Indexed OCR Text

Pages 21-40

المنصوص، وجوزه معتزلة البصرة .
قال: وأما أسماء غيره، فالصحيح من مذهب الشافعي جواز القياس فيها .
وقال بعض أصحابه مع أكثر أهل الرأي بامتناع القياس .
وأجمعوا على أنه لو حدث في العالم شيء بخلاف الحوادث كلها جاز أن يوضع له
اسم، واختلفوا في كيفيته ، فمنهم من قال: نسميه باسم الشيء القريب منه في
صورته، ويكون ذلك من جملة اللغة التي قيس عليها، ومنهم من قال: ابتدأ له
اسما كيف كان، ويكون ذلك لغة مختصة بالمسمى بها. اهـ.
وقال المُقْتَرَح في ((شرح الإرشاد)): أطلق أئمتنا أن القياس لا يجري في أسماء الله
فانحصر مداركها في الكتاب والسنة والإجماع ، وهل يشترط أن يكون الخبر الوارد
في السنة في أسماء الله متواترا؟ فيه خلاف والصحيح: أنه غير شرط .
[كيفية معرفة الطريق إلى معرفة وضع الألفاظ] :
السابع: في كيفية معرفة الطريق إلى معرفة وضع الألفاظ لمعانيها ، وهو إما
بالنقل الصرف أو بالعقل الصرف أو المركب منهما .
الأول: النقل، وهو إما متواتر كالأرض والسماء والحر والبرد وهو مفيد للقطع،
وإما آحاد كالقرء ونحوه، وهو مفيد للظن بشروطه الآتية عند الجمهور .
وحكى القاضي من الحنابلة عن السَّمناني في مسألة العموم: أن اللغة لا تثبت
بالآحاد، وكأنه قول الواقفية في صيغ العموم والأمر.
والحق : أنه إنما يكون حجة في باب العمليات والأحكام . أما ما يتعلق بالعقائد
فلا ، لأنها لا تفيد القطع .
قال في ((المحصول)): والعجب من الأصوليين حيث أقاموا الدليل على أن خبر
الواحد حجة في الشرع ، ولم يقيموا الدليل على ذلك في اللغة وكان هذا أولى ،
لأن إثبات اللغة كالأصل للتمسك بخبر الواحد .
قال الأصفهاني : وهذا ضعيف، لأن الذي دل على حجية خبر الواحد في
الشرع على التمسك به في نقل اللغة آحاداً إذا وجدت الشرائط ، فلعلهم أهملوا
٢١

ذلك اكتفاء منهم بالأدلة الدالة على أن خبر الواحد حجة في الشرع .
وأورد في ((المحصول)) تشكيكات كثيرة على نقل اللغة وناقلها، ومن جيد
أجوبتها: أنها على قسمين: فمنه ما يعلم بالضرورة مدلوله فيندفع عند جميع
التشكيكات إذ لا تشكيك في الضروريات، والأكثر في اللغة هو هذا، ومنه ما لیس
كذلك فيكتفى فيه بالظن، ونَقْلِ الآحاد .
وقال أبو الفضل بن عبدان في ((شرائط الأحكام)) وتبعه الجيلي في ((الإعجاز)):
ولا يلزم اللغة إلا بخمس شرائط:
أحدها : ثبوت ذلك عن العرب بنقل صحيح بوجوب العمل .
والثاني : عدالة الناقلين كما يعتبر عدالتهم في الشرعيات .
والثالث: أن يكون النقل عمن قوله حجة في أصل اللغة كالعرب العاربة مثل
قحطان ومعدّ وعدنان، فأما إذا نقلوا عمن بعدهم بعد فساد لسانهم واختلاف
المولدين، فلا .
قلت : ووقع في كلام الزمخشري وغيره الاستشهاد بشعر أبي تمام بل في
((الإيضاح)) للفارسي، ووجه بأن الاستشهاد بتقرير النقلة كلامهم وأنه لم يخرج عن
قوانين العرب .
وقال ابن جني: يستشهد بشعر المولدين في المعاني كما يستشهد بشعر العرب في
الألفاظ .
والرابع: أن يكون الناقل قد سمع منهم حسا، وأما بغيره فلا يثبت .
والخامس: أن يسمع من الناقل حسا. اهـ.
الثاني(١): العقل: قال البيضاوي وغيره : وهو لا يفيد وحده ، إذ لا مجال له في
معرفة كيفية الموضوعات اللغوية .
الثالث : المركب منهما، كما إذا نقل أن الجمع المعرف باللام يدخله الاستثناء،
(١) أي: من معرفة طريق الوضع. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية.
٢٢

