Indexed OCR Text

Pages 161-180

أحدها: وبه يشعر كلام الإمام فخر الدين أن الاقتضاء إثبات شرط يتوقف
عليه وجود المذكور، ولا يتوقف عليه صحة اللفظ، نحو اصعد السطح، فإنه
يقتضي نصْبَ السُّلّم، وهو أمر يتوقف عليه وجود الصعود، ولا تتوقف عليه صحة
اللفظ، بخلاف الإضمار فإنه إثبات أمر تتوقف عليه صحة اللفظ، وهذا
ضعيف، لأن قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف / ٨٢] من باب الإضمار،
ولا يتوقف صحة اللفظ على إضمار الأهل، لأن العقل لا يحيل السؤال من
القرية .
وثانيها: ذكره عبد العزيز في ((الكشف شرح البزدوي)) أن في صورة الإضمار
تغيير إسناد اللفظ عند التصريح بالمضمر كالأهل في ﴿واسأل القرية﴾ [سورة
يوسف / ٨٢] ، بخلاف الاقتضاء، فإنه يبقي الإسناد على حاله، وَرُدَّ أيضاً باتفاق
الأصوليين على أن قوله عليه السلام: (رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان). من باب
الاقتضاء، مع أنه يتغير الإسناد بالمضمر.
وثالثها: أن المضمر كالمذكور لفظاً، ولهذا له عموم، ولهذا لو قال لامرأته:
طلقي نفسك، ونوى ثلاثاً صحت نيته، إذ المصدر مضمر فيه، فكأنه قال طلقي
نفسك طلاقاً، وأما المقتضى فليس هو كالمذكور لفظاً، ولهذا لا يعم، ورُدَّ بأنا لا
نسلم إضمار المصدر في الأولى؛ لأنه على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا
لضرورة، ولا ضرورة فيه.
قال الصَّفِي الهندي: والصحيح الفرق بينهما من حيث المعنى واللفظ، أما من
حيث المعنى فالمقتضى أعم من المضمر؛ لأن المقتضى قد يكون مشعوراً به
للمتكلم، وقد لا يكون، بخلاف المضمر، فإنه لا يكون إلا مشعوراً به؛ لأنه اسم
مفعول من أضمره المتكلم، فعلى هذا كل مضمر مقتضى، ولا عكس؛ وأما من
حيث اللفظ، فمن وجهين: أحدهما: أن الإضمار إنما يستعمل حيث يعرفه كل
أحد؛ لأنه عبارة عن إسقاط شيء يدل عليه الباقي، بخلاف الاقتضاء، فإنه قد
يحتاج فيه إلى تأمل ونظر. وثانيهما: أن في صورة الإضمار تغيير إسناد اللفظ عند
التصريح بالمضمر، وفي الاقتضاء قد يكون كذلك، كقوله: (رفع عن أمتي
١٦١

~
الخطأ)، وقد لا يكون كما في اصعد السطح، وكذلك في اعتق عبدك عني،
والحاصل أنهما يفترقان من جهة الغفلة عن الشيء وتغير الإسناد، وهما متحدان في
أن المقصود بالكلام لا يتم إلا بهما.
وقال عبد العزيز في ((شرح البزدوي)): وجعل الأصوليون منا ومن الشافعية
والمعتزلة ما يضمر في الكلام لتصحيحه على أقسام: أحدها: ما أضمر لضرورة
صدق المتكلم، كقوله: (رُفع عن أمتي). والثاني: ما أضمر لصحته عقلاً،
كقوله: ﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف / ٨٢]. والثالث: ما أضمر لصحته شرعاً،
كقوله: اعتق عبدك عني، وشمول مقتضى(١)، ولذلك قالوا في حَدّه: هو جعل غير
المنطوق منطوقاً لتصحيح المنطوق، ثم اختلفوا، فذهب الشافعي إلى القول بجواز
العموم في الثلاثة، وبعضهم إلى المنع فيها، وهو أبو زيد، وذهب البَزْدَوي وشمس
الأئمة السَّرَخسي وصدر الإسلام إلى أن اسم المقتضى يطلق على الثالث فقط،
وسموا الباقي محذوفاً ومضمراً، وقالوا بالعموم في المضمر دون المقتضى.
المسألة الخامسة
حذف المعمول نحو زيد يعطي ويمنع، يشعر بالتعميم، وقوله: ﴿والله يدعو
١/١٤٤ إلى دار السلام﴾ [سورة يونس / ٢٥]، أي كل / أحد وهذا لم يتعرض له
الأصوليون، وإنما ذكره أهل البيان، وفيه بحث، فإن ذلك إنما أخذ من القرائن،
وحينئذ فإن دلت القرينة على أن المقدَّر يجب أن يكون عاماً فالتعميم من عموم
المقدَّر سواء ذكر أو حذف، وإلا فلا دلالة على التعميم، فالظاهر أن العموم فيما
ذكر إنما هو دلالة القرينة على أن المقدَّر عام، والحذف إنما هو لمجرد الاقتضاء لا
التعميم .
(١) لعلّ الصواب ((وسموّه مقتضى)) أي هذا الثالث، كما يأتي.
١٦٢

