Indexed OCR Text
Pages 101-120
وقد قال سيبويه: الناقة تجمع على نُوق، ثم النوق تجمع على نياق، وهما من أبنية الكثرة، ثم يجمع النياق على أينق، وهو مقلوب آنق أو أنيق، والَأَفْعُل من جمع القلة. ثم قال الإمام: والحق أن التمر أقعد بالعموم من التمور، لاسترساله على الآحاد لا بصيغة لفظية، وأما التمور فإنه يردّ إلى تخيل الوَحَدات ثم يجىء الاستغراق بعده من صيغة الجمع. قال شارحوه: يريد أن مطلق لفظ التمر بإزاء المعنى المشتمل للآحاد، والتمر يُلتَفَتُ فيه إلى الواحد، فلا يحكم فيه على الحقيقة؛ بل على أفرادها. وحاصله أنه إذا قال: ◌ُمور، فقد تخيل ردّه إلى الواحد عند إرادة الجمع، وأراد دلالته على الجنس، وهي غير مختلف فيها، وصير دلالة الجنس إلى لفظ الجمع الذي فيه خلاف. وقوله: الجمع يرد إلى تخيل الوحدات، ينبغي أن يضاف إليه: ((المقصودة))، وإلا فاسم الجنس يتخيل فيه الوحدات، لكن آحاده غير مقصودة بخلاف الجمع، وتمثيله بالتمر معرفاً يؤخذ منه أن التمر مفرد، وأن المفرد المعرف باللام يعم. وقد اختلف في التمر: هل هو اسم جنس، لأنه تميز به، ولا تميز إلا بأسماء الأجناس، أو جمع تمرة يفرق بين واحده وجمعه بالتاء؟ والصواب: الأول، فإن التمر لا يدل على أفرادٍ مقصودة بالعدد، وإنما يجمع إذا قصدت أنواعه لا أفراده، فهو في أصل وضعه كماء. وقد قرأ ابن عباس: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتابه﴾ [سورة البقرة / ٢٨٥] وقال: ((كتابه أكثر من كتبه)) يريد أن كتابه ينصرف إلى جنس كتب الله المنزلة، فدلالته أعم من كتبه، لأن كتبه جمع. قال الزمخشرى: لأن الكتاب واحد نُحِيَ به نحو الجنس، فهو أبلغ في العموم من الجمع، فمعناه مفرداً أدل على الاستغراق منه جمعاً، وفي قوله: نُحي به نحو اسم الجنس، ما يحتمل أن يريد غير اسم الجنس، لأن ما نحي به نحو الشيء غير ذلك الشيء، فيجوز أن يكون يرى أن تمراً اسمُ ١٠١ جمع لا جمع كرهط وقوم، وهو قولٌ، ففي تمر إذَنْ ثلاثة أقوال، وقال في قوله تعالى: ﴿والملَك على أرجائها﴾ [سورة الحاقة / ١٧] أن الملك أعم من الملائكة، وذكر هذا المعنى في مواضع. واعلم أن هذا الخلاف نظير الخلاف السابق في الألف واللام الداخلة على الجمع، ويزيد ههنا مذاهب أخرى كما بيّنا. وحاصله أن الألف واللام الداخلة على المفرد أوالجمع تفيد الاستغراق فيهما جميعاً عند معظم الأصوليين، إلا إذا كان معهوداً. والثاني: أنه لمطلق الجنس فيهما لا الاستغراق، وهو أحد قولي أبي هاشم من المعتزلة . والثالث: وهو قوله الآخر أنه في المفرد لمطلق الجنس، وفي الجمع لمطلق الجمع، لا للاستغراق إلا بدليل آخر. وقال الزمخشرى: إذا دخلت على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه، وإذا دخلت على الجمع صح أن يراد به جميع الجنس، وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد، وهذا منقوض بقوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ [سورة الأحزاب / ٥٢] فإن الحرمة غير متوقفة على الجمع، وقوله تعالى: ﴿فنادته الملائكة﴾ [سورة آل عمران / ٣٩]. والصحيح ما ذهب إليه العامة بدليل قوله: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ [سورة العصر / ٢] والمراد به كل الجنس بدليل استثناء المؤمنين منه، وكذلك قوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [سورة التين / ٤] إلى قوله: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ [سورة التين / ٦] وقوله: ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً﴾ إلى قوله: ﴿إلا المصلين﴾ [سورة المعارج / ١٩ - ٢٢]، واستثناء المصلين دال على الاستغراق، وكذلك قوله عليه السلام: (الحنطة بالحنطة) والمراد به كل جنس الحنطة، ولنا في الجمع قوله تعالى: ﴿يأيها الناس﴾ [سورة البقرة / ٢١] والمراد به كل الجنس، وكذا قوله: ﴿والخيل والبغال والحمير﴾ [سورة النحل / ٨] والمراد به الكل، والمعقول في المسألة أن مطلق الجنس كان مستفاداً قبل دخول اللام، ولابد لدخولها من فائدة، وليس ذلك إلا ١٠٢ الاستغراق. والحاصل أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس، إما أن يقصد بها العهد فلا إشكال في عدم عمومه، وإما أن يقصد بها تعريف اسم الجنس فلا إشكال في عمومه، وإما أن يشكل الحال فهل يحمل على العموم أو العهد؟ خلاف، والصحيح التعميم، وإما أن يقصد بها تعريف الماهية، أي حقيقة الجنس مع قطع النظر عن الأفراد، فهي لبيان الحقيقة. ومنه قولك: الرجل أفضل من المرأة، قال ابن القشيرى في أصوله: هذا مما ترددوا فيه، فقيل: الاستغراق الجنس. وقيل: لا، واختار الإمام التفصيل بين أن يُعرّف هنا بناء على تنكير سابق، مثل أن يقول: اقتل رجلاً، ثم يقول: اقتل الرجلٍ، فلا يقتضي العموم، فإن قاله ابتداءً فللجنس، وإن لم يدر هل خرج تعريفاً لنكرة سابقة أو إشعاراً بالجنس، فميل المعظم إلى أنه للجنس. والحق عندنا أنه مجمل، فإنه من حيث يعم لا يعم بصيغة اللفظ، بل لاقتران حالة مشعرة بالجنس، فإذا لم توجد لم يتجه إلى التوقف، وإما أن يدخل للمح الصفة كالحسن والحسين، أو للغلبة كالنجم للثريا، فلا إشكال في عدم