Indexed OCR Text

Pages 361-380

العسكري في ((الفروق)) بأنه يجري مجرى الوقف في الكلام واستعطاف السامع به .
ومثل محمد بن نصر المروزي الأمر بمعنى الدعاء كقولك: كن بخير .
السابع عشر: الالتماس، كقولك لنظيرك : افعل. وهذا أخص من إرادة
الامتثال الآتي .
الثامن عشر : التمنى، كقولك لشخص تراه: كن فلانا كذا. مثله ابن فارس
ونحوه تمثيل الأصوليين، كقول أمرؤ القيس :
ألا أَيُّها اللَّيْلُ الطويلُ أَلَا انْجَلي
فالمراد بقوله: انجلي بمعنى الانجلاء لطوله، ونزّلوا ليل المحب لطوله منزلة ما
يستحيل انجلاؤه مبالغة، وإلا فانجلاء الليل غير مستحيل ويجىء من هذا المثال
السؤال السابق في التسوية، فإن المستعمل في التمني هو صيغة الأمرمع صيغة ((إلا))
لا الصفة وحدها، فالأحسن مثال ابن فارس .
التاسع عشر: الاحتقار. قال: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ [سورة يونس / ٨٠] يعني
أن السحر وإن عظم شأنه ففي مقابلة ما أتى به موسى عليه السلام حقير .
العشرون : الاعتبار والتنبيه، كقوله تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت
السموات والأرض﴾ [سورة الأعراف / ١٨٥] وقوله: ﴿قل سيروا في الأرض
فانظروا﴾ [سورة النمل /٦٩] ومثله العبادي بقوله تعالى: ﴿انظروا إلى ثمره إذا
أثمر﴾ [سورة الأنعام / ٩٩] وجعله الصيرفي من أمثلة / تذكير النعم لهم. ١/١٠٩
الحادي والعشرون : التحسير والتلهيف. ذكره ابن فارس ومثله بقوله تعالى :
﴿قل موتوا بغيظكم﴾ [سورة آل عمران /١٩] وقوله تعالى: ﴿اخسؤا فيها ولا
تكلمون﴾ [سورة المؤمنون /١٠٨].
الثاني والعشرون : التصبير، كقوله : ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [سورة التوبة / ٤٠]
وقوله تعالى: ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾ [سورة الطارق / ١٧] وقوله:
﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا﴾ [سورة الزخرف /٨٣] ذكر هذه الثلاثة الأخيرة القفّال.
الثالث والعشرون: الخبر ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا﴾ [سورة التوبة/٨٢]
٣٦١

المعنى أنهم سيضحكون وييكون. ومثله محمد بن نصر المروزي بقوله تعالى:
﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [سورة البقرة /٢٧٩] أي: أذنتم بحرب. أي:
كنتم أهل حرب، ومنه على أحد التأويلين: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) أي :
صنعت ما شئت، وعكسه ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [سورة البقرة / ٢٣٣]
المعنى لترضع الوالدات أولادهن. وهكذا أبلغ من عكسه، لأن الناطق بالخبر
مريداً به الأمر كأنه نزّل المأمور به منزلة الواقع .
الرابع والعشرون: التحكيم والتفويض، كقوله: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾
[سروة طه/٧٢] ذكره إمام الحرمين. وسماه ابن فارس والعبادي: التسليم، وسماه
ابن نصر الروزي: الاستبسال. قال: أعلموه أنهم قد استعدوا له بالصبر وأنهم
غير تاركين لدينهم، وأنهم يستقلون بما هو فاعل في جنب ما يتوقعونه من ثواب
الله. قال: ومنه قول نوح: ﴿فأجمعوا أمركم﴾ [سورة يونس / ٧١] أخبرهم بهوانهم
عليه .
الخامس والعشرون: التعجب، ذكره الصفي الهندي، ومثله بقوله تعالى:
﴿قل كونوا حجارة أو حديدا﴾ [سورة الإسراء/ ٥٠] وجعله القفال وغيره من قسم
التعجيز. ونقل العبادى في الطبقات ورود التعجب عن أبي إسحاق الفارسي،
ومثله قوله تعالى: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾ [سورة الإسراء/٤٨] ومثل ابن
فارس والعلم القرافي للتعجب بقوله تعالى: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [سورة مريم/ ٣٨]
﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [سورة الكهف/٢٦] وهو أليق.
السادس والعشرون: بمعنى التكذيب، كقوله تعالى: ﴿قل فأتوا بسورة مثله﴾
[سورة يونس / ٣٨] قل: ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ [سورة آل
عمران/٩٣) وقوله: ﴿قل هلم شهداءكم الذين يشهدون﴾ [سورة الأنعام / ١٥٠] الآية.
السابع والعشرون: المشورة، كقوله تعالى: ﴿فانظر ماذا ترى﴾ [سورة
الصافات/١٠٢] ذكره العبادى.
والفرق بينه وبين المسألة: أن السؤال يحل محل الحاجة إلى ما يسأل، والمشورة
تقع تقوية للعزم.
٣٦٢