[المسألة] السَادسَة
في أن المفهوم هل له عموم أم لا؟ وجهان لأصحابنا، وحكى الأستاذ أبو منصور
أنه عام، فقال: قال أصحابنا: العموم يكون في الألفاظ والمعاني ودلائل الألفاظ
من مفهوم أو دليل خطاب. اهـ.
وظاهر إيراد الأكثرين منهم الشيخ أبو إسحاق وغيره أنه ليس بعام، لأنهم
جعلوا العموم من صفات النطق، وهو اختيار القاضي أبي بكر والغزالي ولهذا مَنَعًا
تخصيصه؛ لأن التخصيص لا يكون إلا للعام، وهذا بناء منهم على أن دلالة
المفهوم قياسية لا لفظية، وهو الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: إنها لفظية فلا ينبغي أن يقع الخلاف في عمومه، والعجب أن الغزالي
من القائلين بأنها لفظية، وهنا نَفَى العموم، وأشار إلى بناء هذه المسألة على أن
العموم من عوارض الألفاظ أو المعاني، فقال: من يقول بالمفهوم قد يظن أن له
عموماً، ويتمسك به، ثم رده بأن العموم من عوارض الألفاظ، والمفهوم ليست
دلالته لفظية، فإذا قال: في سائمة الغنم الزكاة، فنَفْى الزكاة عن المعلوفة ليس
بلفظ حتى يعم أو يخص، ورد ذلك صاحب ((المحصول))، وقال: إن كنت لا تطلق
عليه لفظ العام فلك ذلك، وإن عنيت به أنه لا يقتضي انتفاء الحكم في جملة صور
انتفاء الصفة فذلك من تفاريع كون المفهوم حجة، ومتى جعلته حجة لزم انتفاء
الحكم في جملة صور انتفاء الصفة وإلا لم يكن للتخصيص فائدة.
قال القَرَافي: والظاهر من حال الغزالي أنه إنما خالف في التسمية، لأن لفظ
العموم إنما وضع للفظ لا للمعنى، وأما عموم النفي في المنطوق فهو من القائلين
به، لأنه من القائلين بأنه حجة.
وقال ابن الحاجب: إنما أراد الغزالي أن العموم لم يثبت بالمنطوق به فقط؛ بل
بواسطته، وهذا مما لا خلاف فيه، وقال الخلاف لا يتحقق في هذه المسألة.
١٦٣

وقال الشيخ في ((شرح الإلمام)): لقائل أن يقول: إن الحال مختلف، فإن كان
محل النطق إثباتاً، فالحكم منتف في جملة صور المخالفة، وإن كان نفياً لم يلزم أن
يثبت الحكم، لأنه إذا تخلف النطق إثباتاً لزم نفي الحكم إذا انتفى عن كل أفراد
المخالفة؛ لأنه إما أن يدل على تناول الحكم لكل فرد من أفراد المخالفة أولا، فإن
دل فهو للأفراد، وإلا فهو دال حينئذ على نفي الحكم عن مسمى المخالف، ولزم
انتفاؤه عن كل فرد ضرورة، وإن ما سلب عن الاسم مسلوب عن جملة أفراده،
وهذا كتعليق الوجوب بسائمة الغنم، فإن كان محل النطق إثباتاً فيقتضي نفي
وجوب الزكاة عن المعلوفة، وإن كان بصفة فذاك وإلا فهو سلب عن مسمى
المعلوفة، فيلزم انتفاء الوجوب عن كل أفراد المعلوفة لما بيناه من أن المسلوب عن
الأعم مسلوب عن كل أفراده.
وأما إن كان محل النطق نفياً كقوله: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)، فإنه
يقتضي انتفاء الحكم عن المخالف، وهو النفي، فيكون الثابت للمخالف إثباتاً،
فإن مطلق الحكم في السوم لا يلزم منه العموم، كما أن العموم له صيغ مخصوصة
لا كل صيغة، فإذا كان بعض الألفاظ المنطوق بها لا يدل على العموم إذا كانت في
جانب الإضافة، فما ظنك بما لا لفظ فيه أصلاً؟ ومن ادعى أن مقتضى المفهوم أن
يدل على العموم في مثل هذا، احتاج إلى دليل.
وقول الإمام: ومتى جعلته حجة لزم انتفاء الحكم عن جملة صور انتفاء الصفة،
وإلا لم يكن للتخصيص فائدة - ممنوع، لأنا إذا علقنا الحكم بالمسمى المطلق كانت
فائدة المفهوم حاصلة في بعض الصور ضرورة، فلا يخلو المفهوم من فائدة، وفي
مثل هذا يتوجه كلام الغزالي، قال: فهذه مباحثه ينظر فيها، ثم بعد ذلك تقول:
فقد نأخذ عموم الأحكام في أفراد المخالف من أمر خارج عن دلالة المفهوم، مثلٍ
أن يكون الإجماع قائماً على عدم اقتران الأحكام، أو يكون الحكم في المخالف ثابتاً
لمعنى مفهوم لا يختص ذلك المعنى ببعض الأفراد دون بعض.
وقال الأبْيَارى في ((شرح البرهان)): القائل بأن للمفهوم عموماً مُسْتَنَدُه أنه إذا
قال: في سائمة الغنم الزكاة، فقد تضمن ذلك قولاً آخر، وهو لا زكاة في
١٦٤

المعلوفة، وهو لو صرح بذلك لكان عاماً، والمقصود أنا إذا وجدنا صورة من صور
المفهوم موافقة للمنطوق به، فهل نقول: بطل المفهوم بالكلية حتى لا يتمسك به في
غير تلك الصورة؟ أو تقول: نتمسك به فيما وراء ذلك؟ هذا موضع نظر، قال:
والأشبه بناء ذلك على أن مستند المفهوم ماذا؟ هل هو البحث عن فوائد
التخصيص كما هو اختيار الشافعي، فلا يصح أن يكون له عموم؟ وإن قلنا:
استناده إلى عرف لغوي فصحيح.
وخرج لنا من كلامه وكلام الشيخ أن الخلاف معنوي، وليس الخلاف لفظياً كما
زعموا، وفائدة أخرى ذكرها الشيخ: وهي أن خلاف أصحابنا في الماء النجس إذا
كُوثِرَ بماء، ولم يبلغ قلتين، هل يطهر؟ ينبنى على ذلك، فإن قلنا: له عموم، لم
يطهر، وهو الصحيح، ووجه البناء أن قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم
ينجس) دل بمفهومه على أن ما دُونهما يتنجَّسُ بملاقاة النجاسة سواء تغير أم لا،
كوثر ولم يبلغهما أم لم يُكاثَر، وإن قلنا: لا عموم للمفهوم لم يقتض الحديث
النجاسة في هذه الصورة، وكذلك الماء القليل الجاري إذا وقعت فيه نجاسة، ولم
يتغير، والجديد ينجس والقديم لا، فيبنى على ما ذكرنا.
تنبيه
[المفهوم يكون عامً إذا كان المنطوق جزئياً]
ما ذكروه من عموم المفهوم حتى يعمل به فيما عدا المنطوق يجب تأويله على أن
المراد ما إذا كان المنطوق جزئياً، وبيانه أن الإجماع على أن الثابت بالمفهوم إنما هو
نقيض المنطوق، والإجماع على أن نقيض الكلي المثبت جزئي سالب، ونقيضٍ
الجزئي المثبت كلي سالبٍ، ومن هاتين المقدمتين يعلم أن ما كان منطوقه كلياً سالباً
كان مفهومه جزئياً سالباً، فيجب تأويل قولهم: إن المفهوم عام على ما إذا كان
المنطوق به خاصاً، ليجتمع أطراف الكلام، وانظر إلى عبارة الإمام في ((المحصول))
في أوا باب العموم، وقوله: في سائمة الغنم الزكاة أنه يدل على أنه لا زكاة في كل
ما ليس بسائمة، فإن قوله: لا زكاة في كل ما ليس بسائمة من باب سلب العموم
١٦٥

