Indexed OCR Text
Pages 41-60
[مَذْهب الصَيرفي في العَمَل بالعَام قبل البحث عَن مخصَص] وفي ذلك نظر لما سبق من كلام الصَيْرَفيّ في كتاب ((الدلائل)) الخلاف في ذلك، فقال: ذهب جماعة إلى أن ما سمع من النبي عليه السلام من القرآن والسنة من العام مخاطباً به، فلا يجوز أن يتركه حتى يبيّنه للمخاطبين، ليَصِلُوا إلى علم ما أُمِرُوا به، وأما الساعة فقد تكامل الدين، وثبوت(١) الناسخ والمنسوخ، فليس على مَن سمع آية من العام العمل بها حتى يسأل أهل العلم، فيعرف حكمها لما في ذلك من النسخ والتخصيص، وإن كان ممن يبحث وله أن يبحث فقد أتى بما يمكنه، فليس عليه إلا اعتقاد ما سمعه، إذ قد بلغ ما يمكنه في الجملة، ولیس للعلم غاية ينتهى إليها، حتى لا يفوته منها شيء. واختار قوم جواز تأخير البيان منه عليه السلام إلى وقت التقييد؛ وقال قوم: على من سمع شيئاً وحصل في يديه أمر من الله أو نهي - اعتقاد ما سمع حتى يعلم خلافه . قال أبو بكر: والذي أقوله: إن كل آية أو سنة خاطب الله بها أو رسوله مواجهاً بها من يخاطِب آمراً أو ناهياً، فلا يجوز أن يخاطبه به النبي بَّه وحكمه في تلك مرفوع، لأنه يصير آمراً بشيء ، حكمه أن ينهى عنه في تلك الحال؛ وهو محال في صفته(٢) عليه الصلاة والسلام، ولا يجوز أيضاً أن يواجه رجلاً آمراً له بشيء أو ناهياً عنه باسم عام ووقت بيانه ممكن، ولا يتقدم ما يوجب له البيان فيصير ما يريد منه أن يعلم من خطابه أو يفعله بخلاف ما أظهر؛ لأنه في الظاهر آمر له بخلاف ما يريد منه، ولا سبيل له إلى علم من لفظه، لأن الله تعالى أمره أن يبين ما أنزل إليه، وهذا خطاب مَنَ كتم لا مَن بين، والرسول عليه السلام أعلم بالله من أن يفعل ذلك. فإذا سمع المخاطبون ذلك منه عليه السلام، ثم فارقوه، واحتمل ورود النسخ عليه - فعليهم الإقامة عليه، حتى يعلموا أن الله أزاله أو رسوله؛ لأنه قد حصل في أيديهم الیقین، فلا یزولون عنه لإمكان ما يجوز أن يكون رافعاً ولا يتوقفون عنه؛ لأن في ذلك إسقاط ما علم صحته لما لا يعلم كونه. (١) الصواب: وثبت. (٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: في حقه. ٤١ وقد عُلِم أن الناس لا يمكنهم مراعاة النبي ◌َّ في كل الأحوال لا يفارقونه؛ بل عليهم استعمال ما علموه حتى يعلموا خلافه مع احتمال زوال ما علموا أو وجب عليهم تبليغه، قال تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ [سورة الأنعام / ١٩]. وعلى ذلك جرى أمر السلف كابن مسعود في الكلام في الصلاة، لم يَزَلْ عليه حتى قَدِم عليه السلام، فأخبره أنه لا يجوز. وكان معاذ ومن بَلّغه معاذٍ سواء في الاعتقاد وفي الفعل، حتى يعلم خلافه، وإلا فلا معنى لتوجيهه ليعلّم الناسَ لإمكان نسخ ما بعث به. ثم قال: باب الإبانة عما سمع من النبي ◌َّ غير مواجه في الصّلاة وغيرها؛ قال قائلون: ليس على مَن سمع ذلك اعتقاد ما سمع ولا فعِله حتى يسأل النبي وَّ، فيبين له، لأنه لم يواجهه بالخطاب، وإنما سمع درساً، وقد يدرّس المنسوخ. وقيل: لا يكلف إلا ما سمع حتى يعلم خلافه، وقال أبو بكر: والذي أقوله: أن كل آية سمعت من النبي وَّر بأمر أو نهي وكان الكلام قد تم ولم يتعقبه ويقارنه بما يقتضي تخصيصه، فعلى السامع اعتقاد ما سمع حتى يعلم خلافه، ثم احتج على ذلك بأمور منها قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولّوا إلى قومهم منذرين﴾ [سورة الأحقاف / ٢٩] ، قال: فلما سمعوا عند انقضائه أثنى عليهم عند التقضي بالانصراف، ولم يتوقفوا للسؤال ولا غيره، فلما آمنوا به لزمهم حكم ما سمعوا حتى يعلموا أن الله أزال حكمه وأبقى تلاوته . وظاهر كلام الصَّيْرَفيّ أن الشافعي يقول ذلك، فإن من جملة ما احتج به على هذا أن الشافعي احتج على خصوصه بقوله: ربما حضر الرجل من الصحابة قد سمع الجواب، ولم يسمع السؤال، والكلام يخرج على السبب، فيحكي ما سمع، وعلى كل إنسان أن يحكي ما سمع حتى يعلم خلافه، فإذا كان هذا من النبي بحيث يكون الجواز ممكناً من النبي عليه السلام، والصحابة يسمعون ذلك، ويمكنهم سؤاله فيجيبهم، فهو في غيرهم أوْلى. ١٢٧/أ ثم قال: باب الإبانة عن العام يُسمَع مِن غير النبي ◌ََّ / في عصر النبي عليه ٤٢ السلام وهلُمَّ جَرًا إلى وقتنا هذا. فنقول: كل آية أو سنة وردت علينا، فالواجب علينا اعتقاد ما سمعنا حتى نعلم خلافه من خصوص أو نسخ، وعلتنا فيه ما اعتللنا من أمر معاذ وغيره من عُمَّال النبي عليه السلام، ومن لم يلق النبي عليه السلام، بل اعتقدوا ما سمعوا منه وعملوا به، لأنه لو جاز التوقف لاحتمال الخصوص لجاز التوقف عما علمناه ثانياً، واحتمل في منعه، وهذا يؤول إلى ترك الفرائض . فأما القائلون بأنّ علينا طلب ذلك بقدر الطاقة كطلب الماء بحسب ما يمكن، فإن وجده وإلا صار إلى التراب، وإذ قد يدرك الجلي منه ما [لا] يدرك الخفي فليس عليه إلا ما يقدر عليه، فإن وجده فيها وإلا عاد إلى القضاء بالعموم، قلنا له: تطلب دليل الخصوص في بعض القرآن والسنة أو في كل ذلك؟ فإن قال: أطلبه في البعض دون البعض، فقد عَمَد إلى أهل الخصوص. وإن قال: اطلُبُه في كل ذلك، قلنا: وقد علمت أنك لا تبلغ علم ذلك كله، فتوقفك خطأ من وجهين. فأما تشبيههم بالماء والتراب فخطأ، لأنهم أُمِرُوا أن يلتمسوا الماء إلى الطهور، كما يلتمسوا أهل الزقاق، ولم يكلّفوا غير ذلك. انتهى كلامه. وهذا الباب الأخير يعلم منه ثبوت الخلاف في الصورة التي نقل عن الأستاذ الوفاق فيها، وقد استفدنا من جملة كلامه أن للمسألة أحوالاً: أحدها: أن يُخاطِب النبي عليه السلام باللفظ العام فعلى المُخَاطَب العمل بمقتضاه حتى يعلم خلافه. ثانيها: أن يقول ذلك لا على جهة الخطاب له فعلى السامع اعتقاد عمومه . ثالثها: أن يسمع العام من غير النبي عليه السلام في عصره أو بعده، فالحكم فيه كذلك، والخلاف ثابت في الجميع، لكن الحالة الأولى فرّعها على مذهبه في منع تأخير البيان إلى وقت الحاجة، ثم إنه ذكر بعد ذلك تقييد ما سبق بما إذا لم يعلم أن فيه تخصيصاً أو ناسخاً، أما إذا علم فإنه يتوقف. فإنه قال بعد أوراق: باب القول في الأسماء التي قد علم أنه قد خص أو نسخ بعض حكمه ولا نعلم ناسخه أو البعض المنسوخ منه. ٤٣ قال أبو بكر: كل خطاب خوطبتَ به، وعلمت أن فيه خصوصاً أو نسخاً ولم تعلمه، فلا تقدم فيه على شيء منه، لأنك لا تتوجه إلى وجه من وجوه الاستعمال إِلا نَعَادَلَ في نفسك بضده، فليس البعض أولى من الآخر ، فلا تقدم عليه حتى تعلم المرفوع من الثابت. ثم قال: وليس هذا مثل القرآن كله إذا علم أن فيه منسوخاً، لأني لا أدري هل ذلك في القرآن من النسخ واقع لهذا أو لغيره، فلا أترك ما ثبت أمره حتى أعلم خلافه. انتهى . إختلاف الأصُولبين في تَحَدِيد مَذْهَب الصَيْرَفِيّ وإنما حكيت كلام الصَيْرَفيّ بنصه لعزة وجود هذا الكتاب، ولأنه قد وقع أغلاط لجماعة من الأكابر في النقلَ عنه، فأردت الاستظهار في ذلك، وبيانه بأمور: أحدها: قالوا: إن قول الصَيْرَفيّ: يجوز التمسكِ بالعام ابتداء من غير طلب المخصص يحتمل معنيين؛ أحدهما: أنه يجب على المجتهد أن يظن عمومه إذ ذاك، إذ ليس من شرطه حكماً والتمسك بالدليل أن يكون قاطعاً بمقتضى الدليل الذي تمسك به. والثاني: أنه يجب عليه أن يقطع بعمومه إذ ذاك، لكن صرح إمام الحرمين وغيره بالاحتمال الثاني نقلاً عنه، فأغلظ القول عليه. قلت: وكذلك القاضي أبو الطيب الطبري نصب خلاف الصَّيْرَفيّ في وجوب اعتقاد العموم، وكذلك ابن برهان في ((الأوسط)) وسليم الرَّازي في ((التقريب)) وابن السَّمْعاني في ((القواطع))، ولم يذكروا وجوب العمل، وما سكتوا عنه، فقد صرح به غيرهم. وقال المَازَرِيُّ: لم يرد الرجل هذا، وإنما أراد اعتقاد وجوب العمل به، قال المُقْتَرِح في تعليقه على ((البرهان)): والظاهر أن الصَّيْرَفيَّ إنما أراد الاحتمال الأول. انتھی . ٤٤ وقد علمت أن الصَّيْرَفيَّ فَرض للمسألة أحوالاً ثلاثة، وجعل بعضها من الاحتمال الأول، وبعضها من الأخير، ففي الحالة الأولى، وهي أن يخاطبه عليه السلام، باللفظ العام يجب عليه العمل بمقتضى العموم، ولم يحتر اعتقاد العموم بخلافه في الحالتين الأخيرتين، فتأمل كلامه. وقال الأصفهاني: استفدنا منه أن العمل به مقطوع، أما مطلق اللفظ العام إن أراد به العموم فلا قطع فيه. قال: وهذا الذي اشتبه على من قال: إن الأحكام الثابتة بأخبار الآحاد ونحوها مما يفيد الظن أحكامٌ معلومة، ولم يعرف أن المقطوع به وجوب العمل لأن الحكم المظنون معلوم. الأمر الثاني: أن إمام الحرمين صوّر محل الخلاف في صورة خاصة، فقال: إذا وردت الصيغة الظاهرة في اقتضاء العموم، ولم يدخل وقت العمل بموجبها، فقد قال أبو بكر الصَّيْرَفيُّ: يجب على المتعبدين اعتقاد عمومها على جزمٍ، ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذاك، وإن تبين الخصوص تغير العقد. انتهى. والصواب في النقل عنه إطلاق العموم سواء قبل حضور وقت العمل به أو بعده؛ بل هو مصرح بالعمل به قبل البحث عن المخصِّص، ونقل ذلك أيضاً في كتابه ((البيان في أصول الفقه)) وكذلك نقله عنه الجمهور كما سبق التصريح به في كلامهم، ولم يقيد أحد منهم النقل عنه بهذه الحالة. [تفّريع] الأمر الثالث: أن مما يتفرع على هذا الخلاف تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فمن ذهب إلى إجرائه على العموم قبل البحث عن المخصص كالصَّيْفَيّ، قال: لا يجوز أن يتأخر عنه بیان الخصوص، إن كان ثُمَّ مراد كما يمتنع تأخير الاستثناء، ومَنْ منع اقتضاء عمومه، أجاز تأخير البيان عن وقت الورود. كذا ذكره ابن فُورَك في كتابه، فقال: من ذهب