الثامن والعشرون : قرب المنزلة ذكره الصيرفي ومثله بقوله تعالى : ﴿ادخلوا
الجنة﴾ [سورة الاعراف/ ٤٩].
التاسع والعشرون: الإهانة، كقوله: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [سورة
الدخان / ٤٩] ﴿فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون﴾ [سورة هود/ ٥٥] وقوله: ﴿واجلب
عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ [سورة الإسراء/ ٦٤] ذكره ابن
القطان والصيرفي. قالا: وليس هذا أمر إباحة لإبليس وإنما معناه أن ما يكون مثل
ذلك لا يضر عبادى، كقوله: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ [سورة
جماعة بالتهكم .
الحجر/ ٣٢] وسماه
وضابطه: أن يؤتى بلفظ دالّ على الخير والكرامة والمراد ضده. وفرق جماعة بينه
وبين التخيير بأن الإهانة إنما تكون بالقول أو بالفعل أو تركهما دون مجرد الاعتقاد،
والاحتقار إما مختص به، أو وإن لم يكن كذلك لكنه لا محالة يحصل بمجرد الاعتقاد
بدليل أن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه يقال: إنه احتقره، ولا
يقال: إنه أهانه ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبىء عنه.
الثلاثون: التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم، كقوله تعالى: ﴿تمتعوا في
داركم ثلاثة أيام﴾ [سورة هود/٦٥] ذكره الصيرفي.
الحادى والثلاثون: إرادة الامثال كقولك عند العطش: اسقني ماء فإنك لا تجد
من نفسك عند التلفظ به إلا إراد السقي أعني طلبه، فإن فرض ذلك من السيد
لعبده تصور أن يكون للوجوب أو الندب مع هذه الزيادة، وهو إتحاف السيد
بغرضه. وذلك غير متصور في حق الله تعالى.
الثاني والثلاثون: إرادة الامتثال لأمر آخر، كقوله وَله: (كُنْ عَبْدَ اللّه الْمَقْتول
ولا تَكُنْ عَبدَاللّهِ القاتل)، فإنه لم يقصد الأمر بأن يقتل وإنما القصد به الاستسلام
وعدم ملابسة الفتن.
الثالث والثلاثون: التخيير، كقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [سورة
المائدة/٤٢] ذكره القفال. وفيه ما سبق في التسوية.
٣٦٣

ثم قال: وأقسام الأوامر كثيرة لا تكاد تنضبط كثرة وكلها تعرف بمخارج الكلام
وسياقه وبالدلائل التي يقوم عليها، ثم تكلم على القرائن السابقة في حمل الصيغة
على ما سبق. قال: وكل ما كان من باب المعاملات والمعاوضات فالأمر فيه إرشاد
وحظر وإباحة، كالأمر بالكتابة بالبيع، وقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه﴾ [سورة البقرة/ ١٩٤] أى إن شئتم، ولهذا قال: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة
له﴾. [سورة المائدة/ ٤٥] قال: وكل ما أجاز أن يستدل به على خصوص العام جاز أن
يستدل به على أن الأمر ليس للوجوب. قال: وقد ترد الآية الواحدة بأمرين
مختلفين لمعنيين نحو قوله: ﴿كلوا من ثمرة إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [سورة
الأنعام / ١٤١] وقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة﴾ [سورة الطلاق/١] وقوله:
﴿فكاتبوهم﴾ [سورة النور/٣٣] ثم قال: ﴿وآتوهم﴾ [سورة النور/٣٣].
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: أجمعوا على أنها متى كانت بمعنى الطلب
والشفاعة، أو التعجيز أو التهديد أو الإهانة أو التقريع أو التسليم والتحكيم لم
يكن أمرا، وأما التكوين فقد سماه أصحابنا أمراً، كقوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾
[سورة البقرة/ ١١٧].
وأجمعوا على أنه بمعنى الإيجاب أمر، واختلفوا في الندب والترغيب لاختلافهم
في الأمر بالنوافل، فذهب الجمهور إلى أنه مأمور به، وقال بعض أصحابنا: إنه غير
مأمور به، والأول: أظهر.
واختلفوا فيه بمعنى الإباحة، فقال الجمهور: هو غير مأمور به، وقال طائفة من
معتزلة بغداد: إنه مأمور به. انتهى.
إذا عملت هذا فلا خلاف أنها ليست حقيقة في جميع هذه المعاني، لأن أكثرها لم
يفهم من صيغة ((افعل)) لكن بالقرينة، وإنما الخلاف في بعضها.
قال الإمام: الخلاف في أمور خمسة منها، وهي الأحكام الخمسة وليس كما
زعم، لما سيأتي.
وعبارة أبي الحسين بن القطان: اختلف أصحابنا فيما قام الدليل على عدم
وجوبه من هذه الصيغ هل يسمى أمراً؟ على قولين. انتهى.
٣٦٤
٠

وفي كتاب ((المصادر)) عن الشريف المرتضى أنها حقيقة في طلب الفعل والإباحة
والتهديد والتحذير، وقد اختلفوا في ذلك على بضعة عشر قولاً:
الأول: أنها حقيقة في الوجوب فقط مجاز في البواقي، وهو قول الفقهاء وجماعة
المتكلمين، ونقل عن الشافعي. قاله إمام الحرمين في ((التلخيص)). أما الشافعي
فقد ادعى كل من أهل هذه المذاهب أنه على وفاقه، وتمسكوا بعبارات متفرقة في
كتبه حتى اعتصم القاضي بألفاظ له من كتبه، واستنبط منها مصيره إلى الوقف،
وهذا عدول عن سنن الإنصاف، فإن الظاهر والمأثور من مذهبه حمل الأمر على
الوجوب. وقال ابن القشيري: إنه مذهب الشافعي، وقال الشيخ أبو حامد
الأسفرايني: وهذا الذى ذكرناه من أن الأمر بمجرده يحمل على الوجوب هو
الظاهر/من كلام الشافعي، فإنه قال في ((الرسالة)): وما نهى عنه رسول الله رشَاد ١٠٩/ب
فهو على التحريم حتى تأتي دلالة تدل على [غير](١) ذلك، ثم قال يعني: الشافعي
بعد ذلك بكلام كثير: ويحتمل أن يكون الأمر كالنهي وأنهما على الوجوب إلى أن
يدل دليل على خلاف ذلك، فقد قطع القول في النهي أنه على التحريم وسَّى بين
الأمر في ظاهر كلامه والثاني. وذكر أبو علي الوجوب إلا أنه لم يصرح بذلك في
الأمر كتصريحه إياه في النهي. فجملته: أن ظاهر مذهب الشافعي أن الأمر بمجرده
على الوجوب إلى أن يدل دليل على خلافه، وهو قول أكثر أصحابنا منهم أبو
العباس وأبو سعيد وابن خيران وغيرهم، وهو قول مالك وأبي حنيفة وجمهور
الفقهاء. انتهى.
قلت: الذى يقتضيه كلام الشافعي أن النهي للتحريم قولاً ((واحداً» حتى يرد ما
يصرفه، وأن له في الأمر قولين أرجحهما: أنه مشترك بين الثلاثة أعني الإباحة
والوجوب.
الثاني: أنه للوجوب، وهو الأقوى دليلاً فإنه قال في: ((أحكام القرآن)) فيما جاء
من أمر النكاح قال الشافعي رضي الله عنه على قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامي
منكم﴾ [سورة النور/٣٢]: والأمر في الكتاب والسنة وكلام الناس يحتمل معاني:
(١) الذي أثبتناه هو ما سيأتي من نص الشافعي بعد قليل، وبه تستقيم العبارة.
٣٦٥

