاز إذا كان العام بصيغة الجمع في أصل اللغة لا يعبر به عن الواحد. قال: وحكى القاضي أبو بكر فيه الاتفاق، لكن أبا حامد الأسفراینی خالف، وذهب إلى أنه يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة، احتجاجاً منه بقوله تعالى: ﴿فقدَرْنا فنعم القادرون﴾ [سورة المرسلات / ٢٣] فأخبر سبحانه عن نفسه بلفظ الجمع، وهو سبحانه واحد، فإذا ثبت حمل الجمع على الواحد، فلا يستنكر حمل العموم المخصوص على الواحد حقيقة. قال المازَرِي: والمشهور أن موضع الخلاف إنما هو فيما إذا بقي أقل الجمع. قلت: وحكى الباجي عن أبي تمام من شيوخهم أنه يبقى حقيقة، وإن انتهى التخصيص إلى الواحد. تنبيهات الأول: حكى الشيخ أبو حامد عن بعض أصحابنا أنه حكى عن الأشعري القول بأنه مجاز، ثم قال: وهذا لا يجيء على قوله من وجهين: أحدهما: أن اللفظ المشترك عنده بين العموم والخصوص إذا دل الدليل على العموم كان حقيقة. فكيف يصح على قوله أنه حقيقة فيما بقي بعد التخصيص؟ والثاني: أن نقول: إن اللفظ المستعمل فيما بقي يحتج به مجرداً من غير دلالة، وهذا معنى قولنا: إنه حقيقة في الباقي. فإذا سلم هذا لم يبق تحت قولنا: إنه مجاز فيما بقي معنى. وقال بعض المتأخرين: هذا القول - أعني كونه مجازاً - ضعيف، أما على قاعدة أصحابنا في إثبات كلام النفس فإن المتكلم بقوله: مَنْ دخل داري من العلماء فله درهم، لم يَبْنِ أول كلامه على قصد غير العلماء أصلاً، فكلام النفس لم يتناول غير العلماء لا حقيقة ولا مجازاً، لا قبل التخصيص ولا بعده. وهي في كلامه سبحانه بمعنى الأول، لعلمه بمراده قطعاً، بل تعبيره بصيغة العموم إنما كان توطئة للإتيان ٢٦٣ بالخصوص، کالجنس مثلا في عموم معناه عندما تورده في تحدید النوع، فإنك تأتي به عاماً ثم تخصصه باقتران الفصل به، فلا يكون العموم من أول القصد أصلاً مراداً، فكذلك في تخصيص اللفظ العام، إذ العموم حقيقة واحدة معقولة في عموم اللفظي كالمعنوي. وهذا الذي قاله هذا القائل خارج عن المذاهب السابقة. قال: وأما على قاعدة المعتزلة في إنكارهم النفسي فهو الحد، إذا تصور اللفظ في الذهن للتلفظ به، فيكون الخصوص إذن من أول اللفظ. وأما عِلْمُ السامع بالعموم فلا يعتبر إذ ليس له أمر في كلام غيره. الثاني: أن هذا الخلاف إنما هو في العام المخصوص، وهو الذي أريد به معناه مخرجاً منه بعض أفراده، فإرادة إخراج بعض المدلول: هل تعينَ اللفظ مراداً به الباقي أم لا؟ فإن قلنا بالمنع كان حقيقة، وإلا فلا. أما العام الذي أريد به الخصوص، فالظاهر أنه مجاز قطعاً، ولا يطرقه هذا الخلاف لأنه مستعمل في بعض مدلوله، إلا إذا قلنا: إن دلالة العام على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة، فيحتمل أن يكون حقيقة في كل فرد فيطرقه الخلاف وهو بعید . وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)): القول بأنه مجاز صحيح في العموم الذي أريد به بعض ما تناوله عند الإطلاق، أما ما وقع التخصيص فيه بعد إرادة العموم به إن صح أنه تخصيص لا نسخ - فلا يقوى هذا فيه. الثالث: إطلاقهم الكلام في هذه المسألة يشمل ما لو كان التخصیص بدليلٍ العقل، ونقل بعض الحنفية عن القائلين بأن من المخصصات العقل أنه لا يُصَيّر العام ظنياً مثل هذا التخصيص، وإنما يصير ذلك فيما يقبل التعليل والتفسير دون مالا يقبله، ألا ترى أن الاستثناء وهو من أدلة التخصيص عندهم كدليل العقل لا يخرج العام من القطع إلى الظن لأنه لا يقبل التعليل. فكذا هنا. الرابع: قد يدعى في القولين الأولين أعني أنه حقيقة أو مجاز، أنه لم يتوارد ٢٦٤ الخلاف فيهما على محل واحد. فإن القائل بأنه مجاز أراد بالنسبة إلى اللغة، والقائل بأنه حقيقة أراد أنها حقيقة شرعية. فإن الإجماع على العمل به بعد التخصيص بَين أن وضع الشرع في العام إذا خص يكون متناولاً للباقي، فهو إذن حقيقة شرعية أنبأ عن وضعها الإجماع، فصار حقيقة شرعية مجازاً لغوياً. الخامس: ذكر الشيخ أبو حامد الأسفراينى في تعليقه الأصولي، وسلیم في کتاب ((التقريب)) أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أن مَن يقول: إن ذلك حقيقة في الباقي، يحتج بلفظ العموم فيما لم يخص منه مجرداً من غير دليل يدل عليه؛ ومَن يقول: إنه يكون مجازاً لا يمكنه الاحتجاج بالعموم المخصوص فيما بقي إلا بدليل يدل عليه، أي على أن حكمه ثابت في الباقي، وظهر بهذا أن الخلاف في كون العام المخصوص حجة فَرْعُ الكلام في هذا؛ فلهذا أخرنا ذكرها، وبه يتضح تقرير مذهبنا في كونه حقيقة. لكن إلكِيا الطبري عكس ذلك فقرر كونه حجة، ثم قال: وإذا تقرر أنه ليس بمجمل فاختلفوا هل هو مجاز أم حقيقة؟ والطريقة الأولى أقعد وأحسن. السادس: قال الشيخ أبو حامد: القائلون بأنه مجاز احتجوا بنكتة واحدة، وهي أن لفظ العموم موضوع للاستغراق، فإذا دل الدليل على تخصيصه، فإنه يعدل به عن موضوعه بالقرينة، فيكون مجازاً. قال: ودليلنا أن لفظ العموم إذا ورد مطلقاً فإنه يقتضى استغراق الجنس. فإذا ورد التخصيص فإن ذلك يبين ما ليس بمراد باللفظ، فيخرجه عنه، فلم يؤثر فيما بقي، بل یکون ما بقي ثابتاً فيه باللفظ فحسب؛ والذي يدل على هذا أن دليل التخصيص مناف لحكم ما بقي من اللفظ ومضاد له. فلا يجوز أن يؤثر فيه، ويثبت الحكم مع مضادته ومنافاته. ٦٠٠ قال ويصير لأهل الحرب عندنا اسمان، كل منهما حقيقة: أحدهما: حقيقة فيهم بمجرده، وهو أن يقول: اقتلوا أهل الحرب، والآخر حقيقة فيهم بعد وجود قرينة، وهو أن يقول: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة، ولا يمتنع قبل هذا، ألا ترى أنه إذا قال: أعطوا فلاناً ثوباً أبيض أو أصفر، كان ذلك حقيقة في الثوب الأصفر بهذا ٢٦٥ اللفظ. وإذا قال: أعطوا ثوباً ولا تعطوه غير الأصفر، كان حقيقة فيه عند وجود القرينة، فكذلك هذا. ويخالف هذا استعمال اسم الحمار في الرجل البليد، واسم الأسد في الشجاع، لأن ذلك اللفظ يحمل عليه بالقرينة الدالة عليه، لا بمجرد اللفظ؛ فإن القرينة تدل على المراد باللفظ، وهي مماثلة له في الحكم، فهي دالة على ما أريد به، فكان اللفظ مستعملاً فيه بالقرينة، فكان مجازاً، وليس كذلك استعمال لفظ العموم ١٥٨/ب في / الخصوص، فإن القرينة ما بيّنت المراد باللفظ، وإنما بيّنت ما ليس بمراد، فكان استعمال اللفظ في المراد بنفسه لا بالقرينة، فإنه لا يجوز أن يكون مستعملاً بالقرينة، والقرينة مضادة له، فكان ذلك حقيقة فيما استعمل فيه لا مجازاً. قال: ودلالة ثانية على من سَوَّى بين القرينة المتصلة والمنفصلة، يعني يجعل الجميع مجازاً، لأنه لافرق عند أهل اللغة بين أن يقول القائل: لفلان عليّ خمسة دراهم، وبين قوله عشرة إلا خمسة، في أن كلاً منهما إقرار بخمسة. وأما من فرق بين الدليل المنفصل والمتصل، فإنه فَصَل بينهما بأن الكلام إذا اتصل بعضه ببعض بنى بعضه على بعض، فكان ذلك حقيقة فيما بقي. وإذا انفصل بعضه عن بعض لم يين، فكان مجازاً فيه، وهذا غلط، لأنه لا فرق بين القرينة المتصلة والمنفصلة في أن اللفظ بني عليها، ودالة على ما ليس بمراد منه، وما بقي يكون ثابتاً فيها باللفظ لا بالقرينة، فيختار أن لايفترق حالهما بوجه. انتهى . مسألة العام إذا خص، فإما أن يخص بمبهم أو معين، فإن خص بمبهم كما لو قال: اقتلوا المشركين إلا بعضهم فلا يحتج به على شيء من الأفراد، إذ ما من فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج، ولأن إخراج المجهول من المعلوم يصيِّره مجهولاً، ولهذا لو قال: بعتك هذه الصَّبرة إلا صاعاً منها لا يصح، ومثله في ((المنخول)) بما لو تمسك في مسألة الوتر بقوله: افعلوا الخير، لأن المستثنى من عموم هذا الأمر غير معلوم، فيكون مجملاً. ٢٦٦ وهذا قد ادعى فيه جماعة الاتفاق، منهم القاضي أبو بكر وابن السمعاني في (القواطع))، والأصفهاني في ((شرح المحصول)). وقال: لم يذهب أحد إلى أنه حجة إذا كان المخصص مجملا. قال