المقتضى لسلب الحكم عن المجموع، وليس من باب عموم السلب المقتضى لسلب
الحكم عن كل فرد فرد.
[المسألة] السَابعَة
المشترك إذا تجرد عن القرائن صار صائرون إلى أنه عام، إذا لم يقم دليل على
١٤٤ /ب التخصيص، إعمالاً للفظ فيما أمكن، ونقل ذلك عن / الشافعي، قال إمام الحرمين
والغزالي: وهو عنده في حكم العام لا نفسه، لأن العام يحمل على جميع الأفراد
بخلاف هذا، وإنما شَابَهَ العام من حيث شموله متعدِّداً، وأنه يحمل على النوعين.
وقد بالغ إلْكِيا الهراسي في رد هذا القول، وقال: هذا غلط، فإنه لم يوضع
وضع عموم، ولكن وضع لآحاد المحامل على البدل، فالتعميم فيه إخراجه عن
موضوعه، وإلحاقه بقبيل آخر. قال: وهذا قاطع اهـ. ويشهد له أنهم نقلوا عن
القاضي موافقة الشافعي مع أن القاضي لا يقول بصيغ العموم، إلا أن يقال: إنما
أنكر وضع صيغ العموم، وهنا جوَّز الاستعمال؛ وقد سبقت المسألة مستوفاة في
مباحث المشترك.
ومما يفترق فيه حمل اللفظ على معنييه وحمل اللفظ العام على أفراده، أن العام
يسترسل على آحاده من غير توقف على الوجود حال اللفظ، ولهذا لو وقف على
أولاده صرف إلى الموجودين حال الوقف، ولمن يحدث بعدهم لأن الصيغة عامة،
ولو وقف على مواليه وله موال من أعلى وأسفل صرف إليهما، لا من يحدث من
الموالي من الأسفل.
[المسألة] الثامنة
[مذاهب العلماء في عموم الفعل المثبت إذا كان له جهات]
الفعل المثبت إذا كان له جهات ليس بعام في أقسامه؛ لأنه يقع على صفة
واحدة، فإن عرف تعين وإلا كان مجملاً يتوقف فيه حتى يعرف، نحو قول
١٦٦

الراوي: (صلى بعد غيبوبة الشفق)، فلا يحمل على الأحمر والأبيض، وكذلك
(صلى في الكعبة)، لا يعم الفرض والنفل، وكذلك (قضى بالشفعة للجار) ونحوه
لجواز قضائه لجار كان بصفة يختص بها؛ هكذا قاله القاضي أبو بكر، والقَفَّال
الشَاشي، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق في ((اللمع)) وسليم الرَّازِي في
(التقريب))، وابن السَّمْعَاني في ((القواطع))، وإمام الحرمين، وابنِ القَشْرِي،
والإمام فخر الدين.
قال القَفَّال: قول الراوي فعَل النبي عليه السلام كذا، وقضى بكذا وغيره، لا
يجري على عموم ما يدخل تحت اللفظ إلا بدليل، لأنه إخبار عن فعل، ومعلوم أن
الفاعل لم يشتمل(١) كل ما اشتمل عليه قسمة ذلك الفعل، ولعله مما لا يمكن
استيعاب فعله، فلا معنى للعموم في ذلك، بل يطلب على ما وقع فيه أو به ذلك
الفعل جميع ما اشتمل عليه المسمى، فيمْضى على عموم اللفظ إلا أن يمنع من ذلك
دلیل .
قال: فأما إذا روي عنه عليه السلام أنه قضى باليمين مع الشاهد، وأن رجلاً
أفطر فأمره بكذا، فنقول: إن القضية وقعت في شيء بعينه، وإن الإفطار وقع
لشيء منه يوجب طلب الدليل على ما وقع القضاء فيه، وكان الإفطار به، ثم ينظر
في الحاق غيره بدليل آخر. انتهى.
قال الغزالي: وكما لا عموم له بالنسبة إلى أحوال الفعل، فلا عموم له بالنسبة
إلى الأشخاص؛ بل يكون خاصاً في حقه، إلا أن يدل دليل من خارج، كقوله :
(صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقيل: ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره، إلا ما.
دل عليه دليل أنه خاص به، وهو فاسد.
قال ابن القُشَيْرِي: والحاصل أنا لو تحققنا أن القضاء فعل، فليس بعام، وإن
كان لفظاً، فإن اختص بشخص معين في خصومة بعينها فكذلك، إلا أن يقوم
دليل على العموم، فإن كان لفظاً عاماً في وضع اللغة تمسكنا بعمومه، وكذا الذي
يقتضيه تصرف أصحابنا.
(١) كذا، ولعل صوابه: لم يعمل الخ
١٦٧