أحدها: أن يكون الله جل وعز حَرّم شيئاً ثم أباحه، كقوله: ﴿وإذا حللتم
فاصطادوا﴾ [سورة المائدة/٣٢] وأن يكون دلهم على ما فيه رشدهم كقوله مليار :
(سافروا تصحوا)، وأن يكون حتماً، وفي كل حتم من الله الرشد فيجتمع الحتم
والرشد .
وقال بعض أهل العلم: الأمر كله للإباحة حتى توجد دلالة من الكتاب أو
السنة أو الإجماع على أنه أريد به الحتم فيكون فرضاً. قال الشافعي: وما نهى الله
أو رسوله عنه محرم حتى توجد الدلالة على أن النهي على غير التحريم، وإنما أريد
به الارشاد أو تنزهاً أو تأدباً.
والفرق بين الأمر والنهي من قوله وَّر: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم،
وما نهيتكم عنه فانتهوا)، ويحتمل أن يكون الأمر في معنى النهي فيكونان لازمين إلا
بدلالة أنهما غير لازمين. انتهى.
وقال الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع))، وابن بُرْهان في ((الوجيز)): هو
حقيقة في الوجوب عند الفقهاء واختاره الإمام وأتباعه. قال الشيخ أبو إسحاق:
وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب الشيخ أبي إسحاق المروزي
ببغداد، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه لا يجوز غيره في تركه دفع الشريعة، وقال
القاضي عبد الوهاب: إنه قول مالك وكافة أصحابه وقال في ((الملخص)): هو قول
أصحابنا وأكثر الحنيفة والشافعية والأقلين من الأصوليين، وقال أبو بكر الرازي،
هو مذهب أصحابنا، وإليه كان يذهب شيخنا أبو الحسن الكرخي، وقال أبو زيد
الدبوسي: هو قول جمهور العلماء، ثم ظاهر إطلاقهم أنا نقطع بأنه للوجوب.
وقال المازري: بل ظاهر فيه مع احتمال غيره لكن الوجوب أظهر، وهل ذلك
بوضع اللغة أو الشرع؟ فقيل: اللغة: وصححه أبو إسحاق ونقله إمام الحرمين في
((مختصر التقريب)) عن الأكثرين من القائلين باقتضاء الصيغة للوجوب، وأنه
كذلك بأصل الوضع، لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية من قد خالف
مطلق الأمر عاصياً وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر، واقتضى ذلك دلالة
الأمر المطلق على الوجوب.
: ٣٦,٦

وقال المازري: صرح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد
منه الاقتضاء الجازم.
وقيل بوضع الشرع، وحكاه صاحب ((المصادر)) عن الشريف المرتضى واختاره.
وقيل بضم الشرع إلى الفقه، وهو قول الشيخ أبي حامد الأسفرايني فيما حكاه
المازري في ((شرح البرهان)) واختاره إمام الحرمين أيضا، ونزل عليه كلام عبد
الجبار، وهو المختار، فإن الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمر خارجي عنه.
وعن ((المستوعب)) للقيرواني حكاية قول رابع أنه يدل بالعقل.
قال الشيخ أبو إسحاق: وفائدة الوجهين في الاقتضاء باللغة أو بالشرع أنا إن
قلنا: يقتضيه من حيث اللغة وجب حمل الأمر على الوجوب سواء كان من الشارع
أو غيره إلا ما خرج بدليل. وإن قلنا: من حيث الشرع كان الوجوب مقصوراً على
أوامر صاحب الشرع. حكاه بعض شراح ((اللمع)).
وأغرب صاحب ((المصادر)) فحكى عن الأكثرين أنه يقتضي الوجوب بمجرده،
ثم حكى قولاً آخر أنه يقتضي الإيجاب. قال: والفرق بينهما أن من قال يقتضي
الوجوب أراد به أنه يدل على وجوبه لا أنه يؤثر في وجوبه، ومن قال: يقتضي
الإيجاب أراد به أنه بالأمر يصير الفعل واجباً ويؤثر في وجوبه.
والثاني: أنها حقيقة في الندب وهو قول كثير من المتكلمين منهم أبو هاشم.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه قول المعتزلة بأسرها، وقال أبو يوسف في ((الواضح)):
هو أظهر قولي أبي علي، وإليه ذهب عبد الجبار، وربما نسب للشافعي.
قال القاضي عبد الوهاب: كلامه في ((أحكام القرآن)) يدل عليه. قال الشيخ أبو
إسحاق: وحكاه الفقهاء عن المعتزلة، وليس هو مذهبهم على الإطلاق بل ذلك
بواسطة أن الأمر عندهم يقتضي الإرادة والحكيم لا يريد إلا الحسن، والحسن
ينقسم إلى واجب وندب، فيحمل على المحقق وهو الندب، فليست الصيغة
عندهم مقتضية للندب إلا على هذا التقدير.
وقال إمام الحرمين: هذا أقرب إلى حقيقة مذهب القوم، وقال الأستاذ أبو
٣٦٧

