Indexed OCR Text

Pages 201-220

كان على أبيك دين فقضيتِه أينفعُه ذلك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن
يُقضى)، قال: وحكمه حينئذ كحكم السؤال، لكن لا يسمى عاماً لدلالة التنبيه.
ومتى انتفى شرط من الثلاثة لا يجوز أن يجيب المسئول فيها عن البعض للإخلال بما
يجب بيانه.
ومثّل القاضي في ((شرح الكفاية)) هذا القسم بما لو سئل عن قتل النساء
الكوافر، فقال: اقتلوا المرتدات. قال: فيختص القتل بهن، ولا تقتل الحربيات
لأجل دليل الخطاب. ولأن عدوله عن الجواب العام إلى الخاص دليلٌ على قصد
المخالفة. قال: ولهذا قال أصحابنا في حديث: (جعلت لي الأرض مسجداً،
وتربتها طهورا): علّق على اسم الأرض كونها مسجداً، وعلق على ترتبها كونه
طهورا، فدل على قصد المخالفة بين المسجد والطهورية، خلاف قول الحنفية: أن
الأرض كلها مسجد وطهور.
ومنه احتجاج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿أَسْكنوهن من حيث سكنتم من
وجدكم﴾ [سورة الطلاق / ٦] إلى قوله: ﴿حتى يضعن حملهن﴾ [سورة الطلاق / ٦]
فأوجب السكنى مطلقاً والنفقة بشرط الحمل، فدل على قصد المخالفة بينهما، وأن
المبتوتة الحائل لا نفقة لها.
ومثّل الأستاذ أبو إسحاق هذا القسم بقول السائل: (هلكت وأهلكت، فقال:
اعتق رقبة)، فأجاب بما يلزمه، ولم يتعرض لحكم الموطوءة، قال: فمن أسقط
السبب، واعتبر اللفظ جعله ظاهراً فيها، وطلب دلالة في حكمها.
الثالث: أن يكون الجواب أعمّ من السؤال، فيتناول ما سئل عنه وعَن غيره،
فهو قسمان :
أحدهما: أن يكون أعم منه في حكم آخر غير ما سئل عنه، كسؤالهم عن
التوضي بماء البحر، وجوابه بقوله: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فلا خلاف أنه
عام لا يختص بالسائل، ولا بمحل السؤال من ضرورتهم إلى الماء وعطشهم، بل
يعم حال الضرورة والاختيار. قاله أبو بكر بن فُورَك وصاحب ((المعتمد)
و((المحصول))، لكن صرح القاضي أبو الطيب وابن برهان بجريان الخلاف الاتي في
٢٠١

هذا القسم، وجعل الأستاذ أبو إسحاق هذا الحديث من قسم المساوي، وفيه
نظر.
الثاني: أن يكون أعم منه في ذلك الحكم الذي سأل عنه، کقوله: وقد سئل
عن بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وعمّن اشترى عبداً فاستعمله ثم
وجد به عيباً (الخراج بالضمان)، وفيه مذاهب:
أحدها: وبه قال بعض أصحابنا ونسبه المتأخرون للشافعي، أنه يجب قصره
على ما أخرج عليه السؤال، ونسبه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن
الصبَّغ وسليم الرَّازِي وابنٍ بُرْهَان وابن السَّمْعاني إلى الْمُزَني وأبي ثور والقَفَّال
والدَّفَاق؛ وفي نسبة ذلك للقَفّال نظر، وهو ظاهر كلام الخَفّافِ في ((الخصال))، فإنه
جعل من المخصصات خروج الكلام على معهود متقدم.
ونسبه الأستاذ أبو منصور إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري، قال: وعليه يدور
كلامه في كثير من الآيات، يقتصر بها على أسبابها التي ترتب فيها، ويجعلها تفسيراً
ء
لها، ودلالة على المراد باللفظ، ونسبه القاضي عبد الوهاب والبَاجِي لأبي الفرج من
أصحابهم؛ ونسبه الإمام في ((البرهان)) لأبي حنيفة. وقال: إنه الذي صح عندنا
من مذهب الشافعي، وكذا قال الغزالي في ((المنخول)) وتبعه في ((المحصول)) والذي
في كتب الحنفية، وصح عن الشافعى خلافه كما سيأتي.
ونقله القاضي أبو الطيب والمَاوَرْدي وابن برهان وابنِ السَّمْعَاني عن مالك، قال
الماوردي: ولهذا لو قذف زوجته ثم وطئها لم يلاعن عنده، ويجعل الوطء تكذيباً
له، لأن آية اللعان وردت في العجلان(١) على سبب خاص، وهو قوله: رأيتُ
بعيني، وسمعتُ بأذني وما قربتها منذ سَمِعْتُ. وقصد بذلك أنه ترك إصابتها مدة
طويلة واقتضى أن يكون ترْكُ إصابتها شرطاً في جواز لعانها.
والثاني: أنه يجب حمله على العموم، لأن عدول المجيب عن الخاص المسؤول
عنه إلى العام دليل على إرادة العموم، ولأن الحجة في اللفظ، وهو مقتضى العموم.
ووروده على السبب لا يصلح معارضاً لجواز أن يكون المقصود عند ورود السبب:
(١) الصواب: العجلاني، فالملاعن هو عويمر العجلاني.
٢٠٢

بيان القاعدة العامة لهذه الصورة وغيرها.
وهذا مذهب الشافعي كما قاله الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب،
والَاوَرْدِي وابن برهان في ((الأوسط)) وذكر ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) أن عامة
الأصحاب يُسنده إلى الشافعي.
واختاره أبو بكر الصَيْرَفي، وابن القطّان، وقال الأستاذ أبو إسحاق وابن
القُشَيْري وإلْكِيا الطبري وَالغزالي: إنه الصحيح.
وبه جزم القَفّال الشّاشي في كتابه، فقال: والأصل أن العموم له حكم، إلا أن
يخصه دليل، والدليل قد يختلف، فإن كان في الحال دلالة يعقل بها المخاطب أن
جوابه العام يقتصر به على ما أجيب عنه أو على جنسه فذاك، وإلا فهو عام في جميع
ما يقع عليه عمومه، ثم قال: والأصل في ذلك أن الأحكام لا يخلو أكثرها عن
سبب وأمر يحدث، ولا ينظر إلى ذلك، وإنما النظر إلى الحكم كيف مورده، فإن
ورد عاماً لم يخص إلا بدليل /، وإن ورد مطلقاً لم يقيّد إلا بدليل، لأن الأسباب ١٤٩ /ب
متقدمة، والأحكام بعدها فقد ينظمها مع تقدمها، كما أن الأحكام لا يخلو أكثرها
من أن يقضى به على غير أولها أو فيها، وليس في ذلك ما يوجب الاقتصار بالخطاب
على العين. هذا كلامه.
وقال القاضي ابن كج في كتابه في الأصول: ذهب عامة أصحابنا إلى أن الحكم
للفظ. وبه قال أبو حنيفة، وهو مذهب الشافعي. قال نصاً: والأسباب لا تَصْنَعُ
شيئاً، وإنما الحكم للألفاظ. وقال قوم من أصحابنا: إن الحكم للسبب، وادّعوا
أن ذلك مذهب الشافعي، لأنه قال في قوله: (إنما الربا في النسيئة) إنه خرج عن
سؤال السائل، لأنه سأل عن الربا في الجنس. انتهى.
وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أكثر أصحابنا والحنفية، وحكاه القاضي عبد
الوهاب عن الحنفية، وأكثر الشافعية والمالكية، وحكاه الباجي عن أكثر المالكية،
والعراقيين: إسماعيل القاضي، والقاضي أبي بكر، وابن خَوَيْزِ مَنْدَاد، وغيرهم،
وقال: إنه الصحيح عندي. انتهى .
وقال القاضي في ((التقريب)): إنه الصحيح، لأن الحكم يتعلق بلفظ الرسول
٢٠٣