القاضي: ولا يجوز استعماله إلا في أمر واجب على التراخي عند من أجاز تأخير بيان العام. ولا يجوز عند مَن مَنَع ذلك في أمرٍ على الفور. قلت: وما ذكروه من الاتفاق ليس بصحيح، فقد حكى ابن برهان في ((الوجيز)) الخلاف في هذه الحالة، وبالغ في تصحيح العمل به مع الإبهام، واعتل بأنا إذا نظرنا إلى فرد شككنا فيه هل هو من المخرج، والأصل عدمه، فيبقى على الأصل، ويعمل به إلى أن يعلم بالقرينة أن الدليل المخصص معارض للفظ العام، وإنما يكون معارضاً عند العلم به. انتهى. وهو صريح في الإضراب عن المخصص والعمل بالعام في جميع أفراده، وهو بعيد. وقدْ رَدَّ الهندي هذا البحث بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج به في الكل المخصوص وغيره، ولا قائل به. انتهى. وليس كما قال، فقد حكى الخلاف فيه صاحب ((اللباب)) من الحنفية. وعبارته: وقيل: إن کان المخصوص مجهولاً لم يثبت به الخصوص أصلاً؛ بل يبقى النص عاماً كما كان. كذا حكاه أبو زيد في ((التقويم)). ويمن حكى الخلاف أبو الحسين بن القَطَّان. فقال في كتابه: الخطابُ إذا عُلِمَ خصوصه، ولم يعلم مما يخصه كيف يعمل به؟ ذهب بعض أصحابنا إلى إحالة هذا. وقال: إن البيان لا يتأخر، وهذا يؤدي إلى تأخيره إن أجزناه. وقال بعضهم: يجوز ذلك، ويعتقد فيه العموم إلا موضعاً خص منه غير أنه إذا جاء ما يشتمل عليه العموم أمضاه، لأنه لو كان فيه خصوص لخصّه الله تعالى، وبيّنه، لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة. ومنهم من قال: أقف في هذا، لأني قد علمت أنه مخصوص. ولعل الحكم الذي حكم من حيز الخصوص كما لو علم في الآية نسخاً، فلا يجوز أن يجريه على ٢٦٧ : الأصل، لجواز النسخ. فكذلك التخصيص. انتهى. وكذلك حكاه الحنفية في كتبهم، منهم أبو زيد الدُّبُّوسي وشمس الأئمة السرخسي، وغيرهما، فقالوا: إذا خص وجب الوقف فيه إلى البيان، سواء خص بمجهول أو معلوم، لأنه عند التخصيص يصير مجازاً في البعض، وذلك البعض مجهول، فلم يبق حجة. ونقل عن بعضهم أنه إن خص بمجهول لم يثبت التخصيص، ثم قال: والذي ثبت عندي من مذهب المتقدمين أنه باق على عمومه بعد التخصيص، سواء خص بمجهول أو معلوم، لكن دلالته على أفراده تبقى ظنية، وعليه جمهور العلماء. وقال صاحب ((اللباب)): ذهب عامة أصحابنا، وأصحاب الشافعي إلى أنه يبقى عاماً فيما وراء التخصيص، ويصح التعلق به، سواء كان المخصص معلوماً أو مجهولاً، ولكنه موجب للعمل لا للعلم، بخلاف ما قبل التخصيص عندنا، فإنه قطعي . وقيل: إن كان المخصص معلوماً صح التعلق به، وإلا فلا. وقال الكّرْخِي وأبو عبد الله الجرجاني: لا يبقى للباقي عموم، ولا يصح التعلق به، ولكن إذا كان معلوماً يبقى موجباً للعلم والعمل، أو مجهولاً لا يوجبهما؛ بل يوقف على دليل آخر. وقيلٍ: إن كان المخصّص مجهولاً لم يثبت به الخصوص أصلاً؛ بل يبقى النص عاماً كما كان. انتھی. وإن خص بمعين كما لو قيل: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة أو المستأمن، فهل يجوز التعلق به بعد التخصيص؟ اختلفوا فيه على مذاهب: أحدها: أنه حجة في الباقي مطلقاً، وهو قول معظم الفقهاء، واختاره الآمدي والرازي وابن الحاجب، وقال أبو الحسين بن القَطّان: إنه الأصح. وقال ابن الصباغ في ((العدة)): إنه قول أصحابنا. وقال القَفَّال: لا فرق بين الاستثناء وغيره، ولا بين المتصل بالخطاب والمنفصلِ عنه. قال إلْكِيا الطبري: ولكنه دونه مالم يتطرق التخصيص إليه، فيكسبه ضرباً من التجوز، ولو رجح نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب ٢٦٨ من الطير على عموم قوله: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً﴾ الآية [سورة الأنعام / ١٤٥] بأن التخصيص يتطرق إليها لكان الخمر والقاذورات المحرمة خارجة عنها . وقال أبو زيد في ((التقويم)): إنه الذي صح عنده من مذهب السلف. قال: لكنه غير موجب للعلم قطعاً، بخلاف ما قبل التخصيص. وكذا