منصور: هو قول المعتزلة لأن عندهم أن الأمر يقتضى حسن المأمور به، وقد يكون
الحسن واجباً، وقد يكون ندباً، وكونه ندباً يقين، وفي وجوبه شك فلا يجب إلا
بدليل، وذكر ابن السمعاني نحوه.
والثالث: أنها حقيقة في الإباحة التي هي أدنى المراتب، وحكاه البيهقي في
((سننه)) عن حكاية الشافعي في كتاب النكاح، فقال: وقال بعضهم: الأمر كله
على الإباحة والدلالة على المرشد حتى توجد الدلالة على أنه أريد بالأمر الحتم، وما
نهى الله عنه فهو محرم حتى توجد الدلالة بأنه على غير التحريم. واحتج له
بحديث أبي هريرة (إذا أمرتكم بأمر) ثم قال: قال الشافعي: وقد يحتمل أن يكون
الأمر في معنى [النهي] فيكونان لازمين إلا بدلالة أنهما غير لازمين، ويكون قوله:
(فأتوا منه ما استطعتم) أن عليهم الإتيان بما استطاعوا، لأن الناس إنما [يلزمون
بما] استطاعوا. وعلى أهل العلم طلب الدلائل حتى يفرقوا بين الأمر والنهي معا.
انتهى .
وقال الأستاذ أبو إسحاق في ((شرح الترتيب)): حكي عن بعض أصحابنا أن
الأمر للندب وأنه للإباحة، وهذا لا يعرف عنهم بل المعروف من عصر الصحابة
١/١١٠ إلى وقتنا/ هذا أن الأمر على الوجوب، وإنما هذا قول قوم ليسوا من الفقهاء أدخلوا
أنفسهم فيما بين الفقهاء، كما نسب قوم إلى الشافعي القول بالوقف في العموم،
وليس هو مذهبه. انتهى.
الرابع: أنها مشتركة بالاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب، وحكي عن
المرتضى من الشيعة، وليس كذلك فقد سبق عن صاحب ((المصادر)) حقيقة مذهبه.
وقال الغزالي: صرح الشافعي في كتاب ((أحكام القرآن)) بتردد الأمر [بين]
الوجوب والندب وقد سبق تأويله من كلام ابن القطان.
الخامس: أنها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب لكن يحكم بالوجوب
ظاهراً في حق العمل احتياطاً دون الاعتقاد، وبه قال أبو منصور الماتريدي.
السادس: حقيقة إما في الوجوب، وإما في الندب، وإما فيهما جميعاً بالاشتراك
اللفظي لكنا ما ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة، ونعرف أن لا رابع.
٣٦٨
٠

وحكي عن بعض الواقفية كالشيخ والقاضي، وحكاه بعضهم عن ابن سريج
وقال: إنه صار إلى التوقف حتى يتبين المراد والتوقف عنده في تعيين المراد عند
الاستعمال لا في تعيين الموضوع له، لأنه عنده موضوع بالاشتراك العقلي للوجوب
والندب والإباحة والتهديد.
وذهب الغزالي وجماعة من المحققين إلى التوقف في تعيين الموضوع له أنه
للوجوب فقط، أو الندب فقط، أو مشترك بينهما اشتراكاً لفظياً.
السابع: مشتركة بين الثلاثة أعني الوجوب والندب والإباحة، وهل هو
بالاشتراك اللفظي أو المعنوي؟ رأيان.
الثامن: أنها مشتركة بين الخمسة، هذه الثلاثة والكراهة والتحريم. حكاه في
((المحصول)).
التاسع: مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد. حكاه
الغزالي ونسبه للأشعري والقاضي، وأصحابهما.
قال: وعندهم أنها مشتركة بحكم الوضع الأصلي فيكون حقيقة في كل واحد
منهما بظاهره، وإنما يحمل عليه بدليل.
وغاير ابن برهان بين مذهب الشيخ والقاضي.
ذهب الشيخ وأصحابه إلى أن الأمر ليست له صيغة تخصه، وإنما قول القائل:
((افعل)) مشترك بين الأمر والنهي والتهديد والتعجيز والتكوين لا يحمل على شيء
منها إلا بدليل ثم ذكر مذهب القاضي كما سيأتي.
العاشر: أنه حقيقة في الطلب مجاز فيما سواه. قال الآمدي: وهو الأصح.
الحادي عشر: أن أمر الله للوجوب وأمر النبي ◌َّ للندب إلا ما كان موافقاً
لنص أو مبيناً لمجمل. حكاه القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) عن شيخه أبي بكر
الأبهري، وكذا حكاه عنه المازري في ((شرح البرهان)) وقال: إن النقل اختلف
عنه، فروي عنه كذا، وروي عنه موافقة من قال: إنه للندب على الإطلاق.
وقال القاضي عبد الوهاب في كلامه على الأدلة: وأما ما حكيناه عن الأبهري
٣٦٩