دون ما وقع عليه السؤال، ولو قال ابتداء لوجب حمله على العموم، فكذلك إذا
صدر جواباً.
وقال الباجي: روي عن مالك المذهبان؛ وقال القاضي أبو بكر: روي عن
الشافعي المذهبان، لأنه جعل الخراج بالضمان عاماً، وحمله على جميع المبيعات،
ولم يخصه بمال، وهو العبد، وقال في موضع آخر: إن قوله: (إنما الربا في النسيئة)،
يحتمل أن يكون خارجاً عن سؤال سائل، فيجب قصره عليه. انتهى.
مذهب الشافعي في الجواب يكون أعم من السؤال:
والصحيح عنده القول بالعموم، وفروع مذهبه تدل عليه، وقد نص في ((الأم))
في كتاب الطلاق على أن العمل للألفاظ ولا تعمل الأسباب شيئاً، لأن السبب قد
يكون، ويحدث الكلام على غير السبب، ولا يكون مبتدأ الكلام الذي حكم؛
وخدش بعضهم في هذا، فإن الشافعي إنما ذكر ذلك في معرض أن الغضب وغيره
من الأسباب التي يرد عليها الطلاق لا يدفع وقوع الطلاق، ونحن نقول: بل
العبرة في كلام الشافعي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقوله: لاعمل
للأسباب على عمومه، ولا يخصه سياقه.
وقال في ((الأم)) في باب بيع العَرَايا للأغنياء ما نصه: والذي أَذْهَبُ إليه أنه لا
بأس بذلك، لأن النبي وَ لّ حين أحلها لم يذكر أنها تحل لأحد دون أحد، كما قال:
تحل لك، ولمن كان مثلك، كما قال في التضحية بالجذعة: (تجزيك ولا تجزي عن
أحد بعدك)، وكما حرم الله الميتة فلم يرخص فيها إلا للمضطر، وكثير من
الفرائض نزل بأسباب قوم، وكان لهم وللناس عامّة إلا ما بين الله أنه أحل لغيره
ضرورة أو حاجة. انتهى.
وقد نقل المَاوَردِي عنه عند الكلام في ((أن قرينة الغضب لا تجعلِ الكناية
صريحاً)) أنه إذا كان لفظه عاماً لم أَعْتَبِرِ خصوص السبب، وإن كان خاصاً لم أعتبر
عموم السبب.
وقال الرافعي في كتاب الأيمان: لو مَنَّ عليه بمالٍ، فقال: والله لا أشرب لك
٢٠٤

ماءً من عطش، انعقدت اليمين على الماء وحده. وقال مالك: بكل ما ينتفع به من
ماله. قال الشيخ أبو حامد: وسبب الخلاف أن الاعتبار عندنا باللفظ، وبه اعتبر
عمومه وإن كان السبب خاصاً، وخصوصه وإن كان السبب عاماً. وعنده الاعتبار
بالسبب دون اللفظ.
وقد أنكر الإمام فخر الدّين في مناقب الشافعي على مَنْ نَقل عنْه القول الأول،
وقال: معاذ الله أن يصح هذا النقل عنه، كيف وكثير من الآيات نزل في أسباب
خاصّة؟ ثمَّ لم يقُل الشافعي بأنها مقصورة على تلك الأسباب. والسبب في وقوع
هذا النقل الفاسد أنه يقول بأن دلالته على سببه أقوى؛ لأنه لما وقع السؤال عن
تلك الصّورة لم يجز أن لا يكون اللّفظ جواباً عنه، ولا(١) تأخر البيان عن وقت
الحاجة، وأبو حنيفة عكس ذلك، وقال: دلالته على سبب النزول أضعف، وحكم
بأن الرجل لا يلحقه ولد أمته وإن وطئها، مالم يقر بالولد، مع أن قوله ومثاله: (الولد
للفراش، وللعاهر الحجر) إنما ورد في أمة، والقصة مشهورة في عبد ابن زمعة،
فبالغ الشافعي في الرد على من يجوِّز إخراج السبب، وأطنب في أن الدلالة عليه
قطعية، كدلالة العام عليه بطريق العموم، وكونه وارداً لبيان حكمه، فتوهم
المتوهم أنه يقول أن العبرة بخصوص السبب.
قلت: وأما إمام الحرمين فاستدل على أن الشافعي يقول بخصوص السبب،
بأنه لم يجعل قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إليَّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن
يكون ميتة أو دماً مسفوحاً﴾ الآية. [سورة الأنعام / ١٤٥] قاصراً للمحرمات في هذه
الأشياء، قال: لورود الآية في الكفار الذين كانوا يُحلّون الميتة والدم ولحم الخنزير
وما أهل لغير الله به، ويَتحرّجون عن كثير من مباحات الشرع، فكانت سجيتهم
تخالف وضّع الشرع وتضادّه، وكان الغرض منه إبانة كونهم على مضادة الحق،
فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما حللتموه، والقصْد الرد عليهم فقط. قال: ولولا
سَبْق الشافعي إلى ذلك ما كان يستجيز مخالفه تلك(٢) في مصيره إلى حصر
المحرمات فيما ذكره الله تعالى في هذه الآيات. انتهى. وتبعه ابن القُشَيْري.
(١) لعل الصواب: وإلا تأخر البيان.
(٢) لعل في الكلام حذفاً.
٢٠٥