قال السَّرخسي. قال أبو حنيفة: خص هذا العام بالقياس فعرفنا أنه حجة للعمل، وإن لم يوجب العلم، ونقله عبد الوهاب في ((الملخص)) عن أصحابهم والشافعي. والثاني: أنه ليس بحجة، ونقل عن عيسى بن أبان وأبي ثور، وحكاه القَفَّال الشاشي عن أهل العراق، والغزالي عن القدرية، قال: ثم منهم مَن يقول: يبقى أقل الجمع، لأنه المتيقن. قال: وكلام الواقفية في العموم المخصوص أظهر لا محالة، ومرادهم أنه يصير مجملاً، وينزل منزلة ما إذا كان المخصص مجهولاً، هكذا نقله الشيخ أبو إسحاق، وإِلْكِيا، قال: وحجتهم أن اللفظ موضوع للاستغراق، وإنما يخرج عنه بقرينة، ومقدار التأثير للقرينة في اللفظ مجهول، فلا يدل عليه فيصير مجهولاً . قال: وهو متجه جداً، وغاية ما يرد عليه بأمرين: أحدهما: أن الصحابة والتابعين عملوا بما تطرق إليه التخصيص من العموم. وله أن يجيب بأنهم نقلوه من القرائن التي شاهدوها / وألفُوها، وكانوا بمَرْأى من ١/١٥٩ الرسول، ومسمعٍ من الوحى. الثاني: أن صيغة العموم ليست نصاً في الاستغراق لاحتمال إرادة الخصوص وإجراء اللفظ على غالب المسميات من غير قرينة تخطر بالبال. نعم، إن كان مضمون التخصيص استثناء ما لا يشذ عن الذهن عند إطلاق اللفظ، فيتجه ما قاله عيسى بن أبان، ثم قضيته أنه لا يجوز التخصيص إلا بما يجوز النسخ به بأنه إسقاط أمر اللفظ العام والممكن في الجواب عنه أن القدر الذي ظهر من القرينة أَمِرْنا باتباعه ولا يقدر وراءه قرينة هي غائبة عنا، فإن ذلك يلزم مثله في العموم الذي لم يتناوله تخصيص إجماعاً لإمكان أنه بناه على سؤال، وقرينة حال. اهـ. ٢٦٩ وقال الصيرفى: القائل بهذا، إن كان ممن ينكر العموم، فقد أثبتناه، وإن كان ممن يثبته فمن نفس قوله يسقط قولُه هذا، لأنه توقف عما بقي لأن البعض خص، ومالم يخص داخل ، ولم يمتنع فيما جاء عامّاً لإمكان خصوصه، فلا يحكم به، حتى يعلم أنه لم يخص. وقال إمام الحرمين، وابن القُشَيْري: ذهب كثير من الفقهاء الشافعية والمالكية والحنفية والجبائي وابنه إلى أن الصيغة الموضوعة إذا خصت صارت مجملة، ولا يجوز الاستدلال بها في بقية المسميات إلا بدليل كسائر المجازات، وإليه مال عيسى ابن أبان. وقال المُقْتَرحُ: هذا المذهب يعتبر على وجهين: أحدهما: أن اللفظ موضوع للكلٍ بما هو كل، ويندرج تحته كل واحد، فإذا تبين بالتخصيص أن الكل ليس مراداً بقي اللفظ مجملاً، لا أن يراد به البعض دون البعض وليس بعضه أولى من بعض، فكان مجملاً. والثاني: أنه متناول لكل واحد بصفة الظهور، فإذا ورد التخصيص، تبين أن الشمول ليس مراداً، فيبقى اللفظ مجملاً، فيكتسب الإجمال. والثالث: إن خص بمتصل كالشرط والاستثناء والصفة فهو حجة فيما بقي، وإن خص بمنفصل فلا؛ بل يصير مجملاً. وحكاه الأستاذ أبو منصور عن الكَرْخِي ومحمد بن شجاع البَلْخِي، وكذا حكاه صاحب ((المعتمد)) عن الكَرْخِي. وقال أبو بكر الرازي في أصوله: كان شيخنا أبو الحسن الكرْخِي يقول في العام: إذا ثبت خصوصه سقط الاستدلال باللفظ، وصار حكمه موقوفاً على دلالة أخرى من غيره، فيكون بمنزلة اللفظ، وكان يفرق بين الاستثناء المتصل باللفظ وبين الدلالة من غير اللفظ، فيقول: إن الاستثناء غير مانع من بقاء اللفظ فيما عدا المستثنى، لأن الاستثناء لا يجعل اللفظ مجازاً فكان يقول: هذا بديهي ولا أقدر أعزيه إلى أصحابنا، وإليه ذهب محمد بن شُجَاع. والرابع: أن التخصيص إن لم يمنع استفادة الحكم بالاسم وتعليقه بظاهره، جاز التعلق به كما في قوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [سورة المائدة / ٥]، لأن قيام الدلالة ٢٧٠ على المنع من قتل أهل الذمة، لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل باسم المشركين، وإن كان يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام، ويوجب تعلقه بشرط لا ينبىء عنه الظاهر لم يجز التعلق به كما في قوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [سورة