Indexed OCR Text

Pages 141-160

يمتنع رجوعه إلى الاثنين بقرينة، وكذلك إلى الواحد وهو مجاز، هذا كلامه.
وعن ابن عربي أنه ذكر في ((الفتوحات المكية)) أنه رأى سيدنا رسول الله مَثير في
المنام، فسأله عن أقل الجمع: اثنان أم ثلاثة؟ فقال عليه السلام: إن أردت أقل
جمع الأزواج فاثنان، وإن أردت أقل جمع الإفراد فثلاثة.
تنبيهات
[مَحَل الخلاف في مَسَألة أقل الجَمَعْ]
الأول: استشكل ابن الصائِغ النحوي والقَرَافي محل الخلاف في هذه المسألة،
فقال ابن الصائغ في ((شرح الجمل)): الخلاف في هذه المسألة إن كان المراد به الأمر
المعنوي، فلا شك في أن الاثنين جمع؛ لأنه ضم أمر إلى آخر، وإن كان المراد أنه
إذا ورد لفظ الجمع، فهل ينبغي أن يحمل؟ فلا شك أن الأصل فيه، والأكثر
إطلاق لفظ الجمع على الثلاثة فصاعداً، وهو قول أئمة اللغة (١)، ويكفي فيه قول
ابن عباس لعثمان: ليس الإخوة أخوين بلغة قومك، وموافقة عثمان له، حيث
استدل بغير اللغة.
ونص سيبويه على أنه يجوز أن يعبر عن الاثنين بلفظ الجمع، مع أن للتثنية
لفظاً، وحمله عليه قوله تعالى: ﴿لا تخفْ خصمان﴾ [سورة ص / ٢٢] ، لأن الخطاب
وقع لداود عليه السلام من اثنين، وقوله تعالى: ﴿فاذهبا بآياتنا إنا معكم
مستمعون﴾ [سورة الشعراء / ١٥] وقال ابن خروف يحتمل أن يكون ضمير معكم لهما
ولفرعون، وبه جزم ابن الحاجب.
وقال السِّيرَافي في قوله في الآية الأخرى: ﴿إِنني معكما﴾ [سورة طه / ٤٦] يدل
على ما قاله سيبويه، وأيضاً فالمعنى وأنا معكم في النصرة والمعونة، فلا يصلح أن
يشركهما فرعون في ذلك.
وأما القَرَافي تأطنب في إشكال هذه المسألة، وقال: إن له نحواً من عشرين سنة
يورده، ولم يتحصَّل عنه جواب، وهو أن الخلاف في هذه المسألة غير منضبط، لأنه
(١) قال الشربيني في حاشية نسخته: وهو أقل الجمع عند أئمة اللغة. (هامش الأزهرية).
١٤١

١/١٤١ إن فرض الخلاف في صيغة الجمع الذي هو ((ج م ع)) / امتنع إتيانه في غيرها؛ بل
صرحوا بعدم مجيئه فيه، بل الخلاف في مدلوله، وحينئذ فمدلولها كل ما يسمى
جمعاً، وصيغ الجموع شيئان: جمع قلة، وجمع كثرة، واتفق النحاة على أن جمع
القلة موضوع للعشرة فما دونها إلى الاثنين والثلاثة على الخلاف، وجمع الكثرة
موضوع لما فوق العشرة.
قال الزمخشرى وغيره: وقد يستعمل أحدهما مكان الآخر، وتصريحهم
بالاستعارة يقتضي أن كلاً منهما مستعمل في معنى الآخر مجازاً، فإن جمع الكثرة
موضوع لما فوق العشرة، فإذا استعمل فيما دونها كان مجازاً، وإن كان الخلاف في
جمع الكثرة لم يستقم لأن أقل الجمع على هذا التقدير أحد عشر، وإطلاقه على
الثلاثة حينئذ مجاز.
والبحث في هذه المسألة ليس في المجاز، فإن إطلاق لفظ الجمع على الاثنين لا
خلاف فيه، إنما الخلاف في كونه حقيقة، بل لا خلاف في جواز إطلاق لفظ الجمع
وإرادة الواحد مجازاً، فكيف الاثنان؟ وإن كان الخلاف في جمع القلة، وهو المتجه؛
لأنه موضوع للعشرة فما دونها، فيجوز أن يقال أقله اثنان، لكن لا يجوز أن يكون
هذا مرادهم؛ لأنهم ذكروا تمثيلهم في جموع الكثرة، فدل على أن مرادهم الأعم من
جمع القلة وغيره.
وقد حكى الأصفهاني عنه هذا الإشكال، ثم قال: والحق أن الخلاف يجوز
مطلقاً سواء كان جمع قلة أو كثرة، ونقول: جمع الكثرة يصدق على ما دون العشرة
حقيقة، وأما جمع القلة فإنه لا يصدق على ما فوق العشرة.
قال: وإن ساعد على ذلك منقول الأدباء فلا كلام، وإلا فمتى خالف فهو
محجوج بالأدلة الأصولية الدالة على عموم الجمع على الإطلاق، ولا يمكن ادعاء
إجماعهم على خلاف ذلك. اهـ. ويقدح في ذلك نقل القَرَافي عن ابن الأعرابي
والزمخشري وغيرهما أن جمع الكثرة لا يستعمل فيها دون العشرة إلا مستعارا.
ويشهد لما قاله القَرَافي من تخصيص الخلاف بجمع القلة ما نقله إلْكِيا عن إمام
الحرمين، وقد سبق، لكن كلام إلكِيا يخالفه، وأيضاً فقد قال أصحابنا: لو قال له
١٤٢