وذكر غيره مواضع في كلام الشافعي يؤخذ منها ذلك:
١
منها: أنه قال في قوله عليه السلام: (الماءُ لا ينجسه شيء)؛ خرج على سبب
وهو بئر بضاعة، فَقَصره على سببه. وقال في اختلاف الحديث: أما حديث بئر
بضاعة، فإن بئر بضاعة كثيرة الماء واسعة، كان يطرحُ فيها من الأنجاس مالا يغير
لها لوناً ولا طعماً ولا ريحاً، فقيل: أنتوضأ منها ويطرح فيها كذا؟ فقالٍ عليه السلام
مجيباً: (الماء لا ينجسه شيء)، وكان جوابه محتملاً كل ماءٍ، وإن قلَّ. وبينا أن في
الماء مثلها إذا كان مجيباً عليها، فلما روى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أن
يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً دَل على أن جوابه في بئر بضاعة عليها، وكان
العلم أنه علی مِثلها أو أكثر منها، ولا یدل حدیث بئر بضاعة وحده علی أن ما دونها
من الماء لا ينجس، وكانت آنية الناس صغاراً، وكان في حديث الولوغ دليل على
أن قدر ماء الإناء ينجس بمخالطة النجاسة له، وإن لم يغير. انتهى.
وقال في قوله: (إنما الربا في النسيئة): إنه خرج على سؤال سائل، فقصره.
ومنها قوله: إن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ، وجعل قوله: (أيما إهاب دبغ
فقد طهر) خاصاً بالمأكول، فقد قصره على سببه.
١/١٥٠ ومنها / أنه خصص النهي عن قتل النساء والصبيان بالحربيات، لخروجه على
سبب، وهو أنه * مر بامرأة مقتولة في بعض غزواته، فقال: (لم قتِلَتْ وهي لا
تقاتِل؟) ونهى عن قتل النساء والولدان؛ فعلم أنه أراد الحربيات. وتخلص بذلك
عن استدلال أبي حنيفة به على منع قتل المرتدة. فقد أُلْغَى الشافعيّ التعميم،
وقصَره على السبب.
ومنها قال المَاوَرْدِي في ((الحاوي)): لا يختلف أصحابنا أن الصوم في السفر.
أفضل من الفطر، لأن الفطر مضمون بالقضاء، وأما قوله عليه الصلاة والسلام:
(ليس من البر الصيام في السفر)، فهذا وَرَدَ على سبب وهو أنه عليه الصلاة
والسلام مرَّ برجل، وقد أَحْدَقَ به الناس، فسأل عنه، فقيل مسافر، قد أَجْهَدَهُ
الصوم، فقال: (ليس من البر الصيام في السفر)، وعندنا أن من أجهده الصوم
ففطره أولى. اهـ.
قلت: وهذا كله لا ينبغي السبق به إلى نسبة الشافعي إلى اعتبار خصوص
٢٠٦
۔

1
السبب، أما ما ذكره إمام الحرمين، فليس ذلك مصيراً إلى اعتبار السبب لوجهين:
أحدهما: أنه لم يأخذ التخصيص هنا من السبب، وإنما أخذه من التأويل في
اللفظ، وله محامل تعضده، وقصد بذلك تطرق التأويل إلى الآية تَمَسَّكَ بها
مالِك(١)، ولولا فَتْحُ هذا الباب لكانت الآية نصاً في الحصر، وهي من أواخر ما
نزل من القرآن، ولا نسْخ فيها، ويدل على ذلك إجماع الصحابة على تحريم
الحشرات والقاذورات والعذرات، ولم تنطو الآية عليها، وكيف تجري الآية مع
هذا على العموم.
والثاني: أن النزاع في هذه المسألة حيث لا دليل يصرف إلى السبب، والشافعي
إنما قصر الآية على سببها لما وردت السنة بمحرمات كثيرة كالحمر الأهلية، وكل ذي
ناب من السباع، وذكر الآية الأخرى على جمع الخبائث، فجمَعَ الشافعي بين
الأدلة كلها، بأن قصَر آية الإبهام على سببها، وقد أشار الشافعي إلى ذلك في
((الرسالة)) وهو أعلم بمراده.
وأما حديث (الماء لا ينجسه شيء) و (إنما الربا في النسيئة)، فإنما فعل ذلك كما
قال أبو الحسين بن القَطّان وغيره، لأنه رأى الأخبار تعارضت، فلم يمكن
استعمالها على ظاهرها، فحملها على السّبب للتعارض.
وأما مسألة الدباغ فلم يقصر الحكم على السّبب، وإلا لقصره على خصوص
الشاة؛ بل سائر جلد المأكول عنده سواء، وإنما أخرج جلد الكلب عن العام
بدليل، وكذا مسألة القطع.
وأما ما قاله في النهي عن قتل النساء والصبيان، فإنه إنما قصره على سببه لًّا
عارضه قوله: (من بدل دينه فاقتلوه)، ولم يكن بُدٍّ من تخصيص أحدهما بالآخر،
فوجب تخصيص الوارد على سببه، وحمل الآخر على عمومه، لأن السبب من
أمارات التخصيص. ذكره المَاوَرْدِي في ((الحاوي)).
وأما ما قاله المَاوَرْدِي في حديث: (ليس من البرّ الصيام في السفر)، فإنما اعتبر
(١) الآية التي تمسك بها مالك ورأى أنها حاصرة للمحرمات هي قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى
محرماً ... ) الآية.
٢٠٧

السبب لقصْد الجمع بين الأحاديث کنظير ما سبق في بئر بضاعة، کیف وقد نصّ
في كتاب اللعان على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب في إقامة الدليل
عليه .
وأما حديث: (الخراج بالضّمان)، فقال القَفَّال الشاشي في ((أصوله)): قصره
أصحابنا على سببه، وهو فيه عبْد بِيعَ، فظهر فيه عيبٍ، فجعل لمشتريه خراجَهُ
لضمانه إياه لو تلف. قال: فجعل أصحابنا ذلك حكماً في البيوع دون الغصوب،
وإن كانت الغُصُوب مضمونة، وقد خالفهم في ذلك غيرهم. اهـ.
وقال القاضي الحسين في تعليقه: الغاصب يضمن منفعة المغصوب اسْتوفاها أم
لا، خلافاً لأبي حنيفة، واحتج بحديث: (الخراج بالضمان)، وأجاب الشافعي
بأن الخَبر ورد في خراج المِلك، فإنه ورد في المشتري إذا استعمل المبيع، ثم اطلع
على عيب، فأراد الرد. اهـ. وهذا من القَفّال والقاضي اعتبار للسبب.
واعترض بعضهم بأن الشافعي روى هذا الحديث بلفظ: (أن النبي بَّ قضى
أن الخراج بالضمان)، وحينئذ فليس مما نحن فيه، إذ لا عموم لمثل هذه الصّيغة
على الأصح، كما في قضى بالشفعة.
قلت: لكن رواه أبو داود عن عائشة عن النبي ◌َّ قال: (الخراج بالضمان).
وهذه صيغة عامة، ثم رأيت الشافعي قال في ((البويطي)): والحجة في أن على
الغاصب غلة ما اغتصبه، وإن لم يسكن الدار، ولم يركب الدابة - حديث مجالد بن
خَلَّف حينَ قال له النبي ◌َّ: (الخراج بالضمان)، وإنما ذلك في عبد، وليس
بعينه، فقضى النبي عليه السلام بالغلة لمالك الرقبة، فذلك يقضي بالغلة لمالك
الرقبة، وهو المغصوب منه، لأنه مالك الشيء. اهـ .
وهذا الاستدلال يرفع الاشكال، وقد قال ابن السَّمْعَاني في ((القواطع)): قيل:
إن الشافعي أشار إلى اعتبار خصوص السبب في بئر بضاعةً، وقال في قوله: (الماء
لا ينجسه شيء)، مقصور على سببه. وقال في قوله: (لا قطع في ثمر ولا كثر) أنه
خرج على عادة أهل المدينة في ثمارهم وأنها لم تكن في مواضع مُحوطة. وسائر
الأصحاب قالوا: إنما قال الشافعي هذا لِأدلّةٍ دلت عليه، فأما إذا لم يكن هناك
٢٠٨