وقد قال المَاوَرْدِي وابن أبي هريرة في ((تعليقه)) وغيرهما: وقد ذكروا أنّ الجدة لا
ترث مع ابنها، وأورد الخصم عليهم أن النبي عليه السلام وَرَّثَ جدة وابنها حي،
فأجابوا بحمله على صورة خاصّة، أوككونه قاتلاً، أو مملوكاً، أو كافراً، أو كان ابنها
خالاً، قال ابن أبي هريرة وليس قوله: ((ورّث)) عموماً؛ لأن ذلك قضية، والقضية
لا تصلح أن تكون في نوعين مختلفين، وإنما يقال: عموم في الألفاظ. انتهى.
هذا ما وجدته لقدماء أصحابنا، وأما كلام الشافعي فيه، فإنه يقتضي تخريج
قولين له في هذه المسألة، فإنه قال في ((الأم)) مجيباً عن قوله عليه السلام: (لعن الله
المحلِّلَ والمحلَّلَ له) فقال: ونكاح المحلل الذي روي أن رسول الله وسير لعنه
عندنا - والله تعالى أعلم - ضربٌ من نكاح المتعة، لأنه غير مطلق. اهـ. وهذا
يقتضي أنه لا عموم له. انتهى.
وذكر في موضع آخر ما يقتضي أنه عام، فإنه احتج على تأجيل الدّية على العاقلة
ثلاث سنين في الذكر والأنثى بحديث: (ضرب العقل على العاقلة في ثلاث
سِنِينٍ)، قال الإمام في ((النهاية)): قال الشافعي في بعض مجاري كلامه: لم ينقل
النَّقَلَةُ واقعة قضى رسول الله وَله بضرب العقل فيها على العاقلة إلا المرأتين،
فأمكن من ذلك أن يضرب عقل المرأة على العاقلة في ثلاث سنين، ثم إذا قلت
ذلك اطرد فيه أن بدل كل نفس مضروب في ثلاث سنين، يعني سواء كان الواجب
فيه الدية كاملة كالرجل أو نصفها كالمرأة، قال الإمام: ويمكن أن يقال: قول
الراوي: ((قضى)) تأسيس شرع منه، وليس تمهيداً في قضية، ولم ينقل على
التخصيص والتفصيل في قضية الجاريتين، فيضرب العقل على المرأة في ثلاث
سنین. انتهى .
وأطلق ابن الحاجب أن الفعل المثبت ليس بعام في أقسامه، ثم اختار في نحو
قوله: (نهى عن بيع الغرر)، و(قضى بالشفعة للجار) أنه يعم الغرر والجار مطلقاً،
وقد سبقه إلى هذا شيخه الأبْيَارى، فإنه ذكرِه في ((شرح البرهان)) سؤالاً، والآمدى
بحثاً، فارتضاه ابن الحاجب وأقامه مذهباً، وتبعه ابن الساعاتي في ((البديع)).
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)»: اختار بعض الفضلاء - وكأنه يريد
١٦٨

ابن الحاجب - عموم نحو (قضى بالشفعة للجار) بناء على عدالة الصحابى،
ومعرفته باللغة، ومواقع اللفظ، مع وجوب أن تكون الرواية على وفق السماع من
غير زيادة ولا نقصان. ومنهم من قال: لا يعم، لأن الحجة في المحكي، ولا عموم
في المحكي. قلت: ونقله الآمدي عن الأكثرين، وسبق ما يؤيده، وصححه في
((المحصول)).
قال الشيخ تقي الدين: وهذا لابد فيه من تفصيل، وهو أن المحكي فعلاً لو
شوهد لم يَجُزْ حمله على العموم، فلذلك وجه، وإن كان فعلاً لو حكي لكان دالاً
على العموم، فعبارة الصحابي عنه يجب أن تكون مطابقة للمقول لما تقدم من
معرفته وعدالته، ووجوب مطابقة الرواية للمعنى المسموع. اهـ.
وقد اختار القاضي في ((التقريب)) قريباً من هذا، فقال: والأقرب في هذا عندنا
أن الصحابي العالم باللسان إذا قال: إن النبي عليه السلام عبر عن إثبات معنى
وحكم ليس له في اللسان ألفاظ محتملة - قبل ذلك بمثابة روايته اللفظ، وإن ذكر
عنه معنى وهو مما له عبارة محتملة وجب مطالبته بحكاية اللفظ. اهـ.
ويشهد لهذا أن القَرَافي جعل هذه المسألة مبنية على جواز رواية الحديث / ١٤٥/أ
بالمعنى، فإن منَعْنَاه امتنعتَ المسألة، لأن ((قضى)) ليس هو لفظ الشارع، وإن جوّزنا
وهو الصحيح، فشرطه المساواة، فإذا روى العدل اللفظ بصيغة العموم ((كالغرر))،
وجب أن يكون المحكي عاماً، وإلا كان ذلك قدحاً في عدالته حيث روى بصيغة
العموم ما ليس عاماً، فلا يتجه قولنا الحجة في المحكي لا في الحكاية؛ بل الحجة
في الحكاية، لأجل قاعدة الرواية بالمعنى.
وفي المسألة مذهب رابع وهو التفصيل بين أن يتصل به الباء فلا عموم له،
كقوله: (قضى بالشفعة للجار)، فلا يدل على ثبوتها لكل جَارٍ؛ بل يدل على أن
الحكم في القضية دون القول، وبين أن يقترن بحرف ((إن))، فيكون للعموم،
كقوله: (قضى أن الخراج بالضمان)، لأنّ الظاهر من ذلك حكاية لفظه عليه
السلام، فلذلك صحَّ دعوى العموم فيها؛ حكاه القاضي في ((التقريب والإرشاد))،
والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحق في ((شرح اللمع))، والقاضي عبد الوهاب
١٦٩