علي دراهم قُبِلَ تفسيره بثلاثة مع أنه جمع كثرة.
الثاني: أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو حيث قامت قرينة على أنه لم يرد
بالجمع الاستغراق، أما مطلق الكلام عند المعمِّمِين فحقيقة في الاستغراق، قاله
إلكِيا الطبري، وهذا أخذه من شيخه إمام الحرمين، فإنه قال: هذه المسألة لا
حاجة إليها، إلا إذا قامت المخصصات، وإلا فالألفاظ للعموم عند فقدانٍ أدلة
التخصيص .
ونازعه الأبْياري وقال: إنه غير صحيح لا على أصله، ولا على أصل غيره، أما
أصله فإنه يرى أن الألفاظ عند التنكير لأقل الجمع، فإذا لم يعرف أقل الجمع كيف
يحكم بأن الألفاظ مقتصرة عليه؟ وكذلك نقول في جمع القلة، وإن عرف أنه لأقل
الجمع، فلابد إذَنْ من بيان أقل الجمع بالنسبة إلى جمع المذكر، وإلى جمع القلة وإن
عرّف؛ وأما على رأي الفقهاء فإنهم مفتقرون إلى ذلك فيما يتعلق بالإقرار والإنكار،
والإلزام والالتزام والوصايا وغيرها.
وذكر بعض شراح ((اللمع)) أنه لا خلاف في جواز الكناية عن الاثنين بلفظ
الجمع، ولكن الخلاف هل هو حقيقة في الاثنين أو مجاز، على الوجهين.
الثالث: استثنى النحويون المشترطون للثلاثة التعبير عن عضوين من جسدين
بلفظ الجمع، نحو ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [سورة التحريم / ٤]، لقصد التخفيف،
فإنه لو قيل قلباكما لثَقُل اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة مرتين،
وشرطوا أن يكون ذلك الشيء متصلاً كالكبد والطحال، وقد سبق أصل هذا
الاستثناء في كلام إمام الحرمين.
الرابع: قال القاضي المسألة عندي من مسائل الاجتهاد لا من مسائل القطع،
فيكفي فيها الظنيات.
الخامس: قال الأستاذ أبو منصور: تظهر فائدة الخلاف في هذه المسألة في
موضعين :
أحدهما: فيمن أوصى بشيء للفقراء أو لجيرانه، وكانوا غير محصورين، فهل.
١٤٣

يُفرق على ثلاثة أو اثنين على هذا الخلاف؟
الثاني: أن مَن قال: إن أقله ثلاثة، أجاز تخصيص الجمع إلى أن ينتهي الباقي
منه بعد التخصيص، وإن كان الباقي منه بعد التخصيص أقل من ثلاثة كان ذلك
نسخاً ولم يكن تخصيصاً؛ ومن قال: أقله اثنان أجاز التخصيص فيه إلى أن يكون
الباقي اثنين، ولا يكون ذلك نسخاً عنده. فإن بقي منه واحد فقد صار منسوخاً
يعني على القولين.
وقد ذكر هاتين الفائدتين أيضاً الإمام في ((التلخيص))، و((البرهان))، فقال في
((التلخيص)): فائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى بماله لأقل من يتناوله لفظ
المساكين، هل يصرف لاثنين أو ثلاثة؟ وقال في ((البرهان)): ذكر بعض الأصوليين
من آثار هذا الخلاف أن الرجل إذا قال: لفلان علىّ دراهم أو أوصى بدراهم،
فلفظ المُقِرّ والموصي محمول على الأقل؛ فإن قيل: أقل الجمع اثنان حمل عليهما،
وإن قيل أقل الجمع ثلاثة لم يقبل التفسير بالاثنين، قال: ولا أرى الفقهاء
يسمحون بهذا، ولا أرى للنزاع في أقل الجمع معنى إلا ما ذكرته. انتهى.
وحكى الأستاذ أبو إسحاق في أصوله الفائدة الثانية عن بعض أصحابنا، ثم
قال: وهذه فائدة مُزَيَّفة، لأن أئمتنا مجمعون على جواز تخصيص الجمع والعموم بما
هو دليل إلى أن يبقى تحته واحد؛ انتهى. ولعل هذه طريقة قاطعة تنفي الخلاف،
وإلا فالأستاذ أبو منصور مصرح بالخلاف، وإنكار إمام الحرمين الفائدة الأولى لا
وجه له، ثم اختار في المسألة بناءها على القول بالعموم، ورأى أن إفادة الجموع
للتعميم ثابتة على حسب اختلاف طبقات العموم في قوة الاستيعاب، والخروج
عن العموم إلى قصره على الاثنين أبعد في حكم الخطاب ودلالته من قصره على
المحتملات، فاقتضى هذا عنده طلب قوة في المخرج له عن بابه، وتقديم ما هو
الأرجح من غير منع من الرد إلى الاثنين.
1
:
السادس: وقع في عبارة الشيخ أبي إسحاق والمَاوَرْدِي وغيرهما من كتب الفقه أقل
الجمع المطلق ثلاثة، وكأنهم يريدون بالمطلق نحو دَرَاهِمَ، ونحوه بخلاف الجمع
المقيد نحو عشرة دراهم أو تسعة أو ثلاثة، فإنه جمع وليس بمطلق فلا يتناول إلا مقيده.
١٤٤

فوائد: ذكرها الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينى في أصوله:
الأولى: اتفقوا على أن لفظ الواحد والاثنين لا يحمل على ما هو أكثر إلا
بدليل، وإن كانت ظواهر وردت عليه في معناه.
الثانية: اختلفوا في مقابلة الجمع بالجمع، كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم
امهاتكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] فقيل إن آحاده تقابل آحاده، وقيل بل الجمعُ الجمعَ،
فعلى الأول يكون الظاهر موجباً تحريم كل من يقع عليه اسم الأمومة على كل
واحد. والثاني يوجب تحريم كل أم على ابنها، ويطلب في تحريمه على غيره دليل
يختص به، قال: والظاهر منه مقابلة الواحد بالواحد، كقولهم، وصل الناس
دورهم، وحصدوا زروعهم، ثم يكون جمعه في الواحد بما عداه / من الأدلة. ١٤١/ب
الثالثة: اختلفوا في الطائفة، فقيل كالجمع مطلقه لثلاثة، وقيل للجزء وأقله
واحد، ولم يرجح شيئاً، والمختار الأول لما سبق إيضاحه. نعم، جعلها الأصحاب
في باب اللعان أربعة، فقالوا: يغلظ الحاكم بحضور جماعة أقلهم أربعة، لقوله
تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [سورة النور / ٢] وفيه إشكال؛ لأن
ذلك إن كان من مدلول اللفظ فممنوع، لأن طائفة تطلق على الواحد فأكثر، وإن
كان لأجل أنه زنا فالإقرار به يكفي فيه رجلان على الصحيح.
الرابعة: الضمائر الراجعة إلى الظاهر تحمل على ما وضعت له في الأصل،
وإن كان المتقدم عليها مخالفاً ثم تناول كل واحد منها بدليل على موافقة صاحبه،
كقولهم: رجلان قالوا، ورجال قالا، يحمل قوله: قالوا على الجمع، ورجلان على
التثنية في ظاهر الكلام، ثم يطلب الدليل الذي يبين المراد منهما، فإن قام على أن
الاسم يحمل على الخبر حمل عليه، وإن قام على أن الخبر يحمل على المبتدأ صير
إليه، وكذلك ضمائر الإناث، والهاء والميم كقوله: رجلان قتلهم، أو رجال
قتلهما: يحتمل أن يكون الابتداء أصلاً والخبرِ مركب عليه، ويجوز أن يكون الخبر
مراداً والابتداء محمول على ما يوافقه، ولا يُغَيّر أحدهما عما وضع له لموافقة صاحبه
إلا بدلیل یوجبه.
١٤٥