دليل على التخصيص فمذهبه إجراء اللفظ على عمومه. اهـ.
وقال أبو بكر الصّيْرفى في ((أصوله))، وأبو الحسين بن القطان أيضاً: كل خطاب
حصل عند حدوث معنى، فإن كان في الخطاب أوْ غيره دلالة على أنه أراد الحكم
في المعنى فالنظر إلى المعنى ابتداء سواء كان أعم من الاسم أو أخصّ، لقيام الدليل
على اعتبار المعنى، وإن لم تقم دلالة فالحكم للاسم حتى يقوم الدليل على خلافه.
انتھی .
والحاصل أن مذهب الشافعي العمل بالعموم إلا أن يقوم دليل يقتضى القَصْر
على السّبب، فحينئذ يرجع إليه كما فعل في الآية، وفي حديث الخراج بالضمان،
وبئر بضاعة، وغيرها. وحكاه القَفَّال الشّاشي وأبو الحسين بن القطان عن
أصحابنا. ولا يلزم من القصر على السبب لدليل العمل به مطلقاً، فمن ههنا مثار
الغلط على الشافعي، فقد عملوا بحديث: (الولد للفراش) مطلقاً في الإماء
والحرائر والأمة المملوكة والمنكوحة مع أنه ورد في التداعي في ولد المملوكة، وعملوا
بحديث العرايا مطلقاً، الأغنياء والفقراء، مع أن الرخصة إنما وردت في الفقراء.
وكذلك مشروعية الرمل ثبتت مطلقاً، وإن ورد على سبب خاص، وقد زال.
واتفق الشافعي والأصحاب على أن المحرم يحصره عدو أنه يتحلل، سواء كان
المانع مُسْلماً أو كافراً لعموم الآية، وإن کانت قد وردت علی سبب خاص، وهو
صدّ المشركين رسول الله وَ ل عن البيت، أو يقال: إن العام الوارد على سبب إما
أن يكون / ورد مقصوداً به حقيقة السبب، ومؤثراً في دفعه، وإما أن يرد لقصد ١٥٠/ب
التشريع، والأول هو مراد الشافعي بالحمل على الخصوص. ولا ينبغي أن يجري
فيه خلاف. والثاني هو المراد بعموم اللفظ.
٠
ويشهد لهذا التقرير أنَّ إِلْكِيا الهراسي لما جزم القول بالحكم بعموم اللفظ،
قال: يعم العام الذي لم يرد على سبب أقوى، وهذا دونه، قال: ولا جرم قال
الشافعي إن قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً﴾ الآية [سورة
الأنعام / ١٤٥] لا نرى دلالته على حصر المحرمات فيما رآه مالك، فإنه نزل على
سبب، وهو عادة العرب في تناول الموقوذة والمتردية، فيحتمل أن يكون أراد لا مُحرّمَ
٢٠٩

ما يأكلون إلا كذا وكذا يعم، قد بان الشرع بصيغة في تمهيد قاعدة، ثم يجعل محل
السؤال كالفرع له، أو كالمثال، فذلك لا يوهن التعلق بعموم اللفظ، كقوله: (إنما
الأعمال بالنيات) ثم قال: (فمن كانت هجرته) الحديث. ومحل السؤال الهجرة،
ولكن اللفظ لا يتأثر ولا ينحط عن غيره على ما قاله الإمام وفيه بحث. اهـ.
ويجتمع مما سبق في المنسوب للشافعي في هذه المسألة خمسّة طرق:
أحدها: حكاية قولين له وهي طريقة القاضي أبي بكر. والثانية: تنزيلهما على
حالين وهي الطريقة التي ذكرتها أخيراً. والثالثة: القطع باعتبار السبب وهي
طريقة إمام الحرمين. والرابعة: القطع باعتبار اللفظ وهي المشهورة. والخامسة:
القطع باعتباره فيما لم يقم دليل على القصر على السبب، وهي في الحقيقة منقحة
للرابعة، والله أعلم.
[بقية المذاهب فيما إذا كان الجواب أعم من السؤال]:
والمذهب الثالث: الوقف فإنه يحتمل البعض ويحتمل الكل فيجب التوقف
حكاه القاضي في ((انتقريب)).
والرابع: التفصيل بين أن يكون السبب سؤال سائل فيختص به، وأن يكون
وقوع حادثة فلا. حكاه عبد العزيز في ((شرح البزدوي)).
والخامس: إن عارضه عُموم خرج ابتداء بلا سبب قصر ذلك على سببه، وإن
لم يعارضه فالعبرةُ بعمومه. قال الأستاذ أبو منصور: هذا هو الصحيح. قال:
ولذلك قَصَرْنَا نهيَه عليه السّلام عن قتل النساء على الحربِيَّات دون المرتدات،
لمعارضته قوله: (مَنْ بدل دينه فاقتلوه)، وقد يقال: هذا عين المذهب الثاني، لأن
المعمِّمين شرطوا عدم المعارض.
[الخطاب الوارد على سبب لواقعة وقعت]:
هذا كله في الخطاب الخارج جواباً لسؤال، فأمّا إذا لم يكن كذلك ولكن ورد
على سبب لواقعةٍ وقعت، فقال الآمدى وغيره: إنه يجري فيه الخلاف، كقوله:
(أيما إهاب دبغ فقد طهر). والتحقيق أن يقال: إما أن يرد في اللفظ قرينة تشعر
بالتعميم، كقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة / ٣٨] والسبب رجل سرق
٢١٠