وصححه، وحكاه عن أبي بكر القَفَّال وأصحابنا. وفي نسبة ذلك للقَفَّال نظر لما
سبق من كلامه.
وجعل بعض المتأخرين النزاع لفظياً من جهة أن المانع للعُموم ينفي عموم
الصيغ المذكورة، نحو ((أمَرَ، وقَضَى))، والمثبت للعموم يثبته فيها من دلیل خارج،
وهو إجماع السلف على التمسك بها بقوله: (حكمي على الواحد حكمي على
الجماعة)، والأقرب أن التعميم فيها حاصل بطريق القياس الشرعي كما قاله
أبو زيد الدَّبُوسي، فإنا رأينا النبي ◌ُّر حكم بقضاء في واقعة معينة، ثم حدثت لنا
أخرى مثلها - وجب إلحاقها بها، لأن حكم المثلين واحد. ويتحصل حينئذ في
المسألة خمسة مذاهب.
[صيغ الفعل المثْبت الذي له أكثر من احتمال]
ثم الكلام على الصيغ :
إحداها: إذا قال الراوي: سمعتُه يقول: قضيت بالشفعة للجار، فقال
القاضي: يحمل على العموم في كل جار، ويحتمل العهد، وبذلك جزم ((صاحب
المحصول)) فقال: لا يعم لاحتمال كون ((أل)) للعهد، وهذا بناء منه على اختياره
أن المفرد المحلى بأل لا يعم، فأما إذا كان منَّوَّناً، كقوله: قضيت بالشفعة لجار،
فجانب العموم أرجح. قاله صاحب الحاصل، وقال: الأشبه أنه يفيد العموم.
الثانية: قول الصحابي: (نهى عن بيع الغرر)، وعن ((نكاح الشغار))، و ((أمر
بقتل الكلاب))، ظاهر كلامهم أنه ليس بعام أيضاً، وأنه مثل ((قضى))، وصرح به
الغزالي وغيره.
وهذا ليس بصحيح كما قاله القرطبي، لأن ((أمر، ونهى)) عبارة عن أنه وقع منه
عليه السلام خطابًا التكليف اللذان هما الأمر والنهي، فلما لم يذكر الصحابة مأموراً
ولا منهياً مخصوصاً، علم أنّ المخاطب بذلك كل المكلفين كسائر خطابات
التكليف، ثم إن صدر أمْرُه ونهيه لواحد بعينه، فهو يتوجه للجمع.
قلت: وقد احتج الشافعي على بطلان بيع اللحم بالحيوان مطلقاً من جنسه
١٧٠

وغيره بعموم قوله: (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) وقد احتج أصحابه بالنهي عن
بيع الغرر على كثير من المسائل، وكذلك (لعن الله الواصلة والمستوصلة).
وقال القاضي: استدلال الفقهاء بمثل هذه الصيغ - إن اقترن به ما يدل على
العموم حمل عليه، وإلا امتنع التعلق به. وما رُوي أن الشافعي احتج بقضية عمر
ابن عبد العزيز في ذلك، وأن عروة بن الزبير قال لعمر: إن رسول الله آل﴾ قضی
في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فإنهما إنما احتجا بذلك لاعتقادهما أن حكمه على
الواحد حكمه على الجميع، وأنه علق الخراج بالضمان، وذلك يوجب التعميم
على أنه قد روي ((الخراج بالضمان)) بدون قضى، فيجب التعلق به حينئذ.
وفي (المستصفى)) في ((باب السنة)) أن قول الصحابى: (أمر رسول الله وليه
بكذا، أو نهى عن كذا) قيل: إنه أمر لجميع الأمة، والصحيح أن مَن يقول بصيغة
العموم ينبغي أن يتوقف في هذا، إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمراً للأمة، أو
الطائفة، أو لشخص بعينه، فيتوقف فيه على الدليل، لكن يدل عليه أن أمرَه
للواحد أمر للجماعة، إلا إذا كان لوصفٍ يخصه من سفر أو حيض، كقولنا: أمرنا
إذا كنا مسافرين. نَعَم، إن عُلِمَ من عادة الصحابى أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة
حمل عليه، وإلا احتمل أن يكون أمراً له وللأمة ولطائفة.
وقال شارحه العَبْدَرِي مَن قال: إنه عام فباطل، لأن الفعل لا يدل على المفعول
بصيغته؛ بل بمقتضاه، والمقتضى لا عموم له.
الثالثة: أن يورد الفعل بصيغة ((كان))، فهل هو عام أم لا؟ على وجهين حكاهما
الشيخ أبو إسحق وابن برهان. وصحح الشيخ أنه لا يقتضي العموم، لأنه وإن
اقتضى التكرار إلا أنه يجوز أن يكون التكرار على صيغة واحدة لا يشاركها فيها
سائر الصفات، فأما إذا قيل: كان يفعل، كقوله: (كان يجمع بين الصلاتين)،
فهذا يحتمل العموم، لخروج الكلام مخرج تكرار الأفعال، فيحتمل أن يكون يفعل
ما يلزمه اسم الجمع في حالتين مختلفتين، قال: وما هو بالبين أيضاً.
وفصل ابن برهان بين أن يكون ذلك في الأمور التي تشيع، ولا تبقى في طيِّ
الكتمان، كقول عائشة: (كانت الأيدي لا تقطع في زمن النبي صل# في الشيء
١٧١

التافه) فهو موضع الخلاف، وبين أن يكون مبنياً على الستر والكتمان كالوطءِ، فلا
يجوز دعوى العموم فيه قطعاً، ولا يكون حجة، كما نقل في قضية الاغتسال
والأقوال كقول زيد بن ثابت: كانت عمومتي يفعلونه ولا يغتسلون.
وهذا يلتفت إلى خلاف آخر وهو أنه هل يقتضي التكرار أم لا؟ وفيه مذاهب:
أحدها: يعم، وبه جزم القاضي أبو بكر، فقال: قول الراوي: كان يفعل
كذا، يفيد في عرف اللغة تكثير الفعل وتكريره، لأنهم لا يقولون: كان فلان يطعم.
الطعام، ويحمي الذمار إذا فعله مرة أو مرتين، بل يخصون به المداوم على ذلك،
وقد قال تعالى: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة﴾ [سورة مريم / ٥٥] يريد المداومة على
ذلك، وكذا قال القاضي أبو الطيب: هي تقتضي تكرير الفعل من طريق اللغة،
لأنه لا يقال في اللغة: كان يفعل كذا إلا إذا تكرر منه، وتبعه ابن الحاجب في
مختَصَرَيْه.
والثاني: أنها لا تقتضي التكرار لا عرفاً ولا لغة، واختاره في ((المحصول)). وقال
النووي في ((شرح مسلم)): إنه المختار الذي عليه أكثر المحققين من الأصوليين،
وإنما هي فعل ماض دلّ على وقوعه مرّة، وإن دل الدليل على التكرار عمل به،
وإلا فلا يقتضيها بوضعها. وقال بعض النحاة: ((كان)) عبارة عن وجود الشيء في
زمن ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا انقطاع طار.
١٤٥/ب والثالث: أنها لا تقيده لغة وتقيده عرفاً، إذ لا يقال: كان / يتهجد إذا فعله
مرة. ونقله أبو الحسين في (المعتمد)) عن عبد الجبار بعد أن عدّها من صيغ
العموم. وقال الصَفِي الهندى: إنه الأظهر.
والتحقيق ما قاله ابن دقيق العيد: إنه يقال كان يفعل كذا، بمعنى أنه تكرر منه
فعله، وكان عادته، كما يقال: كان فلان يقري الضيف (وكان رسول الله وله
أجود الناس بالخير)، وقد تستعمل لإفادة مجرد الفعل ووقوعه دون الدلالة على
التكرار، والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حمل الحديث.
١٧٢