فإنه ذكره في ((شرحه)) وهو كالمتروك وكان يستدل على ذلك بأن المسلمين فرقوا بين
السنن والفرائض، فأضافوا إلى رسول اللـه وسلم، فدل ذلك على ما قلناه، وبهذا
فارق بيان المجمل من الكتاب، لأنه ليس بابتداء منه.
قال: والصحيح هذا الذي كان يقوله آخر أمره، وأنه لا فرق بين أوامر الله
تعالى وأوامر رسوله من كون جميعها على الوجوب.
الثاني عشر: وحكاه ابن برهان عن القاضي وأصحابه: أنه ليست له صيغة
تخصه، وليست مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يدل عنده قول القائل: ((افعل)) على
معنى أو مشترك، وإنما يدل عند انضمام القرينة إليها ونزل الصيغة من القرينة
منزلة الزاي من زيد لا يدل على تركب من الزاي والياء والدال حينئذ يدل على
معنى، وكذلك قولك: ((افعل)) بدون القرينة لا يدل على شيء فإذا انضمت القرينة
إليه حينئذ دل على المقصود.
وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني: ذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن لفظ الأمر
لا يدل على وجوب ولا غيره، بمجرده ولا يحمل على شيء إلا بدليل.
تنبيهات
الأول: قال أبو الحسين البصري: المسألة ظنية لأنها وسيلة إلى العمل فتنتهض فيها
الأدلة الظنية، وقال غيره: قطعية، إذ هي من قواعد أصول الفقه.
وبنى الصفي الهندي على هذا، فقال: المطلوب في هذه المسألة إن كان هو
القطع فالحق فيها هو التوقف وإن كان أعم منه، وهو الحكم إما على سبيل القطع
أو الظن وهو الأشبه، فالأغلب على الظن أن الحق فيما هو القول بالوجوب.
الثاني: إنه إذا ثبت حقيقة في شيء مجاز في غيره فلا بد أن ترد تلك الأنواع إلى
العلاقة .
قال الأصفهاني: يمكن رده إلى مجاز التشبيه، لأن البعض يوجد فيه فأشبه
الطلب بوجه، فإن التعجيز والتكوين والتخيير طلب بوجه ما، وكذا النهي.
٣٧٠

الثالث: إنه ترد صيغة الخبر للأمر نحو ﴿والوالدات يرضعن﴾ [سورة
البقرة/٢٣٣] وهو مجاز والعلاقة فيه ما يشترك كل واحد منها في تحقيق ما تعلق به،
وكذا الخبر بمعنى النهي نحو (لا تنكح المرأة المرأة).
نعم ههنا بحث دقيق أشار إليه ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)) وهو أنه إذا
ورد الخبر بمعنى الأمر فهل يترتب عليه ما يترتب على الأمر من الوجوب إذا قلنا:
الأمر للوجوب، أو يكون ذلك مخصوصا بالصيغة المعينة وهي صيغة ((افعل))؟ ولم
يرجح شيئاً.
وهذا البحث قد دار بين الشيخين ابن تيمية وابن الزملكالي في مسألة الزيارة،
فادعى ابن تيمية أنه لا فرق وجعل قوله وَله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث) في
معنى النهي، والنهي للتحريم كما أن الأمر للوجوب، ونازعه ابن الزملكالي وقال:
هذا محمول على الأمر بصيغة ((افعل)) وعلى النهي بصيغة ((لا تفعل))، إذ هو الذى
يصح دعوى الحقيقة فيه، وأما ما كان موضوعاً حقيقة لغير الأمر والنهي ويفيد معنى
أحدهما كالخبر بمعنى الأمر، والنفي بمعنى النهي فلا يدعى فيه أنه حقيقة في وجوب
ولا تحريم، لأنه يستعمل في غير موضوعه إذا أريد به الأمر أو النهي، فدعوى كونه
حقيقة في إيجاب أو تحريم، وهو موضوع لغيرهما مكابرة.
قال: وهذا موضع يغلط كثير من الفقهاء ويغترون بإطلاق الأصوليين
ويدخلون فيه كل ما أفاد نهياً أو أمراً، والمحقق الفاهم يعرف المراد ويضع كل شيء
في موضعه.
قلت: صرح القفال الشاشي في كتابه بهذه المسألة وألحقه بالأمر ذي الصيغة.
قال: ومن الدليل على أن معناه الأمر والنهي دخول النسخ فيه، والأخبار المحضة
لا يلحقها النسخ، ولأنه لو كان خبراً لم يوجد خلافه.
قال: ومن هذا الباب عند أصحابنا قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [سورة
الواقعة / ٧٩].
وقال بعضهم: ((لا)) إذا كانت نافية أبلغ في الخطاب من النهي لأن النهي
يتضمن أن الحكم قد كان قاراً قبل / وروده والنفي يتضمن الإخبار عن حالته. ١١٠/ب
٣٧١

وأنها كانت منفية، فلم تكن ثابتة قبل ذلك.
وههنا فوائد
إحداها: في العدول عن صيغة الطلب إلى صيغة الخبر وفوائد:
منها: أن الحكم المخبر به يؤذن باستقرار الأمر وثبوته على حدوثه وتجدده، فإن
الأمر لا يتناول إلا فعلا حادثا فإذا أمر بالشيء بلفظ الخبر آذن ذلك بأن هذا
المطلوب في وجوب فعله ولزومه بمنزلة ما قد حصل وتحقق، فيكون ذلك أدعى إلى
الامتثال.
ومنها: أن صيغة الأمر وإن دلت على الإيجاب فقد يحتمل الاستحباب. فإذا
جيء بصيغة الخبر علم أنه أمر ثابت مستقر وانتفى احتمال الاستحباب.
ومنها: أن الأحكام قسمان خطاب وضع وأخبار، وهو جعل الشيء سبباً
وشرطاً ومانعاً، وهذا من النوع فإن الطلاق. سبب لوجوب العدة، فإذا جيء
بصيغة الخبر كان فيه دلالة على أنه من قبيل خطاب الوضع والأخبار الممتازة عن
سائر خطاب التكليف، ويوضح هذا أن المطلقة لو كانت مجنونة ثبت حكم العدة
في حقها وإن لم تكن مكلفة.
الثانية: الخبر الذي هو مجاز عن الأمر في مثل ﴿والوالدات يرضعن﴾. [سورة
البقرة/ ٢٣٣] هل هو مجموع المبتدأ أو الخبر أو خبر المبتدأ وحده؟ كلام صاحب
الكشاف يميل إلى الثاني، وأن المعنى والوالدات ليرضعن، وبعضهم إلى الأول،
لأن خبر المبتدأ لا يكون جملة انشائية.
الثالثة: المشهور جواز ورود صيغة الخبر والمراد بها الأمر، ومنه قولهم: جمع
رجل عليه ثيابه وحسبك درهم، أي: اكتف به. ومنعه السهيلي والقرطبي في
تفسير قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [سورة البقرة/٢٢٨] قال: وإنما هو خبر عن
حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع. ولا يلزم من ذلك
وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره. وقيل: لتتربص بحذف اللام.
٣٧٢