رداء صفوان، فالإتيان بالسارقة معه قرينة تدل على عدم الاقتصار على المعهود،
وكذلك عن الإفراد إلى الجمع، كما في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تُؤدُّوا الأمانات
إلى أهلها﴾ [سورة النساء / ٥٨] فإنها نزلت في عثمان بن طلحة أخذ مفتاح الكعبة،
وتغيَّب به، وأبى أن يدفعه إلى النبي وَ لَ، وقيل: إن عليّاً أخذه منه، وأبى أن يدفعه
إليه، فنزلت، فأعطاه النبي وَ لَّ أياه. وقال: (خذوها يا بني طلحة خالدة مخلدة
فيكم أبدا، لا يَنزعها منكم إلا ظالم) فقوله: ((الأمانات)) قرينة مشعرة بالتعميم.
وإن لم يكن ثَمَّ قرينة فلا يخلو إما أن يكون معرّفاً بالألف واللام أوْ لا، فإن كان
فقضية كلامهم الحمل على المعهود، إلا أن يفهم من نفس الشارع قصدُ تأسيس
قاعدة، فيكون دليلاً على العموم، وإن كان العموم لفظاً آخر غير الألف واللام،
فيحسن أن يكون هو محل الخلاف، فتجري فيه الأقوال السابقة.
ويزيد هنا قول آخر، وهو التفصيل بين أن يكون الشارع ذكر السبب في كلامه
فيقتصر عليه، ولا يشاركه غيره، إلا إذا وجد فيه ذلك المعنى، أو يلحق ببيان:
(حُكمِي على الواحد حكمي على الجماعة)، كنهيه عن ادخار لحوم الأضاحي مع
قوله: (إنما نهيتكم من أجل الدافة)؛ وبين أن يكون السبب من غيره، فالاعتبار
بعموم اللفظ لا السبب، كقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرّفتُ إلى
نسائكم﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] فإنه على سبب الاختيان، ثم يدخل فيه من اختان ومن
لم يختن، حكاه القاضي في ((التقريب)) والأستاذ أبو منصور، وابن فُورَك، ونسبه
أبو الحسين بن القطان لأبي علي بن أبي هريرة من أصحابنا، قال: ويلزمه أن
يقول: إن سقوط قيام الليل مخصوص بالمرض، لأن الله تعالى قال عند تخفيفه:
﴿عَلِم أن سيكون منكم مرضى﴾ [سورة المزمل / ٢٠].
قال أبو الحسين: وذكر كثير من الفقهاء أن الأسباب على ضربين:
أحدهما: أسباب تقتضي لأجلها الحكم في الابتداء، فيدخل المتعقب والابتداء.
والثاني: لأجلها كان الحكم، وما يرتفع السبب إلا ويرتفع الحكم، فيحتاج أن
يتأمل الخطاب. فإن كان سبب الرخصة عاماً عممناه، ولم يراع السبب، وإن
كانت الرخصة منوطة بالسبب علقناه به، ولا يجوز أن يتعدى السبب إلى غيره،
٢١١

وعلى هذا تحمل الأسباب كلها.
تنبيهات
الأول: أن محل الخلاف أن لا تظهر قرينة توجب قصره على السبب من العادة
ونحوها، فإنْ ظهرت وجب قصره بالاتفاق. قاله القاضي في ((التقريب))،
وأبو الحسين في ((المعتمد))، ونقله عن أبي عبد الله البصري، كقوله في جواب تغذّ
عندي: والله لا تغذّيت، فالعادة تقتضي قصر الغداء عنده، وإن كان مستقلاً
بنفسه، يعني: فلا يحنث إذا تغدى عند غيره. وكما لو قيل له: كَلُّمْ زيداً، أو كلْ
هذا الطعام. فقال: والله لا أكلت، ولا كلمت، فإنه يعلم أن قصْده تخصيص
اليمين بهذه المواضع.
قال القاضي: وعند هذه القرينة لا خلاف في قصره على السبب، وإنما الخلاف
حيث لم يعلم. قال: والطريق إلى هذه القرينة في كلام الله متعذر، لا يعلم إلا مِنْ
جهة الرسول، أنه مقصور على ما خرج عليه، وكذا قال ابن القُشَيْرِي بعد أن
صحح عموم اللفظ: هذا في المطلق الذي لا يتقدم خصوصه بدليل، فإن علم
بقرينة حال إرادة الخصوص، مثل: أن يقول: كلم زيداً، فيقول: والله لا
تَكلمتُ، فيفهم أنه يريد لا تكلمت معه، فلا يحمل في مثل هذا على التعميم.
انتهى .
وفي قول القاضي: لا خلاف في قصره على السبب نظر، فقد سبق أنَّ مذهب
مالك في: لا أشرب لك ماءً من عطش، أنه يحنث بأكل طعامه، ولْسٍ ثيابه،
وأنَّ مذهب الشافعي الاقتصار على مَوْرِد اليمين، وهو الماء خاصة.
وحكى الرافعي في كتاب الأيمان عن ((المبتدي)) للرُّوياني: أنه لو قيل: كَلِّم
زيداً، فقال: والله لا كلمته، انعقدت اليمين على الأبد، إلا أن ينوي اليوم، فإن
كان ذلك في طلاقٍ وقال أردت اليوم، لم يقبل في الحكم. وقال الأصحاب فيمن
١/١٥١ دخل عليه صديقه، فقال: تغذّ معي، فامتنع / فقال: إن لم تتغذّ معي فامرأتي
طالق، فلم يفعل، لا يقع الطلاق لو تغدى بعد ذلك معه، وإن طال الزمان
انحلت اليمين؛ فإن نوى الحالَ فلم يفعل وقع الطلاق، وهو يخالف قول
٢١٢

الأصوليين: إن الجواب المستقل بنفسه والعرف يقضي بعدم استقلاله في حكمه
الذي لا يستقل بوضعه، فيكون على حسب السؤال.
ورأى البغوي حمل المطلق على الحال للعادة، وهو يوافق قول الأصوليين. ولو
دُعِي إلى موضعٍ فيه منكر، فحلف أنه لا يحضر في ذلك الموضع، فإن اليمين
تستمر. وإن رُفِعَ المنكر. كما قاله الرافعي.
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) و((العنوان)): محل الخلاف فيما إذا لم
يقتض السياق التخصيص به، فإن كان السؤال والجواب منشؤهما يقتضي ذلك فهو
مقتض للتخصيص بلا نزاع، لأن السياق مبينّ للمجملات، مرجح لبعض
المحتملات، مؤكد للواضحات. قال: فليتنبه لهذا ولا يُغْلَط فيه، ويجب اعتبار ما
دل عليه السياق والقرائن؛ لأن بذلك يتبين مقصود الكلام. وصَرَّح في ((شرح
العنوان)» بأن ذلك بحث، وكلام القاضي السابق يشهد له.
الثاني: قال المازَرِي: لو خرجت المسألة على الخلاف في الألف واللام، هل
تقتضي الصّيغ التي دخلت عليها العموم، أو تحمل على العهد؟ لكان لائقاً، فمن
يقصر اللفظ على سببه يجعلها للعهد، ومن يعممه لا يفعل ذلك، وفيه نظر؛ لأن
ذلك الخلاف حيث لا قرينة تَصْرِفُهُ إلى العهد، والقائلون بالتعميم في هذه الحالة
هم معظم الأصوليين، مع أن كثيراً منهم يقصرونه على السبب.
وعلى مقتضى ما قاله المَازَرِي أورد بعض الأكابر سؤالاً، وهو أنه كيف يمكن
الجمع بين قول النحاة: إنه متى أمكن حملها على العهد لا تحمل على العموم،
وقولِ الأصوليين: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصُوص السبب؟ وأجيب بأنه لا
تنافي بينهما، لأن العموم لا ينحصر في الألف واللام؛ بل له صيغ كثيرة، فإن أوْرَدَ
ما إذا كانت الصيغة الألف واللام، قلنا: إرادة العموم قرينة دلت على ذلك.
وقال بعضُهم: الصحيح أن العبرة بلفظه، فيعم إلا إذا كان في اللفظ ما يمنع
العموم كالألف واللام العهدية، وهذا بناء على أن العهد هو الأصل فيها، وإنما
يصار إلى العموم عند عدم العهد.
والحق أن السؤال غير لازم؛ لأن الأصوليين لم يجمعوا بين المقالتين، ولم يخالفوا
٢١٣