المائدة / ٣٨] لأن قيام الدلالة على اعتبار النصاب والحرز، وكون المسروق لا شبهة فيه للسارق يمنع من تعلق الحكم، وهو القطع بعموم اسم السارق، ويوجب تعلقه بشرط لا ينبىء عنه ظاهر اللفظ، وهو قول أبي عبد الله تلميذ الكَرْخِي. والخامس: إن كان لا يتوقف على البيان كالمشركين فهو حجة، وإلا فلا؛ كأقيموا الصلاة، فيتوقف العمل على بيان التخصيص، وهو إخراج الحائض، وهذا قول عبد الجبار. والسادس: أنه يجوز التمسك به في أقل الجمع، لأنه المتعين، ولا يجوز فيما زاد عليه. حكاه القاضي والغزالي وابن القُشَيْرِي، وقال: إنه تحكم. وقال الصفي الهندي: لعله قول من لا يُجُوِّز التخصيص إليه، وحكىٍ في ((المنخول)) عن أبي هاشم أنه يتمسك به في واحد، ولا يتمسك به جمعاً. والسابع: الوقف، فلا نقول: خاص أو عام إلا بدليل. حكاه أبو الحسين بن القَطَّان، وجعله مغايراً لقول عيسى بن أبان، ونقل عنه أن الباقي على الخصوص. تنبيهات الأول: محل قولنا يجوز التمسك به إنما هو في العام المخصوص، أما الذي أريد به الخصوص فلا يصح الاحتجاج بظاهره. قاله الشيخ أبو حامد الأسفراينى في كتاب البيع من ((تعليقه))، وفيه ما يدل على أنّ أبا علي بن أبي هريرة قاله أيضاً. الثاني: حيث قلنا: إنه مجمل، قال الشيخ أبو حامد: واختلف أصحابنا: هل هو مجمل من حيث اللفظ والمعنى، لأنه لا يعقل المراد من ظاهره إلا بقرينة، أو مجمل من حيث المعنى دون اللفظ؟ وَجهان. قال: والأكثرون على الثاني، لأن افتقار المجمل إلى القرينة من جهة التعريف بما هو مراد به كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، [سورة الأنعام / ١٤١] وافتقار العام الذي أريد به الخصوص إلى ٢٧١ القرينة من جهة أن يعرف بها ما ليس بمراد به. الثالث: أن الخلاف هنا مبني على التي قبلها، فمن قال: إنه مجاز، لا يجوّز التعلق به. ومن قال: إنه حقيقة جوزه، وأما من قال: إنه مجاز، ثم أجاز التعلق به يعني كالقاضي صار الخلاف معه لفظياً. كذا أشار إليه الشيخ أبو حامد وغيره. وذكر صاحب الميزان من الحنفية أن هذه المسألة مُفَرَّعة على أن دلالة العام على أفراده قطعية أو ظنية؟ فمن قال: قطعية جعل الذي خص كالذي لم يخص، وإلا فلا. وفيه نظر. وقال غيره: ينبني على أن اللفظ العام إذا ورد: هل يتناول الجنس أو لا، وتندرج الآحاد تحته ضرورة اشتماله عليه، أو يتناول الآحاد واحداً واحداً، حتى يستغرق الجنس؟ فالمعتزلة قالوا بالأول، وهو عند الإطلاق يظهر عمومه. فإذا تخصص تبين أنه لم يرد العموم، وعند إرادة عدم العموم ليس بعض أولى من بعض، فيكون مجملاً. ٢٧٢ فصْل فى المخصّصْ تعريفه : قد اختلف فيه على قولين، حكاهما القاضي عبد الوهاب في ((الملخص))، وابن برهان في ((الوجيز)) أحدهما: أنه إرادة المتكلم تعريف بعض ما يتناوله الخطاب، والدليل حظّهُ أن يكشف عن أن العموم مخصوص، لأن التخصيص وقع به. وهذا ما صححه ابن برهان، وفخر الدين الرازي وغيرهما. والثاني: أنه الدليل على الإرادة. وقال في ((المحصول)): المخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم؛ لأنها المؤثرة، وتطلق على الدال على الإرادة مجازاً، وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): العام يصير عندنا خاصاً بالأدلة، ويصير خاصاً في نفس الأمر بإرادة المتكلم. والحق أن المخصِّص حقيقة هو المتكلم، لكن لما كان المتكلم بخصِّص بالإرادة أسند التخصيص إلى إرادته، فجعلت الإرادة مخصِّصة، ثمّ جعل ما دلّ على إرادته وهو الدليل اللفظي أو غيره مُخَصِّصاً في الاصطلاح، والمراد هنا إنما هو الدليل، فنقول: المخصص / للعام إما أن يستقل بنفسه فهو المنفصل، وإما أن لا يستقل؛ ١٥٩/ب بل يتعلق معناه باللفظ الذي قبله، فالمتصل. أقسامه : وقسّمه الجمهور إلى أربعة: الاستثناء، والشرط والصفة، والغاية. وزاد ابن الحاجب والقَرَافي: بدل البعض من الكل، ونازع الأصفهاني فيه، لأنه في نية