مسألة
إذا دل الدليل على انتفاء الوجوب، فهل يحمل على الندب أو يتوقف ولا يحمل
عليه ولا على غيره إلا بدليل؟ فيه قولان. حكاهما القاضي عبد الوهاب في
((الإفادة)) وعزى الثاني لأكثر الأصوليين من أصحاب الشافعي وغيرهم. قال: فإن
دل الدليل على انتفاء الوجوب والندب كان للإباحة، فإن دل الدليل على نفي
الإباحة ففي جواز الفعل، وهو أن يكون غير محظور، ولا يكون له حكم الباطل.
قال: وهذا مذهب الفقهاء من الشافعية وغيرهم وكلام أصحابنا بعيد عنه.
مسألة
إذا دل الدليل على انتفاء الوجوب وحمل على الندب، فهل هو مأمور به حقيقة
أو مجازاً؟ خلاف سبق في بحث الندب. وقيل: إطلاق الأمر عليها من باب
المشكك، كالوجود والبياض، لأنه في الوجوب أولى.
مسألة
إذا دل الدليل على انتفاء الوجوب وحمل على الإباحة، فعن الحنيفة أنه مجاز
واختاره ابن عقيل، ونقله عن جمهور الأصوليين، وذكر أبو الخطاب منهم أن هذه
المسألة من فوائد الأمر هل هو حقيقة في الندب فيجيء فيها الخلاف؟ وحكى ابن
عقيل أن الإباحة أمر والمباح مأمور به عند البلخي.
مسألة
إذا دل الدليل على أنه لمرد به الوجوب، فهل يجوز الاحتجاج به؟ في الجواز
فيه وجهان. حكاهما القاضي الطبري والشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع)) وابن
السمعاني في ((القواطع) وصححوا المنع، لأن الأمر لم يوضع للجواز وإنما وضع
٣٧٣

للإيجاب، والجواز يدخل فيه تبعاً، فإذا سقط الأصل سقط التابع.
وقد سبقت أيضا مسألة: إذا صدر من الشارع مجرداً عن القرينة، وقلنا: يحمل
على الوجوب وجب الفعل لا محالة، وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث
خلاف العام، ذكره الشيخ أبو حامد الأسفرايني في ((كتابه)) في باب العموم. قال:
فعلى قول الصيرفي يحمل الأمر على الوجوب بظاهره والنهي على بظاهره التحريم،
وعلى [هذا] القول يتوقف، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
وقد تعرض ههنا صاحب ((الميزان)) من الحنيفة فقال: إذا صدر الأمر المطلق من
مفترض الطاعة فحكمه وجوب العمل به واعتقاده قطعا. هذا قول عامة الفقهاء
وأكثر المتكلمين.
وقال مشايخ سمرقند منهم الماتريدي: أن حكمه من حيث الظاهر عملاً لا
اعتقاداً على طريق التعيين وهو أن لا يعتقد فيه ندب ولا ما ينافيه، ولا خلاف في
وجوب العمل، وإنما الخلاف في وجوب الاعتقاد بطريق التعيين، وبني على هذا
مالو اقترن بصيغة الأمر قرينة الندب، أو الإباحة، أو التهديد، فمن قال:
الوجوب عينا فليس بأمر عنده، لانعدام حكمه، بل إطلاق لفظ الأمر عليه مجازاً.
انتھی .
وأقول: الأمر ضربان: أمر إعلام وأمر إلزام، فأما أمر الإعلام فمختص
بالاعتقاد دون الفعل، ويجب أن يتقدم الأمر على الاعتقاد بزمان واحد وهو وقت
العلم به، وأما أمر الإلزام فمتوجه إلى الاعتقاد والفعل فيجمع بين اعتقاد الوجوب
وإيجاد الفعل، ولا يجزئه الاقتصار على أحدهما، فإن فعله قبل اعتقاد وجوبه لم
يجز، وإن اعتقد وجوبه ولم يفعل كان مأخوذا به، ولا يلزم تجديد الاعتقاد عند
الفعل إذا كان على ما تقدم من اعتقاده، لأن الاعتقاد تعبد إلزام، والفعل تأدية
مستحق، ويجب أن يتقدم الأمر على الفعل بزمان الاعتقاد.
واختلف في اعتبار تقديمه بزمان المتأهب للفعل على مذهبين:
أحدهما: وهو قول شاذ من الفقهاء يجب تقديمه على الفعل بزمانين: أحدهما:
زمان الاعتقاد، والثاني: زمان التأهب للفعل، وبه قال من المتكلمين من اعتبر
٣٧٤

القدرة قبل الفعل.
والثاني: وهو قول جمهور الفقهاء يعتبر تقديم الأمر على الفعل بزمان الاعتقاد
وحده والتأهب للفعل شروع فيه فلم يعتبر تقديمه علیه، وبه قال من المتكلمين من
اعتبر القدرة مع الفعل، وسبقت في مباحث التكليف.
مسألة
[يَجوز تقديم الامر]
يجوز تقديم الأمر على وقت الفعل خلافا لمن قال: لا تكون صيغة ((افعل)) قبل
وقت الفعل أمراً بل يكون إعلاما، وسبقت في مباحث التكليف.
مسألة
[قول الصحابي: أمرنا رسول الله]
إذا قال الراوي: أمرنا رسول الله ﴿ بكذا، قال القاضي أبو الطيب الطبري:
وجب حمله على الوجوب. قال: وحكى القاضي أبو الحسن الحريري عن داود أنه
قال: لا حجة فيه حتى ينقل لفظ الرسول، لاختلاف الناس هل الأمر يقتضي
الوجوب أو الندب؟ وذكر نحوه ابن برهان في ((الأوسط)) وجعلها مبنية على أن
المندوب ليس مأمورا به، وعندنا مأمور به.
٣٧٥