وأن الاستثناء إخراج ما لولاه لتناوله اللفظ ، فإن العقل يدرك ذلك وأن الجمع
المعرف للعموم، وهو يفيد القطع إن كانت مقدماته كلها قطعية، والظن إن كان
منها شيء ظني .
واعترض في ((المحصول)) بأن الاستدلال بالمقدمتين النقليتين على النتيجة لا
يصح إلا إذا ثبت أن الناقضة ممنوعة على الواضع ، وهذا إنما يثبت إذا قلنا: إن
الواضع هو الله تعالى، وقد بينا أن ذلك غير معلوم .
والتحقيق : أن هذا القسم لا يخرج عن القسمين قبله، إذ ليس المراد بالنقل أن
يكون النقل مستقلا بالدلالة من غير مدخل للعقل فيه، ألا ترى أن صدق المخبر
لابد منه وهو علقي؟ وقد قال سليم في باب المفهوم من ((التقريب)): تثبت اللغة
بالعقل، لأن له مدخلا في الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم
وموضوعاتهم .
تنبيهان
[التنبيه] الأول
قد تعلم اللغة بالقَرائن
قال ابن جني في ((الخصائص)) من قال: إن اللغة لا تعرف الا نقلا فقد أخطأ ،
فانها قد تعلم بالقرائن أيضا، فإن الرجل إذا سمع قول الشاعر :
قوم ، إذا الشرُّ أبدا ناجِذَيْه لهم طاروا إليه زَرافات ووحدانا
يعلم أن الزرافات بمعنى الجماعات .
[التنبيه] الثاني
قال عبد اللطيف البغدادي في ((شرح الخطب النباتية)): اعلم أن اللغوي شأنه
أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله
٢٣

اللغوي ويقيس عليه، ومثالهما المحدث والفقيه، فشأن المحدث نقل الحديث
برمته، ثم إن الفقيه يتلقاه ويتصرف فيه ويبسط علله ويقيس عليه الأمثال
والأشباه .
قال أبو علي فيما حكاه ابن جني: يجوز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم وشعرنا
على شعرهم .
مَسألة
[لسَان العَرَب أوسع الألسنة]
قال الشافعي في ((الرسالة)): لسان العرب أوسع الألسنة لا يحيط بجميعه إلا
نبي ، ولكنه لا يذهب منه شيءٍ على عامتها ، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة
عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، وتوجد
مجموعة عند جميعهم .
وقال ابن فارس في كتاب ((فقه العربية)): قال بعض الفقهاء : كلام العرب لا
يحيط به إلا نبي. قال: وهذا كلام حقيق أن لا يكون صحيحا، وما بلغنا عن أحد
من الماضين أنه ادعى حفظ اللغة كلها، وأما ما وقع في آخر كتاب الخليل: هذا
آخر كلام العرب، فالخليل أتقى الله من أن يقول ذلك .
قال: وذهب علماؤنا أو أكثرهم إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو
٦٢/ ب الأقل، ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاء شعر كثير، / وكلام كثير، وأحرى بهذا القول
أن يكون صحيحا .
مَسَأُلة
[الاحتجاج باللغة العَربية]
قال ابن فارس : لغة العرب يحتج بها فيما اختلف فيه إذا كان التنازع في اسم أو
٢٤

صفة أو شيء مما يستعمله العرب من سننها في حقيقة أو مجاز ونحوه ، فأما ما سبيله
الاستنباط، وما فيه لدلائل العقل مجال، فإن العرب وغيرهم فيه سواء ، وأما
خلاف الفقهاء في القرء والعود في الظهار ونحوه فمنه ما يصلح للاحتجاج فيه بلغة
العرب، ومنه ما يوكل إلى غير ذلك .
قال: ويقع في الكلمة الواحدة لغتان كالصرام ، وثلاث كالزجاج ، وأربع
کالصداق، وخمس کالشمال ، وست کالقسطاس ولا یکون أکثر من هذا. اهـ.
قلت: وهذا غريب، فقد حكوا في الأصبع عشر لغات، وكذا الأنملة، ونظائره
كثيرة ، وقيل: في ((أف)) خمسون لغة .
مَسألة
[ثبوت اللغَة بالقياس]
لا خلاف في ثبوت اللغة بالنقل والتوقيف، وهل تثبت بالقياس؟ فيه قولان
للأصوليين، وهما وجهان لأصحابنا كما قاله الشيخ في ((اللمع)) والماوَرْدي في
((الحاوي))، والرُّوياني في ((البحر))، فذهب أبو بكر الصَّيْرفي والقاضي أبو بكر
وتلميذه ابن حاتم من أصحابنا في كتابه ((اللامع)، وأبو الحسين بن القطان وإمام
الحرمين والغزالي وابن القشيري والكيا الطبري إلى المنع ، لأن الأسماء مأخوذة من
اللغة دون الشرع، ونقله عن معظم المحققين، ونقله في ((المحصول)) عن معظم
أصحابنا وعن جمهور الحنفية، ونقله الأستاذ أبو منصور عن الحنفية وبعض
أصحابنا، ونقله سليم الرازي في ((التقريب)) عن العراقيين وأكثر المتكلمين،
واختاره ابن خويز منداد من المالكية، والآمدي وابن الحاجب إلا أنهما وَهَمَا في
النقل عن القاضي فنقلا عنه الجواز، والذي صرح به في كتاب ((التقريب)) إنما هو
المنع، وكذا نقله عنه المازَري والغزالي وغيرهما، ونقله ابن جني وابن سيده في
كتاب ((القوافي)) عن النحويين .
٢٥