فصْل
في العموم المعنوي
ويشتمل على مسائل: الأولى: المفرد المحلى بالألف واللام إذا جعلناه للعموم،
فالعموم فيه من حيث المعنى على أصح الوجهين عند ابن السَّمْعانى؛ لأن الألف
واللام لابد أن تفيد التعريف، وليس التعريف إلا تعريف الجنس، وإذا قلنا: إن
اللفظ يفيد واحداً خرج الألف واللام عن كونهما للجنس، ولم يبق لهما فائدة، وإذا
ثبت أنهما للجنس ثبت الاستغراق، لأنه إذا قال: ((الإنسان)) أفاد دخول كل مَن
كان مِن جنس الإنسان في اللفظ.
[المسألة الثانيَة]
الثانية: إذا علق الشارع حكماً في واقعة على علة تقتضي التعدي إلى غير تلك
الواقعة، مثلٍ حرّمت السكر لكونه حُلْواً، فإن قطع باستقلالها فالجمهور على
التعدي قياساً وشذ من قال فيه يتعدى باللفظ، فإن لم يقطع بل كان ظاهراً فيه كما
في المحرم الذي وَقَصَتْهُ ناقته، وقوله عليه السلام: (لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه
طيباً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) فإن الظاهر عدم الاختصاص بذلك المحرم،
فاختلفوا في أنه يعم أم لا؟
فقال أبو حنيفة: لا يعم، لأنه يحتمل تخصيص ذلك بهذه العلة، لأنه وقصت به
ناقته لا مجرد إحرامه، أو لأنه علم من نيته إخلاصه، وغيره لا يعلم منه ذلك،
واختاره الغزالي، وحكاه عن القاضي أبي بكر، والصحيح أنه عام.
١٤٦

واختلف القائلون بـ: هل عم بالصيغة، أو بالقياس؟ على قولين محكيين عن
الشافعي، والصحيح أنه عام بالقياس.
قلت: والذي رأيته في كتاب ((التقريب)) للقاضي خلاف مانقل ابن الحاجب
عنه، إذا طردت العلة ولم يمكن احتمال اختصاص العلة بصاحب الواقعة، فإن
أمكن أن تكون العلة خاصّة به لم يعم، كقوله: لا تخمِّروا رأسه فإنه يُبعث يوم
القيامة مُلِياً، قال: يعمم بتعميم ذلك في كل محرم، وفي الحديث ما يقتضي
تخصيصه بذلك المحرم. فإنه علل الحكم بأنه يبعث ملبياً، وهذا مما لا نعلمه في
حق كل محرم، وكذا حكاه عنه في ((المستصفى)).
وقال أبو الحسين بن القَطَّان: يعم، لقوله عليه السلام: (حكمي على الواحِد
حكمي على الجماعة) وهو يقتضي ترجيح الصيغة، ونقل ذلك عن الصَّيْرَ في أيضاً.
والذي وجدته في كتاب ((الأعلام)) إطلاق ثبوت الحكم في كل من وجدت فيه
تلك العلة، ومَثَّله بقوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش، وقد سألته عن
الاستحاضة: (دعى الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلى
وصلي)، قال: فلا يقتضي تخصيصها بذلك الحكم؛ بل يقتضي ثبوته بذلك لذلك
المعنى، وهو الاستحاضة حيث وجدت، إلا أن يصرح بالتخصيص.
وذهب حُذَّاقُ الحنابلة إلى أنه يعم باللفظ لا بالقياس، حتى إنهم حكموا بكون
العلة المنصوصة ينسَخ بها كما ينسخ بالنصوص والظواهر مع منعهم من النسخ
بالقياس، ذكر هذا غير واحد، منهم القاضي أبو يَعْلَى وابن عَقِيل وأبو الخطاب
وابن الزَاغِواني وغيرهم.
تنبيه
[إذا علق غير الشارع حكماً في واقعة عَلى عَلَة]
هذا بالنسبة إلى كلام الشارع، وأما غيره لو قال وله عبيد: أعتقت هذا العبد،
لأنه أبيض، فلا يعتق الباقون، قاله القاضي أبو الطيب في تعليقه في الكلام على
وقوع الطلاق الثلاث، ففرق بين وقوع العلة في كلام الشارع حيث تعم، وبين:
١٤٧

وقوعها في كلام غيره فلا تعم. قال: ولذلك إذا قال الشارع: لا تأكل الرؤوس،
وجب أن لا يأكل ما وقع عليه اسم الرأس، ولو قال غيره: والله لا أكلت
الرؤوس انصرف ذلك إلى المعهود. انتهى.
وهكذا رأيت الجزم به في كتاب ((الدلائل)) لأبي بكر الصَّيْرَفي، وكذا الغزالي في
((المستصفى)) في باب القياس، فقال: الصحيح عندنا أنه لا يعتق إلا غائماً لقوله:
أعتقت غائماً لسواده، وإن نوى عتق السودان، لأنه بقي في حق غير غانم مجرد
السواد والإرادة، فلا تؤثر. انتهى.
.
وقضيَّة كلام الأصحاب في كتاب الأيمان فيمن حلف لا يشرب له ماء من
عطش، أنه لا يحنث بأكل طعامه، ولبس ثيابه، وشرب الماء من غير عطش، وإن
كان دلالة المفهوم تقتضيه، وقضيَّةُ كلام جماعة أنه لا فرق في العموم، وإليه صار
جماعة من الحنابلة، فقال أبو الخَطّاب: لو قال لوكيله أعتق عبدي لأنه أسود ساغ
له أن يعتق كل عبد له أسود، وقال ابن عقيل في ((الفنون)): بَديهَتي تقتضي تعدية
العتق إلى كل أسود من عبيده، وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى في باب القياس.
[المسألة] الثالثة
قال الشافعي رضي الله عنه: ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع
قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وعليه اعتمد في صحة أنكحة الكفار،
وفي الإسلام على أكثر من أربع نسوة وغير ذلك، لقضيّة غَيْلان حيث لم يسأله عن
كيفية ورود العقد عليهن في الجمع والترتيب، فكان إطلاق القول دالاً على أنه لا
فرق بين أن تقع تلك العقود معاً أو على الترتيب، واستحسنه منه محمد بن
الحسن .
وهذه المسألة فيها أربعة مذاهب:
أحدها: وعليه نص الشافعي أن اللفظ منزل منزلة العموم في جميع محامل
الواقعة .
والثاني: أنه مجمل فيبقى على الوقف.
١٤٨