مسألة
[في عموم مثل قوله: (خذمِن أموالهم صَدَقة)]
الجمهور أن مثل قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [سورة التوبة / ١٠٣] قد
يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع المال، فكان مخرج الآية عاماً على
الأموال، وكان يحتمل أن يكون بعض الأموال دون بعض، فدلت السنة على أن
الزكاة في بعض المال دون بعض.
وقال في موضع آخر: وهو الذي نص عليه الشافعي في كتاب ((الرسالة)) فقال
عقب ذكر هذه الآية: إلا أن يختص بدلالة من السنة، ولولا دلالة السنة لكان
ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في جميعها لا في بعضها دون
بعض. ونقل عن نصه أيضاً في ((البُوَيْطِي)) نحوه، ولهذا احتج بها أصحابنا على
وجوب الزكاة في مال التجارة، وعلى أخذ الشاة الصغيرة من الصغار، واللئيمة من
اللئام ونحوه. لكنه في موضع آخر جعلها من المجمل المبين بالسنة، كقوله تعالى:
﴿وآتوا الزكاة﴾ .
وذهب الكرخى من الحنفية إلى أنه يقتضي أخذ صدقة واحدة من نوع واحد،
ورجحه ابن الحاجب، لأن ((مِنْ)) للبعض المطلق، والواحدة من الجميع يصدق
عليها .
وتوقف الآمدى فقال في آخر المسألة: وبالجملة فالمسألة محتملة، ومأخذ
الكَرْخِي دقيق. كذا نقله ابن بُرْهان وغيره عن الكَرْخِي، والذي رأيته في کتاب
أبي بكر الرازي، عن شيخه أبي الحسن الكَرْخِي أنه ذهب إلى أنه يقتضي عموم
١٧٣

وجوب الحق في سائر أصناف الأموال، واختاره أبو بكر أيضاً، وهو الصواب في
النقل عنه.
وحجة الجمهور أن الأموال جمعٌ مضاف، وهو من صيغ العُموم، والمعنى: خذ
من كل نوع من أموالهم صدقة. واعترض المخالف بأن مثل هذه الصيغة لا تقتضي
التعميم، لأجل ((مِنْ)) وأجاب القَرَافي بأنه لابد من تعلقها بمحذوف صفة
الصدقة، والتقدير: كائنة أو مأخوذة من أموالهم، بل من بعض أموالهم، وهو
خصوص، مع أن اللفظ عام، لأنّ معنى كائنة من أموالهم أن لا يبقى نوعٌ من المال
إلا ويؤخذ منه، وهذا هو بيان العموم. هذا هو الذي لحظه الشافعي.
وقال بعضهم: الجار والمجرور الذي هو ((من أموالهم))، إن كان متعلقاً بقوله:
((خذ))، فالمتجه قول الكَرْخِي، لأن التعلق مطلق، والصدقة نكرة في سياق
الإثبات، فيحصل الامتثال بصدقة واحدة من نوع واحد، وإن كان متعلقاً بقوله :
((صدقة))، فيقوى قول الجمهور، لأن الصدقة إنما تكون من أموالهم إذا كانت من
كل نوع من أموالهم، وفيه نظر؛ لأنه إذا كان المعتبر دلالة العموم في أموالهم وأنها
كلية، فالواجب حينئذ من كل نوع من أنواع الأمول عملاً بمقتضى العموم، ولا
نظر إلى تنكير صدقة، لأنها مضافة إلى الأموال سواء قيل إنها متعلقة بخذ أو
بصدقة، وإن اعتبر لفظ ((صدقة)) وأنه نكرة في سياق الإثبات فلا عموم له على
الوجهين أيضاً.
نیهات
أحدها: يترتب على هذا الخلاف أن كل صنف اختلف في وجوب الزكاة فيه
فللقائل بالعموم الاحتجاج به، وهو نظير الخلاف في قوله: ﴿وآتوا الزّكاة﴾ في أنّها
عامة أو مجملة.
الثاني: هل الزكاة اسم للعين أو الفعل؟ خلاف حكاه الجَاجَرْمِي: في رسالته
في الأصول، فقيل اسم للعين، كقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [سورة
١٧٤

التوبة / ١٠٣] وقوله عليه الصلاة والسلام: (تؤخذ من أغنيائهم)، والمراد الزكاة .
ومحل الأخذ هو العين لا الفعل، غير أن اسم الزكاة يُطلق على الفعل بطريق
إطلاق اسم المحل على الحال، وقيل: اسم للفعل كقوله تعالى: ﴿والذين هم
للزكاة فاعلون﴾ [سورة المؤمنون / ٤] والإنسان إنما يصير فاعل الفعل لا لمحل الفعل،
ولأنه عليه السلام جعل الزكاة عبادة.
١٧٥