إلى الاقتضاء بنفس السماع، قال: لا يجوز أن يتأخر عنه بيان الخصوص إن كان ثَمَّ مراد، ومن أبى المبادرة إلى الإمضاء جوَّزه. ٤٥ وكذا قال إنْكِيا الهراسي، وهذا موافق لأصل الصَّيْرَفيّ، فإنه ممن يمنع تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما سبق التصريح به في صدر كلامه. وهكذا نقله عنه الجمهور، ولكن إمام الحرمين نقل عنه هنا أنه يُجَوِّز تأخير البيان عن وقت الحاجة، واستدل عليه بأنه من الرادين عليهم في كتبه، فألزَمَه التناقض، فقال: القول بالإجراء على العموم إنما يليق بمذهب من يمنع تأخير البيان، أما من يجوزه فلا، فالقول بجواز ورود المخصص مع القول بوجوب العموم تناقض. وقد علمت أن الصَّيْرَفيّ صرح في صدر كلامه في هذه المسألة بمنع تأخير البيان عن وقت الحاجة، فالذي ذكره مستقيم، وكذا نقله عنه ابن الصَّبَّاغ في العدة وغيره. وقول الإمام: إنه من الرادين على مانعي تأخير البيان في تصانيفه صحیح، ولكن في غير مسألة تأخير البيان؛ نعم، سيأتي عن الأستاذ أبي إسحاق رجوع الصَّيْرَ فيّ عن هذا المذهب، ولم يقف جماعة على تحرير النقل عن الصَّيْرَفيّ في مسألة ١٢٧ / ب تأخير / البيان، وظنوا صحة ما نقله عنه الإمام فأخذوا في تأويلَ كلامه. قال الْمَازَرِيُّ: قد أغلظ الإمام القول على الصَّيْرَفيّ، ونسبه إلى الغباوة، وهو غیر لائق، فإنه إمام جليل مع إمكان تأويل كلامه. قال المُقْتَرِح: لا تناقض، لعدم تواردهما على محل واحد، فإن محل الاعتقاد إنما هو وجوب العمل بالعموم، والتجويز راجع إلى تبيين مراد اللفظ. انتهى. وهذا بناء منه على أن الصَّيْرَفيّ كلامه في وجوب العمل لا الاعتقاد، والإمام بنٍ، اعتراضه على أن كلام الصَّيْرَفيّ في الاعتقاد، وقد سبق تحريره. وقال الصَّفِيُّ الهندي: لا نسلم أن الجزم باعتقاد العموم إنما يليق بمذهب المانع من تأخير البيان، بل التناقض المذكور لازم لهم أيضاً إلا مَن لم يجوز سماع المكلف العام دون الخاص، فإن التناقض المذكور إنما يندفع عنهم لا غير، وهذا لأنهم وإن أوجبوا اتصال المخصص بالعام في الورود، لكنهم لم يوجبوا وصوله إلى مَن يصل إليه العام، فيحتمل أن يظهر المُخَصِّص للمكلف بعد سماع العام، وإن كانا عند الورود مقترنين، ومع هذا الاحتمال والتجويز كيف يجب عليه القطع بالعموم؟ ٤٦ [الغزالي ينقل الاجماع على وجوب البحث قبل الحكم بالعام] الأمر الرابع: قيل: إن الغزالي خالف طريقة الناس في هذه المسألة، فقال في (المستصفى)): لا خلاف أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن الأدلة المخصصة، لأن العموم دليل بشرط انتفاء المخصص، والشرط بعد لم يظهر، وكذلك كل دليل يمكن فيه المعارضة، وذلك كإلحاق الفرع بالأصل في القياس، فالعلة دليل بشرط العلم بنفي الفارق. وقد تبعه على ذلك الآمدى وابن الحاجب، فنقلا الإجماع على امتناع العمل بالعام قبل البحث عن كل ما يمكن أن يكون مخصصاً، وغلَّطهما الشيخ تَقِيُّ الدين في ((شرح العنوان)) متمسكاً بكلام الشيخ أبي إسحاق السابق، ومَنْ نقل الخلاف مقدَّمُ على من نقل الإجماع لمزيد الاطلاع. انتهى. قلت: وهذا لا ينافي نقل الخلاف، فقد بيّا أن ذلك طريقة في المذهب قاطعة بذلك، وطريقة حاكية للخلاف، على أن من الناس من عكس هذه الطريقة، فقال: المعروف ما ذكره الغزالي ومن تبعه، وخلاف الصَيْرَفيّ إنما هو في اعتقاد عمومه قبل دخول وقت العمل به، وإذا ظهر مخصص يتغير الاعتقاد، هكذا نقله عنه إمام الحرمين والآمدى وغيرهما. وعلى هذا فنصْبُ الخلاف على التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص كما نقله الإمام فخر الدين وأتباعُه - غلط؛ بل هما مسألتان: اعتقاد العموم وهي مسألة خلاف الصَيْرَفيّ، وامتناعُ التمسك به قبل البحث عن المخصص، وهي مسألة إجماعٍ . ۔۔ واستشكل آخرون الاتفاق على امتناع العمل مع إيجاب البعض اعتقاد عمومه، إذ لا يظهر لوجوب اعتقاد عمومه فائدة إلا العمل به فعلاً أو كفاً، فلو قيل: قاتلوا الكفار، أو اقتلوهم، واعتقدنا عمومه، وجب علينا العمل بموجبه في قتالهم، حتى يأتي المخصص، وإن لم يكن الأمر هكذا لم يكن لوجوب اعتقاد عمومه فائدة. والصواب أن الخلاف ثابت في الحالين، وممن نصب الخلاف فيهما الشيخ ٤٧ أبو إسحاق في ((شرح اللمع)) فقال: هل يجب اعتقاد عمومها والعمل بموجبها؟ قال الصَيْرَ فيّ: يجب الأخير، وقد سبق توهم إمام الحرمين تخصيص النقل عنه بذلك. وقال بعض شراح ((اللمع)): يجب اعتقاد عمومها في الأزمان والأعيان بلا خلاف، وهل يجب اعتقاد عمومها والعمل بموجبها قبل البحث عن المخصص؟ فيه الوجهان، وأيضاً فالكل متفقون في النقل عن الصَيْرَفيّ أنه يجب اعتقاد عمومه، ومع الجزم بالعموم يستحيل أن لا يجوز التمسك به، فكيف يستقيم نقل الإجماع في منع التمسك به ! ! وكيف تجعل مسألة اعتقاد العموم غير مسألة جواز التمسك به وهو لازمه ! ! وهذا مما لا يعقل، وأيضاً القول بجواز التمسك به أولى وأظهر من وجوب اعتقاد عمومه، ثم حين ظهور المخصص يتغير الاعتقاد، فإنه مذهب ضعيف أَغْلَظَ إمام الحرمين القول فيه بسببه، بخلاف العمل بالعام ابتداء فإن له وجهاً وجيهاً. وقال الأصفهاني في ((شرح المحصول)): هما مسألتان: إحداهما قبل مجىء وقت العمل، والحق فيها ما اختاره إمام الحرمين أن العموم ظاهر، والعمل مقطوع به. وثانيتهما: عند وقت العمل به، وهي مسألة الغزالي، والحق فيها ما اختاره. والذي يتحصل من كلامهم أنه لا يجوز الهجوم على العمل بمقتضى العموم دون البحث عن المخصص. وأما الخلاف المحكي عن الصَيْرَفيّ وابن سُرَيْج فهو حكم مقتضى العموم ابتداء، ويعتمد على ظهور التخصيص ابتداء، والخلاف في العام في إجرائه على عمومه، وفي الخاص في إجرائه على حقيقة واحدة، فمن أوجب الاستقصاء عن المخصص أوجب البحث عن المقتضى بحمل اللفظ على المجاز. وهكذا جعل الهندى خلاف الصَيْرَفيّ قبل حضور وقت العمل به. قال: فإن حضر وقته وجب العمل به إجماعاً لكن مع الجزم بعدم المخصص عند جمعٍ كالقاضي، ومع ظنه عند آخرين كإمام الحرمين وابن سُرَيْج والغزالي وهو الأوْلى. انتھی . وقد سبق أن الصيرفيّ والجمهور أطلقوا النقل عنه من غیر فرق بين حضور وقت العمل به أم لا، ونقله الإجماع في الحالة الثانية لا يستقيم لما سيأتي من كلام ابن ٤٨ الصباغ. قال إمام الحرمين: إذا حضر وقت العمل بالعام، فقد يقطع المكلف بمقتضى العموم لقرائن تتوفر عنده، فيصير العام كالنص، وقد لا يقطع بذلك لعدم القرائن المفيدة للقطع؛ بل يغلب على ظنه العموم فيعمل بناء على غلبة الظن كما في خبر الواحد والقياس. [المذاهب في المدة التي تَجَب فيهَا البَحَث عَن مخصص] الأمر الخامس: إذا أوجبنا البحث عن المخصص فاختلف في المدة التي يجب فيها البحث على أربعة مذاهب حكاها في ((المستصفى)). أحدها: يكفيه أدنى نظر وبحث كالذي يبحث عن متاع في بيت ولا يجده، فيغلب على ظنه عدمه. والثاني: يكفيه غلبة الظن بالانتفاء عند الاستقصاء في البحث. والثالث: لابد من اعتقاد جازم بأنه لا دليل، ولا يكفي الظن. ورابعها: لابد من القطع بانتفاء الأدلة، وإليه ذهب القاضي، والقطع به ممكن. ومنعَ غيره ذلك الإمكان، لأن غاية المجتهد بعد الاستقصاء الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود، ولا يلزم منه إلا الظن بعدم الوجود لا القطع بعدمه، لعدم انضباط الأدلة، واحتمال الشذوذ. وقال القاضي: ولا يكفي عدم وجدان المخصص لمجتهد سابق، ولا قوله، ولو (١) كان الحكم خاصاً لنَصَب الله عليه دليلاً للمكلفين ولْيَكفِهم(٣) ذلك. واعلم أن هذا القول قريب من الذي قبله فإن المُعْتَقِدَ أيضاً لا يُجَوِّزُ النقيض وإلا لكان ظاناً، لكن يفترقان في أن المُعْتَقِدَ على الثالث يكون مصيباً في الحكم، وإن تبين له الغلط بعد ذلك، والقاضي يرى أن الاعتقاد من غير علم لا يكون مطلوباًفي الشريعة، قاله الأبْيَارى. والمختار وفاقاً لإمام الحرمين وابن سُرَيْج والغزالي والمحققين الأول، فقال: (١) في الأصل ((لو كان)) بغير واو (٢) كذا في الأصل، ولعل صوابه ((وكلّفهم)) ٤٩ عليه تحصيل علم أو ظن باستقصاء البحث، أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه!) ١٣٨/i وأما / القطع فبانتفائه في حقه يتخير عن نفسه (١) عن الوصول إليه بعد بذل وسعه، وهذا الظن بالصحابة في مسألة المخابرة ونحوها، وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر. ويجتمع من كلام الأصحاب في المسألة أقوال أخر، فقد قال المَاوَرْدِيُّ والرُّويَانِيُّ كلاهما في الأقضية: ليس لزمان الاجتهاد والنظر وقت مقدر، وإنما هو معتبر بما يؤدي الاجتهاد إليه من الرجاء والإياس. وقال القَفَّال الشاشي في كتابه: ليس لمدة البحث زمن محدود، ولكنها معقولة، وهذا كما أن المجتهد إذا لم يجد نصاً في الحادثة، يجتهد حتى يجد ما يتعلق به، وليس له في ذلك زمن محدود، ومعلوم أن من سمع النبي ◌َّه يتلو آية بلفظ عام، كان عليه أن يستوعبها سماعاً فلعله استثنى عقب الكلام. فإذا استوعبها، ولم يجد فيها استثناء ولا خصوصاً اعتقد عمومها، وعمل بما يوجبه لفظها. وليس لمدة الاستماع وقت محدود، ولكن بانتهاء الكلام، فكذلك من سمع آية عامة نَظَرَ، ولا مدة لنظره أكثر من زمان يخطر بباله ما قد عَلِمَه من الأصول فيه، فإن لم يجد في ذلك ما يدل على خصوصها واحتاج إلى التقييد أجراها على العموم، وإن لم يحتج سأل من يعلم أن عنده علمً أو ازداد في التأمل بما عنده من الأصول، فلعله أن يتنبّه به على خصوص إن كان فيها كما سأل الصحابةُ عن قوله تعالى: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [سورة الأنعام / ٨٢] وقالوا أينا لم يظلم؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [سورة لقمان / ١٣] وسألوا النبي عليه السلام عن قوله: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاءه كره لقاءه) فقالوا أينا لا يكره الموت؟ فكشف لهم عن المعنى. وليسٍ كل ما قدر حصره بمقدار تعلق الحكم به، كما تقول في التواتر: أن يكون عدداً يستحيل تواطؤهم على الكذب، قال: وفي ذلك إبطال قول من نَظَر إلى إبطال النظر في معنى العموم لجهل المدّة التي يقع فيها النظر. (١) لعل في الكلام سقطاً وتحريفا، صوابه: بأن يُحسُّ من نفسه العجز عن الوصول الخ. ٥٠ وقال القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)): ولا يوجب التوقف أبداً؛ بل هو كالحاكم يتوقف حتى يسأل عن عدالة الشهود، ويجوز أن يكون النظر الأول هو الواجب دون التكرار، كالمجتهد تنزل به الحادثة. قال الشيخ في ((شرح الإلمام)): الموجبون للبحث عن المخصص، إن أرادوا به أنه لابد للمجتهد من نظره فيما تأخر من النصوص، أو مايتيسر له مراجعته مما ستعرفه باحتمال التخصیص فذلك صحیح، وإن أرادوا به التوقف حتى يقع على ما لعله لم يبلغه من النصوص، ولا يشعر به مع قرب المراجعة فلا يصح، والدليل عليه أن علماء الأمصار ما برحوا يفتُون بما بلغهم من غير توقف على البحث في الأمصار والبلاد عما لعله أن يكون تخصيصاً. وبهذا يجاب عن قول القائل بالوجوب إنه لو كان كذلك لكانت رتبة الاجتهاد ممكنة لكل أحد حصلت له أدنى أهلية، لأنا أولاً شرطنا أن يكون أهلاً للاجتهاد، وذلك يقتضي إطلاعه على جملة من النصوص زائدة لا يصل إليها من له أدنى أهلية. انتهى. [منشأ الخلاف في المسألة] الأمر السادس: أن مثار الخلاف في وجوب البحث أمران: أحدهما: التعارض بين الأصل والظاهر. والثاني: عدم المخصص، هل هو شرط في العموم أو التخصيص من باب المعارض؟ فيه قولان يؤخذان مما سبق، وكما في تخصيص العلة. والصَّيْرَفيُّ يقول: إن التخصيص مانع [ف] يتمسك بالعموم مالم ينتهض المانع، لأن الأصل عدمه. وابن سُرَيْج يقول: عدمه شرط، فلابد من تحققه. وحاصله أن ابن سُرَيْج يقول: صيغ العموم لا تدل على الاستيعاب، إلا عند انتفاء القرائن، وانتفاء القرائن شرط، فلابد من البحث، هكذا نقله ابن السمعاني وغيره. وقال القاضي أبو الطيب: إنما يدل على العموم صيغة مجردة، والتجرد لم يثبت، قال: وهذا كما تقول: إذا شهد عند الحاكم شاهدان لا يُعرف (١) لعلها: يُشعِرُه ٥١ حالهما، فإنه يجب السؤال عن عدالتهما، ولا يجوز الحكم بها قبل السؤال، لأن البينة الشاهدان مع العدالة، لا الشاهدان فقط. انتهى. هَل يؤول القول بوجوب البحث في المخصَص إلى القَول بالوقوف في صيغ العموم؟ الأمر السابع: يلزم على المصحَّح من قول ابن سُرَيْج والجمهور القول بالوقف في صيغ العموم فإنا لم نعتقد (١) أن اللفظ ظاهر في العموم، ولا یجری علیه حتى يبحث عن المخصص، فقد ترك القول بالعموم، وصار إلى مذهب الواقفية. وعلى هذا جرى ابن فُورَك في كتابه، وهو من الواقفية، فقال: غلط علينا بعض الفقهاء، وزعم أن المذهبين يفترقان، فإن أبا العباس يُمضي العموم إذا عُدم دليل الخصوص، ونحن نقول: بدلالة غير نفس الكلام، قال: وليس الأمر كذلك عندنا؛ بل نقول: اللفظ مشترك، ولا نهجم على أحدهما إلا بتبين وبحث، فإن وجدنا ما يخصه عملنا بعمومه، ورجعنا إلى نفس الكلام بالقرينة، ولهذا قال ابن برهان في ((الأوسط)) بناء الخلاف في هذه المسألة على حرف، وهو أن اعتقاد العموم عندنا يؤدي إلى القول بالاستغراق، والقول بالوقف، وعند المخالف لا يفضي إلى ذلك، ولهذا اختار هو قول الصَّيْرَفِيّ. والجواب: أن مذهب ابن سُرَيْج والواقفية قد اتفق على ترك الهجوم على إمضاء الكلام على العموم قبل البحث، إلا أن أبا العباس يمضيه على عمومه إذا عدم الدلائل الخاصة من نفسه من غير قرينة، والواقفية يقولون لابد من قرينة على خصوص حكم الاستيعاب. قال إلْكِيا في ((المدارك)): ظن الواقفية أن أبا العباس يوافقهم على مذهبهم، فإنه قال: الألفاظ تطلق والقصد منها المعاني التي تحتها، فيكون الكلام عاماً في اللفظ والمعنى جميعاً، وقد يكون عام اللفظ والمراد منه معنى دون معنى، فإذا ورد في (١) كذا في الأصل، ولعل صوابه: فإن من لم يعتقد الخ. ٥٢ الكلام نظرنا، فإن كان هناك دلائل تدل على أنه لمعنى دون معنى صِيرَ إلى ذلك، وإلا أُجري على عمومه. قال: وذكر الشافعي في كتاب ((أحكام القرآن)) ما يومىء إليه، فإنه قال: وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب والسنة طلب الدلائل ليفرقوا بين الحتم وغيره في الأمر والنهي. فنص على وجوب طلب الدلائل المميزة بين مواقع الكلام، ولم يكلهم إلى نفس الكلام. قال: وهذا الظن غلط، لأن أبا الحسن يرى أن اللفظ ظاهر في العموم، والظاهر يفيد الظن، والظن إنما ينتفي بالبحث عن المخصصات، والواقفية لا يرون عامّاً لا ظاهراً ولا نصاً. انتهى. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإِسْفِرايني: القول بالتوقف على التخصيص ليس هو بقول الوقف، لأن القائلين بالعموم طلبوا ما يمنع إجراؤه على ظاهره، فإن لم يجدوا ما يوجبه عملوا بظاهر لفظه، وأصحاب الوقف طلبوا دليله الذي يبين مراده، فإن لم يجدوا لم يعملوا بشيء منه. وقال أبو الطيب الطبري: ليس هذا بآيل إلى قول الوقف في الصيغ كما ظن بعضهم؛ لأن ابن سُرَيْج يقول: إذا لم يجد في الأصول ما يخصه حمله على العموم، والأشعري لا يقول ذلك، ويتوقف / فيه على الدليل، فافترقا. ١٢٨/ب وقال سليم في ((التقريب)): نحن نفارق الواقفية في الصيغ من وجهين: أحدهما: أنا إذا لم نجد في الأصول قرينة التخصيص أجري اللفظ على عمومه. والأشعري لا يقول ذلك، لكن يتوقف حتى يدل الدليل على أحد الأمرين. والثاني: أنا نطلب الدليل لإخراج ما ليس بمراد باللفظ، والأشعري يطلب الدليل لمعرفة ماهو مراد باللفظ، فهو لبيان المحال دون بيان العموم. [تَقَسيم الصَيْرَفيِّ الْعَامِ إلى قسمَين] الأمر الثامن: أن الصَّيْرَفيّ في الكتاب المذكور في موضع منه قسم العام إلى قسمين: أحدهما: ما يمكن استعماله في جميع أفراده، فحكمه العموم حتى يعلم ما ٥٣ يخصه الدليل، ولا يترك شيء يقع عليه الاسم إلا لزم حكمه. والثاني: مالا يقدر المخاطب أن يأتي بعموم ما اشتمل عليه، فلا يلزم من ذلك إلا ما وقف عليه، لأنه ليس بعضه أولى من بعض، إذ الكل معجوز عنه كقولنا: لا تناموا، ولا تأكلوا، ولا تشربوا، فهذا مما لا يقدر على الامتناع فيه دائماً، فلا بد من التوقف للعجز عن دوام ذلك، وفيها قول آخر، وهو أنظرها، أنه ممتنع من الذي نهى عنه أبداً، حتى يغلب عليه. هذا كلامه. [الْبَحَثْ عَن مخصص عند ضيق الوقت] الأمر التاسع: أطلقوا الخلاف ليشمل ما إذا ضاق الوقت؛ وقال أبو نصر ابنٍ الصَّبَّاغ في كتاب ((عدة العالم)) له في أصول الفقه: إن اللفظ العام إن اقتضى عملاً مؤقتاً وضاق الوقت عن طلب الخصوص، فهل يعمل به أو يتوقف؟ قال: فيه خلاف لأصحابنا. وهذا فيه رد على من حكى الإجماع في مثل هذه الحالة كما سبق، ونظيره أن المجتهد هل يقلد عند ضيق الوقت؟ جوزه ابن سُرَيْج، وقال: لا يجوز أن يفتى به. وقال الرافعي: وقياسه أنه لا يجوز له القضاء وأولى. ومنهم من طرد قول ابن سُرَيْج في القضاء. قال الرافعي: ومن قال به فقياسه طرده في الفتوى. الأمر العاشر: أن هذا الخلاف لا يختص بالعموم، بل يجري في لفظ الأمر والنهي إذا وَرَدَا مطلقين، كما ذكره الشيخ أبو حامد الأسفرايني، وسليم الرَّازِي في ((التقريب)) وابن الصبَّاغ في ((العدة)) وكذلك الحقيقة إذا وردت: هل يطلب لها مجاز أم لا؟ وعممه الغزالي وابن الحاجب في كل دليل مع معارِضِهِ. قال الغزالي: وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل ، فهو دليل بشرط السلامة عن المعارض، وكذلك الجمع بين الأصل والفرع لعلةٍ تحيله بشرط أن لا ينقدح فرق، فعليه البحث عن الفوارق جهده، ونفيها، ثم يحكم بالقياس، وكذلك الاستصحاب، وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر. انتهى. لكن نقل بعضهم هنا الإجماع على أنه لا يجب عند سماع الحقيقة طلب المجاز، ٥٤ وإن وجب عند سماع العام البحث عن الخاص؛ لأن تطرق التخصيص إلى العمومات أكثر، وهو ظاهر استدلال البيضاوي في ((المنهاج))، وسبق في بحث الحقيقة . الحادي عشر: أن كلام القاضي الحسين يقتضي أن الخلاف في هذا الأصل إنما هو في التوقف لأجل طلب التخصيص خاصة، وأما الإمضاء فلا خلاف فيه، فإنه قال في تعليقه قبيل كتاب القاضي الى القاضي: إن القاضي يتوقف في أحوال الشهود، وهل يتوقف لطلب الجرْح أو لطلب العدالة؟ وجهان. وكذلك اختلف أصحابنا في العموم إذا ورد، قال بعضهم: ظاهِره الاستغراق، إلا أن يقوم دليل التخصيص، ومنهم من قال: يتوقف فيه طلباً للتخصيص لا طلباً للإمضاء. انتهى. وبهذا التصوير يرتفع الإشكال في المسألة وإذا انضم إلى ما سبق خرج في المسألة طرق كثيرة. مسألة الصورَة النَّادرة، هَل تَدخل تَحَت العموم؟ اختلفوا في الصور النادرة هل تدخل تحت العموم لصدق اللفظ عليها أو لا ، لأنها لا تخطر بالبال غالباً؟ وبنى عليه أصحابنا في المسابقة على الفيل، فمن منع ذلك ادعى أنه لم يدخل تحت قوله: (لا سَبْقَ إلا في خف أو حافر). وظاهر كلام الغزالي يقتضي ترجيح الدخول، فإنه قال في ((البسيط)) في باب الوصية: لو أوصى بعبد أو رأس من رقيقه جاز دفع الخنثى، وفي وجه لا يجزىء، لأنه نادر لا يخطر بالبال، وهو بعيد لأن العموم يتناوله. هذا لفظه. وظاهر كلام الشافعي عدم دخولها، فإنه قال الشاذّيجيء بالنص عليه، ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة. انتهى. (١) كذا في الأصل، والصواب: المخصّص. ٥٥ وقطع به إمام الحرمين في كتاب العموم، فقال: إن العموم إذا ورد وقلنا باستعماله، فإنما يتناول الغالب دون الشاذ النادر الذي لا يخطر ببال القائل، كذا حكاه عنه ابن العربي في كتاب الزنى من كتابه ((القبس))، لكن حكى الرافعي في باب الوصية خلافاً فيما إذا أوصى لعبد مُبَعَّض، وبينه وبين سيده مهايأة، ينبني على أن الأكساب النادرة: هل تدخل في المهايأة؟ ثم قال: وتردد الإمام فيما إذا صرحا بإدراج الأكساب النادرة في المهايأة أنها تدخل لا محالة أو تكون على الخلاف؟ وفيما إذا عمت الهبات والوصايا في قُطْرِ أنها تدخل لا محالة كالأكساب العامة، أو هي على الخلاف؟ لأن الغالب فيها الندور. انتهى. ويجيء مثل هذا فيما لو عم بعض النادر في قطر، هل يدخل في العموم؟ وقل من تعرض لذكر الخلاف في هذه المسألة. وقيل: إن الشيخ أبا إسحق حكاه، ولم أره في كتبه. وإنما حكوا في باب التأويل الخلاف في تنزيل العام على الصورة النادرة بخصوصها، فنقل ابن برهان في ((الأوسط)) في الكلام على أن السبب لا يخصص أن الصورة النادرة بعيدة عن البال عند إطلاق المقال، ولا تتبادر إلى الفهم، فإن اللفظ العام لا يجوز تنزيله عليها، لأنا نقطع بكونها غير مقصودة لصاحب الشرع لعدم خطورها بالبال. قال: وبنى على هذا أصحابنا كثيراً من المسائل. منها: أنهم أبطلوا حمل أبي حنيفة حديث: (لا نكاح إلا بولي) على المكاتبة، وقالوا المكاتبة نادرة من نادر؛ لأن الأصل في النساء الحرائر، والإماء نادرة بالنسبة إليهن، والمكاتبات نادرة بالنسبة إلى الإماء، فلا يجوز تنزيل العام عليها. وذكر إلْكِيا الهراسي في هذه المسألة تفصيلاً، فقال: تخصيص العام بالصورة النادرة إن تقدم عهد يدل عليه لم يبعد، مثل أن يقول: أيما رجل دخل الدار أكرمه، ثم يقول: عنيت به من تقدم ذكرهم من خواصيٍ. وإن لم يظهر سبق عهد، فاختلفوا فيه، فقيل: يجوز تخصيص اللفظ به اتكالاً على احتمال اللفظ للقرائن. وقيل: لا يجوز إزالة الظاهر بناء على تقدير حكايات وقرائن، فإن ذلك لا يَسْلَم عنه حديث؛ وبالجملة فيمكن أخذ الخلاف من هذه الصورة في مسألتنا، ٥٦ لأن جواز التخصيص فرع شمول اللفظ. وقد استشكل بعض المتأخرين إطلاق الخلاف في هذه المسألة، وقال: لا يتبين لي في كلام الله تعالى، فإنه لا يخفى عليه خافية، فكيف يقال: لا يخطر بالبال ؟ ! وأجيب بأن المراد عدم الخطور ببال العرب في مخاطباتها، فإذا كانت عوائدهم / ١/١٢٩ إطلاق العام الذي يشمل وضعاً صورة لا تخطر عند إطلاقهم غالباً ببالهم، فورد ذلك العام في كلام البارى تعالى، قلنا: إنه تعالى لم يرد تلك الصورة، لأنه أنزل كتابه على أسلوب [العرب](١) في محاوراتها وعاداتها في الخطاب. تنبيهات . الأول: قال ابن الرفعة في المطلب في باب المسابقة: كلام الإمام والغزالي يدل على أنه إنما يدخل في العام ما خطر للافظ به حين النطق به، وهذا إنما يعتبر في قوله عليه السلام إذا قلنا: إن جميع ما يقوله عن وحي واجتهاد، أما إذا قلنا: إن جميع ما يقوله عن وحيٍ، فلا يظهر اعتباره، لأن مُوحِيَهُ عالم بجميع الجزئيات. وجوابه ما تقدم. الثاني: أطلقوا هذا الخلاف، وينبغي تقييده بأمرين: أحدهما: أن لا يدوم فإن دام دخل قطعاً، لأنّ النادر الدائم يلحق بالغالب. ثانيهما: أن يكون فيما ظهر اندراجه في اللفظ، ولم يساعده المعنى، أما إذا ساعده فيحتمل القطع فيه بالدخول. ويحتمل أن يجري فيه خلاف من الخلاف في بيع الأب مال ولده من نفسه، وبالعكس، هل يثبت فيه خيار المجلس؟ على وجهين: أحدهما: لا . فإن المعَوَّل عليه الخبر، وهو إنما ورد في المتبايعين، والولي قد تولى الطرفين، وأصحهما لثبوت، فإنه بيع محقق، وغرض الشارع إثبات الخيار في البيع، وإنما خصص المتبايعين بالذكر إجراء للكلام على الغالب المعتاد، كذا وجهه الإمام في ((النهاية)). (١) زيادة يقتضيها السياق. ٥٧ مسألة وهل يدخل في العموم ما يمنع دليل العقل من دخوله، كقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ [سورة الزمر / ٦٢] وكقول القائل: اضرب كل من في الدار؟ فيه خلاف حكاه ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) من وجهين: أحدهما: أن مرجع اللفظ يتناوله، إلا أن الدليل يوجب إخراجه منه. والثاني: أنه خارج منه لسقوطه في نفسه، واللفظ لم يتناوله أصلاً، وستأتي المسألة في التخصيص بالعقل إن شاء الله. مسألة وهل يدخل في العموم الصور غير المقصودة؟ فيه قولان حكاهما القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)). وقال: ذهب متقدمو أصحابنا إلى وجوب وقف العموم على ما قصد به، وأن لا يتعداه إلى غيره إلا بدليل، وإن كانت الصيغة تقتضيه. وبه قال أبو بكر القَفَّال وغيره من الشافعية. وذهب أكثر متأخري أصحابنا إلى منع الوقف فيه، ووجوب إجرائه على موجبه لغة. قال: وصورة المسألة أن يستدل بقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] على إباحة كل نوع مختلف في جواز أكله، أو شرب بعض ما يختلف في شربه، وقد علم أن المقصود من الأكل والجماع في ليلة الصيام لا يحرم بعد النوم نسخاً لما تقدم. وبقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ الآية [سورة التوبة / ٣٤] ، على وجوب الزكاة في نذر مختلف فيه أو نوع مختلف في تعلق الزكاة به، وكذلك التعلق بالخطاب الخارج على المدح والذم، نحو قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [سورة المؤمنون / ٥ - ٦] على جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين ونحوه. ٥٨ قلت: وستأتي ترجمة المسألة بـ ((العام بمعنى المدح والذم هل هو عام أو لا؟)) فهي فرد من أفراد هذه، فيعاب على من ذكرهما في كتابه من غير تنبيه إلى ما أشرنا إليه، وظهر من هذا أن الشافعي يرى وقفه على ما قصد به، وأنه غير عام، ولهذا منع الزكاة في الحلي. ومنع التمسك في الوجوب بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [سورة التوبة / ٣٤]، لأن العموم لم يقع مقصوداً، وإنما وقع هنا قرينة الذم، وقرينة الذم أخرجته عن العموم، والحنفية يميلون إليه، ويبنون عليه أصولاً في باب الوقف، واستنبط ابن الرِّفْعَة من كلام الغزالي في ((الفتاوى)) أن المقاصد تعتبر أعنى مقاصد الواقفين، فيتخصص بها العموم، ويعمّ بها الخصوص . تنبيه استشكل بعض المتأخرين هذه المسألة بأنها لا تتصور في كلام الله المنزه عن الغفلة، والقائل بعدم الدخول قال بعدم خطورها بالبال، وهو لا يتصور في حق الله، وإنما يتصور بالنسبة إلينا. وجوابه: أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب، ويتصور أن يأتي العربي بلفظ عام على قصد التعميم مع ذهوله عن بعض المسميات، فلما كان هذا معتاداً في لغة العرب، كذلك الكتاب والسنة يكونان على هذا الطريق، وإليه أشار سيبويه في كتابه حيث وقع في القرآن الرجا ((بلعل، وعسى))، ونحو ذلك مما يستحيل في حق الله تعالى، إذ ذلك نزل مراعاة للغتهم. قَاعدة ذكر إمام الحرمين في باب التأويل، وإلْكِيا الطبري تقسيماً نافعاً، وزاده وضوحاً الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وهو أن اللفظ العام بوضع اللغة على ثلاث مراتب : إحداها: ما ظهر منه قصد التعميم بقرينة زائدة على اللفظ مقاليّة أو حاليًّة بأن أورد مبتدأ لا على سبب، لقصد تأسيس القواعد، فلا إشكال في العمل بمقتضى ٥٩ عمومه. قال إلْكِيا: والقرائن إما أن تنشأ عن غير اللفظ كالنكرة في سياق النفي والتعليل، فإنه أمارة الحكم على الإطلاق، وإما أن تنشأ من إتّساق الكلام ونظمه على وجه يظهر منه قصد العموم، كقوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر)» بعد أن قسّم البابین قسمین. الثانية: ما يعلم أن مقصود الشرع فيه التعرض لحكم آخر، وأنه بمعزل عن قصد العموم، فهل يتمسك بعمومه إذ لا تنافي بينه وبين إرادة اللفظ بغيره؟ أو يقال: لا، لأن الكلام فيه مجمل، فيتبين من الجهة الأخرى فيه ؟ قولان قال إلكِيا: والصحيح أنه لا يتعلق بعمومه، كقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب﴾ [سورة التوبة / ٣٤]، لأن العرب ما وضعت للوعيد لفظاً أحسن منه. ومثّله الشيخ تقي الدين بقوله عليه السلام: (فيما سَقَتِ السماءِ العشر)، فإن اللفظ عام في القليل والكثير، لكن ظهر أن المقصود منه بيان قدر المُخْرَج، لا قدر المخرج منه، ويؤخذ ذلك من قوله: (ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة)، فهذا لا عموم له في قصده، والحنفي يحتج به في وجوب الزكاة في الحرث، سواء القليل والكثير، والسياق لا يقتضيه. قال الشيخ: والتحقيق عندي أن دلالته على مالم يقصد به أضعف من دلالته على ما قصد به، ومراتب الضعف متفاوتة، والدلالة على تخصيص اللفظ وتعين المقصود مأخوذة من قرائن، وتضعف تلك القرينة عن دلالة اللفظ على العموم، ومن فوائد هذا أن ما كان غير مقصودٍ يخرج عنه بذلك قرينة الحال، لا يكون في قرينة الذي يخرج به العموم عن المقصود، وهذه هي مسألة القاضي عبد الوهاب التي حكى فيها الخلاف في وقف العموم على المقصود وعدمه. الثالثة: ما يحتمل الأمرين، ولم يظهر فيه قرينة زائدة تدل على التعميم ولا على ١٢٩ / ب عدمه، كقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ / [سورة النساء / ١٤١] فيحتج به على إبطال شراء الكافر للعبد المسلم، فإن الملك نفي السبيل(١) قطعاً، ويجوز أن لا يراد ذلك باللفظ. قال الطبري: وهو محتمل والمنع منه (١) كذا في الأصل، وهو مشكل. ولعله تصحيف، والصواب: من السبيل. ٦٠