Indexed OCR Text

Pages 261-280

فائدتان
إحداهما
قال الإمام في ((البرهان)): إن الواو إذا دخلت في الجمل فليس لها فائدة إلا
التحسين اللفظي .
ورد عليه ابن الحاجب في ((أماليه)) بالفاء وثُمّ فإنك لو قلت : قام زيد فخرج،
أو ثم خرج عمرو، فإنه يفهم من المفرد ، وهو أن هذا يشعر بالتعقيب ولا مهلة ،
وهذا يشعر بالتعقيب والمهلة . إلا أن الفرق بينهما في المفردات أنهما اشتركا في
إعراب بعامل وهذه ليست كذلك .
الثانية
قال ابن أبي الرَّبيع: تقول: جالسْ الحسن وابن سيرين ، لأنك أمرت
بمجالستهما معاً وتقول أيضا هذا وأنت تريد أنهما جميعا أهل المجالسة ، فإن أردت
وجالسْ أحدهما لم تكن عاصيا ، وعلى هذا أخذ مالك قوله تعالى : ﴿إنما
الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [سورة التوبة / ٦٠] وعلى المعنى الأول أخذه الشافعي
وهو أظهر ، وقول مالك ممكن إن عضد بدليل خارجي .
[الفاء] :
ومنها الفاء: وهي للترتيب وزيادة، وهي التعقيب آي: أن المعطوف بعد
المعطوف عليه بحسب ما يمكن ، وهو معنى قولهم : إنها تدل على الترتيب بلا مهلة
أي : في عقبه ولهذا قال المحققون منهم : إن معناها التفرق على مواصلة. وهذه
العبارة تحكى عن الزجاج وأخذها ابن جنىّ في ((لمعه)). ومعنى التفرق أنها ليست
للجمع كالواو ، ومعنى على مواصلة أي : أن الثاني لما كان يلي الأول من غير
فاصل زماني كان مواصلا له.
واستدل الفارسي في ((الإيضاح)) على ذلك بوقوعها في جواب الشرط، نحو إن
دخلت الدار فأنت طالق. يريد أن الجواب يلي الشرط عقبه بلا مهلة .
٢٦١

وأما قوله تعالى : ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا﴾ [سورة الأعراف/٤]
قال الهروي وغيره معناه قرب هلاكها .
وقال المتأخرون : أي أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، وفيه نظر من جهة علم.
الكلام .
وقيل: لما كان مجىء البأس مجهولا عند الناس قُدِّرَ كالعدم ، ولما حصل الهلاك
اعتقدوا وجوده فحَسُن دخول الفاء .
وقيل : ليست عاطفة وإنما هي سببيه، والفاء السببية لا يشترط فيها التعقيب،
فإنك تقول : أكرمت زيدا أمس ، فأكرمني اليوم ، وهذا تأويل ظاهر، وعليه ينبغى
أن يحمل قوله تعالى: ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ [سورة سورة الحج/ ٦٣]
ثم الترتيب إما في الزمان نحو ﴿ خلقك فسواك﴾ [سورة الانفطار/ ٧] ولهذا كثر
كون تابعها مسببا، نحو ضربته فهلك ، أو في الذكر ، وهو عطف مفصل على
مجمل هوهو، نحو ﴿ونادى نوح ربه فقال رب﴾ [سورة هود/٤٥] أو متأخر عما قبله في
الاخبار نحو :
بسقط اللّوى بين الدَّخول فَحَوْمَل
وزعم الفراء أنها تأتي لغير الترتيب، وهذا مع ما نقل عنه من أن الواو تفيد
الترتيب عجيب ، وهو يوقع خللا في ذلك النقل، فإنه قد ذكر هذا في معاني
القرآن في قوله تعالى ﴿ثم دنا فتدلى﴾ [سورة النجم /٨] المعنى ثمّ تدلّ فَدَنا، ولكنه
جائز إذا كان المعنى في الفعلين واحدا أو كالواحد قَدَّمْتَ أيهما شئت فقلت : دنا
فقرب أو قرب فدنا، وشتمنى فأساء ، أو أساء فشمني ، لأن الشتم والإساءة
واحد.
ونوقش بأن القلب إنما يصح فيما يكون كل واحد مسببا وسببا من وجهين،
٩٥/ب فيكون الترتيب حاصلا / قدّمت أو أخّرت، فقولك : دنا فقرب. الدنو علة
القرب والقرب غايته. فإذا قلت: دنا فقرب، معناه لما دنا حصل القرب، وإذا
عكست فقلت: قرب فدنا، فمعناه قرب فلزم منه الدنو، ولا يصح في قولك :
٢٦٢