أصلهم، بل الأصل عندهم في الألف واللام العموم، حتى يقوم دليل على خلافه،
فلهذا لم يقصروه على سببه. وعند النحاة الأصل العهد حتى يقوم دليل على
خلافه، وقد سبق في الكلام على الصيغ أن معظم الأصوليين على أنها للعموم
حيث لا قرينة تصرفها إلى العهد، وأن المخالف فيه ابن مالك، وأن إلْكِيا الطبري
نقله عن سيبويه. لكن في نسبته لجميع النحاة نظر، فقد سَبَقَ عن أبي بكر بن
السَّرَّاج النحوي موافقة الأصوليين.
وأوْرَدَ بعضهم السؤال لا على جهة الجمع، فقال: إذا كانت القرينة تَصْرِف
إلى العهد، وتمنع من الحمل على العموم، فهلا جعلتم العام بالألف واللام
مصروفاً إلى العهد بقرينة السبب الخاص، وقلتم: إن العبرة بخصوص السبب لا
بعموم اللفظ؟ وأجاب بأن تقدم السبب الخاص قرينة في أنه مراد لا أن غيره ليس
بمراد، فنحن نعمل بهذه القرينة، فنقول: دلالة هذا العام على محل السبب
قطعية، ودلالته على غيره ظنية، إذ ليس في السبب ما يثبتها، ولا ما ينفيها.
والتحقيق: أن العدول عما يقتضيه السبب من الخصوص إلى العموم دليل على
إرادة العموم. وقد أشار إلى هذا الزمخشرى في تفسير سورة البقرة، قال: فإن
قلت: فكيف قيل: مساجد الله، وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحدٍ،
وهو بَيْتُ المقدس، أو المسجد الحرام؟ قلت: لا بأس أن يجىء الحكم عاماً، وإن
كان السبب خاصاً، كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً: ومن أظلم ممّن آذى
الصالحين؟ وكما قال الله تعالى: ﴿ويل لكل همزة﴾ [سورة الهمزة / ١] والمنزول فيه
الأخنس بن شريق. قال: وينبغي أن يراد بـ ﴿من مَنْع﴾ [سورة البقرة/ ١١٤] العُموم
كما أريد بمساجد الله، ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم.
[إذا كان سبب الواقعة شرطاً فهل يعم الخطاب الوارد على تلك الواقعة]:
الثالث: حيث قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ، فاستثنى الشيخ عز الدين بن
عبد السلام (رحمه الله) من ذلك ما إذا كان السبب شرطاً، كقوله تعالى: ﴿إِن
تكونوا صالحين فإنه كان للأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [سورة الإسراء / ٢٥] فالأوّابُون عامٍ في كلّ
أوّاب ماضياً كان أو حاضراً أو مستقبلاً. قال: فيجب في هذا العموم أن يَخْصَّصَ
٢١٤

بَنَا، والعِدَةُ بالغفران لمن تقدم ذكره من المخاطبين في قوله تعالى: ﴿إن تكونوا﴾
[سورة الإسراء / ٢٥] ولا يعم هذا جميع الخلائق ولا جميع الأمم السالفة في ذلك، لأن
التعاليق اللغوية أسباب، والجزاء المرتب عليها أسباب تلك التعاليق، وصلاح
المخاطبين لا يكون سبباً لصلاح غيرهم من الأمم؛ لأن عمل كل واحد تختص
فائدته به، لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [سورة النجم / ٣٩] وإذا
لم يكن شرطاً فالحق العموم. حكاه الأصفهاني في ((شرح المحصول)) عن بعض
المتأخرين. ثم قال: وهو تفصيل حسن، لا بأس به. قلت: وارتضاه ابن دقيق
العيد والقَرافي.
[تحقيق مرادهم بالسبب]
الرابع: ليس المراد بالسبب هنا السبب الموجب للحكم، كزَنَ مَاعِزِ فَرُجِمَ؛
بل السبب في الجواب. قاله ابن السمعاني. وسبق منقول أبي الحسين بن القطان
عن الفقهاء في ذلك.
وقال صاحب ((المصادر)): ليس المراد بالسبب هنا ما يُؤَلَّدُ الفعلَ؛ بل المراد به
الداعي إلى الخطاب بذلك القول، والباعث عليه. فعلى هذا لابد في خطاب
الحكم من أن يكون مقصوراً على سببه، أي داعيته، وكلام الشافعي في ((اختلاف
الحديث)) كما سبق في بئر بضاعة يصرح بأنه ليس المراد بالسبب عين ما وقع الحكم
بسببه؛ بل هو أو مثله، أو ما هو أولى بالحكم منه، حيث قال: وكان العلم أنه على
مثلها أو أكثر منها. ومن هنا قال بعضهم: لا متمسك للمستدلين بآية السرقة،
واللعان، والظهار، وغيرها، على التعميم، وعدم القصر على السبب. فإن
القطع، وأحكام اللعان، والظهار - ثبتت فيمَنْ كان مثلَ مَنْ نزلت فيه، وذلك
ليس من العموم، وذلك أن تقول: إلحاق مثله، أو ما هو أوْلى منه، إن كان
بالقياس، فخُرُوجٌ عن موضوع المسألة، وإن كان من اللفظ، لزم اتحاد القول
بالقصر على السبب. والقول بالعموم، ثم مِنْ أيِّ الدلالات هو؟ فليتأمل ذلك.
الخامس: قال القاضي: يجب أن تُتَرْجَمَ هذه المسألة باللفظ العام إذا ورد على
سبب خاص. أو في سبب خاص، ولا يقال عند سبب خاص. قال: والفرق بينهما
٢١٥