طرح ما قبله. وقال القَرّافي وقد وجدتها بالاستقراء اثني عشر: هذه الخمسة، وسبعة أخرى، ٢٧٣ وهي: الحال، وظرف الزمان، وظرف المكان، والمجرور، والتمييز، والمفعول معه، والمفعول لأجله. فهذه اثنا عشر ليس فيها واحد يستقل بنفسه، ومتى اتصل بما يستقل بنفسه عموماً كان أو غيره، صار غير مستقل بنفسه. ويشهد لما قال في الحال حكاية سيبويه عن الخليل: أنك إذا قلت: مررت بالقوم خمستَهم بالنصب كان المعنى حصر الممرور في خمسة منهم، فلا يجوز أن يكون الممرور به ستة، وإذا رفعت الخمسة، جاز أن يكون الممرور به أكثر. ا م ٢٧٤ الأول : الإستثناء وهو لغة: بمعنى العطف والعود، كقولهم: ثنيت الحبل إذا عطفت بعضه على بعض. وقيل: بمعنى الصرف والصّدّ من قولهم: ثنيت فلاناً عن رأيه، وقال ابن فارس: لأنه قد ثنى ذكره مرة في الجملة، ومرة في التفصيل. واصطلاحاً: الإخراج بإلاّ أو إحدى أخواتها من متكلم واحدٍ، ليخرج مالو قال الله سبحانه: اقتلوا المشركين، فقال عليه السلام: إلا زيداً، فإنه لا يسمّى استثناء كما قاله القاضي، وسيأتي. والأولى أن يقال: الحكم بإخراج الثاني من الحكم الأول بواسطةٍ موضوعةٍ لذلك، فقولنا: الحكم جنس، لأن الاستثناء حكم من أحكام اللفظ، فيشمل المتصل والمنقطع، وخرج بالوسائط الموضوعة له نحو: قام القوم، وأسْتَشْني زيداً، وخرجوا ولم يخرج زید. تنبيه الإخراج إنما يأتي على قول من يجعله عاملاً بطريق المعارضة، إذ الإخراج لا يتحقق إلا بعد الدخول، وأما على قول من يجعله مبنياً فلا إخراج عنه، كما سنبينه. وحدّه ابن عَمْرون من النحاة بأن ينفي عن الثاني ما يثبت لغيره بإلا أو كلمة تقوم مقامها، فيشمل أنواع الاستثناء: من متصل، ومنقطع، ومفرد، وجملة، وتام، ومفرغ، وخرج الوصف بإلا أو غيرها، وذكر ابن الحاجب أن المتصل والمنقطع لا يمكن تحديده بحد واحد على القول بالاشتراك والمجاز، لتغاير ٢٧٥ حقيقتهما، إذ الأول حقيقة، والثاني مجاز. وجمعهما ابن مالك في حد واحد، فقال: تحقيقاً أو تقديراً. وقد يقال: هو في قوة حدّين. وذكر إمام الحرمين في باب الإقرار من ((النهاية)) أن الفقهاء يسمون تعليق الألفاظ بمشيئة الله استثناء في مثل قول القائل: أنت طالق، وأنت حر إن شاء الله. وفي ((المحيط)) للحنفية يسمى الاستثناء بإلا وأخواتها استثناءً التحصيل، وبمشيئة الله استثناء التعطيل. قال الخفاف: الاستثناء ضد التوكيد، يُثبت المجاز ويحققه، وصرح النحاة بأن اللفظ قبل الاستثناء يحتمل المجاز، فإذا جاء الاستثناء رفع المجاز وقرَّره، فاللفظ قبل الاستثناء ظني، وبعده قطعي، وهذا معاكس لقول الحنفية، فإنهم عَدُّوا الاستثناء من المخصصات، وعندهم أن العام قبل التخصيص قطعي، وبعده ظني. قيل: ولا منافاة بينهما، لأن احتمال التجوز قبل التخصيص ثابت، وبعد التخصيص كذلك، إلا أن الاستثناء يقرر المجاز في إخراج شيء، ويحقق أن المراد ما بقي تحقيقاً ظاهراً لا يخالف مالم تأت قرينة، كما قبل الاستثناء، إلا أن القرينة قبله يشترط فيها القوة. وهل الإخراج من الاسم أو الحكم أو منهما؟ أقوال، أصحها الثالث، وهو مذهب سيبويه. وهل هو إخراج من اللفظ ما لولاه لوجب دخوله أو لجاز؟ فيه قولان، رجح سليم في ((التقريب)) الأول. قال: وإلا لم يفترق الحال بين الاستثناء من الجنس وغيره، فلما فرق بينهما، وجعل من الجنس حقيقة ومن غيره مجازاً، ثبت ما قلناه. مسألة الاستثناء لا يصح إلا من مستثنى منه عام أو من عدد شائع، فالأول نحو قام القوم إلا زيداً، وقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس﴾ [سورة الحجر / ٣٠ - ٣١] . والثاني كقوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ ٢٧٦ [سورة العنكبوت / ١٤]، ولهذا صح: عَلَيَّ عشرة إلا درهماً، لشيوع الخمسين في مطلق الألف، والألف غير معينة بزمن مخصوص، وشيوع العشرة في مطلق العدد. ومثله: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، فإن ثلاثاً نكرة