ضربته فبكى لأن الضرب ليس غايته البكاء بل الأدب ، أو شىء آخر ، وكذلك
أعطيته فشنعا(١) .
وقال الجرمى: لا تفيد الفاء الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل قوله: بين
الدخول فحومل .
وقال الشيخ عزالدين بن عبدالسلام: نص الفارسي في ((الإيضاح)) على أن
((ثم)) أشد تراخيا من الفاء فدل على أن الفاء لها تراخ، وكذلك ذكر غيره من
المتقدمين ، ولم يدع أنها للتعقيب إلا المتأخرون .
قلت: وهي عبارة أبي بكر بن السّراج في ((أصوله))، فقال: و((ثم)) مثل الفاء
إلا أنها أشد تراخيا ، وقال ابن الخشاب: ظاهره أن في الفاء تراخيا جما لأن أشدّ
((أفعل التفضيل)) ولا يقع التفضيل إلا بين مشتركين في معنى، ثم يزيد المفضل
على المفضل عليه في ذلك المعنى، ولا تراخي تدل عليه الفاء فيها بعدها عما قبلها
إلا أن يكون أبو بكر عَدَّ تعقيب الفاء وترتيبها تراخيا فذلك تساهل في العبارة
وتسامح .
ثم شرع في تأويل عبارة أبي بكر على أن ((أفعل التفضيل)) قد لا يراد به ظاهره
كقوله تعالى : ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا﴾ [سورة الفرقان/ ٢٤] ومن البَينْ
أنه لا خير في مستقر أهل النار .
قلت : ولا حاجة إلى هذا فقد صرح عبدالقاهر الجرجاني ، فقال في الفاء : إن
أصلها الاتباع ولذلك لا تعرى عنه مع تعريها عن العطف في جواز الشرط، ولكن
مع ذلك لا ينافي التراخي اليسير. انتهى.
وكذا قال غيره: معنى التراخي فيها وإن لطف فإن من ضرورة التعقيب تراخي
الثاني عن الأول بزمان وإن قلّ بحيث لا يدرك إذ لو لم يكن كذلك كان مقارنا،
والقرآن ليس بموجب له، وأنت إذا علمت تفسيرنا التعقيب بحسب ما يمكن زال
الإشكال. وقد جوزوا دخلت البصرة فالكوفة، وبين الدخولين تراخ ومهلة ، وقال
(١) هكذا في سائر النسخ. ولعله آخر بيت من الشعر لوجود ألف الاطلاق فيب آخر (مشنع).
٢٦٣

تعالى: ﴿والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى﴾ [سورة الأعلى /٤، ٥] فإن بين
الإخراج والإحواء وسائط .
وقال ابن أبي الربيع: الاتصال يكون حقيقة ويكون مجازا، فإذا كان حقيقة فلا
تراخي فيه وإذا كان مجازا ففيه تراخ بلا شك، كقولك : دخلت البصرة فالكوفة
وإنما جاءت الفاء لأن سبب دخول الكوفة اتصل بدخول البصرة، فلم يكن بينهما
مهلة. وقد يكون التراخي بينهما قليلا فيكون كالمستهلك لكونه غير مفتقر لعلته،
فتدخل الفاء كذلك.
ومن هذا يعلم وجه التعقيب في قوله وَيقول: (لن يجزي ولد والده إلا أن يجده
مملوكا فيشتريه فيعتقه) وبظاهره تمسك أهل الظاهر في إيجاب عتقه وأنه لا يعتق
بمجرد الشراء فإنه لو أعتق بنفس الشراء لم يكن لقوله: ((فيعتقه)) معنى .
وقال الأئمة : فائدته التنبيه على أن الإعتاق بذلك الشراء لا بسبب آخر كما
يقال : أطعمه فأشبعه وسقاه فأرواه. أي: بهذا الإطعام إذ لو كان الإشباع بغيره لم
يكن متصلا به ، لا يقال : لا يصح أن يكون الإعتاق حكما للشراء لأن الشراء
موضوع لإثبات الملك، والإعتاق إزالة ، فكان منافيا له، والمنافي لحكم الشىء لا
يصلح أن يكون حكما لذلك الشىء، لأنا نقول : إنه بنفسه لا يصلح أن يكون
حكما له ولكنه يصلح بواسطة الملك، وذلك لأنه بالشراء يصير متملّكا، والملك في
الوقت إكمال لعلة العتق فيصير العتق مضافا إلى الشراء بواسطة الملك، وإذا صار
مضافا إليه يصير به معتقا، وحينئد لا يحتاج إلى إعتاق أخر.
ثم ظاهر كلام جماعة أنه لا فرق في كونها للتعقيب بين العاطفة والواقعة جوابا
للشرط وسبق في كلام الفارسي الاستدلال بجواب الشرط، فاقتضى أنه محل
وفاق .
وقال ابن الخشاب في ((العوني))(١): المعنى الخاص بالفاء التعقيب فلا تكون
عاطفة إلا معقبة، وقد تكون معقبة غير عاطفة، كقوله تعالى: ﴿ثم خلقنا النطفة
علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما﴾ [سورة
(١) لم نطلع على هذا الكتاب من خلال ترجمته.
٢٦٤

المؤمنون / ١٤] الفاء في هذا وشبهه عاطفة معقبة، ونظيره في الكلام: جاء زيد
فعمرو ، وأما المعقبة غير العاطفة فالواقعة في جواب الشرط لأن الجواب يعقب
الشرط ولا يعطف عليه إذ لو عطف عليه لكان شرطا أيضا لا جوابا. انتهى .
وقال أبو الوليد الباجي: هي عند النحويين للتعقيب في العطف ، وأما في
الجواب فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى أنها للتعقيب أيضا. وليس بصحيح بدليل
قوله تعالى: ﴿لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب﴾ [سورة طه/٦١] ولأنك
تقول : إذا دخلت مكة فاشتر لي عبدا، فإنه لا يقتضى التعقيب. انتهى .
ولهذا اختار القرطبى أنها رابطة للجزاء بالشرط لا غير وأن التعقيب غير لازم
بدليل قوله تعالى: ﴿فُسْحِتَكم﴾ وقوله ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان
مقبوضةٌ﴾ [سورة البقرة / ٢٨٣] وليس فيها جزاء عقب شرطه .
وحمله الأولون على المجاز ، لأن الإسحات لما تحقق وقوعه نزل منزلة الواقع
عقبه .
وما نقله الباجي يباينه مباينة ظاهرة ما نقله الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني في
((أصوله)) فإنه قال ما نصه : إن الفاء إن كانت للجزاء فلا خلاف أنها للتعقيب
كقولك: جاءني فضربته وشتمنى فحددته .
واختلفوا فيما إذا كانت للعطف فقيل : كالأول وقيل : كالواو. ا هـ .
لكن الخلاف في الجزاء ثابت وجعلوا من فوائده الخلاف في وجوب استتابة
المرتد فإنه عليه الصلاة والسلام قال : (من بَدَّلَ دينَهُ فأقتلُوه) فإن جعلناه للتعقيب
كان دليلا على عدم الوجوب وإلا فلا .
وأنكر القاضي أبو بكر كونها للتعقيب إذا وقعت في جواب الأمر والنهى. ودافع
المعتزلة عن الاستدلال على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿كُنْ فيكون﴾ [سورة
البقرة/١٧٧] فإن الفاء هنا للتعقيب من غير تراخ ولا مهلة، وإذا كان الكائن الحادث
عقب قول: ((كن)) من غير تراخ ولا مهلة اقتضى ذلك حدث القول الذي هو
((كن)) .
٢٦٥