د
فصْل
في اشتمال العموم على بعض من يشكل تناوله بالنسبة إلى النساء والعبيد
والمخاطب وغيره، وفيه مسائل:
الأولى: الألفاظ الدالة على الجمع بالنسبة إلى دلالتها على المذكر والمؤنث على
أقسام :
أحدها: ما يختص به أحدهما، ولا يطلق على الآخر بحال، كرجال للمذكر
والنساء للمؤنث، فلا يدخل أحدهما في الآخر بالاتفاق إلا بدليل من خارج من
قياس أو غيره، قاله الأستاذان أبو إسحاق وأبو منصور وغيرهما.
قيل: ومما يختص به الذكور: الهاء والميم والواو والنون، ومما يختص به الإناث:
الألف والتاء ومنه الوقف على البنين لا تدخل البنات، أو البنات لا تدخل البنون،
لكن سيأتي في الجموع بالواو والنون. ومنه ((القوم)) فإنه خاص بالذكور، قال
تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساء
عسى أن يكنّ خيراً منهن﴾ [سورة الحجرات / ١١] ولهذا لا يدخلن في الوصية لهم على
الأصح.
الثاني: ما يعم الفريقين بوضعه، وليس لعلامة التذكير والتأنيث فيه مدخل،
كالناس والإنس والجن والأناس والبشر، فيدخل فيه كل منهما بالاتفاق أيضاً. وفي
كلام الغزالي في ((المنخول)) إثبات خلاف، وهو بعيد.
الثالث: لفظ يشملهما من غير قرينة ظاهرة في أحدهما ((كمَنْ))، وهذا من
موضع الخلاف، فقيل: لا يدخل فيه النساء إلا بدليل. والصحيح أنه يتناولهما
١٧٦

بدليل قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى﴾ [سورة
النساء / ١٢٤] فلولا اشتماله عليه لم يحسن التقسيم بعد ذلك.
وممن حكى الخلاف في هذه المسألة من الأصوليين أبو الحسين في ((المعتمد))
وإِلْكِيًا الهراسي في ((التلويح))، وحكاه غيرهما عن بعض الحنفية، وإنهم لذلك
قالوا: إن المرتدة لا تقتل، لعدم دخولها في قوله: (من بَدَّلَ دينه فاقتلوه)؛ لكن
الموجود في كتبهم أنها تعم الجميع، كقول الجمهور، وصرح به البَزْدَوِي وشراح
كتابه، وابن الساعاتي وغيرهما.
ونقل في ((المحصول)) الإجماع على أنه لو قال: من دخل داري من أرقائي فهو
حرّ دخل فيه الإماء، وكذلك لو علق بهذا اللفظ وصيَّة أو توكيلاً أو إذْناً في أمر لم
يختص بالذكور، وكان بعضٍ مشايخنا لهذا ينكر حكاية الخلاف على ابن الحاجب،
وقد علمت مستنده؛ ثم إن إمام الحرمين خص الخلاف بما إذا كانت شرطية.
قال الهندي: والظاهر أنه لا فرق بينهما وبين ((مَنْ)) الموصولة والاستفهامية،
والخلاف جار في الجميع. وهو كما قال بناء على عمومهن، والإمام إنما فرض
الخلاف في الشرطية، لأنه لم يذكر عموم غيرها، ثم ذكر إمام الحرمين أن مستند
القائلين بأنها لا تتناول المؤنث قولهم في باب الحكاية: ((من ومنه)) يدل على أن
اللفظ لا يتناول / المؤنث إلا بعلامة تأنيث. وأجاب، وتبعه ابن القشيرى، بأنها ١/١٤٦
لغة شاذة وليست من الفصيح، وليس كذلك؛ بل هي الفصيحة في باب الحكاية،
وظن الإمام أنها شرطيةٍ، وهو وَهَم؛ بل هي استفهامية، وَوَهمَ أيضاً في قوله: إنه
قد يعود الضمير مفرداً على اللفظ، وجمعا على المعنى كقوله تعالى: ﴿ومنهم من
يستمعون إليك﴾ [سورة يونس / ٤٢] ﴿ومنهم من ينظر إليك﴾ [سورة يونس / ٤٣]
وهذه ليست شرطية بل موصولة، وتبعه إلّكِيًا في الموضعين. وإنما الجواب ما ذكره
ثانياً أن ذلك على وجه الحكاية بأن العرب لم تقصد حينئذ بها معناها الأصلي، وإنما
تأتي به في حكاية النكرات خاصة، فيحصل الشبه بين كلام الحاكي والمخبر، فإذا
قال: جاءتني امرأة. قال له المستفهم: ((مَنْهْ))؟ للمحاكاة، لا لأنّ اللفظ لا يتناول
المؤنث إلا بعلامة التأنيث.
١٧٧

وذكر بعضهم أن ((مَنْ)) وإن لم يكن لها علامة تأنيث يفصل بها بالأصالة، لكن
يعرف ذلك من تأنيث الفعل الواقع بعدَها وتذكيره، نحو من فعل كذا، ومن
فعلت. وهذا ضعيف، لأنه يصح تذكير الفعل وتأنيثه مراعاة للفظها تارة، ولمعناها
أخرى. قال تعالى: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً﴾ [سورة
الأحزاب / ٣١] فَذَكّر الفعل أوّلاً، ثم أنثه، والخطاب فيهما للإناث.
فروع ينبغي بناؤها على هذا الأصل:
منها أن المرتدة هل تقتل بناء على أنها دخلت في قوله: (مَن بَدَّل دينه) أو لا
تعم؟
ومنها إذا قَتَلَتْ هل لها السَّلَبُ؟ فيه وجهان، والأصح تعم، لعموم قوله: (من
قتل قتيلاً فله سلبه).
ومنها إذا نظرت في بيت بغير إذن صاحبه فالأصح أنها تهدر كالرجل، لعموم
قوله: (من اطلع على قوم بغير إذنهم). الحديث.
[عموم الجمع المؤنث الذكور، والجمع المذكر الإناث]
القسم الرابع: لفظ يستعمل فيها بعلامة التأنيث في المؤنث، وبحذفها في
المذكر، كجمع المذكر السالم نحو المسلمين، وكذلك ضمير الجمع، نحو: قالوا،
كما قاله القَفّال الشَاشي في كتابه، وهذا هو محل الخلاف، والذي ذهب إليه
الشافعي وأصحابه والجمهور أنه لا يدخل النساء فيه إلا بدلیل، كما لا يدخل
الرجال في لفظ المؤنث إلا بدليل وممن نسبه للشافعي القَفّال الشاشي، وأبو الحسين
ابنِ القطان، وأبو حامد الأسفراينى، والمَاوَرْدِي في ((الحاوي)) في الأقضية،
والرُّوْيَانى في ((البحر)) في ((كتاب السير))، وابن القَشَيْرِي، وأخذوا ذلك من قوله:
لا جهاد على النساء، لأن الله تعالى لما قال: ﴿جاهدوا﴾ [سورة التوبة / ٤١]،
وقال: ﴿حَرِّض المؤمنين على القتال﴾ [سورة الأنفال / ٦٥] دل على أنه أراد بذلك
الذّكُور دون الإناث، لأن الإناث المؤمنات.
قال القَفَّال: وأصل هذا أن الأسماء وضعت للدلالة على المسمى، فخُصَّ كل
١٧٨