شائعة تقع على الطلاق المحرم والمكروه والمباح. قاله الُوَفَّق حمزة الحموي، وسَنُعِيدُ الخلاف في العَدَدِ. : مسألة يجوز الاستثناء من الجنس بلا خلاف كقام القوم إلا زيداً، وهو المتصل، ومن غير الجنس على الأصح وهو المنقطع، ويعبّر عنه بالمنفصل، نحو إلا حماراً، وأفسدَ تعريف المتصل بقولنا: ما جاءني أحد إلا زيد لمن يعلم أن زيداً لم يدخل تحت أحد، فهو منقطع، وإن كان من جنس الأول؛ فالأحسن أن يقال: المتصل ما كان اللفظ الأول منه يتناول الثاني، نحو جاء القوم إلا زيداً، والمنقطع مالا يتناول اللفظ الأول فيه الثاني، أو نقول: المتصل ما كان المستثنى جزءاً من المستثنى منه، والمنقطع مالا يكون. قال ابن السَّرَّاج: ولا بد في المنقطع أن یکون الكلام الذي قبل ((إلاّ)» قد دل على ما يستثنى مما قبله بأنه معرفة، وأوضحه ابن مالك، فقال: لابد فيه من تقدير الدخول في الأول، كقولك: قام القوم إلاّ حماراً، فإنه بذكر القوم يتبادر الذهن لأتباعهم المألوفات، فذكر إلا حماراً لذلك، فهو مستثنى تقديراً، وكذا قال أبو بكر الصَّيْرَفي: يجوز الاستثناء من غير الجنس، ولكن بشرط، وهو أن يتوهم دخوله في المستثنى منه بوجهٍ ما، وإلا لم يجز ، كقوله: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس فاليعافير قد تؤانسُ، فكأنه قال: ليس بها من يؤنس به إلا هذا النوع. والحاصل: أن المنقطع يكون مستثنى من مُقَدَّرٍ، أو من مفهوم لفظ لا من منطوقه. وإنما يجوز الاستثناء من غير الجنس غالباً إذا تشارك الجنسان في معنى أعم، كما في السلام واللغو المتشاركين في أصل القول في قوله تعالى: ﴿لا يسمعون ٢٧٧ فيها لغواً ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما﴾ [سورة الواقعة / ٢٥ - ٢٦]، وقوله: ﴿مالهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ [سورة النساء / ١٥٧] لاشتراكهما في الرجحان. ثم الكلام فيه في مواطن: الأول: في أنه هل وقع في اللغة؟ فمنهم من أنكره، وتأوله تأولاً رده به إلى الجنس، وحينئذ فلا خلاف في المعنى. الثاني: أنكر بعضهم وقوعه في القرآن، والصواب وقوعه. قال ابن عطية: لا يُنْكُرُ وقوعه في القرآن إلا أعجميّ . الثالث: اختلف في صحته في المخاطبات في العادات، وقد اختلفت طرق أصحابنا فيه، فقال القاضي أبو القاسم بن كُج في كتابه في الأصول: الاستثناء من ١/١٦٠ غير الجنس، ذهب بعض أصحابنا إلى جوازه(١) /، وأَبى ذلك عامة أصحابنا، فأمّا مَن جَوَّزه فقد استدل بأن الشافعي قال: لو قال: له على ألف إلا عبداً قُبِلَ منه، وأيضاً فإنه وَرَدَ به القرآن: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس﴾ [سورة الحجر / ٣٠ - ٣١] ودليلنا: أن الاستثناء شرطه أن يُخرِجَ مَن دخل تحت الاسم، وغير الجنس لم يدخل فيه. والجواب عن الآية بأن إبليس(٢) دخل تحت الأمر، فرجع الاستثناء إليه، لأنه قد كان أضمر فيه. وتأول قوم قول الشافعي فإنما قبل ثمة لأنه يرجع إلى بيانه(٣)، لأنه اقتضى الإطلاق، والمعنى إلا ثمن عبد. انتهى. وكذا قال أبو الحسين بن القَطَّان في كتابه قال: وتمسك المجوز بقول الشافعي في كتاب ((الإقرار)): لو قال: له على ألف درهم إلا عبداً، فقد استثنى العبد من الدراهم، وليس العبد من جنسها. قال: وهذا ليس بشيء، لأن معناه إلا قيمة العبد، وهو كذا وكذا درهماً، فدلَّ على أنه أجراه مُجرى الاستثناء من الجنس. قال: وأما قوله: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس﴾ [سورة الحجر / ٣٠ - ٣١]، مع أنه ليس من الملائكة، فالمراد في قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا﴾ [سورة البقرة / ٣٤] أي الملائكة وإبليس، فحذف، فالاستثناء (١) هذه هي الطريقة الأولى. (٢) في الباريسية: ((وأما الجواب عن الآية فإن إبليس .. (٣) كذا الأصل وفيه اضطراب. ٢٧٨ راجع إلى المضمر، لأنه لا يجوز أن يدخل في الأمر من لم يذكر فيه. قال: وذهب بعض أصحابنا إلى جواز