مسألة
[الأمر بالشىء هَل يقتضي الجَواز؟]
الأمر بالشيء يقتضي جوازه في قول معظم الفقهاء والأصوليين، كما
١/١١١ قاله / الإمام في ((التلخيص)) قال: وأنكر هذا الإطلاق، وقال: الأمر إذا اقتضى
إيجاب الشيء فما المعنى بالجواز بعد ثبوت الإيجاب؟ فإن قيدتم الجواز بنفس
الوجوب فهو المقصود، والخلاف في العبارة فإنا لا نستحسن تسمية الوجوب
جوازاً، وإن عنيتم بالجواز شيئاً آخر سوى الوجوب فهو محال، ويؤول إلى أن
الواجب مباح.
وقال شمس الائمة السَّرَخْسي من الحنفية : الصحيح : أن مطلق الأمر يثبت
حسن المأمور به شرعا ، واتفقوا على ثبوت صفة الجواز للمأمور به ، لأن الحسن لا
يكون إلا بعد الجواز الشرعي .
وذهب بعض المتكلمين إلى أن مطلق الأمر لا يثبت جواز الأداء حتى يقترن به
دليل ، بدليل من ظن طهارته عند ضيق الوقت فإنه مأمور بأداء الصلاة شرعا ،
ولا تكون جائزة إذا أداها على هذه الصفة، ومن أفسد حجة فهو مأمور بالأداء
شرعا، ولا يكون المؤدى جائزا إذا أُدّى، وهذا ممنوع حكما وتوجيها.
مسألة
الأمر يقتضي الصحة وهل يقتضيها شرعا أو لغة ؟ يشبه أن يكون على الخلاف
الآتي في النهي .
٣٧٦

مسألة
مطلق الأمر لا يتناول المكروه
مطلق الأمر لا يتناول المكروه عندنا خلافا للحنفية ، كذا حكاه إمام الحرمين
وابن القشيري وابن السمعاني وابن برهان وسليم الرازي والباجي في ((الأحكام))
وغيرهم ، وخرجوا على ذلك الوضوء المنكس والطواف بغير طهارة ، فلا يجوز
عندنا واحد منهما ، لأنه نهي عنه إجماعا . أما عندنا فنهي تحريم وأما عندهم فنهي
تنزيه ، وإذا كانا منهيين لم يكونا مأمورين ، لما بين الأمر والنهي من التضاد .
وقالت الحنفية : يصحان لأن مطلق أمر الشارع يتناول المكروه .
والذي رأيته في ((كتاب شمس الأئمة السرخسي)) حكاية ذلك عن أبي بكر
الرازي فقط ، ثم قال: والصحيح أن مطلق الأمر كا يثبت صفة الجواز والحسن
شرعا يثبت انتفاء صفة الكراهة .
وقال المازري : اختار ابن خويز منداد كونه لا يتناول المكروه ، وأشار إلى أنه
مذهب مالك ، قال : وهي كمسألة الخلاف المشهور في تضمين الوجوب للجواز
حتى إذا نسخ الوجوب بقي الجواز ، ولهذا الأصل فروع سبقت في فصل المكروه .
وقال ابن تيمية : في هذه المسألة تلبيس فإن الأمر إنما هو بصلاة مطلقة وليس في
الأمر تعرض لكراهة ولا غيرها ، فإذا قارنتها الكراهة ، فقال قائل : صل صلاة
غير مأمور بها كان ذلك تدليسا ، فإن الأمر لم يتعرض للكراهة بل أمر بصلاة
مطلقة فلا يقال : هذه الصلاة غير مأمور بها .
٣٧٧

مسألة
[ ورود صيغة الأمربَعد الحظر هَل تفيد الوجوب؟ ]
إذا قلنا بالصحيح من اقتضاء صيغة الأمر الوجوب فلو وردت صيغة بعد الحظر
كالأمر بحلق الرأس بعد تحريمه عليه بالإحرام، والأمر بحمل السلاح في صلاة
الخوف بعد تحريم حمله فيها، فهل يفيد الوجوب أم لا؟
فيه مذاهب :
أحدها: أنه على حالها في اقتضاء الوجوب ، كما لو وردت ابتداء ، وصححه
القاضي أبو الطيب الطبري في ((شرح الكفاية)) والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني
في ((القواطع)) ونقله المازري عن أبي حامد الأسفرايني ، وهو كما قال ، فإنه نصره
في ((كتابه)» ونقله عن أكثر أصحابنا ، ثم قال : وهو قول كافة الفقهاء والمتكلمين .
وقال الأستاذ أبو منصور: هو قول أهل التحصيل منا ، وقال سليم الرازي في
((التقريب)): إنه قول أكثر أصحابنا ونصره، وقال ابن برهان في ((الأوسط)) إليه
ذهب معظم العلماء ونقله في ((الوجيز)) عن القاضي ، والذي قاله القاضي كما حكاه
عنه إمام الحرمين: لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بأن الصيغة المطلقة بعد
الحظر مجراة على الوجوب ، وصرح المازري عن القاضي بالوقف هنا كما هناك ،
وحكى عن القاضي أنه لا يقوى تأكيد الوجوب فيه عند القائلين به كتأكيد الأمر
المجرد عن تقدم حظر حتى أن هذا يترك عن ظاهره بدلائل لا تبلغ في القوة مبلغ
الأدلة التي يترك لأجلها ظاهر المجرد عن ذلك .
قال المازري : وهذا عين ما اخترته في الأمر المجرد كما سبق. وحكاه أبو الحسين
وصاحب ((الواضح)) عن المعتزلة، وحكاه صاحب ((المصادر)) عن الشيعة، وقال
القاضي عبد الوهاب: إنه الأقوى في النظر، وقال في ((الإفادة)): ذهب إليه
المتكلمون أو أكثرهم .
والثاني: أنه على الإباحة ونقله ابن بُرْهان في ((الوجيز)» عن أكثر الفقهاء
والمتكلمين وبه جزم القفّال الشاشي في ((كتابه)) والخفاف في كتاب ((الخصال)) بأنه
٣٧٨