أنك إذا قلت: عند سبب خاص، فليس للسبب تعلق به أصلاً، وفرقٌ بين
١٥١/ ب قولك: ضربت العبد على قيامه، وضربته / عند قيامه. ففي الأول جعلت القيام
سبباً للضرب بخلاف الثاني. قال ابن القشيرى: وهي مناقشة لفظية(١).
السادس: هذا العام وإن كان حجة في موضع السبب أو السؤال وغيره، لكن
دلالته على صورة السبب أقوى، فلهذا قال الأكثرون: إنها قطعيَّة الدخول، فهو
نص في سببه، ظاهر فيما زاد عليه. وإنما جعلوها قطعية في السبب لاستحالة تأخير
البيان عن وقت الحاجة، ولا يصح منه عليه السلام أن يُسأل عن بيان ما يحتاج إلى
بيانه فيُضْرِبُ عن بيانه ويُبَيْنَ غيره مما لم يُسْأل عنه، وعلى هذا فيجوز تخصيص هذا
العام بدليل كغيره من العمومات المبتدأة، لكن لا يجوز تخصيصٍ صورة السبب
بالاجتهاد، لأن العام يدل عليه بطريق العموم، وكونه وارداً لبيان حكمه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه جوّز إخراج صورة السبب عن عموم اللفظ، إجراءً
له مُجْرَى العام المبتدأ، فإنه يجوز تخصيص بعض آحاده مطلقاً، واستُنبِط ذلك من
مصيره إلى أن الحاملَ لا تُلاعِنُ، مع أن الآية نزلت في امرأة العجلاني، وكانت
حاملاً. ومن مصيره إلى أنَّ وَلد المشرقيّة يلحق بفراش المغربي مع عدم الاحتمال،
تلقّاً من قوله: (الولد للفراش)، وقد ورد في عبد بن زمعة إذ تداعى ولد وليدة
أبيه، وكانت رقيقة، ولدته على فراش أبيه. وعنده أن الأمة إذا أتت بولد لا يلحق
السيد إلا إن أقَرَّ به. فقال بالخبر فيما لم يرد فيه، وهو الحرة، فألحقه بصاحب
فراشها، ولم يقل به فيما ورد فيه، وهو الأمة، فلم يُلحِق ولدَها بصاحب فراشها،
فاستعمل عموم اللفظ في غير ما ورد فيه، وأخرج ما ورد فيه عن حكمه.
وأعْجَبُ من هذا أنه عمل بعموم الحديث مطلقاً، حيث ألحَقَ الولد بالفراش في
الحرة، وإن تحقق نفيه كالمغربية مع المشرقي.
قال الأستاذ أبو منصور: وكذا خلافهم في تكبيرات العيدين، هي سنة فيهما
عند الشافعي، وأسقطها أبو حنيفة في عيد الفطر، وفيه نزل قوله تعالى:
﴿ولتكملوا العدّة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [سورة البقرة / ١٨٥] وقال الإمام
(١) ذكر ناسخ القاهرية أن الشيخ الشربيني علق هنا قائلاً: نعم، هي مناقشة لفظية، لكي ينبغي التنبيه لها،
فإن عدم التنبيه يخرج البحث في المسائل عن موضوعها.
٢١٦
١

الغزالي في الأولين: الظن أن ذلك لا يصح عن أبي حنيفة، وكذلك أنكره
المُقْتَرح، وقال: لعله لم يبلغه الحديثان.
قلت: ولو صح نسبة ذلك إلى أبي حنيفة من هذا للزم نسبته إلى مالك أيضاً،
فإن مالكاً قال بالقيافة في ولد الأمة لا الحرة، مع أن حديث مجَزَّز المدلجي إنما ورد
في الحرة.
ونقل عنه أن المحرم بالعمرة لا يباح له التحلل، لأنه لا يخاف الفوت بخلاف
الحج، مع أن آية الإحصار إنما نزلت والنبي وَلّ محرم بالعمرة، وتحلل بسبب
الإحصار.
وقال بعض المتأخرين: قولهم: إن دخول السبب قطعي ينبغي أن يكون محله
فيما إذا دلت قرائن حاليّة أو مقالية على ذلك، أو على أن اللفظ عام يشمله بطريق
الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم في دخوله وضعاً بحسب اللفظ العام،
ويَدَّعى أنه قصد المتكلم بالعام إخراج السبب وبيان أنه ليس داخلاً في الحكم،
فإن للحنفية أن يقولوا في عَبْد بن زمعة: الولد للفراش، وإن كان وارداً في أمة،
فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إما بالثبوت أو الانتفاء، فإذا ثَبَتَ
أن الفراش هي الزوجة، لأنها هي التي يتخذ لها الفراش غالباً، وقال: الولد
للفراش، كان فيه حصر أن الولد للحرة، ومقتضى ذلك لا يكون للأمة، فكان فيه
بيان الحكمين جميعاً نفي السبب عن المسبب، وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى
القطع هنا، وذلك من جهة اللفظ.
وهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة الموطوءة
أو الحرة فقط؟ الحنفية يدَّعون الثاني، فلا عموم عندهم له في الأمة، فتخرج
المسألة عن هذا البحث. نعم، قوله: (هو لكَ يا عبد بن زمعة، وللعاهر الحجر)
يقتضي أنه ألحقه به على حكم السبب، فيلزم أن يكون من قوله الفراش.
قلت: ومن المسائل التي يعاكس فيها أبو حنيفة والشافعي أصلهما ذهاب
الشافعي ومالك إلى أن التحلل في الحج مخصوص بحصر العدوّ ومَنَعَاهُ في المرض ؛
لأن قوله تعالى: ﴿فإن أحْصِرْتُمْ فما استيسر من الهَدْى﴾ [سورة البقرة / ١٩٦] نزل في
الحديبية، وكان الحصر بِعَدُوٌّ، فاعتبرا خصوص السبب، وخالفهما أبو حنيفة في
٢١٧