عمومها كغيرها من الأعلام . تنسیهات الأول: قال الشافعي في الأم: ﴿وأحل الله البيع﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥] احتمالات(١): عاماً ومجملاً بيّنته السنة، وترددا بينهما، ومن العام الذي أريد به الخاص، وعاماً في كل بيع إلا ما نهت عنه السنة. وفيه سؤالان: أحدهما: أنه قد يشكل الفرق بين الاحتمال الأخير والأول. قال ابن التِّلْمِسَاني: ويمكن أن يقال في الفرق: إن الأول على تقدير أن للشارع عرفاً في الأسماء، وإذا كان للشارع عرف في البيع والصلاة والصوم فمتى ورد الاسم منه ١٠٣ صرف إلى عرفه، فقوله: ﴿وأحل الله البيع﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥] يتناول ذلك المسمى الشرعي. ويندرج فيه كل نوع من أنواعه الشرعية، ولا تخصيص فيه ولا استثناء، وأما الأخير فعلى قولنا: إن الشارع لم يغير الأسماء، وإنما استعملها في موضوعها اللغوي، فيكون ﴿وأحل الله البيع﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥] أي كل ما يسمى بيعاً لغة إلا ما نهى عنه على لسان نبيه عليه السلام، أو كان في معناه فهو عام بطريق التخصيص إليه، ثم يترجح احتمال الاستغراق في الآية، فإنه لا يتوقف على توقفه، وأن الإجماع على خلاف الأصل. ١٣٥ / ب الثاني: أن الشافعي اختلف قوله في آية البيع على أربعة أقوال، واختلف في قوله في آية الزكاة وهي قوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [سورة النور / ٥٦] إلى قولين: أحدهما: أنها عامة خصّصتها السنة. والثاني مجملة بينتها / السنة، وهما من جهة اللفظ والتعريف بالألف واللام واحد، لأن كل واحد منهما مفرد مشتق معرف بالألف واللام، فإن عم من حيث اللفظ فليعم في الآيتين، وإن عمّ من حيث المعنى فليعم فيهما، وإن لم يعم من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى فليكن ذلك في الآيتين، مع أن الصحيح في آية البيع العموم، وفي آية الزكاة الإجمال. والسر في ذلك أن حِلّ البيع على وفق الأصل من حيث إن الأصل في المنافع الحل، وفي المضارّ الحرمة بأدلة شرعية، فمهما حُرِّم البيع فهو على خلاف الأصل، وأما الزكاة فهي على خلاف الأصل لتضمنها أخذ مال الغير بغير إرادته، فوجوبها على خلاف الأصل. ثم الأخبار الواردة في البابين ناظرة إلى هذا المعنى، فلذلك اعتنى عليه السلام ببيان المبيعات الفاسدة، كالنهي عن بيع حبل الحبلة والمضامين والملامسة والمنابذة، ولم يعتن ببيان المبيعات الصحيحة، وأما في الزكاة فإنه عليه السلام اعتنى ببيان ما يجب فيه الزكاة، ولم يعتن ببيان مالا يجب فيه الزكاة، فمن ادعى الزكاة في شيء مختلف فيه كالرقيق والخيل فقد ادعي حكماً على خلاف الدليل، وأما تردد الشافعي في آية البيع: هل المخصِّص أوالمبينَ لها الكتاب والسنة دون الزكاة؟ فلأنه عَقّب ١٠٤ حل البيع بقوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥] والربا من أنواع البيع اللغوية، ولم يُعقب آية الزكاة بشيء. الثالث: عن هذا الخلاف نشأ الخلاف في معنى الحمد، فقال عامة الفقهاء: جميع المحامد لله، لأنّ اللام للاستغراق؛ وقال المعتزلة: ما يعرفه كل أحد من الحمد بحسبه فهو لله، لأن اللام لمطلق الجنس؛ ولهذا قال الزمخشرى: ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من الحمد ما هو، وما قيل من إن اللام في الحمد عند المعتزلة للعهد، فذلك كلام بلا أساس؛ لأنه لم يصح عنهم هذا النقل؛ بل قالوا: إن اللام فيه لمطلق الجنس، وبهذا ظهر تقرير قول الزمخشرى أن الاستغراق الذي قاله كثير من الناس وَهَمْ منهم. الرابع: حكى القَرَافى عن الشيخ عز الدين أنه استشكل على هذه القاعدة بقول القائل: ((الطلاق يلزمني)) فإنه لا يلزمه إلا طلقة واحدة بناء على أنه التزام أصل الطلاق، وعلى قياس القاعدة يلزمه الثلاث، وأجاب بأن هذا نقل عن مسماه اللغوي إلى العرف، فَقَل العرفُ الألف واللام عن العموم إلى حقيقة الجنس في الطلاق خاصة لدليل، وبقي على عمومه في غير هذا الباب، وأجاب غيره: بأن الطلاق حقيقة واحدة لا أفراد له، ولكن له مراتب مشتركة في قطع عصمة النكاح، فحمل على أدنى المراتب. الخامس: قال الزمخشري في تفسير سورة الحجرات: لام الجنس تخصِّصُ جنساً من سائر الأجناس كلام العهد تخصِّص واحداً من الآحاد، ولا يكون تخصيص مالم يكن عمومٌ أو تقديره، فتقول: إن زارك الصديق، أي مَن صفته الصداقة خاصة دون العدو، ومن ليس بصديق ولاعدو، فإن نكرّت زال هذا التخصيص وانقلب إلى معنى الشياع في كل صديق. قال: فقولنا: رجل فاسق هو بعض من شياعه، وليس فيه إفراز الفاسق من العدل، ولا قصد إلى ذلك، وإنما كان يقصد إليه لو دخلت اللام، فإنها التي تميز الجنس مما سواه، والصفة إنما تقتضي الشياع، والكلام في التعريف والتنكير أدق من الدقيق. وأما المثنى، فقال القَرَافي: هو كالجمع في العموم، ثم قال: لا يفهم العموم من ١٠٥ ٠ إضافة التثنية في شيء من الصور سواء كان الفرد يعم أم لا، فإذا قال: عَبْدَايَ حران لم يتناول غيرهما، وكذلك مَالَايَ، فالفهم عن العموم في التثنية جدا(١) بخلاف الجمع والمفرد. انتهى. والإضافة والتعريف سواء، وكلامه