والثالث: أنه ليس من أقسام العموم، بل إنما يكفي الحكم فيه من حاله عليه
السلام لا من دلالة الكلام، وهو قول إليكيا الهراسي.
والرابع: اختيار إمام الحرمين وابن القُشَيْرِي أنه يعم إذا لم يعلم عليه السلام
تفاصيل الواقعة؛ أما إذا علم فلا يعم، وكأنه قيد المذهب الأول.
واعْتُرِض على ما قاله باحتمال أنه عليه السلام عرف حقيقة الحال في تلك
الواقعة، ولأجل هذا حكى الشيخ في ((شرح الإلمام)) أن بعضهم زاد في هذه
القاعدة، فقال: حكم الشارع المطلق في واقعة سئل عنها ولم تقع بعد عامٌّ / في ١/١٤٢
أحوالها، وكذلك إن وقعت ولم يعلم الرسول كيف وقعت، وإن علم فلا عموم،
وإن التبس هل علِمَ أم لا؟ فالوقف.
وأجاب الشيخ عن الاعتراض الموجب للوقف بأن الأصل عدم الوقوع بالحالة
المخصوصة، فيعود إلى الحالة التي لم تعلم حقيقة وقوعها، إلا أن يكون المراد
القطع، وهذا الذي قلناه لا يفيد إلا الظن، فيتوجه السؤال، وتأَوَّل أبو حنيفة
الحديث على وقوع العقد عليهن دفعة واحدة، فإن وقع مرتباً فإن الأربع الْأَوَلَ
تصح، ويبطل فيما عداه.
وأجاب الإمام أبو المظفر بن السَّمْعَاني بأن احتمال المعرفة بكيفية وقوع العقد
من غَيْلان وهو رجل من ثقيف وفد على النبي څ وزوجاته في نهاية البعد، ونحن
إنما ندعي العموم في كل ما يظهر فيه استبهام الحال، ويظهر من الشارع إطلاق
الجواب، فلابد أن يكون الجواب مسترسلاً على الأحوال كلها.
قلت: ولا سيما والحال حال بيان بحدوث عهد غيلان بالإسلام، على أنه قد
ورد ما يدفع هذا التأويل، وهو ما رواه الشافعي بسنده عن عمرو بن الحارث عن
نوفل بن معاوية قال: أسْلمتُ وتحتي خمس نسوة، فسألت رسول الله أَێتر،
فقال: (فارق واحدة، وأمسك أربعاً)، قال: فعدتُ إلى أقْدَمِهنّ عندي عاقر منذ
ستين سنة، ففارقتها، فهذا تصريح بأنه وقع مرتباً، والجواب واحد.
وأجاب الهندي أيضاً بأنه ليس مراد الشافعي احتمال لفظ الحكاية لتلك
الحالة، وإن فرض أن المسئول عالم بأن تلك الحالة غير مرادة للسائل، إما لعلمه
١٤٩

بأن القضية لم تقع على تلك الحالة أو لقرينة تدل على أن تلك الحالة غير مرادة له،
بل المراد منه احتمال وقوع تلك القضية في تلك الحالة عند المسئول مع احتمال
اللفظ إياها، وعند ذلك لا يخفى أنه يسقط ما ذكروه من الاحتمال.
قال الأستاذ أبو منصور: وقد وافَقَنَا أهلُ الرأي على هذا في غُرَّة جنين الحرة؛
لأنه عليه السلام أوْجب فيه غرةً عبداً أو أمة، ولم يسأل عنه: هل كان ذكراً أو
أنثى؟ فلما ترك التفصيل فيه دل على التسوية فيهما. انتهى.
ولذلك استدلوا لاعتبار العادة في أيام الحيض للاستحاضة بحديث أم سلمة
(لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، فلتترك الصلاة بقدرها)
قالوا: فأطلق الجواب باعتبار العادة من غير استفصال عن أحوال الدم من سواد
وحمرة وغيرهما، فدل هذا على اعتبار العادة مطلقاً وتقديمه على التمييز، وأصحابنا
استدلوا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي ◌َّ قال لها: (إن دم الحيض
أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة) فأطلق اعتبار التمييز من غير
استفصال لها، هل هي ذاكرة لعادتها أم لا؟ لكنه مخالف لهذه القاعدة.
وقد قسم الأبياري هذه إلى أقسام:
أحدها: إن تَبَيْنَ اطلاع النبي وَلَّ على خصوص الواقعة، فلا ريب في أنها لا
يثبت فيها مقتضى العموم.
ثانيها: أن لا يثبت بطريق مَّا استفهام كيفية القضية عن النبي بَّر، وهي
تنقسم إلى أقسام، والحكم قد يختلف بحسبها، فينزل إطلاقه الجواب فيها منزلة
اللفظ الذي يعم تلك الأقسام، لأنه لو كان الحكم يختلف باختلاف الأحوال حتى
يثبت تارة ولا يثبت أخرى، لما صح لمن التبس عليه الحال أن يطلق الحكم،
لاحتمال أن تكون تلك الحالة واقعة على وجه لا يستقر معها الحكم، فلا بد من
التعميم على هذا التقدير بالإضافة إلى جميع الأحوال، وفي كلامه ما يقتضي الاتفاق
على هذه الصورة.
ثالثها: أن يُسأل عن الواقعة باعتبار دخولها الوجود لا باعتبار وقوعها، كما إذا
سُئِلَ عَمَّنْ جَامَعَ في نهار رمضان، فيقول: فيه كذا، فهذا يقتضي استرسال الحكم
١٥٠