الاستثناء من غير الجنس بدليل، فأما عند الإطلاق فلا. ومن اختار المنع من أصحابنا إلْكِيا الطبري، وابن برهان في الأوسط، ونقله الأستاذ أبو منصور وابن القُشَيْرِي عن الحنفية، والأستاذ ابن داود، وحكاه الباجي عن ابن خُوَيزِ مَنْدَاد. الطريقة الثانية: القطع بصحته في الإقرار، والخلاف فيما عداه، وهي طريقة الَاوَرْدِي. قال: لا يختلف أصحابنا في صحته في الإقرار، واختلفوا في غير الإقرار علی وجھین. والثالثة: وهي طريقة الأستاذ أبي إسحاق الأسفراينى، نقل الاتفاق على صحة الاستثناء من غير الجنس. قال: ويعتبر فيه القيمة دون العدد في الصحة والفساد، فإذا قال: له على عشرة دراهم إلا ألف جوَّزه نظراً إلى قيمة المستثنى، فإن كانت عشرة فما زاد بطل الاستثناء، وإن كانت دونها صح، وألزِم ما بقي، ولهذا أنكر إلكِيا الطبرى الخلاف فيه، وقال: لم يستعمله اللغويون، وإنما الخلاف في كونه حقيقة أو مجازاً. وكذا قال ابن القُشَيْرِي، قال: وحقيقة المسألة أن الاستثناء إذا انطوى على التعرض بما ينبىء عنه المستثنى منه جنساً، فهو الاستثناء الحقيقي، كقولك: رأيت الناس إلا زيداً. قال: وقد ترد صيغة الاستثناء مع اختلاف الجنس بلا خلاف، كقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس﴾ [سورة الحجر / ٣٠ -٣١] والأصح أنه لم يكن من الملائكة. وقد قال تعالى: ﴿فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [سورة الشعراء / ٧٧]، ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ﴾ [سورة النساء / ٩٢] والخطأ لا يندرج تحت التكليف. قال: وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في أنه هل يسمى هذا الجنس استثناء عَلى الحقيقة أو لا، والأظهر المنع . وأما قول الشافعي يجوز أن يقول: له على ألف درهم إلا ثوباً، فهو على التحقيق استثناء الشيء من جنسه، لأن المعنى إلا قيمة ثوب. وأبو حنيفة وإن أنكر هذا فقد جوّز استثناء المكيل من المكيل مع اختلاف الجنس، واستثناء الموزون ٢٧٩ من المكيل. اهـ. وهذا كله يدل على أنه جائز اتفاقاً، وإنما الخلاف في أنه هل يسمى استثناء حقيقة أو مجازاً، وعبارة بعضهم تقتضي أن الخلاف في الجواز، ومنهم الآمدي في الإحكام، فقال: ذهبت الحنفية والمالكية وغيرهم إلى صحة الاستثناء من غير الجنس، ومنعه الأكثرون، واختار التوقف، وظاهره أن المانع لا يسمي ما ورد من ذلك استثناء، بل يجعل ((إلا)) بمعنى لكن، وسيأتي في كلام الماوَرْدي ما يقتضيه. وحكى الَمَازَرِي في ((التعليقة)) ثلاثة مذاهب: أحدها: صحته، والاعتداد به مطلقاً، وعزاه للشافعي ومالك. والثاني: عدم الاعتداد به، وعزاه لمحمد بن الحسن. والثالث: إن قدر بفرد نحو قوله: له على مائة درهم إلا مائة معينة اعتد به، ويسقط مقداره من الجملة الأولى، وكذلك إذا قدر بوزن أو کیل، فإن کان لا يقدر بشيء من ذلك لم يعتد به ولزمت الجملة الأولى. قال: وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه محمد بن الحكم. انتهى. وقال ابن الحاج في ((تعليقه على المستصفى)): الاستثناء المنقطع منعه قوم من جهة الغرض بالاستثناء، وأجازه الأكثرون من جهة وجوده في كلام العرب، والمجوزون لم يَقْدِرُوا أن يدفعوا وجوده في كلام العرب، والمانعون لم يقطعوا الجهة التي يصح بها المنقطع على وضع الاستثناء. قال: وقد حل هذا الشك القاضي أبو الوليد بن رشد، فقال: إن من عادة العرب إبدال الجزئي مكان الكلي، كما يبدل الكلي مكان الجزئي اتكالاً على القرائن والعرف، مثلاً إذا قال: ما في الدار رجل أمكن أن يكون هناك قرينة تفهم ما سواه، فلذلك يستثني، ويقول: إلا امرأة، وعلى هذا الوجه يكون الاستثناء كله متصلاً، إلا أن الاتصال منه في اللفظ والمعنى، ومنه في المعنى خاصة. قال: وإذا تصُفّح الاستثناء المنقطع وجد على ما قاله، وقد انفرد بحل هذا الشك. وقال ابن الخَشَّاب النحوي في كتاب ((العوني)): أنكر بعضهم الاستثناء من غير ٢٨٠