الأول لا يجتمع مع الثاني، وسيأتي فيه مزيد في الإضافة. تنیهات الأول: العموم مما ذكرنا مختلف، فالداخل على اسم الجنس يعم الأفراد، أعني كل فرد فرد، والداخل على الجمع يعم الجموع، لأن الألف واللام تعم أفراد ما دخلا عليه، وقد دخلا على جمع فتفطّن له. وفائدته أنه يَتَعذّر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد، لأنه إنما حصل النفي والنهي عن كل فرد، ولا قرينة تنفي كل فرد، وهذا لا يعارِض ما تقدم من أن العموم من باب الكلية، لأن كلية الجمع هي أفراد المجموع لا كل فرد من أفراد كل جمع. وينبغي على مساق هذا التقدير أن تختلف الجموع فتشمل جموع القلة ثلاثة ثلاثة، ولا تشمل جموع الكثرة إلّ أحد عشر أحد عشر، وهذا التقدير مشكل على استدلال العلماء بهذه الصيغ على كل فرد فرد. وقد أجاب عنه القَرَافي بأن العربِ وضعت التعريف الجنسي لاستغراق جميع أفراد ما دخل عليه، سواء كان مفرداً أو جمعاً في إثبات أو نفي، وهذا لا يجدي، لأن النزاع فيه، والخصم يقول: إنما يدل على أفراد الجموع لا على فرد فرد. وقد يقال: إن قرينة العموم الاستغراقي هنا اقتضت أن یکون لكل فرد فرد من الآحاد لا من مراتب الجموع؛ لأن ذلك أقوى في دلالة العموم الكلية. وذهب بعض أهل المعاني إلى أن استغراق اسم الجنس المفرد لِمَا يدخل تحته أقوى من استغراق الجمع بدليل أنه لا يصدق قول القائل: لا رجل في الدار إذا كان فيها واحد أواثنان، ويصدق حينئذ قوله: لا رجال في الدار، وهذا إنما جاء في جانب النفي، أمّا في حالة الإثبات مع التعريف الجنسي، فالشمول في كل واحد (١) لعل هنا جذفا تقديره: بعيد جداً. ١٠٦ منهما، لكن طريقه مختلف، كما سبق نقله عن إمام الحرمين، وصرح به الزمخشرى في قوله تعالى: ﴿وكتبه﴾ [سورة البقرة / ٢٨٥]، وقول ابن عباس: الكتاب أكثر من الكتب، وقرره ابن المنير، بأن المفرد يدل على أفراد جنسه كلها، لا بصيغة لفظية، بل بمعناه وموضوعِه، وأما في الجمع فإنه يردُّ أولاً إلى تخيل الوحدات، ثم يحصل الاستغراق بعد ذلك من صيغ الجمع، فكان الأول أقوى. الثاني: أن الأصوليين على أن الألف واللام للعموم، وأطبق المنطقيون على أن نحو قولنا: الإنسان حيوان قضية مهملة في قوة الجزئية، وقد تكلم الغزالي في كتابه ((معيار العلم)) على وجه الجمع بينهما، فقال: اعلم أنه إن ثبت الاستغراق من لغة العرب، وجب طلب المهملة من لغة أخرى، وإن لم يثبت فهو مهمل، إذ يحتمل الكل، ويحتمل الجزء، ويكون قوة المهمل قوة الجزء؛ لأنه بالضرورة يشتمل عليه، وأما العموم فمشكوك فيه، وليس من ضرورة ما يصدق جزئياً أن لا يصدق كلياً. انتھی . وحاصله أنه إن سُلم الاستغراق لزم أنه ليس في لغة العرب مهمل، وطلب ذلك من لغة أخرى، إذ ليس بحث المنطقيين قاصراً على لغة دون لغة، وإن منع الاستغراق بناء / على أنها كما تأتي في لغة العرب للعموم، تأتي للخصوص ١/١٣٦ کالعهد، فثبت أنه يراد بها العموم والخصوص باعتبارين، فلا يكون بمعنى ((كل))، وتحقيقه أن لفظ الإهمال إذا أطلق فلا يفهم منه تعميم ولا تخصيص إلا بقرينة، ولو كان يدل على العموم، ويقابله التنوين للتنكير في الدلالة على الخصوص، لكان قولنا: ((الانسان)) لا يدل على الواحد البتة، وقولنا: ((إنسان)) لا يتناول الشياع، وكلاهما باطل، وأخذ الألف واللام بمعنى أنها سور هو المغلَّط، فإن القضية إذا ذكرت بالألف واللام صدقت في بعضٍ مَّا، وإذا قرن به لفظ السور كذبت، والسور الكلي إنما يدل على كلية الحكم في الموضوع لا على كلية المحمول. الثالث: أجمع النحاة بأن ((أل)) تأتي لتعريف الحقيقة والاستغراق، ويلزم عليه تعريف أسماء الأجناس، لأنهم إما أن يريدوا تعريف الحقيقة من حيث هي هي أي لا بقيد وجودها ذهناً أو خارجاً، فيلزم أن تكون أسماء الأجناس معارف كما قلنا، ١٠٧ واللازم باطل، أو تعريفها من حيث وجودها في الذهن أو في الخارج، فحينئذ هي للاستغراق فلا فرق، وإذ قد تعذر هذا فالأولى ما قاله بعض الأصوليين: إن ((أل)) لتعريف العهد خاصة حيثما وردَت، فحيث يقال: هذه للحقيقة قلنا للعهد بواسطة التهكم(١) أو غيره، وحيث قيل: للاستغراق، قلنا: للعهد، لكن الصحيح خلاف هذا القول لما سبق. الثالث والعشرون (٢): الإضافة: هي من مقتضيات العموم كالألف واللام. ولهذا عاقبتها، فإن دخلت على جمع أفادت العموم، سواء كان جمع تصحيح أو جمع تكسير، كذا قالوا، وفي تعميم أبنية جمع التكسير الأربعة التي للقلة نظر، كما لو قال: أعْبُدى أحرار، وله عبيد كثيرون أزيد من العشرة، وينبغي أن يأتي فيه ما سبق في الألف واللام من الخلاف، وأما اسم الجمع فكذلك، وأما اسم الجنس فكذلك، لقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [سورة إبراهيم / ٣٤] وقوله: ﴿إنّا رسول رب العالمين﴾ [سورة الشعراء / ١٦] وقوله: ﴿فعصوا رسول ربهم﴾ [سورة الحاقة / ١٠] وقوله وَله: (منعت العراق درهمها ودينارها، ومنعت الشام قفيزها وصاعها)، ولهذا لو حلف ليشربن ماء هذا البئر، فإنه يحنث في الحال على الأصح؛ لأن لفظه يقتضي جميع مائه، وذلك محال، فكان كقوله: لأصعدنّ إلى السماء، وقيل لا يحنث؛ لأن العرف حمله على التبعيض، وهو مذهب