على جميع الأحوال؛ لأنه لما سئل عنها على الإبهام، ولم يُفْصِّل الجواب، كان عمومه
مسترسلاً على كل أحواله.
رابعها: أن تكون الواقعة المسئول عنها حاصلة في الوجود، ويطلق السؤال عنها
فيجيب أيضاً كذلك، فإن الإلتفات إلى القيد الوجودي يمنع القضاء على الأحوال
كلها، والالتفات إلى الإطلاق في السؤال يقتضي استواء الأحوال في غرض
المجيب، فالتفت الشافعي إلى هذا الوجه. وهذا أقرب إلى مقصود الإرشاد وإزالة
الإشكال وحصول تمام البيان، وأبو حنيفة نظر إلى احتمال خصوص الواقعة، لأنها
لم تقع في الوجود إلا خاصة، فقال: احتمال علم الشارع بها يمنع التعميم.
تنبيهات
الأول: إن هذه القاعدة مقصورة بما إذا وجد اللفظ جواباً عن السؤال، فأما
التقرير عند السؤال فهل ينزل منزلة اللفظ حتى يعم أحوال السؤال في الجواب
وغيره؟ لم يتعرضوا له.
وقال ابن دقيق العيد: الأقرب تنزيله طرداً للقاعدة، ولإقامة الإقرار مقام
الحكم عند الأصوليين؛ إذ لا يجوز تقريره لغيره على أمر باطل، فنزل منزلة القول
المبين للحكم، فيقوم مقام اللفظ في العموم، فإن قيل: التقرير ليست دلالته
لفظية، والعموم من عوارض الألفاظ، ولهذا قال الغزالي: لا عموم للمفهوم، لأن
دلالته ليست لفظية.
فالجواب: أن قولنا منزل منزلة العموم بمعنى شمول الحكم للأحوال، فلا يجعله
حقيقة في العموم، ومن أمثلته حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فإن السائل
قال للنبي ◌َيقول: (إنا نركب البحر، ومعنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا)
الحديث، فاستدل به على أن إعْدَادَ الماء الكافي للطهارة بعد دخول الوقت مع
القدرة عليه غير لازم، لأنهم أخبروا أنهم يحملون القليل من الماء، وهو كالعام في
حالات حملهم بالنسبة إلى القدرة عليه والعجز عنه، لضيق مراكبهم وغير ذلك
بالنسبة إلى ما قبله وما بعده أيضاً، وقد أقره النبي بَ له ولم ينكر عليه، فيكون ذلك
١٥١

دالاً على جوازه في هذه الأحوال كما يدل عليه اللفظ الوارد في الأمثلة المتقدمة مع
ترك الاستفصال.
الثاني: أن ظاهر قوله مع قيام الاحتمال تعليق الحكم بالاحتمال كيف كان
مرجوحاً وغيره، فيحصل التعميم فيه وفي غيره، والظاهر أن الاحتمال المرجوح لا
يدخل، وحينئذ فيختص التصوير بالاحتمالات المتقاربة والمتساوية في الإطلاق.
قاله الشيخ تقي الدين.
وقال جدُّه المُقْتَرح: لم يُرِد الشافعي بذلك مطلق الاحتمالات، حتى يندرج فيه
التجويز العقلي، وإنما يريد احتمالاً يضاف إلى أمر واقع، لأنه لو اعتبر التجويز
العقلي لأدى إلى رد معظم الوقائع التي حكم فيها الشارع، إذ ما من واقعة إلا
ويحتمل أن يكون فيها تجويز عقلي.
١٤٢/ب ويشهد / للأول قوله في ((الأم)) في مناظرةٍ له: قلّ شيء إلا ويطرقه الاحتمال،
ولكن الكلام على ظاهره حتى تقوم دلالة على أنه غير مرادٍ؛ فَأَبَانَ بذلك إلى أنه لا
نظر إلى احتمالٍ يخالف ظاهر الكلام، وإذا ثبت أن ترك الاستفصال ينزل منزلة
العموم، فالعموم يتمسك به من غير نظر إلى احتمال التخصيص وإمكان إرادته
كسائر صيغ العموم.
بقي أن احتمال علمٍ النبي ◌ّ في صورة الحال ما يقتضي خروج الجواب على
ذلك، هل يكون قادحاً في التعميم؟ قال الإمام في ((المحصول)): نعم، وكلام
الشافعي والجمهور يخالفه، وهو الصواب، لما ذكرنا من أن التمسك بلفظه، ولفظه
مع ترك الاستفصال بمنزلة التنصيص على العموم، فلا يعدل عنه بمجرد
الاحتمال.
الثالث: أنه قد استشكل هذه القاعدة بما نقل عن الشافعي أيضاً أن قضايا
الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال. قال
القَرَافي: سألت بعض فضلاء الشافعية عن ذلك، فقال يحتمل أن يكون للشافعي
قولانَ في المسألة، ثم جمع القَرَافي بينهما بطريقين:
أحدهما: أن مراده بالاحتمال المانع من الاستدلال الاحتمال المساوي أو
١٥٢
1

القريب منه، والمراد بالاحتمال الذي لا يقدح الاحتمال المرجوح، فإنه لا عبرة
به، ولا يقدح في صحة الدلالة، فلا يصير اللفظ به مجملاً إجماعاً؛ لأن الظواهر
كلها كذلك لا تخلو عن احتمال، لكنه لمّا كان مرجوحاً لم يقدح في دلالتها.
والثاني: أن الاحتمال تارة يكون في دليل الحكم، وتارة في محل الحكم، فالأول
هو الذي يسقط به الاستدلال دون الثاني.
ومثّل الأول بقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر)، فيحتمل أن يكون
سيق لوجوب الزكاة في كل شيء، حتى الخضراوات، كما يقول به أبو حنيفة،
ويكون العموم مقصوداً له، لأنه أتى بلفظ دال عليه وهو ما يحتمل أنه لم يقصده؛
لأن القاعدة أنه إذا خرج اللفظ لبيان معنى لا يحتج به في غيره، وهذا إنما سيق
لبيان القدر الواجب دون الواجب فيه، فلا يحتج به على العموم في الواجب فيه،
وإذا تعارضت الاحتمالات سقط الاستدلال به على وجوب الزكاة في
الخضراوات .
قال: ومثله المحرم الذي وقصته راحلته، فيحتمل التخصيص به، ويحتمل
العموم في غيره، وليس في اللفظ ما يرجح أحدهما، فيسقط الاستدلال على
التعميم في حق كل محرم. هذا كلامه.
وهذا الجمع يخالف طريقة الشافعي، فإن الشافعي يقول بالعموم في مثل هذه
الحالة بالقياس كما سبق، وليس في هذين الطريقين ما يبين به الفرق بين المقامين،
لأن غالب وقائع الأعيان - الشك واقع فيها في محل الحكم.
والصواب في الجمع بينهما ما ذكره الأصفهاني في ((شرح المحصول))، والشيخ
تقي الدين في ((شرح الإلمام)) وغيرهما، أن القاعدة الأولى في ترك استفصال الشارع
الاستدلال فيها بقول الشارع وعمومه في الخطاب الوارد على السؤال عن الواقعة
المختلفة الأحوال، والعبارة الثانية في الفعل المحتمل وقوعه على وجوه مختلفة، فهي
في كون الواقعة نفسها لم يفصل، وهي تحتمل وجوهاً يختلف الحكم باختلافها فلا
عموم له، كقوله: صلى في الكعبة أو فَعَل فعلاً، لتطرق الاحتمال إلى الأفعال،
والواقعة نفسها ليست بحجة، وكلام الشارع حجة لا احتمال فيه.
١٥٣
٠٠