قال: لأن العرب قد فرغت من تسمية الأشياء فليس لنا أن نبتدع أسماء، كما
أنه ليس لنا أن نطلق الاشتقاق على جميع الأشياء ، لئلا يقع اللبس في اللغة
الموضوعة للبيان . ألا ترى أنهم سموا الزجاجة قارورة لاستقرار الشيء فيها،
فليس لنا أن نسمي الجب والبحر قارورة لاستقرار الماء فيهما.
والأكثرون من أصحابنا كما قاله القاضي أبو الطيب الطبري وابن برهان وابن
السَّمْعاني على الجواز .
قلت : منهم أبو علي ابن أبي هريرة وابن سريج والأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني
والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق ونقله الأستاذ أبو منصور البغدادي في
كتاب ((التحصيل)) عن نص الشافعي، فإنه قال في الشفعة : إن الشريك جار،
وقاسه على تسمية العرب امرأة الرجل جاره .
وقال ابن فُورَك: إنه الظاهر من مذهب الشافعي ، إذ قال: الشريك جار في
مسألة الشفعة يقال : امرأتك أقرب إليك أم جارك؟ ونقله سليم الرازي عن
البصريين من النحويين، وقال في ((المحصول)): نقل ابن جني في ((الخصائص)) أنه
قول أكثر علماء العربية كالمازني وأبي علي الفارسي، واختاره الإمام الرازي .
قال: وما اصطلح عليه العروضيون من أسماء البحور وغيره فإنه على التشبيه
والنقل لما وضعته العرب في أولية موضوع اللغة .
وقال ابن فارس في ((فقه العربية)) أجمع أهل اللغة إلا من شذ منهم أن في لغة
العرب قياساً وهو قول ابن درستويه .
وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني في شرح كتاب ((الترتيب)): تكلمت يوما
مع أبي الحسين بن القَطّان في هذه المسألة ونصرت القول بجواز أخذ الأسامي
قياسا، فقال: من يقول بهذا يلزمه ما يلزم ابن درستويه، قال: وكان ابن درستويه
رجلا كبيرا في النحو واللغة غير أنه كان يتهمه في دينه، فقال ابن درستويه: يجوز
أخذ الأسامي قياساً إذا كان مما يقاس عليه، فمما أخذ واشتق اسمه من معنى فيه
مثل القارورة تسمى قارورة، لاستقرار الماء فيها ، فكل ما في معناها يكون
قارورة .
٢٦