ذلك فاعتبر عموم اللفظ لأن الآية دالة على جواز خروجه من الحج بالأعذار، فإن
الإحصَار عند المعتّبرين من أهل اللغة موضوع لإحصار الأعذار، والحصر موضوع
لحصر العدو.
قال الشيخ عز الدين ولا يحسن أن يقال: إن محل السبب يقتضي حصر
العدو(١)، لأن اللفظ إذا دل على حصر العدوّ، كانت دلالته على حصر الأعذار من
طريق أوْلَى، فنزلت لتدلّ على إِحصار العدو بمنطوقها، وعلى إحصار العذر
بمفهومها، فتناولت الأمرين جميعاً.
فإن قيل: قد قرر بها ما يدل على أنها نزلت في حصر العدو، وهو قوله تعالى:
﴿فإذا أمنتم﴾ [سورة البقرة / ١٩٦]، والأمْنُ إنما يستعمل في زوال الخوف من
الأعداء دون زوال المرض والأعذار، وأجاب أن الآية لما دلت على التحلل بالحصر
رجع الأمر إلى ما دلت عليه بطريق الأولى لا بطريق اللفظ، وإن جعلنا حَصَّر
وأحْصَرَ لغتين دل أحصر على الأمرين، ورجع لفظ الأمن إلى أحدهما دون الآخر.
قال: والذي ذكره مالك والشافعي لا نظير له في الشريعة السمحة، فإن من
انكسرت رجله وتعذر عليه العود إلى الحج أو العُمرة، يبقى في بقية عمره حاسِرّ
الرأس مجرَّداً عن اللباس، مُحَرَّماً عليه كل ما يحرم على المُحْرِمِ !! بعيد شرعاً.
واعلم أن مذهب مالك أن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، ورد عليه إمام
الحرمين بحديث: (التسْبيحُ للرجال، والتصفيق للنساء). قال: ولو جاز الكلام
في مصلحتها لما أمِرَ المأمور في ذلك إذا ناب الإمامَ شيء، ويلزم مالكاً إخراج محلٍ
السبب من العموم، فإن الحديث وَرَدَ على شيء ناب أبا بكر في صلاته، لما صلّى
بهم وصفّقوا، فلما فرغ من الصّلاة قال وَله: (إنما التسبيح للرجال)، فلا يجوز
إخراج السبب، ويعتبر اللفظ، حتى لو استأذن عليه شخص وهو في الصّلاة، أو
رأى أعمى يقع في بئر فإنه يفهمه بالتسبيح.
السابع: أورد على قولهم: إن السبب داخل قطعاً أنه قبل نزول الآية، والحكم
إنما يثبت من حين نزولها، فكيف ينعطف على ما مضى؟ وقد أجمعت الأمة على أن
أوس بن الصامت شمله الظهار وأمثاله من الأسباب، وهذا الإشكال وارد على
(١) كأنه يريد لا يقتضي حصر العدو فحسب.
٢١٨
٠٠٠
١

سبب. ويُخُصُّ آية الظهار واللعان إشكالٌ آخر وهو أن ((الذین) في قوله تعالى:
﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ [سورة المجادلة / ٣] مبتدأ / وخبره ((فتحرير)) أي ٢/١٥٣
فكفارتهم تحرير، وحذف لدلالة الكلام عليه. وجاز دخول الفاء في الخبر لتضمن
المبتدأ معنى الشرط، وتضمن الخبر معنى الجزاء. فإذا أريد التنصيص على أن الخبر
مستحق بالصلة دخلت الفاء حتماً للدلالة على ذلك، وإذا لم تدخل احتمل أن
يكون مستحقاً به أو بغيره. كما لو قيل: الذين يظاهرون عليهم تحرير رقبة، وإن
كنّا نقول: إن ترتب الحكم على الوصف مشعر بالعليّة، ولكن ليس بنص،
ودخول الفاء نص.
إذا عرفت هذا فالآية لا تشمل إلاَّ مَنْ وُجِدَ منه الظهار بعد نزولها، لأن نفي
الشرط(١) مستقبل فلا يدخل فيه الماضي، وقد أَوْجَبَ النبي عليه السلام الكفارة على
أُوْس بن الصامت، وذلك لا شك فيه من جهة أنه السبب.
وأجيب عنه بأن إثبات أحكام هذه الآيات لمن وُجدّ منه السبب قبل نزولها لأن
هذه الأفعال كانت معلومة التحريم، كالسرقة والزنى، ووجوب الحدّ فيهما لا
يتوقف على العلم، والفاعل لها قبل نزول الآية إذا كان هو السبب في نزولها من
حکم المقارن لها، لأنها نزلت مُبيِّنَة لحکمه فلذلك ثبت حكمها فیه دون غيره ممن
تقدم الماضي(٢) والمستقبل، وسبب النزول حاضيرٌ أو في حكم الحاضر، وأما دلالة
الفاء على الاختصاص بالمستقبل فقد يمنع.
الثامن: أن العموم الخارج مخرج التشريع أوْلى من الخارج على سبب، كقوله
عليه السلام: (إنما الربا في النسيئة)، مع قوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب)، فهذا
خرج مخرج التشريع، والأول أمكن خروجه على سؤال سائل ترك الراوي ذكر
سببه. قاله أبو الحسين بن القطان.
وقال الغزالي: يصير احتمال التخصيص للخارج على سبب أقرب مما لم يخرج
على سبب، ويقنع فيه بدليل أخف وأضعف، وقد يصرف بقرينة اختصاصه
بالواقعة. ويأتي فيها ما ذكر في باب التراجيح.
(١) كذا في الأصل ولعل الصواب ((معنى الشرط)
(٢) كذا ولعله ((الحاضر)).
٢١٩

التاسع: لك أن تسأل عن الفرق بين هذه المسألة، وبين قولهم: إن الحكم إذا
شرع لحكمة أو سبب، ثم زال ذلك السبب، هل يبقى الحكم تمسكاً بعموم
اللفظ، أو لا يبقى نظراً للعلة؟ وجهان مذكوران في استحباب الذّهاب إلى العيد
من طريق، والرجوع من أخرى. وترجيحهم الميلَ إلى تعميم الحكم كما في الرمل،
والاضطباع في الطواف. وجعل الرافعى منه أن العرايا لا تختص بالمحاويج على
الصحيح، وإن كان سبب الرخصة ورد في المحاويج تمسكاً بعموم الأحاديث.
العاشر: إذا اعتبرنا السبب فلا ينبغي جعله من العام المخصوص، بل من
العام الذي أريد به الخصوص، وسيأتي الفرق بينهما.
فائدة
نزول الآية لمحل لا يقتضى تعلقها به، وقد يخرج فيها قولان للشافعي، فإنه
ذهب في القديم إلى أن المتمتع له صيام أيام التشريق عن تمتعه، لقوله تعالى:
﴿فمن تمتع بالعمرة﴾ [سورة البقرة / ١٩٦] إلى قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في
الحج﴾ [سورة البقرة / ١٩٦] قال الْمَاوَرْدِي: ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية
نزلت في يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، فعلم أنه أراد بها أيام التشريق.
المسألة الثالثة(١)
ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص عند الأكثرین؛
بل الأول باق على عمومه. قال القَفّال: فصار الخاص كأنه ورد فيه خَبَرَان: خبر
يشمله ويشمل غيره، وخبر يخصه، خلافاً لأبي ثور، فإنه خصّص الدباغ بالمأكول،
لأجل قوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، مع إفراده ذكر الشاة في حديث ميمونة؛
وقوْله في قصة المجامع في رمضان، مع قوله: (من أفطر في رمضان فعليه ما على
المظاهر)، إن صح الخبر. ونقله عبد الوهاب في ((الملخص)) عن الأكثرين من فقهاء
الشافعية؛ فأما مذهبنا فيحتمل أن يتخرج فيه الخلاف، إلا أن أجوبتهم تطرد على
الأول .
(١) أى من المسائل الصارفة للفظ عن العموم.
٢٢٠