الحنفية. وفصّل القَرَافي بين أن يصدق على القليل والكثير نحو مالي صدقة فيعم، وبين أن يصدق على الجنس بقيد الوحدة فلا يعم، نحو عبدي حر، وامرأتي طالق. قال الشيخ تقي الدين في ((شرح الإلمام)): وقد أشار إليه أبو عَمْرو بن الحاجب إشارة لطيفة يعني في ((مختصره الكبير))، حيث ذكر صيغ العموم، وذكر أسماء الشرط والاستفهام والموصولات والجموع المعرَّفة تعريف الجنس وما في معناها، واسم الجنس المعرف تعريف الجنس، والمضاف لما يصلح للبعض والجميع، فقوله: لما يصلح ... إلخ يقتضي التقييد بما سبق، وهذا التفصيل لعل القَرَافي (١) لعل الصواب: التحكم. (٢) أي من صيغ العموم. ١٠٨ ١ أخذه من تفصيل الغزالي السابق في اسم الجنس إذا دخلته الألف واللام. واعلم أن الإمام فخر الدين في أثناء الاستدلال على أن الأمر للوجوب صرح بأن المفرد المضاف يعم، مع اختياره بأن المعرف بأل لا يعم، والفرْق أن الإضافة أدل على العموم من الألف واللام كما ذكره في تفسيره. ولم يقف الهندي على نقْلٍ في ذلك. فقال في ((النهاية)): وكون المفرد المضاف للعموم، وإن لم يكن منصوصاً لهم، لكن قضية التسوية بين الإضافة ولام التعريف تقتضي العموم، والحق أن عموم الإضافة أقوى، ولهذا لو حلف لا يشرب الماء حَنِثَ بشرب القليل، لعدم تناهي أفراده، ولو حلف لا يشرب ماء البحر لا يحنث إلا بكله. وههنا دقيقة، وهي أن العموم فيما ذكرنا مختلف، فالمفرد المضاف يعم مراتب الآحاد، وأما الجمع المضاف فهل يعم مراتب الجموع أو الآحاد؟ على قولين مبنيين على أنه يراد به الواحد أو الجنس، وأما المثنى المضاف كقوله تعالى: ﴿فأصلحوا بين أخويْكم﴾ [سورة الحجرات / ١٠] فإن قُدِّرت الإضافة داخلة على المثنى بعد التثنية، كان معناها التعميم في كل فرد من الإخوة، وإن قدرت التثنية داخلة بعد الإضافة كان معناها تثنية الجنسين المضافين، وإن كان الجنس لا يثنى والعام لا يثنى الاستغراقه، لكنه لما امتاز بنوع من الشقاق جاز ذلك، وقد سبق كلام القُرَافي فيه. فرع كان له أربع زوجات، فقال: زوجتي طالق، وقع على واحدة، وعليه البيان، قاله الرُّؤْيَانى في ((البحر))، وعن ابن عباس وأحمد بن حنبل تطلق الأربع؛ لأن لفظ الواحد في الأيمان قد يعبر به عن الجنس، كقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] وأراد ليالي الصيام، وأجاب بأنه مجاز، والكلام يحال على الحقيقة ما أمكن، وهو إنما أوقع الطلاق على واحدة، فلا يقع على الجماعة. قلت: وهذا الفرع مخالف لتعميم المضاف، ويجاب عنه بما سبق، في الطلاق يلزمني، من أن الأصل فيه التعميم، وإنما خص هذه الصورة وأمثالها بنقل العرف لها عن موضوعها اللغوي، بدليل ما لو قال: مَالِ صدقة، فإنه يعم، ومن ثَمَّ ١٠٩ استدل على إباحة السمك الطافي من قوله ◌َّة: (الحل ميتته). تنبيه البعض ونحوه من الجزء والنصف والثلث إذا أضيف لا يقتضي العموم، وإلا لكان قام بعض الرجال مثل قام كلهم، كذا قال بعض الأصوليين، وينبغي تخصيص هذا ببعض المَحَالَ وهو إذا لم تدع إلى العموم ضرورة، كقوله تعالى: ﴿ولقد فضّلنا بعضَ النّبيّنّ على بعض﴾ [سورة الإسراء / ٥٥] لأنه يستحيل أن يكون كل واحد أفضل من الآخر، فإن دعت كان للعموم، وهو حينئذ بالقرينة، لا بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿ويوم القيامة يلعن بعضكم بعضاً﴾ [سورة العنكبوت / ٢٥] فإنه عام، وكذلك قوله تعالى: ﴿فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً﴾ [سورة سبأ / ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ [سورة الصافات / ٥٠]، فإن ((يتساءلون)) يدل على أن كل واحد كذلك. وقوله تعالى: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ [سورة البقرة / ٣٦] فإن كل واحد عدو الآخر، ألا ترى أنك لو قلت: كلكم لكل عدو صح، وكذلك قوله تعالى: وكدعاء بعضكم بعضاً﴾ [سورة النور / ٦٣]. وينبغي النظر في موضوع اللفظ، وفائدة هذا فيما يجوز فيه الأمران، كقوله تعالى: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض﴾ [سورة الفرقان / ٢٠] . الرابع والعشرون [النكرة في سياق النفي] النكرة في سياق النفي ((بما))، أو ((لن))، أو (لم))، أو ((ليس))، وسواء دخل حرف النفي على فعل نحو: ما رأيت رجلاً، أو على اسم نحو: لا رجل في الدار، وسواء باشرها النفي نحو ما أحد قائماً، أو عاملها نحو: ماقام أحد، ويدل له قوله تعالى: ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون الله﴾ [سورة آل عمران / ٦٤] وقال الآمدى في ((أبكار الأفكار)) إنما تعم النكرة المنفية، فأما التي ليست بمنفية لكنها / في سياقه، فلا تعم، ولنا قوله تعالى: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ [سورة الأنعام / ٩١] في جواب: ما أنزل الله على بشر من شيء، فلو لم يكن للعموم لم يلزم الرد عليه بالواحد، والمعنى في ذلك أن النكرة غير مختصة بمعين، كقولك: رأيت ١١٠ رجلاً، والنفي لا اختصاص له، فإذا انضم النفي الذي لا اختصاص له، إلى التنكير الذي لا يختص بمعين، اقتضى ذلك العموم. احتج الإمام فخر الدين بأنها لو لم تكن لنفي العموم لما كان ((لا إله إلا الله)) نفياً لدعوى من ادعى سوى الله، ثم إن كانت النكرة صادقة على القليل والكثير كشيء وموجود ومعلوم، أو ملازمة للنفي، نحو أحد، وما ألحق به مثل: غريب، وداع، ومجيب، أو واقعة بعد ((لا)) العاملة عمل إن، وهي ((لا)) التي لنفي الجنس، مثل: لا رجل في الدار، ببناء رجل على الفتح، أو داخلاً عليها من مثل: ما جاءني من رجل، فإن كونها للعموم من الواضحات، لكن هل استفيد العموم في قولك: ما جاءني من رجل، من لفظة ((مِنْ))، أو كان مستفاداً من النفي قبل دخولها، ودخلت هي للتأكيد؟ فيه قولان للنحويين، والصحيح الثاني، وهو قول سيبويه . والأول قول المبرد، حكاه في ((الارتشاف)) في الكلام على حروف الجر، واختاره القَرَافي، وزعم أنها لا تعم إلا إذا باشرتها ((مِنْ))، وتمسك بقول الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ما لكم من إله غيره﴾ [سورة الأعراف / ٥٩] إنما استفيد العموم من لفظة ((مِنْ)). ولو قال: مالكم إله لم يعم، مع أن لفظه إله نكرة، وقد حكم بأنه لم يعم . وقَد ذكره الحريري والزمحشرى ونازعه الأصفهاني، وقالا: لا حجة في قول صاحب الكشاف مع نقل إمام الحرمين عن سيبويه: إن ((ما جاءَني رجل)) عام، والحق (أنه) إن أراد الزمخشرى بكلامه ظاهره، فهو شذوذ، ويحتمل أن يريد ما أراده غيره من أنه بعد دخول ((مِنْ)) في النفي يكون العموم نصاً، ودونها ظاهراً، والانتقال من الظهور إلى النص تأكيد تأسيس، فإنه تقوية مجردة، وكذلك ذهب جمهور النحاة إلى أن ((لا)) التي لنفي الجنس نص في العموم، دون ((لا)) التي هي أخت ليس، فإن معنى ((مِنْ)) متضمن مع الأولى، دون الثانية، وقال ابن الصائغ راداً على من قال: إن ((لا رجل)) بني لتضمنه معنى حرف الاستغراق، وهو ((مِن)) قال سيبويه: إنه لا يقتضي عموم النفي. وقال الشيخ أبو حيان: مذهب سيبويه أن ما جاءني من أحد، وما جاءني من رجل، ((مِنْ)) في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس، وهذا هو الصحيح، وقال إمام ١١١ الحرمين في باب التأويل: هي للعموم ظاهراً عند تقدير ((مِنْ))، فإن دحلت ((مِنْ) كانت نصاً، وهذا هو الحق. ونقله ابن الخباز في ((شرح الإيضاح)) عن النحويين، فقال: فرَّق النحويون بين قولنا: ما جاءني رجل، وما جاءني من رجل، أن الأول يحتمل نفي واحد من الجنس، فلو جاء اثنان أو ثلاثة كان صادقاً، والثاني لا يحتمل إلا نفي جميع الجنس قليله وكثيره، فلو قلت: بل رجلان كان كذباً، وكذا قال أبو البقاء إلا أنه فرق بين دخول ((مِنْ)) على أداة عموم كأحد فجعلها مؤكدة للعموم، وبين دخولها على غيره كرجل، فجعلها مقيدة له، وهذا هو الصواب. وقال القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة)): قد فرق أهل اللغة بين النفي في قوله : ما جاءني أحد، وما جاءني من أحد، وبين دخوله على النكرة من أسماء الجنس، في ما جاءني رجل، وما جاءني من رجل، فرأَوْا تَسَاوي اللفظين في الأول. وأن ((مِنْ)) زائدة فيه، وافتراق المعنى في الثاني؛ لأن قوله: ما جاءني رجل، يصلح أن يراد به الكل، وأن يراد به رجل واحد، فإذا دخلَتْ ((مِنْ)) أخلصت النفي للاستغراق، وغيّرت الفائدة اهـ. لنا: لو لم يُفَد العموم مع عدمها لم يفد في قوله تعالى: ﴿لا يعزب عنه مثقال ذرة﴾ [سورة سبأ / ٣] ﴿لا تجزى نفس عن نفس شيئاً﴾ [سورة البقرة / ٤٨] ونحوها، مما لا شك في إفادته العموم، وليس هناك ((مِنْ))، وأيضاً فإنها دالة على الماهية، فدخول النافي ينفي معناها بطريق الأصالة، وهو مطلق الماهية، ويلزم منه العموم، وتسميتهم ((لا)) لنفي الجنس، وهو بانتفاء كل فرد. أما النكرة المرفوعة بعد (لا)) العاملة عمل ليس، نحو لا رجل في الدار، فهي لنفي الوحدة قطعاً، لا للعموم، ولهذا يقال في توكيده: بل رجلان أو رجال، ولا يصح أن يقال: لا رجل بالفتح، بل رجلان، وذلك يدل على اقتضاء الثاني التعميم دون الأول، وأن المنفي في حالة الرفع الرجل المقيد بقيد الوحدة، وذلك لا يعارضه وجود الاثنين أو الجمع، بخلاف المنفي حالة الفتح، فإن المنفي فيه الحقيقة لا بقيد الوحدة، وذلك ينافيه ثبوت الفرد، لأنه متى ثبت فرد ثبتت الحقيقة ١١٢ بالضرورة. هكذا قاله القَرَافي، وحكاه عن سيبويه والُبُرِّد والجُرْجَاني في أول ((شرح الإيضاح))، وابن السيد في ((شرح الجمل))، والزمخشرى، وغيرهم، وتبعه الأصفهاني في ((شرح المحصول))، وحكاه الشيخ في ((شرح العنوان)) عن بعض المتأخرين، ولم ينكره، وصرح به العَلَمُ القرافى في ((مختصر المحصول)). وحكاه الأبيارى في ((شرح البرهان))، والقرطبى في أصوله عن النحاة، قال: وظاهر كلام الأصوليين التسوية بينها وبين المبنية على الفتح، والصواب عدم اقتصارها على نفي الوحدة، بل يحتمل أن تكون لنفي الجنس، وأن تكون لنفي الوحدة، ويقال في توكيده على الأول: بل امرأة، وعلى الثاني بل رجلان أو رجال، وقد قال الشاعر: تعزَّ فلا شيء على الأرض باقياً وقد نقل الشيخ أبو حيان عن سيبويه أنها لتأكيد الاستغراق مع الإعراب في قولك ما جاء من أحد، وما قام من رجل. ونقله عنه من الأصوليين إمام الحرمين في كلامه على حروف المعاني، فقال: قال سيبويه: إذا قلت: ما جاءني رجل، فاللفظ عام، ولكن