واشتد نكير القاضي في كون الفاء تقتضى التعقيب في مثل هذا ، ورأى أنها
تقتضيه في العطف فقط ، وليس هذا منه ، وعلى هذا فلا يحسن الاستدلال بها على
الترتيب في قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [سورة المائدة/٦] وأنه إذا
ثبتت البداءة بالوجه ثبت الترتيب في الباقي إذ لا قائل بالفرق. قيل : وأصل
١/٩٦ الفاء/ أن تدخل على المعلول لأنها للتعقيب، والمعلول يعقب العلة، وقد تدخل
على العلة باعتبار أنها معلول كقوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [سورة
البقرة/١٩٧] وسيأتي له مزيد في باب القياس إن شاء الله تعالى.
الباء :
وهي للإلصاق الحقيقي والمجازي أي إلصاق الفعل بالمفعول ، وهو تعليق
الشىء بالشىء واتصاله به ، وقال عبد القاهر : قولهم الباء للإلصاق إن حمل على
ظاهره أدّى إلى الاستحالة لأنها تجىء بمعنى الإلصاق نفسه كقولنا : ألصقت به،
وحينئذ فلا بد من تأويل كلامهم، والوجه فيه أن يكون غرضهم أن يقولوا
للمتعلم : انظر إلى قولك : ألصقته بكذا ، وتأمل الملابسة التي بين الملصق
والملصق به تعلم أن الباء أينما كانت الملابسة التي تحصل بها شبيهة بهذه الملابسة
التى تراها في قولك : ألصقته به. انتهى .
وتجىء للاستعانة، نحو ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم .
وبمعنى المصاحبة، كاشتريت الفرس بسرجه، وجاء زيد بسلاحه .
وبمعنى الظرف، نحو جلست بالسوق .
وتكون لتعدية الفعل، نحو مررت بزيد. قال القرطبي ويمكن أن يقال : إن
هذه المواضع كلها راجعة إلى معنى الملابسة فيشترك في معنى كلى ، وهو أولى دفعا
للاشتراك. قال: وأظن أن ابن جني أشار إلى هذا، وقيل : إنها حيث دخلت على
الآلة فهي للإلصاق .
واختلفوا في كيفية الإلصاق فقيل: تفيد التعميم فيه فعلى هذا لا إجمال في قوله
تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [سورة المائدة/٦] بل تفيد تعميم مسح جميع الرأس.
وقيل: إنما تفيد الصاق الفعل ببعض المفعول ، وعلى هذا فهي مجملة لأنه لا يعلم
٢٦٦

أن مسح أيِّ بعض من الرأس واجب.
وقيل : تقتضي الإلصاق بالفعل مطلقا ولا تقتضى بظاهره تعميما ولا تبعيضا،
وصححّه صاحب ((المصادر))، ثم قال : والأولى أن يقال: إن دخلت على فعل
متعد بنفسه أفادت التبعيض ، لأن الإلصاق الذي هو التعدي مفهوم من دونها
فيجب أن يكون لدخولها فائدة وإن لم يكن متعديا بنفسه فإن فائدته الإلصاق
والتعدية .
اختيار صاحب ((المحصول)) و((المنهاج)) وغيرهما أعني أنها إذا دخلت على فعل
متعد بنفسه اقتضت التبعيض ، ونسب ذلك بعضهم إلى الشافعي أخذا من آية
الوضوء ، وهو وهم عليه فإن له مدركا آخر كما سبق في الواو .
واحتج الإمام بأنا نفرق بالضرورة بين قولنا : مسحت يدي بالمنديل وبالحائط،
وبين قولنا : مسحْتُ المنديلَ والحائطَ في أن الأول للتبعيض والثاني للشمول .
وأجيب : بأن ذلك أمر آخر يرجع الى الإفراد والتركيب ، وهو أنّ مسحت
يدي بالمنديل سيق لإفادة ممسوح وممسوح به ، والباء إنما جىء بها لتفيد إلصاق
الممسوح به التي هي الآلة بمسح المحل الذي هو اليد.
وقوله: مسحت المنديل والحائط إنما سيق لإلصاق المسح بالممسوح، وإذا كان
كذلك فكيف يحكم بعود الفرق إلى التبعيض مع أنه لا تبعيض في الكلام ؟
وقيل : إن دخلت الباء على آلة المسح نحو مسحت بالحائط وبالمنديل فهي
للكل، وإن دخلت على المحل نحو ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [سورة المائدة/٦] لا
يتناول الكل .
ووجهه أن الآلة غير مقصودة بل هي واسطة بين الفاعل والمنفعل في وصول أثره
إليه، والمحل هو المقصود في الفعل المتعدي فلا يجب استيعاب الآلة بل يكفي فيها
ما يحصل به المقصود .
وأنكر ابن جى وصاحب ((البسيط)) مجيئها للتبعيض ، وقالا : لم يذكره أحد من
النحاة .
٢٦٧