شرط للأمر أن لا يتقدمه حظر ، وقال صاحب ((القواطع)): إنه ظاهر كلام
الشافعي في ((أحكام القرآن)) وكذا حكاه عن الشافعي أبو الحسين بن القطان في
كتابه ، وقال القاضي صار إليه الشافعي في أظهر أجوبته ، ومن نقله عن الشافعي
الشيخ أبو حامد الأسفرايني في ((تعليقه)) في باب الكتابة ، وقال في كتابه في أصول
الفقه: ((قال الشافعي في أحكام القرآن: وأوامر الله تعالى ورسوله تحتمل معاني
منها الإباحة، كالأوامر الواردة بعد الحظر كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾
[سورة المائدة/٢] ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا﴾ [سورة الجمعة/ ١٠] قال: فنص على
أن الأمر الوارد بعد الحظر يقتضي الإباحة دون الإيجاب، وإليه ذهب جماعة من
أصحابنا.)) انتهى.
وقال الشيخ أبو إسحاق: للشافعي كلام يدل عليه ، وقال القاضي أبو الطيب:
هو ظاهر مذهب الشافعي وإليه ذهب أكثر من تكلم في أصول الفقه ، وقال سليم
الرازي : نص عليه الشافعي ، وقال القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة)): إنه
الذي صار إليه الفقهاء من أصحاب الشافعي ، وأطلقوا على أن ذلك قول
الشافعي ، وأنه نص عليه في كثير من كلامه. لا يجوز أن يدعى معه أن مذهبه
خلافه ، لكن قال إلكيا الهراسي : الشافعي يجعل تقدم الحظر من مولدات
التأويل ، وهذا منه اعتراف بأن تقديم الحظر يوهن الظهور ، ولكن لا يسقط
أصل الظهور كانطباق العموم على سبب . انتهى .
وقال القاضي عبد الوهاب والباجي وابن خُوَيْزِ مَنْداد : إنه قول مالك ، ولذلك
احتج على عدم وجوب الكتابة بقوله: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ [سورة النور
/٣٣] فقال: هو توسعة لقوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [سورة المائدة / ٢].
والثالث : إن كان الحظر السابق عارضا لعلة وسبباً وعلقت صيغة ((افعل))
بزوالها ، كقوله : ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾، وكقوله: (كنت نهيتكم عن ادخار
لحوم الأضاحي فادخروا) فإن الحظر السابق إنما يثبت لسبب . فهذا وأمثاله إذا
وردت صيغة ((افعل)) معلقة برفعه دل على عرف الاستعمال على أنه لدفع الذم
فقط . ويغلب عرف الاستعمال على الوضع ، وأما إن كان الحظر السابق قد
عرض لا لعلة ، ولا أن / صيغة ((افعل)) علقت بزوال ذلك، كالجلد المأمور به ١١١/ب
٣٧٩

عقيب الزنا بعد النهي عن الإيلام ، فتبقى صيغة ((افعل)) على ما دلت عليه قبل
ذلك . فمن قال : إنها للوجوب قبل ذلك فهي للوجوب بحالها ، ومن قال : إنها
موقوفة قال : هي أيضا مترددة بين الوجوب والندب . ويريد هنا أيضا احتمال
الإباحة ولا تنقص الإباحة بسببها ، لأنه لا يمكن هنا دعوى عرف أو استعمال
حتى يقال بأنه يغلب العرف الوضع في هذه الصورة بخلاف الأولى بل يبقى التردد
لا غير ، واختاره الغزالي والكياالهراسي وقال : أما إذا أطلق الحظر غير معلل
بعارض ثم تعقبه لفظ الأمر المطلق فهو محل التردد ، والظاهر أنه لا تعلق لما تقدم
من الحظر بالكلام ، فإن انتفى التعلق لم يؤثر قطعا ، ويحتمل ، وأما إذا لم ترد
صيغة ((افعل)) كقولك: قال: ((اذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد)) فهذا يحتمل
الوجوب والندب والإباحة .
والرابع : الوقف بين الإباحة والوجوب ، وحكاه سليم الرازي عن المتكلمين
واختاره إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف في لفظه ابتداء من غير تقدم حظر ،
وقال الغزالي في ((المنخول)): إنه المختار، وقال ابن القشيري : إنه الرأي الحق .
والخامس : أنه للاستحباب ، وبه جزم القاضي الحسين في باب الكتابة من
((تعليقه) .
والسادس : أنها ترفع الحظر السابق وتعيد حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر ،
فإن كان مباحا كانت للإباحة ، كقوله : ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [سورة المائدة /
٢] أو واجبا فواجب، كقوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [سورة البقرة / ٢٢٢]
إذا قلنا بوجوب الوطء ، وهذا ما اختاره بعض المحققين من الحنابلة ونسبه
للمزني .
قال : وعليه يخرج قوله تعالى : ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] فإن الصيغة رفعت الحظر وأعادته إلى ما كان أولا،
وهذا هو المختار عندي .
قلت : وهو ظاهر اختيار القفال الشاشي ، فإنه قال : كل ما حرم لحدوث
معنى فيه ، وكان قبيل حظره غير واجب فعله فإذا وقع الأمر به بعد الحظر فالظاهر
٣٨٠