نوع بما يميزه، فالألف والتاء جعلتا علَماً لجمع الإناث، والواو والياء والنون لجمع
الذكور، فالمؤمنات غير المؤمنين، و ((قاتِلوا)) خلاف ((قاتِلن)) ثم قد تقوم قرائن
تقتضي استواءهما فيعلم بذلك دخول الإناث في الذكور، وقد لا تقوم فيُلحقْنَ
بالذكور بالاعتبار والدلائل، كما يلحق المسكوت عنه بالمذكور بدليل.
ومما يدل على هذا إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلّب
المذكر، فلولا أنّ التسمية للمذكر لم يكن هو الغالب، ولم يكن حظه منها كحظ
المؤنث، ولكن معناه أنهما إذا اجتمعا استقل أفراد كل منهما بوصف، فغلّب المذكر
وجعل الحكم له، فدل على أن المقصود هم الرجال، والنساء توابع. انتهى.
وقال الأستاذ أبو منصور وسليم في ((التقريب)): وهذا قول أصحابنا، واختاره
القاضي أبو الطيب في ((الكفاية))، وابن السَّمْعاني في ((القواطع))، وإلْكِيَا الهراسي،
ونصره ابن برهان في (الوجيز))، والشيخ أبو إسحق في ((التبصرة))، ونقله في
((الأوسط)) عن معظم الفقهاء؛ ونقله ابن القُشَيْرِي عن معظم أهل اللغة.
وقال القاضي إنه الصحيح، قال: ولست أحفظ عن متقدمي أصحابنا شيئاً،
غير أن ظاهر مذاهبهم الدخول.
وذهب الحنفية كما قاله سليم، وابن السمعاني، وابن الساعاتي، قلت: منهم
شمس الأئمة السرخسي، وصاحب ((اللباب))، وغيرهم، إلى أنه يتناول الذكور
والإناث، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي حنيفة، وحكاه البَاجِي عن ابن
خويز مَنْدَاد، ونسب للحنابلة والظاهرية.
ويدل لهذا المذهب قوله عليه السلام: (سبق المفردون، هم الذاكرون الله كثيراً
والذاكرات) فلولا دخولها فيه لم يحسن التفسير بذلك.
ورأى إمام الحرمين اندراج النساء تحت لفظ المسلمين بقضية التغليب، لا
بأصل الوضع، إذ اللفظ لم يوضع لهنّ، وهذا ما حكاه صاحب المصادر عن أهل
العربية .
وقال الأبيارى: لا خلاف بين الأصوليين والنحاة أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث
بحال، وإنما ذهب بعض الأصوليين إلى تناوله الجنسين، لأنه لما كثر اشتراك الذكور
١٧٩

والإناث في الأحكام لم تُقصَر الأحكام على الذكور. قال: وإذا حكمنا بتناول
اللفظ لهما فهل تقول: اجتمع في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز؟ أو يكون جميعاً
مجازاً صِرْفاً؟ فيه خلاف، وقياس مذهب القاضي أن يكون مجازاً صرفاً، وقياس
قول الإمام أنه اجتمع فيه موجب الحقيقة والمجاز. انتهى.
وحاصله الإجماع على عدم الدخول لغة حقيقةً، وإنما النزاع في ظهوره
لاشتهاره عرفاً، وغيرُهُ أطلق الخلاف، وجعل القاضي عبد الوهاب محله ما إذا ورد
الجمع مجرداً، أما لو ذُكِرْنَ مع الرجال مثل أن يقول: يا أيها الرجال والنساء مَن
شهِدَ منكم الشهر فليصمه، فلا خلاف في دخولهنَ في الخطاب، وهو قضية كلام
ابن الحاجب، فإنه وافق على الدخول فيما إذا أوصى لرجال ونساءٍ بشيء، ثم قال:
أوصيت لكم بكذا، فإنه يدخل النساء اتفاقاً بقرينة الإيصاء الأول.
قال الهندي: وكلام إمام الحرمين يشعر بتخصيص الخلاف بالخطابات الواردة
من الشرع لقرينة عليه، وهي المشارَكَات في الأحكام الشرعية، قال: واتفق الكل
على أن المذكر لا يدخل تحته إن ورد مقترناً بعلامة التأنيث، ومن أقوى ما احتج به
المعمِّمُون إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، وعلى
هذا وَرَدَ قوله تعالى: ﴿اهبطوا منها جميعاً﴾ [سورة البقرة / ٣٨] في خطاب آدم وحواء
وإبليس .
قال المَاوَرْدِي: هذا منشأ الخلاف، وأجيب عنه بأنه لا يلزم من صحة إرادة
الشيء من الشيء إرادته منه إذا ورد مطلقاً من غير قرينة، كيف والواقع من أئمة
العربية إنما هو تغليب الخطاب للذكور والإناث إذا اجتمعوا، وأنه يغلب جانب
التذكير، ولم يذكروا أن اللفظة عند إطلاقها موضوعة لتناول الجميع.
تنبيهات
الأول: موضع الخلاف في الخطاب غير الشفاهي وقيام القرينة على الدخول
والخروج، أما الخطاب الشفاهي كقوله: أعطوا هؤلاء الكفار وهم رجال ونساء
دخلن قطعاً، ولم يختلف / المفسرون في قوله تعالى: ﴿اهبطوا منها جميعاً﴾ [سورة
البقرة / ٣٨] أنه يتناول حواء. وأما القرينة المخرجة، فكقوله تعالى: ﴿اقتلوا
١٨٠
:٠