قلت : أثبته جماعة منهم ابن مالك ، وقال : ذكره الفارسي في ((التذكرة)) ونقل
عن الكوفيين وتبعهم فيه الأصمعي والعتبى. انتهى، وكذا ابن مخلد في ((شرح
الجمل)) ومثله بقوله: مسحت بالحائط، وتيممت بالتراب، واستحسنه العبدرى في
((شرح الإيضاح)) قال: ووجهه عندي أن الباء الدالة على الآلة لا يلزم فيها أن
يلابس الفعل جميعها ولا يكون العمل بها كلها بل ببعضها .
والحق: أن التبعيض الأول بالقرينة لا بالوضع ، وليست الحجة بل هي ليست
نصا في الاستيعاب، فهي مجملة فيكتفى فيه بما يقع عليه الاسم ولو شعرة.
وقال أبو البقاء: التبعيض لا يستفاد من الباء بل من طريق الاتفاق، وهو
يحصل الغرض من الفعل بتبعيض الآلة بل ظاهر الحقيقة يغطى الجميع. ألا
تراك: إذا قلت مسحت رأس اليتيم، فحقيقته إن تم المسح بجميعه وإذا أمر
ببعضه صح أن يقال: ببعض رأسه فلو كانت للتبعيض لا يستوى ذكر الكل
والبعض وهو خلاف الحقيقة ؟
وقال الماوَرْدي فيما نقله عنه ابن السَّمْعاني: الباء موضوعة لإلصاق الفعل
بالمفعول كقولك: مسحت يدي بالمنديل، وكتبت بالقلم وقد يتسعمل في التبعيض
إذا أمكن حذفها، كقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم. ﴾ [سورة المائدة /٦] أي:
بعض رءوسكم قال: وهو حقيقة في قول بعض أصحاب الشافعي مجاز في قول
الأكثرين. انتهى .
وقال الغزالي في المنخول: ظن ظانون أنها للتعيض في مصدر يستقل بدونها
كقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ وتمسكوا بقولهم: أخذت زمام الناقة إذا
أخذها من الأرض، وأخذت بزمامها إذا أخذت طرفه. وليست الباء للتبعيض
أصلا ، وهذا خطأ في أخذ الزمام ، ولكن من المصادر ما يقبل الصلات(١)
كقولهم: شكرت له ونصحت له ، وأما التبعيض في مسألة المسح مأخوذ من صفة
المصدر فمصدر المسح لا يصير إلى الاستيعاب كمصدر الضرب بخلاف الغسل.
انتھی .
(١) الصلات: جمع صلة.
٢٦٨

قيل: ومما يقطع النزاع في كونها ليست للتبعيض أنها لو كانت كذلك لامتنع
دخولها على بعض للتكرار والتأكيد فيما دخلته بكل للتناقض، فكان يمتنع أن يقال:
مسحت ببعض رأسي ، لأنه بمنزلة بعض بعض رأسي، ولا أن تقول: مسحت
برأسي كله، لأن الباء للتبعيض، وكل لتأكيد الجمع، وجمعها على شىء واحد
تناقض .
تنبيه
جعلوها للتبعيض في آية الوضوء ولم يجعلوها للتبعيض في آية التيمم في قوله
تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ [سورة النساء/٤٣] وفرقوا بأن مسح الوجه في التيمم
بدل وللبدل حكم المبدل، فقيل لهم: إن أردتم حكمه حكم الأصل في الإجزاء
فتحكم ولا يفيدكم في الفرق، وإن أردتم أن صورة البدل لصورة أصله فغير
صحيح، فإن التيمم بدل عن الوضوء وهو في عضوين والوضوء في أربعة، وبأن
مسح الخف بدل عن غسل الرجلين، ولا يجب في ذلك الاستيعاب .
أجابوا عن ذلك بأن ذلك يفسد الخف ولأن مبناه على التخفيف حتى جاز مع
القدرة على غسل الرجل بخلاف التيمم .
نكتتان في الباء يغلط / المصنفون فيها :
٩٦/ب
الأولى
أنهم يدخلونها مع فعل الأبدال على المتروك فيقولون: لو أبدلت ضاداً بطاء.
والصواب: العكس فإذا قلت أبدلت دينارا بدرهم فمعناه اعتضت دينارا عوض
درهم ، فالدينار هو الحاصل لك المعوض والدرهم هو الخارج عندك المعوض به ،
وهذا عكس ما فهمه الناس وعلى ما ذكرنا جاء كلام العرب.
قال الشاعر :
تضحك منى أخت ذي النحيين أبدله الله بلون لونبن
سواد وجه وبياض عينين
٢٦٩

ألا ترى كيف أدخل الباء على المعوّض منه وهو قوله : بلون، ونصب لونين
وهو المعوض ؟
وقال: تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ [سورة البقرة / ١٠٨] و﴿بَدّلناهم
بجنتيهِم جَنْتَين﴾ [سورة سبأ/١٦] ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ [سورة
البقرة/ ٦١] ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم﴾ [سورة محمد/٣٨] أي: يستبدل بكم
قوما غيركم ، وقال تعالى: ﴿عسى ربنا أن يُبْدِلِنا خيراً منها﴾ [سورة القلم/٣٢]
فحذف بها أي: بالجنة التي طيف بها. وقال تعالى: ﴿فأردنا أن يبدلهما رَبُّهُما خيرا﴾
[سورة الكهف/٨١] أي: يبدلهما به.
وقد يجوز حذف حرف الجر لدلالة فعل الأبدال على العوض والمعوض كقوله
تعالى: ﴿يبدل اللهُ سيّاتهم حسنات﴾ [سورة الفرقان/ ٧٠] أي بسياتهم.
وهذا ذكره الشيخ أثير الدين في جموع التكسير من ((شرح التسهيل)).
وكتب الشيخ تاج الدين التبريزي على الحاشية قال تعالى: ﴿إن الله اشترى
من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [سورة التوبة / ١١١] ولا شك أن الجنة
عوض لا معوض .
وعلى هذا يتخرج كلام المصنفين حيث أدخلوا الباء على المأخوذ وإن لم يكن في
الآية فعل الابدال لكن الأكثر هو الأول والثاني فصيح عربي .
قلت : الدعوة مع فعل الابدال وفي جريان ذلك في كل ما دل على معاوضة
نظر، فإنه لم يطرد فيه ، فقد جاء ﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [سورة البقرة/١٦] فقد
دخلت على المتروك وجاء عكسه وهو قوله تعالى : ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين
يشرون الحياة الدينا بالآخرة﴾ [سورة النساء/٧٤] وحينئذ فلا يحسن رد التبريزي
بالاية .
ويمكن أن يقال في هذه الآية: إن الضمير في ((يقاتل)) عائد على المسلمين
والذين يشترون مفعول، وفيه نظر. وكان المعنى في دخول الباء على كل منهما مع
الشراء أن ((اشتريت)) و ((بعت)) كل منهما مستعمل بمعنى الآخر لكن الأكثر في
(بعت)) الإخراج عن الملك، وفي ((اشتريت)) الإدخال .
٢٧٠