الرابع: أن المراد بسقوط الاستدلال في وقائع الأعيان إنما هو بالنسبة إلى العموم
إلى أفراد الواقعة لا سقوطه مطلقاً، فإن التمسك بها في صورةٍ ما مما يحتمل وقوعها
عليه غير ممتنع، وهكذا الحديث أنه عليه السلام (جمع بين الظهر والعصر، وبين
المغرب والعشاء بالمدينة، من غير مرض ولا سفر)، فإن هذا يحتمل أنه كان في مطر
وأنه كان في مرض ولا عموم له في جميع الأحوال، فلهذا حملوه على البعض، وهو
المطر، المرجح للتعيين(١).
ويحتمل أن يُخرَّج للشافعي في هذه المسألة قولان من اختلاف قوله أن المعتادة
المميزة هل يحكم لها بالتمييز، أو ترد إلى العادة كغيرها؟ وسببه قوله عليه السلام
لفاطمة بنت أبي حبيش: (دعي الصلاة قدر الأيّام التي كنت تحيضين فيها، ثم
اغتسلي وصلي)، فردها إلى العادة، وَلَمْ يسألها: هل هي مميزة أم لا، فدل ذلك على
أن الحكم للعادة مطلقاً كما هو أحد القولين، لكن أصحهما أنه يحكم بالتمييز، وقد
تعاكس الشافعي وأبو حنيفة في هذه المسألة مع مسألة غَيْلان، فإن أبا حنيفة حمل
حديث غَيْلَان على التعاقب، والشافعي حمله على العموم، وأبو حنيفة حمل هذا
الحديث على العموم، والشافعي حمله على أنها كانت مميزة بحديث ورد فيه سبق
ذكره.
[المسألة] الرابعة
في أن المقتضى هل هو عام أم لا؟ ولابد من تحرير تصْويره قبل نصب الخلاف،
فنقول: المقتضي بكسر الضاد هو اللفظ الطالب للإضمار، بمعنى أن اللفظ لا
يستقيم إلا بإضمار شيء، وهناك مضمرات متعددة، فهل له عموم في جميعها أو لا
يعم، بل يكتفى بواحد منها؟ وأما المقتضى بالفتح فهو ذلك المضمَر نفسه، هل
نقدره عاماً، أم نكتفي بخاص منه؟
إذا عرفت هذا فظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق في ((اللمع)) وشرحها وابن
(١) قوله (المرجح للتعيين)) هكذا في الأصل، ولم يتبين معناه.
١٥٤

السَّمْعَاني في ((القواطع)) أن الكلام إنما هو في القسم الثاني حيث قالا: الخطاب
الذي يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم في إضماره، كقوله تعالى: ﴿الحج
أشهر معلومات﴾ [سورة البقرة / ١٩٧] فإنه يفتقر إلى إضمار، فبعضهم يضمر ((وقت
إحرام الحج أشهر معلومات))، وبعضهم يضمر ((وَقْتُ أفعال الحج))، والحمل على
العموم لا يجوز، بل يحمل على ما يدل الدليل على أنه مراد به؛ لأن العموم من
صفات النطق، فلا يجوز دعواه في المعاني.
قالا: وكذلك لا يجوز دعوى العموم في (لا صلاةٍ لجار المسجد إلا في المسجد)،
و(لا نكاح إلا بولي) في نفي الفضيلة، ومن الفقهاء من يحمله على العموم في كل ما
يحتمله؛ لأنه أعم فائدة، ومنهم من يحمله على الحكم المختلف فيه، لأن ما سواه
معلوم بالإجماع؛ قال الشيخ أبو إسحاق: وهذا كله خطأ؛ لأن الحمل على الجميع
لا يجوز، وليس هناك لفظ يقتضي العموم ولا يحمل على موضع الخلاف، لأنه
ترجيح بلا مرجح. انتھی.
وحاصله أن موضع النزاع إنما هو في المضمر، لا في المضمر له، فإن المضمر له
منطوق، وبذلك صرح شمس الأئمة السَّرَخْسي، وأبو زيد الدَّبوسي في ((التقويم))
وصاحب ((اللباب)) من الحنفية، فقالوا: المقتضى ما اقتضاه النص، وأوجبه شرطاً
لتصحيح الكلام، والنص مقتض له، كقوله عليه الصلاة والسلام: (رفع عن
أمتي الخطأ والنسيان)، ولم يزد غير ذلك، لأنه غير مرفوعٍ، بل رافع، فعلم أن
المراد بمقتضى الكلام: الحكم، أو الإثم، أو هما جميعاً، فالشافعي / أثبت ١/١٤٣
للمقتضى عموماً، وعندنا لا عموم له، لأن دلالته ضرورية للحاجة، فيقدر بقدر
ما يصح المذكور به عندنا، وقال الشافعي: المقتضى كالمنصوص في احتمال العموم
والخصوص.
ومنشأ الخلاف أن المقتضى عند الشافعي ثابت بالنص، فحكمه حكم النص،
وعند الحنفية أنه غير مذكور، فكان معدوماً حقيقة، وإنما يجعل موجودا بقدر
الحاجة، وما ثبت بالضرورة يقدر بقدرها، وقد أريد به رفع الإثم بالإجماع فلا يزاد
عليه .
١٥٥