يحتمل أن يؤول بما جاءني رجل، بل رجلان، فإذا قلت: ما جاءني من رجل، اقتضى نفي جنس الرجال على العموم من غير تأويل. وقد ذكر القَرَافي هذا النص، ولكنه قال: لم أجده في كتاب سيبويه، وسألت عنه من هو عالم بالكتاب، فقال: لا أعرفه، وهذا ضعيف، فإن المثبت مقدم على النافي، وقد صنف ابن خَرُوف في مواضع نقلها إمام الحرمين عن سيبويه، ولم يرها في كتابه، ولم يذكر هذا منها. والذي ينبغي أن يقال: إن دلالة هذه الأقسام على العموم متفاوتة، وتجىء على مراتب: فأدناها ما جاءني رجل، لعدم دخول ((مِنْ))، ولعدم اختصاص رجل بالنفي، وهي ظاهرة في العموم لا نص، وأعلاها ما جاءني من أحد، لانتفاء الأمرين، وهذا نص في العموم، والمرتبة المتوسطة ما جاءني من رجل، وما جاءني أحد، وهي تلحق بالقسم الثاني وتلحق به النكرة المبنية مع ((لا)) على الفتح، فأما ١١٣ المرفوعة فليست نصاً، بل ظاهر، كالقسم الأول. تتمات الأولى: أن حكم المنهي في ذلك حكم المنفي، كقولك: لا تعظ ناساً، ولا تعظ رجالاً، كما قاله الأستاذ / أبو إسحق الأسفراینی. ١٣٧/ أ الثانية: زعم أبو الحسين في ((المعتمد)) أن النكرة في النفي أفادت العموم بصيغتها لا بزيادة عليها، وصرح الرَّازي بخلافه، وهو الحق؛ لأن لا رجل عمت بزيادة دخلت على رجل، وكذا قال إلّكِيا الطبري، إنما عمت النكرة لضرورة صحة الكلام، وتحقيق غرض المتكلم من الإفهام لا أنه يتناول الجمع بصيغته، فالعموم فيه من القرينة. هذا لفظه، وقطع به أبو زيد الدَّبُوسي في ((التقويم))، فقال: النكرة عمت اقتضاء لا نصاً. الثالثة: اختلفوا في أن النكرة في سياق النفي، هل عمت لذاتها أو لنفي المشترك فيها؟ فقال أصحابنا، بالأول، وهو أن اللفظ وضع لسلب كل فرد فرد من أفراد الكلية بطريق المطابقة، وأن سلب الكلي حصل بطريق اللزوم لنفي الكلية. وقال الحنفية: إنما حصل العموم لأن النفي فيه لنفي الحقيقة الكلية التي هي مفهوم الرجل، ويلزم من نفيه نفي كل فرد، لأنه لو ثبت فرد لما كانت حقيقة الرجل منفية لاستلزام ذلك الفرد الحقيقة الكلية، فإن نفي المشترك الكلي يلزم منه نفي كل فرد فرد، ونفى الأعم يلزم منه نفي الأخص، فحصلت السالبة الكلية بطريق اللزوم، لا لأن اللفظ موضوع في اللغة للسالبة الكلية، وحينئذ فقولنا: النكرة في سياق النفي للعموم، لا بمعنى أن النفي رفع للأفراد؛ بل رفع الحقيقة، وحقيقته أن النكرة المنفية مستلزمة للعموم، والقول الأول أظهر، لأن المتكلم إنما يقصد بنفيه نفي كل رجل رجل، لا نفي المشترك. فإن قيل: دلالة الالتزام لازمة على كلا القولين، فإنّ نفي المشترك لازم لنفي كل فرد فرد، وهو عند الحنفية بطريق المطابقة، ونفي كل فرد فرد لازم له، قلنا: لكن نفي المشترك الكلي غير مقصود بالأصالة بخلاف نفي كل فرد فرد، فجعْله ١١٤ ١ مدلولاً بالمطابقة أولى من جعل ذلك للماهية الكلية، والمختار في هذه المسألة التفصيل بين النكرة المبنية على الفتح فباللزوم، وبين غيرها فبالوضع. وزعم بعضهم أنه لا يترتب على هذا الخلاف فائدة، وليس كذلك؛ بل يتفرع على هذا الخلاف أعني نفي الكلية أو الكلي جواز التخصيص بالنية فيما إذا وقع الفعل المتعدي جواباً لِقَسَمِ أو شرطاً، نحو والله لا أكلت، أو إن أكلت فعبدي حر، ونوى مأكولاً، فعندنا يقبل التخصيص، لأنه عام قطعاً، فتؤثر النية في بعض أفراده، وقال أبو حنيفة: لا يقبل؛ بل يحنث بأكل كل مأكول بناء على أنه نفي للكلي، وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى. وقال الصفي الهندي: المراد بقولنا: النكرة في سياق النفي تعم، أنها تفيد عموم النفي، لا نفي العموم الذي قد يكون بالثبوت في البعض، وقد يسلم لزومه من نفي النكرة، لكن غايته أن ذلك بواسطة نفي الماهية، وهو غير قادح في مقصودنا؛ لأن المفهوم الأول يحقق بطريقين: أحدهما: نفي ما ليس بعام، لكن يلزم منه عموم النفي كما هو في نفي الماهية. وثانيهما: بنفي كل واحد واحد من أفراد ما هو عام، ومتى تحقق الخاص تحقق العام. الرابعة: استثني من كون النكرة في سياق النفي للعموم سلب الحكم عن العموم، كقولنا: ما كل عدد زوجاً، فإن هذا ليس من باب عموم السلب، أي ليس حكماً بالسلب عن كل فرد، وإلا لم يكن في العدد زوج، وذلك باطل، بل المقصود به إبطال قول من قال: إن كل عدد زوج، فأبطل السامع ما ادعاه من العموم، وهكذا استثناه السهْرَوَرْدي في ((التنقيحات))، والقَرَافي وغيرهما . الخامسة: قال أبو حيان في آخر جمع التكسير من ((شرح التسهيل)): ما ذكره النحاة والأصوليون من أن النكرة في سياق النفي تعم، ليس عندي على إطلاقه، فإنَّا نفرق بين: ما قامٍ كل رجل. وما قام رجل. والنفي عندي مبني على الإثبات، فإن كان الإثبات عاماً كان النفي عاماً، وإن كان الإثبات خاصاً بمطلق كان النفي لذلك المطلق، لكن يلزم من انتفاء الحكم عن المطلق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المطلق، فإذا قلت: قام كل رجل، فهذا إثبات لقيام كل رجل، فإذا نفيت، ١١٥ فقلت: ما قام كل رجل، انتفى القيام عن كل فرد فرد من الرجال. وإذا قلت: قام رجل، فيه إثبات القيام لمطلق رجل. فإذا قلت: ما قام رجل، نفيت القيام