الثانيَة
إدخالهم الباء مع فعل الاختصاص على المختص، والصواب: إدخالها على
المختص به، لأن التخصيص إفراد بعض الشىء عما لا يشاركه فيه بالجملة فإذا
قلت : اختص زيد بالمال. فمعناه أن زيدا منفرد عن غيره بالمال فهو المختص بمعنى
اسم الفاعل، والمال مختص به. والمختص أبدا هو المنفرد المحتوي أبدا على الشىء
فهو كالظرف له، والمختص به أبدا هو المأخوذ كالمظروف .
فلو قلت : اختص المال بزيد تريد ما أردته بالمثال السابق لم يصح ، لأنك في
المثال الأول حصرت المال في زيد، وفي الثاني حصرت زيدا في المال، فلا يكون له
صفة غير الاحتواء على المال ، وهو غير المراد فإنّ زيداً قد يكون له صفات من دين
وعلم وغيرهما.
وبهذا يظهر حسن عبارة التسهيل: ((وخصّ الْجَرّ بالاسم)) على عبارة الخلاصة: ((
والاسم قد خصص بالجر)).
اللام :
حقيقة في الاختصاص كقولك: المال لزيد ، وقولهم: للملك مجاز من وضع
الخاص موضع العام ، لأن الملك اختصاص، وليس كل اختصاص ملكا.
فإذا قيل: هي للاختصاص دخل فيه الملك وغيره، كقولك: السَّرْجُ للدابة،
والباب للمسجد. أي: هما مختصان بهما ، ولم يوجد فيهما حقيقة الملك ، وجعلها
الجرجاني حقيقة في الملك ، ومتى استعملت في غيره فبقرينة.
والصحيح: الأول ، لأن الاختصاص معنى عام لجميع موارد استعمالها وبأي
معنى استعملت لا تخلو منه .
قال ابن يعيش: إنما قلنا: أصلها الاختصاص لعمومه ، ولأن كل مالك مختص
بملكه، ولهذا لم يذكر في ((المفصل)) غيره ، ولم يذكر أنها للملك.
وقال ابن الخشاب: قال الحذّاق: اللام تفيد الاختصاص الذي يدخل فيه
٢٧١

الملك، ولذلك يقول العبد: سَيِّدٌ لي قبل العتق، ومولى لي بعده، كما قال السيد :
عبيد لي ، وفي التنزيل ﴿لمن الملك اليوم ؟ لله﴾ [سورة غافر/١٦] وفيه ﴿ولله على
الناس حج البيت﴾ [سورة آل عمران/٩٧] ﴿ولسليمان الريح﴾ [سورة الأنبياء] ﴿ولمن
خاف مقام ربه﴾ [سورة الرحمن/٤٦] ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [سورة
النساء/١٢] قال : فما لا يصلح له التملك قيل : اللام معه لام الاستحقاق ، وما
صح أن يقع فيه التملك وأضيف إليه ما ليس بمملوك له قيل : اللام معه لام
الاستحقاق ، وما عدا ذلك فاللام فيه عندهم لام الملك .
وفرق القرافي بين الملك والاستحقاق والاختصاص فقال: المال إن أضيف إلى
من يعقل كانت للملك ، وإلا فإن شهدت العادة له به فللاستحقاق، كالسرج
للدابة ، وإن لم تشهد به بل كانت من شهادة العادة وغيرها فهو للاختصاص ،
فالملك أخص من الاستحقاق ، والاستحقاق أخص من الاختصاص ، وما قاله
ابن الخشاب في الفرق أحسن .
وجعل بعضهم اللام في قوله {وَسّ: (من باع عبدا وله مال) للاختصاص، إذ لو
كانت للملك لتنافي مع قوله: (فماله للبائع) .
وحكى الرافعي في كتاب الإفراد عن الأصحاب أن اللام تقتضى الاختصاص
بالملك أو غيره، فإن تجردت وأمكن الحمل على الملك حمل عليه ، لأنه أظهر وجوه
الاختصاص ، وإن وصل بها وذكر وجها آخر من الاختصاص أو لم يمكن الحمل
على الملك ، كقولنا: الحبل للفرس حمل عليه .
وتأتي للتعليل: كقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على اللـه حجة﴾ [سورة
النساء /١٦٥]، والعاقبة، نحو ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ [سورة
القصص /٨]
قال ابن السمعاني : وعندي أنه مجاز .
وقال الزمخشري : التحقيق أنها لام العلة ، والتعليل فيها وارد على طريق
المجاز لا الحقيقة .
وقال الشيخ جمال الدين بن هشام في ((المغنى)): أنكر البصريون لام العاقبة .
٢٧٢