ثم فرَّع السّرَخْسي على الخلاف المسألة السابقة، وهي مالو قال: إن أكلتُ
فعبدي حرّ ونوى طعاماً، قال: فعند الشافعي يعمل بنيته؛ لأن الأكل يقتضي
مأكولاً، وذلك كالمنصوص عليه، فكأنه قال: إن أكلت طعاماً، فلما كان للمقتضى
عموم عنده عمل بنية التخصيص، وعندنا لا يعمل لأنه لا عموم للمقتضى، ونية
التخصيص فيما لا عموم له لاغية. انتهى.
وجعل غيره الحديث من باب الحذف لا من باب الاقتضاء، فكان تقدير الحكم
والإثم من باب الاشتراك، والمشترك لا عموم له، وكذا قوله: (إنما الأعمال
بالنيات)، والفرق بينهما أن في الحذف ينتقل الحكم من المنطوق إلى المحذوف، وفي
المقتضى لا ينتقل من المقتضى شيء، بل يقدر قبله ما يصححه، قالوا: ونظيره الميتة
أبيحت للضرورة، فيقتصر على سد الرمق، ولا يتناول ما وراءه من الشبع،
بخلاف المنصوص، فإنه عامل بنفسه، فيكون بمنزلة المذكى يعم سائر جهات
الانتفاع .
واعلم أنه يخرج من كلام الشافعي في هذه المسألة قولان: فإنه قال في ((الأم)) في
قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً، أو به أذى من رأسه﴾ الآية [سورة
البقرة / ١٩٦]. تقدير الآية: فمن كان منكم مريضاً فتطيّب، أو لبس، أو أخذ
ظفره، لأجل مرضه، أو به أذى من رأسه فَحلقه فقدية، فقدّر جميع المضمرات؟
وقال في ((الإملاء)) ليس هذا مضمراً في الآية، وإنما تضمنه حلق الرأس فقط،
والباقي مقيس عليه، فقدّره خاصاً.
وقد حكى البصير المَاوَرْدِي في ((الحاوي)) و((الحاصل)) أن في المسألة مذاهب:
أحدها: وحكاه الأصفهاني في ((شرح المحصول)) عن ((شرح اللمع)) للشيخ أبي
إسحق أنه عام، وبه قال جماعة من الحنفيّة. ونقله القاضي عبد الوهاب عن أكثر
الشافعيّة والمالكية، وصحّحَه النووي في ((الروضة)) في كتاب الطلاق؛ فقال:
المختار أنه لا يقع طلاق الناسي؛ لأن دلالة الاقتضاء عامة، يعني من قوله: (رُفع
عن أمتي) فإنه يحتمل أن يكون التقدير: حكم الخطأ أو إثمه أو كل منهما جميعاً،
وقاعدة الشافعي تقتضي التعميم، ولهذا كان كلام الناسي عنده لا يُبطِل الصلاة،
١٥٦

وأبو حنيفة أبطلها به؛ لأنه يرى عدم عمومه.
والثاني: أنه لا عموم له في كل ما يصح التقدير به واختاره الشيخ أبو إسحاق
والغزالي وابن السَّمْعَاني والإمام فخر الدين والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، وقال
الشيخ في ((شرح الإلمام)): إنه المختار عند الأصوليين، لأن الضرورة هي المقتضية
للإضمار، وهي المندفعة بإضمار واحد وتكثير الإضمار تكثير لمخالفة الدليل، ثم
قال الإمام فخر الدين: للمخالف أن يقول: ليس إضمار أحد الحكمين أولى من
الآخر، فإما أن لا يضمر حكم أصلاً، وهو غير جائز، لأنه تعطيل دلالة اللفظ، أو
يضمر الكل وهو المطلوب.
وذكر الآمدى هذا، وأجاب عنه بأن قولهم: ليس إضمار البعض أولى من
البعض، إنما يلزم أن لو قلنا بإضمار حكم معين، وليس كذلك؛ بل إضمار
حكمٍ مَّا والتعيين إلى الشارع، ثم أورد عليه أنه يلزم منه الإجمال، فأجاب بأن
إضمار الكل يلزم منه تكثير مخالفة الدليل، وكل منهما يعني من الإجمال وإضمار
الكل خلاف الأصل.
وإذا قلنا: بأنه ليس بعام، فهل هو مجمل أم لا؟ قولان، وإذا قلنا: ليس
بمجمل، فقيل: يصرف إطلاقه في كل عين إلى المقصود اللائق به، حكاه ابن
برهان، وقيل: يضمر الموضع المختلف فيه؛ لأن المجمع عليه مستغن عن الدليل،
حكاه الشيخ أبو إسحق.
وقال الأصفهاني في ((شرح المحصول)): إن قلنا: المقتضى له عموم أضمر
الكل، وإن قلنا: لا عموم له، فهل يضمر ما يفهم من اللفظ بُعُرْف الاستعمال
قبل الشرع، أو يضمر حكماً من غير تعيين وتعيينه إلى المجتهد؟ والأول اختيار
الغزالي. والثاني اختيار الآمدى. والثالث التوقف. وهو ظاهر كلام الآمدى آخراً
لتعارض المحذورين: كثرة الإضمار والإجمال إذا قيل بإضمار حكم؛ وأما ابن
الحاجب، فإنه قال: التزام الإجمال أقرب من مخالفة الأصل بتكثير الإضمار، وهذا
بعينه هو اختيار الكرخى في مثل قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [سورة المائدة / ٣] أن
تكون مجملة، وقد صرح ابن الحاجب هناك بمخالفته.
١٥٧

واختار الآمدى في باب المجمل بأن التزام محذور الإضمار الكثير أولى من التزام
محذور الإجمال في اللفظ لثلاثة أوجه:
أحدها: أن الإضمار في اللغة أكثر استعمالا من اللفظ المجمل، ولولا أن
المحظور في الإضمار أقل ما كان استعماله أكثر.
الثاني: أنه انعقد الإجماع على وجود الإضمار في اللغة والقرآن، واختلفوا في
جواز الإجمال فيهما.
الثالث: أنه عليه السلام قال: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم
فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها) وذلك يدل على إضمار جميع التصرفات المتعلقة
بالشحوم في التحريم، وإلّ لما لزمهم الذم ببيعها.
هذا كله إذا كانت المقدَّرات على حد واحد في الدلالة، أما إذا كان بعضها أعم
من غيره فاختار القَرَافي أنه يتعين إضمار الأعم لما فيه من زيادة الفائدة وتكثيرها مع
اندفاع المحذور الذي هو تكثير الإضمار.
وقرره الشيخ تقي الدين في ((شرح الإلمام)) فقال: وهنا وجه يمكن أن يحصل به
مقصود من أراد التعميم، وهو أن يضمر شيئاً واحداً، مدلول ذلك مقتض
للعموم، فيحصل المقصود من العموم مع عدم تعدد المضمَر، مثل أن يضمر في
قوله: رُفع عن أمتي الحكم، فيعم الأحكام مع غير تعدد في المضمر. انتهى.
وقدَّر فخر الدين في تفسيره في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [سورة
المائدة / ٣] التصرف في الميتة ليعم تحريم الأكل والبيع والملابسة وغير ذلك.
تنبيهات
الأول: أن الصور في المقدرات ثلاث:
أحدها: أن تتساوى، ولا يظهر في واحد منها أنه أرجح. فهل هو عام أو
مجمل؟ قولان: أرجهما الثاني.
١٥٨

ثانيهما: أن يترجح بعضها لا بدليل من خارج، بل لكونه أقرب إلى الحقيقة،
مثل: (لا صيامٍ لمن لم يبيت الصيام)، (ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، فأصحابنا
يقدرُون واحداً، ثم يرجحون تقدير ما كان أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو الجواز
مثلًا، سواء كان أعم من غيره أم لا، والخصم يقدِّر الكل، ثم إمام الحرمين يقول
هنا: إن الخصم لا ينبغي له أن يقدِّر الكل إلا إذا لم يناف بعضها بعضاً، فإن تنافيا
وارتكبَ تقديرَ الكل فقد أساء، مثل ((لا صيام)) فإن تقدير / الكمال ينافي تقدير ١٤٣/ب
الصحة، إذ نفي الكمال منهم إثبات للصحة، فلا يصح تقديره مع تقدير نفي
الصحة معه.
ووافقه على ذلك ابن السمعاني، فقال: لا يجوز انتفاء الفضيلة مع انتفاء
الجواز: لأنه لابد من وجود الجواز، فيتصور انتفاء الفضيلة، وجرى على ذلك ابن
دقيق العيد، فإنه قال: والخلاف في هذا إنما يمكن فيما لا تنافي بين مضمونه.
وثالثها: أن يظهر واحد معين بدليل مستفاد من خارج، فلا ينبغي لأحد أن
يخالف هنا كما قاله ابن الحاجب، بل يقدر ما ظهر، فإن كان عاماً فهو عام، وإلا
فلا، فالعام كقوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [سورة البقرة / ١٩٧] أي وقتُ الحج،
والخاص كقوله: (لا هجرة بعد الفتح) أي لا تجب، فإن الإجماع منعقد على
جوازها، وصرح القَرَافي بجريان الخلاف فيما إذا تعين أحدهما بدليل، وأنه يجوز أن
يقال: إنه عام، كما يقول الشافعي في الجمع بين الحقيقة والمجاز مع أن الحقيقة قد
تعينت .
الثاني(١): أن الأصوليين قالوا: إذا تعين للمقتضى أحد المضمرات، كان
كظهوره في اللفظ، وردوا ادعاء الكرخي الإجمال، فإن الذي يسبق إلى الفهم من
تحريم الميتة تحريم أكلها، ومن تحريم الأمهات تحريم وطئهن، وإذا كان كذلك
كان كالملفوظ به فلا إجمال.
وهذا لا يستقيم على قاعدة الشافعي، فإن تحريم الميتة عنده لا يختص بالأكل ؛
بل يحرم ملابستها في الصلاة وبيعها وغير ذلك، إلا ما خرج بدليل كالجلد
المدبوغ، ولم يعدّه للشعر، لأن الدباغ لا يؤثر فيه، فنجاسته ثابتة عنده، وهذا
(١) أي التنبيه الثاني.
١٥٩

موافق لما أشار إليه الآمدى في قوله عليه السلام: (لعن الله اليهود) الحديث، إلا
أن يقرر ذلك بطريق أخرى، وهو أن تحريم أكل الميتة ظاهر في نجاستها، وإذا
تنجست بالموت لزم من النجاسة بطلان البيع وعدم صحة الصلاة في شيء منها إلا
ما طهر بالدباغ، فهذه الأحكام ناشئة عن النجاسة المأخوذة من تحريم الأكل،
وليس في اللفظ إجمال ولا تكثير إضمار، وهذا تقرير حسن.
ولم يسلك الإمام فخر الدين في تفسيره هذه الطريقة؛ بل قدَّر إنما حرم عليكم
التصرف في الميتة، ليفيد عموم التصرف، كالأكل والبيع والملابسات كما هو مذهب
الشافعي، وقال: إنه المتعارف من تحريم الميتة لا تحريم أكلها.
وفي هذا الكلام ضعف لا يخفى، وهو خلاف ما قرره في المحصول كما مر،
وقولُه عليه السلام: (إنما حرم من الميتة أكلها) دليلُ انصراف تحريم الميتة إلى
أكلها، ولا يلزم منه عدم تحريم الملابسة، لما مر أن تحريم الأكل ظاهر في
النجاسة، وهو معنىًّ مناسب يصلح لترتب الحكم والنجاسة عليه للمنع بما ذكره.
والحاصل أن الكلام في هذه المسألة مفروض فيما إذا لم يقم على تعيين أحد
المقدَّرين دليل، أما إذا اقترن باللفظ قرينة تعينه فإنه يكون كالملفوظ به، كما في
قوله تعالى ﴿حَرّمت عليكم الميتة﴾ [سورة المائدة / ٣] ﴿حرمت عليكم أمهاتكم)
[سورة النساء / ٢٣]، فإن العرف قاض بأن المراد من تحريم الميتة تحريم أكلها، ومن
تحريم الأمهات تحريم وطئهن، بخلاف نحو (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، فإنه
لم يقم دليل يعين أن المراد بالمرفوع الحكم أو غيره.
[الفرق بين دلالة الاقتضاء ودلالة الإضمار]
الثالث: الكلام في هذه يستدعي فهم دلالة الاقتضاء، وهل هي مغايرة
للإضمار؟ وقد اختلف في ذلك، فذهب جماعة من الحنفية، منهم أبو زيد الدَّبوسي
إلى عدم المغايرة؛ لأن كلاً منهما عبارة عن إسقاط شيء من الكلام، لا يتم الكلام
بدونه نظراً إلى العقل أو الشرع أو إليهما، لا إلى اللفظ، إذ اللفظ صحيح منهما،
وذهب الجمهور إلى الفرق، ثم اختلفوا في وجه التغاير على أقوال:
١٦٠