عن مطلق رجل، هذه دلالة هذا اللفظ، لكن يلزم من حيث نفي القيام عن مطلق رجل أن لا يوجد في صورة ما من صور المطلق، فمعنى العموم لازم له؛ لا أن اللفظ وضع للعموم، وهذا لفظه. ونازعه الشيخ تاج الدين التبريزى رحمه الله وقال: ليس هذا الحكم على ما ذكر، فإن قوله: ما قام كل رجل، سلب القيام عن كل رجل، ولا يلزم السلب عن كل واحد واحد، إذ سالب الجزئي لا يستلزم الكلي(١)، نعم يكون سلب القيام عن كل واحد واحد. [النكرة في سياق النفي إذا كانت جمعاً] السادسة: هذا كله إذا كانت النكرة المنفية مفردة، فإن كانت جمعاً نحو ما رأيت رجالاً ففيه قولان، حكاهما الغزالي في ((المنخول))، وإلكِيا الطبري في ((التلويح)) فقال القاضي: هو للاستغراق، كنكرة الواحد، بل أولى. وقال أبو هاشم لا يقتضيه، بدليل قوله تعالى: ﴿مالنا لا نرى رجالاً﴾ [سورة ص / ٦٢] ، وصححه إليكِيا، وقال: لأن الإبهام في النكرة اقتضى الاستغراق، وإذا ثُنى أو جمع زال معنى الإبهام، ويحسن أن يقال: ما رأيت رجالاً، وإنما رأيت رجلاً أو رجلين، ولا يحسن أن يقال: ما رأيت رجلاً، وإنما رأيت رجالاً، سيما إذا قال: ما رأيت من أحد. وظاهر كلام الغزالي ترجيحه أيضاً، فإنه قال: ووجهه ظاهر، فذكر ما ذكره إلكِيا، وفيه نظر؛ لأن إمام الحرمين نقل عن سيبويه جواز أن يقال: ما رأيت رجلاً، ثم يقول: ما رأيت رجالاً. وقال ابن حزم في ((الإحكام)): الجمع بلفظ المعرفة والنكرة سواء في اقتضائه العموم، كقوله تعالى: ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [سورة (١) وردت العبارة في النسخة القاهرية بلفظ: ((إذ السالبة الجزئية لاتستلزم نفي السالبة الكلية)). ١١٦ يونس / ١٠١] فهو عموم لكل قوم لا يؤمنون، وظن قوم أن الجمع إذا جاء بلفظ النكرة نحو: قال رجال، لا يوجب العموم، وهو فاسد، لا دليل عليه. انتهى. وإذا جاء هذا في الإثبات؛ فلأن يقول به في النفي من طريق الأولى. السابعة: إن كانت النكرة مثبتة لم تعم، هذا هو المشهور وحكاه الأستاذ أبو منصور عن الأكثرين، وقال أصحابنا: ليس الاعتبار بالنفي، ولا الإثبات، ولكن كل نكرة لا تحتمل الاستثناء فهي غير عامة على الاستغراق، وإن صح عمومها على البدل، وكل نكرة تحتمل الاستثناء فهي عامة. اهـ. وأما نحو ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ [سورة التكوير / ١٤]، وحديث: (صلاة في مسجدي هذا)، فغير ما نحن فيه، لأن الحكم فيه على الماهية من حيث هي، فجاء العموم فيه بالعرض، وليس فيه عموم حقيقي، إذ لا أفراد تحت مطلق الماهية / حتى يعمها. ١٣٧ / ب وقال القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة)): النكرة قبل دخول ((أل)) عليها تفيد العموم على الصلاح، وعليه حمل قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [سورة النساء / ٩٢] ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [سورة النساء / ٤٣] ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً﴾ [سورة النحل / ٧٥] ، ولهذا قالوا: لو قال السيد لعبده: بالباب رجال، ائذن لرجل، صلح ذلك لكلهم على البدل، ولم يحتج إلى الاستفهام أيهم أراد. اهـ. وعلى الأول فيستثنى صور تعمَ فيها مع الإثبات لقرينة على خلاف فيه: منها: وقوعها في سياق الشرط، كقوله تعالى: ﴿إن امرؤ هلك﴾ [سورة النساء / ١٧٦] ﴿إن امرأة خافت﴾ [سورة النساء / ١٢٨]. ذكره القاضي أبو بكر وإمام الحرمين، وابن القُشَيْرِي، والغزالي في ((المنخول))، ويدل له قوله تعالى: ﴿ولو أن مافي الأرض من شجرة أقلام﴾ [سورة لقمان / ٢٧] والسبب فيه أن الشرط لا اختصاص له، فأشبه النفي، وقرره المَازَرِي، وفي الحقيقة ليس هذا نقضاً، لأن الشرط في معنى الكلام المنفي؛ لأن المشتّرِط لم يجر وقوع الشرط، حيث جعله شرطاً، وإنما مرادهم بالنكرة في سياق الثبوت المحض، كقولنا: في الدار رجل ونحوه، وأما النهي والشرط والاستفهام فهو عند النحاة كله كلام غير موجب، مع ١١٧ أن الأبيارى في ((شرح البرهان)» رد عليه حيث مثل بقوله: من يأتيني بمال فأكرمه، وأنكر العموم، فقال: لو كانت لما استحق الإكرام من أتى بمال واحد، بل كان يفتقر إلى الإتيان بجميع الأموال، كما لو قال: من جاءني بكل مالٍ، وكأن هذا منه اعتراض على المثال، لا الاستثناء. وقال غيره: النكرة هنا لم تقتض عموماً إذ المطلوب مال معين، وإنما العموم في سياق الشرط، لا في متعلق الشرط، ولا يلزم من عموم الشرط عموم ما وقع في مساقه، فإذا قلت: من يأتني بزيد فالعموم في الآتي لا في المأتي به. والحق أن النكرة في سياق الشرط لا تتناول الآحاد عموماً، وإنما تتناولها على البدل، ولو كانت عامة في الشرط لعمت مع الأمر، إذا قال: ائتني بثوب، فلو أتاه بثوب واحد لكان ممتثلاً، ولو أتاه بعشرة كان حائداً عن المطلوب، فلو كان لفظ الثوب يتناول العشرة لما عد مخالفاً. ومنها: الواقعة في حَيز الإنكار الاستفهامي، فإنها للعموم كالنفي، ذكره الغزالي والقرافى، كقوله تعالى: ﴿هل تعلم له سمياً﴾ [سورة مريم / ٦٥] ﴿فهل ترى لهم من باقيه﴾ [سورة الحاقة / ٨]. ومنها: الواقعة في سياق الامتنان ذكره القاضي أبو الطيب في تعليقه، وذكره ابنٍ الزَّمَلْكاني في ((البرهان)) لكن أخذه من قول البيانيين: إن النكرة تأتي للتكثير ظناً منه أن التكثير هو التعميم أو مُلازمُه، وليس كذلك، وممن صرح بأنها للتكثير الزمخشرى في قوله تعالى: ﴿فيها عين جارية﴾ [سورة الغاشية / ١٢]. ومنها: الواقعة في سياق الطلب كقوله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [سورة البقرة / ٢٠١] فإن حسنة نكرة مراد بها التعميم، ولهذا كان من جوامع الأدعية ومنها: في الأمر للعموم، ونسبه في ((المحصول)) للأكثرين، نحو أعتق رقبة، وإلا لما خرج عن العهدة بأي اعتاق، واستشكله بعض المتأخرين، وقال: هذا الدليل بعينه يدل على أنها ليست للعموم، لأنها لو كانت للعموم لما خرج عن العهدة إلا بإعتاق رقاب الدنيا، كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] ١١٨ حيث يجب قتل جميع المشركين. والصواب أنها لا تعمٍ، وبه صرح أبو الحسين بن القَطَّان في كتابه، فقال: إذا قال الحكيم: اقتل مشركاً لم يعقل منه إلا قتل مشرك ما، قال: وقيل: يجب الوقف حتى يقترن به البيان، لجواز أن يكون أراد به المشرك الذي صفته كذا، فلابد من دليل، وقيل: إذا حمل على الجنس خص، ووقف فيه، وهو قول أهل العراق. انتهى. والظاهر أنه مطلق، ولو قام دليل على التقييد لم يكن مخالفاً ولا مخصصاً، والحق أن الخلاف في عموم النكرة في الإنشاء لفظي، لأن القائل بالعموم لا يريد شمول الحكم لكل فرد، حتى يجب في مثل: أن تذبحوا بقرة، ذبح كل بقرة. وفي مثل: فتحرير رقبة، تحرير كل رقبة؛ بل المراد ذبح أيّ بقرة كانت، وعتق أي رقبة كانت، فإن سُمِّي مثل هذا عاماً فباعتبار أن تصوره لا يمنع الشركة فيه؛ وإن جعل مستغرقاً فكل نكرة كذلك، وإلا فلا جهة للعموم. ومنها: قالت الحنفية: قد تعرض النكرة للعموم، فيما إذا وصفت بصفة عامة، فإنها تصير معرفة، لأن الوصف من التعريف بمنزلة اللام في اسم الجنس، ومثلوه بقولهم: لا أكلم إلا رجلاً كوفياً، فإن له أن يكلم جميع الكوفيين، ولو قال: إلا رجلاً، فكلم رجلين حنث، فعلم أن العموم من إلحاق الوصف العام بهذا. وكقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ [سورة البقرة / ٢٢١] لأنه في معرض التعليل لقوله: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [سورة البقرة / ٢٢١] فلو لم تكن العلة عاماً لما صح التعليل، وكذا ﴿قول معروف﴾ [سورة البقرة / ٢٦٣] قالوا: والمراد بالوصف المعنوى، لا النعت النحوي، لأن الكلمة النكرة قد تكون خبراً أو صلة أو شرطاً، وقد صرحوا في قوله تعالى: ﴿لنبلوهم أيهم أحسن عملا﴾ [سورة الكهف / ٧] أنها نكرة وصفت بحُسن العمل، وهو عام فعمت لذلك، ولا خفاء في أنها مبتدأ، وأحسن عملاً خبره. وقد رُدَّ عليهم بما نص عليه محمد بن الحسن في ((الجامع الكبير)) أنه لو قال: لأكلمنّ رجلاً كوفياً بَرَّ بواحد، ولو اقتضى الوصف العموم كما قالوه لما بر إلا بالجميع، ولأن الوصف المذكور ليس للتعميم؛ بل لبيان المراد بالنكرة، فإن النكرة ١١٩ فيها أمران: النوع، والوحدة، فإن الرجل يذكر في مقابلة المرأة، فيراد به النوع، وفي مقابلة الرجلين فيفيد الوحدة مع النوع، وكل منهما أعم من الكوفي وغيرهِ. فإذا قال: كوفياً، احتمل أن يكون مفيداً للوحدة، فلا يكلم إلا واحداً كوفياً، ويحتمل أن يكون مفيداً للنوع فلا يكلم إلا النوع الكوفيّ، فإن نوى أحدهما اتبعَ، وإن أطلق فالمتجه حمله على الوحدة، ويحنث بالاثنين. وقد فرَّعوا على هذه القاعدة المسألة السابقة في أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه جميعاً عتقوا، وأي عبيدي ضربتّه فهو حر، فضربهم جميعاً لا يعتق إلا واحد منهم، والفرق أنه وصف في الأول بالضرب، وهو عام، وفي الثاني قطع عن الوصف، لأن الضرب إنما أضيف إلى المخاطب لا إلى النكرة التي يتناولها أيّ، وهو عجيب، فإنه إن كان المراد بالوصف النعت النحوي فلا نعت في شيء من الصورتين، إذ النكرة صلة أو شرط، لأن أيًّاً هنا موصولة أو شرطية باتفاق النحاة، وإن كان المراد الوصف المعنوي فأيُّ موصوفة في الصورتين؛ لأنه كما وصف في الأولى بالضاربية للمخاطب، وصف في الثانية بالمضروبية له، فالقول بأن الأول وصف، والثاني قطع عن الوصف تحكّم، ألا ترى أن يوماً في قولك: لا أقربكما اليوم، أقربكما فيه(١) عام بعموم الوصف، مع أنه مسند إلى ضمير المتكلم. وأجاب صاحب ((الكشف)) بأن الضرب قائم بالضارب، فلا يقوم بالمضروب ١/١٣٨ لامتناع قيام الوصف / الواحد بشخصين، بخلاف الزمان فإن الفعل متصل به حقيقة، فيجوز أن يصير اليوم عاماً به، وأيضاً ((المفعول به)) فضلة ثبت ضرورة، فيقدر بقدر الضرورة، فلا يظهر أثره في التعميم بخلاف المفعول فيه، فإنه صَّحَ به، وقصد وصفه بصفة عامة. وفيه نظر، أما أوّلاً فلأن الضرب صفة إضافية لها تعلق بالفاعل، وبهذا الاعتبار هو وصف له ، وتعلّق بالمفعول به، وبهذا الاعتبار هو وصف له ، ولا امتناع في قيام الإضافات بالمضافين. وأما ثانياً فلأن الفعل المتعدي يحتاج إلى المفعول في التعقل والوجود جميعاً، وإلى المفعول فيه في الوجود فقط، فاتصاله بالأول أشد، (١) لعل الصواب: لا أقربكما يوماً أقربكما فيه. ١٢٠