قلت: في كتاب ((المبتدىء)) في النحو لابن خَالَوْيِه، فأمّا قوله تعالى :
﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا﴾ [سورة القصص/٨] فهي لام كي عند
الكوفيين ، ولام الصيرورة عند البصريين. انتهى .
ونقل ابن برهان في ((الغرة)) عن الكوفيين أن تقديره ((لئلا يكون)).
وفي ((أمالي)) الشيخ عزالدين : المفرق بين لام الصيرورة، كما في قوله تعالى :
﴿ليكون لهم عدوا﴾ ولام التعليل، كما في قوله تعالى: ﴿لنُحْيِيَ به بلدة ميتًا﴾
[سورة الفرقان/٤٩] أن لام التعليل تدخل على ما هو غرض لفاعل الفعل ، ويكون
مرتبا على الفعل ، وليس في لام الصيرورة إلا الترتيب فقط .
قال ابن فورك عن الأشعري : كلّ لامِ نسبها الله عز وجل لنفسه فهي لام
الصيرورة، لاستحالة الغرض مكان المخبر في لام الصيرورة .
قال : فعلت هذا بعد هذا لأنه غرض لي .
٢٧٣

ومن الثنائي
(أَنْ) المفتوحَة السَّاكنة
١/٩٧ تدخل على المضارع لتخلصه للاستقبال ، وتلي / الماضى فلا تغيره عن معناه
نحو سرّني أن ذهب زید .
واختلف هل هي الداخلة على المضارع لأنها في الموضعين مؤولة بالمصدر ؟
والصحيح: أنها غيرها وإلا لزم انصراف الماضي معها إلى الاستقبال، كما أَنّ ((إِنْ))
الشرطية الداخلة على الماضي لما كانت بمعنى الداخلة على المضارع قلبت الماضي إلى
الاستقبال، وما ذكرناه من تخليصها المضارع إلى الاستقبال مجمع عليه بين النجاة .
وزعم القاضي أبو بكر وتبعه إمام الحرمين وغيره أنها تكون غير مُخَلّصة
للاستقبال بل تكون للحال ، واحتجوا بذلك على المعتزلة في قوله تعالى: ﴿إنما
قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [سورة النحل / ٤٠] فقوله: ﴿أن
نقول﴾ حال ، لأنه لو كان مستقبلا لزم أن يكون كلامه مخلوقا تعالى الله عز وجل
عن ذلك. وتابعهم أبو الوليد الباجي.
وقال في كتاب ((التسديد)): إن القول بتخليصها للاستقبال قول ضعفه
النحاة ، وهذا عجيب.
واحتج إمام الحرمين بقول سيبويه: ((أن)) مفتوحة على أوجه:
أحدها: أن تكون ((أن)) وما تعمل فيه من الفعل بمنزلة مصادرها فكما أن المصدر
لا يخص زمانا بعينه فكذلك ما كان بمنزلته وتضمن معناه .
قال ابن خروف : وكلام سيبويه في هذا قوله : ((أن)) المفتوحة تكون على
وجوه :
أحدها: أن تكون ((أن)) وما تعمل فيه من الفعل بمنزلة مصادرها وباقي الكلام
٢٧٤

لأبي المعالي ، وليس في كلام سيبويه أكثر من أنّ ((أنْ)) مع الفعل بتأويل مصدر ،
ولا يلزم من جعل الشيء بمنزلة الشىء في حكم ما أن يشبهه من جميع الوجوه.
وغرض سيبويه أنّ ((أنْ)) مع الفعل بتأويل اسم يجري بوجوه الإعراب، كقولك :
أعجبنى أن قمت ، ويعجبنى أن تقوم ، فالأول ماض والثاني مستقبل. فإن أردت
الحال قلت : يعجبني أنّكَ تقوم، فجئت بها مثقلة ، وإذا قلت: يعجبني قيامُك
احتمل الأزمنة الثلاثة ، ولأجل الدلالة على الزمان جىء بأن والفعل .
وأما الآية الشريفة التي تمسك بها القاضي ومتابعوه فأجاب ابن عصفور فيما
حكاه عنه الصّفّار أن القول قد يكون خلاف الكلام لغة بدليل قوله: امتلأ
الحوض .
وقال قطني: فجعل ما يفهم منه كلاما فيكون القول هنا متجوزا فيه: فكأنه
قال : إنما أمره إذا علّق إرادته على الشىء أن يعلقها عليه فيكون ، فجعل تعليق
الإرداة على الشىء قولا ، لأنها يكون عنها الشىء كما يكون عن الأمر ، فلا يكون
في ذلك إثبات خلق القرآن ، وهذا بناء على أن التعليق حادث. وفيه كلام .
ويمكن أن يقال : إنها للحال وهي حال مقدرة كما في مررت برجل معه صقر
صائد به غداً ، فإن معناه مقدراً إلا أن الصيد به غدا وذلك لا ينافي قول النحاة .
أنها تخلصه للاستقبال .
واحتجوا على أنها تكون للماضي بقوله تعالى : ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا﴾
[سورة البروج/٨] قالوا : فوقوع الماضي قبلها دليل على أنها تكون لغير الاستقبال ،
وليس كما زعموا لما ذكرناه ، وبدليل أنهم لم يقتلوا على ما سلف منهم من الإيمان ،
وبذلك ورد خبرهم في حديث الفتى والراهب والملك فذكرا بفعل قبلها بلفظ
الماضي والثاني بلفظ المستقبل ليعم الأزمة الثلاثة على حد قوله :
وندمانَ يزيد الكأْسَ طيباً سقيت إذا تَغَوَّرَت النُّجومُ
وتجىء [أَنْ] للتعليل ولهذا لو قال : أنت طالق أن دخلت الدار بفتح أن وقع في
الحال إن كان نحويا لأنها للتعليل ، ولا يشترط وجود العلة ، وقد ناظر فيه
٢٧٥

الكسائي محمد بن الحسن بحضرة الرشيد، فزعم الكسائي أنها بمعنى ((إذ)) محتجا
بقوله تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ [سورة الحجرات/١٧] وقوله: ﴿أن دعوا
للرحمن ولداً﴾ [سورة مريم/٩١] وهو مذهب كوفي .
وخالفهم البصريون وأولوا على أنها مصدرية أي: إسلامهم ولكن قبلها لام
العلة مقدرة، وبذلك يبطل انتصار السروجي في ((الغاية)) لمحمد فإن التعليل
ملحوظ وإن لم يجعلها للتعليل ، وذلك يقتضي الإيقاع في الحال .
تنبيه مهم
في الفرق بين أن والفعل والمصدر، وذلك من أوجه :
أحدها: دلالة الفعل على المضى أو الاستقبال بخلاف المصدر .
الثاني : دلالة ((أن)) والفعل على إمكان الفعل دون وجوبه واستحالته بخلاف
المصدر .
الثالث: تحصير ((أن)) بمعنى الحدوث دون احتمال معنى زائد عليه، فإن قولك:
كرهت قيامك قد يكون لصفة في ذلك القيام ، وقولك: كرهت أن قمت يقضي
أنك كرهت نفس القيام .
الرابع : امتناع الأخبار عن ((أن)» والفعل في نحو قولك: أن قمت خير من أن
قعدت بخلاف المصدر. قاله السهيلي .
الخامس: ((أن)) والفعل يدل على الوقوع بخلاف المصدر قاله صاحب ((البسيط))
من النحاة كذا نقله بعض المتأخرين .
وإنما قال صاحب ((البسيط)) ذلك في ((أنّ)) المشددة لا المخففة، ففرق بين
عجبت من انطلاقك وعجبت من أنَّك منطلق بما ذكر .
ثم ما قاله في المصدر يخالف قول أصحابنا في كتاب الظهار في مسألة: إن
وطئتك فعبدي حر عن ظهاري ، ولم يكن ظهار فإنه يحكم به ظهار لإقراره .
٢٧٦

وقال ابن عطية: ((أن)) مع الفعل تعطي استئنافا ليس في المصدر في أغلب
أمرها .
وقد تجيء في مواضع لا يلاحظ فيها الزمان ، وتفترقان في الأحكام في أمور:
منها: أنه لا يؤكد بأن والفعل بخلاف المصدر ، لأنه مبهم وهي معينة فكان
المصدر المصرح به أشياء بما أكد ، فتقول : ضربت زيدا ضربا ، ولا تقول:
ضربت زيدا أن ضربت .
ومنها : أن المصدر الصريح قد يقع حالا وقد لا يقع، و((أن)) والفعل المنسبك
منهما المصدر لا يقع حالا البتة .
ومنها: أن المصدر لا يجوز أن ينوب مناب المفعولين في باب ظننت وينوب ((أن))
مع الفعل منابهما ، فلا تقول : ظننت قيامك، وتقول: ظننت أن يقوم زيد. قاله
الصفار، وإنما جاز مع ((أن)) للطول .
قال: وأجاز بعضهم ظننت قيام زيد على حذف المفعول الثاني أي: واقفا .
ومنها: أن المصدر لا يحذف معه حرف الجر فلا تقول : عجبت ضربك تريد
من ضربك، ويحذف مع ((أن)): ذكره الصفار أيضا .
ومنها : أن المصدر يقع قبله كل فعل ولا يقع قبل ((أن)) إلا أفعال الظن والشك
ونحوها دون أفعال التحقيق لأنها تخلص الفعل للاستقبال ، وليس فيها تأكيد كما
في ((أن))، فلم يكن بينها وبين فعل التحقيق نسبة .
ومنها: أن المصدر يضاف إليه فيقال: جئت مخافة ضربك ، ولا يضاف إلى
((أن)) فلا يقال: مخافة أن تضرب ، وما سمع منه فإنه على حذف التنوين تخفيفا ،
والمصدر / عنده منصوب. قاله ابن طاهر.
وزيفه الصفار بأنه لم يثبت في كلامهم حذف التنوين تخفيفا ، وإنما حذف
لالتقاء الساكنين .
٩٧/ب
وكلام الفقهاء في أن المستعير ملك أَنْ ينتفع حتى لا يعير، والمستأجر مالك
المنفعة حتى أنه يؤجر يقتضي فرقا آخر.
٢٧٧

[إنْ]:
تجىء للشرط، نحو ﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [سورة الأنفال/٨]
والغالب استعمالها فيما يمكن وقوعه نحو إن قام زيد .
ونقل في ((المحقق)) نحو إن مات زيد زرتك ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مات أو
قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [سورة آل عمران/١٤٤].
وقوله :
کم شامتٍ بي إن هلكْتُ وقائل لله دره
إلا أنها إذا استعملت فيما لا بد من وقوعه فلا تستعمل إلا فيما كان زمن وقوعه
مبهما ، ولهذا دخلت في قوله تعالى: ﴿ولئن مُتّمْ﴾ [سورة آل عمران/١٥٨] فإن علم
زمن وقوعه فلا تستعمل فيه ، فلا يصح أن تقول: إن احمرّ البُسر فأتني فإن احمراره
لا بد منه ووقته معلوم بالتقريب.
والمتلخص من كلامهم أنّ ((إنْ)) ((وإذا)) يشتركان في عدم الدخول على
المستحيل إلا لنكتة، نحو ﴿قل إن كان للرحمن ولد﴾ [سورة الزخرف/٨١] وتنفرد
((إن)) بالمشكوك فيه والموهوم، وتنفرد ((إذا)) بالمجزوم به، وهل تدخل على المظنون؟
خلاف .
وتجىء للنفي إن تلاها ((إلّ)) نحو ﴿إن الكافرون إلا في غرور﴾ [سورة الملك/٢٠]
أو ((لما)) نحو ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ [سورة الطلاق/٤] أو غيرهما، نحو ﴿إِن
عندكم من سلطان بهذا﴾ [سورة يونس /٦٨] .
وفيه رد على من ادعى ملازمته لإلّ ولمّ
[أو] :
لأحد الشيئين أو الاشياء شاكا كان أو إبهاماً تخييرا كان أو إباحة ، فإن كانا
مفردين أفادا ثبوت الحكم لأحدهما، وإن كانا جملتين أفاد حصول مضمون
أحدهما ، ولذلك يفرد ضميرهما نحو زيد، أو عمرو قام ، ولا تقل: قاما.
بخلاف الواو فتقول : زيد وعمرو قاما، ولا تقل : قام .
٢٧٨

وحقيقتها أنها تفرد شيئا من شىء، ووجوه الإفراد تختلف فتتقارب تارة وتتباعد
أخرى حتى توهم أنها قد تضادت ، وهي في ذلك ترجع إلى الأصل الذي وضعت
له ، وقد وضعت للخبر والطلب ، فأما في الخبر فمعناها الأصلي قيام الشك ،
فقولك: زيد أو عمرو قام ، أصله أن أحدهما قام .
ثم أكثر استعماله أن يكون المتكلم شاكا لا يدري أيهما القائم ، فظاهر الكلام
أن يحمله السامع على جهل المتكلم ، وقد يجوز أن يكون المتكلم غير شاك ، ولكنه
أبهم على السامع لغرض. ويسمى الأول الشك، والثاني التشكيك والإبهام
أيضا ، ومنه قوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سورة
سبأ/ ٢٤]
وكذلك جاءت في خبرالله، نحو ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [سورة
الصافات / ١٤٧] ﴿فهى كالحجارة أو أشد قسوة﴾ [سورة البقرة/ ٧٤] ﴿وما أمر الساعة
إلا كلمح البصر أو هو أقرب﴾ [سورة النحل / ٧٧] ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾
[سورة النجم/ ٩]
فإن قلت : كيف يقع الإبهام من الله وإنما القصد منه البيان ؟
قلت : إنما خوطبوا على قدر ما يجري في كلامهم ولعل الإبهام على السامع
لعجزه عن بلوغ حقائق الأشياء ، ومن ثم قيل : القصد من الإبهام في الخبر تهويل
الأمر على المخاطب من إطلاقه على حقيقته وحملها على ذلك المعنى هو من صناعة
الحذاق، وذلك أولى من إخراجها إلى معنى الواو.
وبالجملة الإخبار بالمبهم لا يخلو عن غرض إلا أن المتبادر منه الشك ، فمن
هنا ذهب قوم إلى أن ((أو)) للشك .
والتحقيق: أنه لا خلاف لأنهم لم يريدوا إلا تبادر الذهن إليه عند الإطلاق ،
وما ذكروه من أن وضع الكلام للإبهام على تقدير تمامه إنما يدل على أن ((أو)) لم
توضع للتشكيك ، وإلا فالشك أيضا مبنى يقصد إبهامه بأن يقصد المتكلم إخبار
المخاطب بأنه شاك في تعيين أحد الأمرين بخلاف الإنشاء ، فإنه لا يحتمل الشك
ولا التشكيك ، لأنه إثبات الكلام ابتداء .
٢٧٩

وقد يحسن دخول ((أو)) بين أشياء يتناولها الفعل في أوقات مختلفة فيراد بالخبر
إفراد كل واحدة منها في وقته ، كقولك : إذا قيل لك : ما كنت تأكل من الفاكهة؟
قلت : آكل التين أو العنب أو الرمان. أي: إفراد هذا مرة وهذا مرة ، ولم ترد
الشك ولا الإبهام هذا شأنها في الخبر .
وأما في الطلب أعني الأمر والنهي فتقع على وجهين كلاهما للإفراد:
أحدهما : أن يكون له أحد الأمرين إذا اختاره ولا يتجاوزه ، والآخر محظور
عليه .
والثاني: يكون اختيار كل منهما غير محظور عليه الآخر .
وسموا الأول تخييرا والثاني إباحة.
وفرقوا بينهما بأنه إن كان بين شيئين يمتنع الجمع بينهما فهي للتخيير وإلا
فللإباحة .
فالأول: نحو خذ من مالي درهماً أو ديناراً حيث يكون مقصوده أن يأخذوا
واحداً فقط ، ولا يجمع بينهما ، أو لما يقتضيه حظر مال غيره عنه إلا بسبب تصح
به إباحته له ، والسبب هنا تخيير المأمور باجتنابه ، فقد أباحه بالتخيير أحدهما لا
بعينه . فأيهما اختار كان هو المباح ، ويبقى الآخر على حظره ، وكذلك كُلْ سمكا
أو لبنا لدلالة القرينة على المنع من الجمع.
والثاني: نحو جالِسْ الحسن أو ابن سيرين ، أي: جالس هذا الجنس من
العلماء فله الجمع بينهما ، وكذلك تعلم فقها أو نحوا .
قال سيويه : تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين أو زيداً، كأنك قلت :
جالس أحد هؤلاء ، ولم ترد إنسانا بعينه ، ففي هذا دليل على أن كلهم أهل أن
يجالس ، كأنك قلت: جالس هذا الضرب من الناس. وتقول : كل خبزا أو لحما
أو تمرا فكأنك قلت: كُلْ أَحَدَ هذه الأشياء فهذا بمنزلة الذي قبله. انتهى .
واعلم أن ((أو)) من حيث هي تدل على أحد الشيئين أو الأشياء مثل ((إمّا)).
وينفصل التخيير عن الإباحة بالقرينة وسياق الكلام، وهي تساوي ((إمّا)) في
٢٨٠