قيل: وأيش يقول في الجب يستقر الماء فيه؟ هل يجوز أن يسمى قارورة؟ قال:
نعم. قيل: فما تقول في البحر والحوض؟ فالتزم ذلك، ورکب الباب کله.
فاستبشعوا ذلك منه، وشنعوا عليه. فقلت لأبي الحسين: أيش إذا أخطأ واحد في
القياس؟ بل كان من سبيله أن يحترز فيه بنوع من الاحتراز بأن يقول: ما يستقر الماء
فيه ويخف على اليد ونحوه وحكى أبو الحسين بن القطان: قولا ثالثاً أنه جائز إلا أنه
لم يقع، وكذا قال ابن فُورَك: القائلون بالجواز اختلفوا في الوقوع على وجهين .
وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): الأولى أن يقال بجواز إثبات الأسامي
شرعا، ولا يجوز إثباتها لغة ، وهو الذي اختاره ابن سريج، ويخرج مما سيأتي في
علامات الحقيقة مذهب آخر ، وهو الفرق بين الحقيقة والمجاز، فيجوز القياس في
حقيقة اللغة، ويمتنع فيما ثبت كونه مجازا .
احتج المانع بأن القياس: إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به، وذلك لا يستقيم في
اللغة، لأن الفرع لم يتكلم به العرب فلم يكن من لغتها، وإن أريد إلحاقه بما
نطقت به، فهو وضع من جهته لا من جهتهم، فلا يكون من لغتهم .
واحتج المُجَوِّز بالإجماع على جواز القياس في الاشتقاق والنحو، وأجيب بأن
القياس النحوي تصرف في أحوال الكلم فليس وضعا مستأنفا بخلاف وضع
ذوات الكلم ، والأقيسة النحوية ليس فيها شيء مسكوت عنه، بل إما منطوق
بعينه أو بنظيره ، ومن مهمات هذا الأصل عند القائل به إلحاق النبيذ بالخمر في
الاسم حتى يحكم بتحريم قليله وكثيره .
ونحن وإن لم نقل بالقياس اللغوي، فنحن نحكم بتحريم قليل النبيذ تمسكا
بأصل الاسم فان العرب تسميه خمراً ، كما قال عمر رضي الله عنه: كل مسكر
خمر، ولما نزل تحريم الخمر فهمت العرب منها تحريم النبيذ وغيره، فإن أقواماً
أراقوا ما كان عندهم من النبيذ من غير توقف ولا استفسار، فدل على أنه من
لغتهم واصطلاحهم .
ثم محل الخلاف في الأسماء المشتقة المتعلقة بالمعاني الدائرة مع الأسماء الموجودة
فيها وجودا وعدما كالخمر اسم للمسكر المعتصر من العنب، ليصح الإلحاق عند
٢٧

وجود المعني الذي من أجله وضع اسم المنصوص عليه.
أما الأعلام كزيد وعمرو فلا يجرى فيها وفاقا. قاله أبو الحسين بن القطان،
والأستاذ أبو إسحاق والقاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) والمازَدي. قال: والمعنى
فيه كونها غير معللة فهي كالمنصوص لا تعلل .
قال: وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في الأسماء المشتقة الصادرة في معان
معقولة كالخمر والزنى ، وذكر إمام الحرمين أن الخلاف في الأسماء المشتقة دون
١/٦٣ الجوامد وأسماء الأنواع / والأجناس، ونازعه المُقْتَرَح بأن المشتقة قد نقل عنها في
العرب ثلاثة أقسام: قسم طردوا فيه الاشتقاق، وقسم: منعوه فيه، وقسم: لم
يعلم هل طردوه أو منعوه .
قال: وهذا موضع الخلاف: أما الأولان فلا يتصور فيهما نزاع، لأنا إذا علمنا
الاشتقاق كان هذا مأخوذا من اللفظ لا من طريق القياس، وإن علمنا المنع من
طرد الاشتقاق امتنع القياس لئلا يلتحق بلغتهم ما ليس فيها فتعين أن يكون محل
الخلاف في القسم الثالث، ووجه المنع أنا إذا شككنا في أنهم أجازوا الاطراد أو
منعوه فتعين أحد القسمين لا سبيل إليه إلا السمع، ولم ينقل لنا عن العرب منع .
وقال ابن دقيق العيد: ليس من محل الخلاف ما علم أن أهل اللغة وضعوه لمعنى
يشمل الجزيئات، فإنه لا خلاف في أن إطلاقه على الجزيئات ليس بقياس، ولا
يجرى أيضا فيما ثبت بالاستقراء إرادة إلى المعنى الكلي، وإن لم يعلم نصهم على أن
الموضوع هو المعنى الكلي . مثال الأول؛ قولنا: رجل، والثاني قولنا: الفاعل
مرفوع والمفعول منصوب، بل محل الخلاف فيما إذا أطلقوا اسما مشتملا على وصف
واعتقدنا أن التسمية لذلك الوصف فأردنا تعدية الاسم إلى محل آخر ، كما إذا
اعتقدنا أن اطلاق اسم الخمر باعتبار التخمير ، فعديناه إلى النبيذ .
وكذا قال ابن الحاجب : أن الخلاف لا يجرى فيما ثبت بالاستقراء كرفع
الفاعل، لكن القاضي أبا الطيب قال: ما طريقه اللغة من اسم أو إعراب هل
يثبت بالقياس؟
اختلف أصحابنا فيه، فذهب أكثرهم إلى ثبوته، وذهب بعضهم إلى أنه لا
٢٨

يثبت، وبه قال أصحاب أبي حنيفة وكثير من المتكلمين. اهـ.
وجعل في ((الإرشاد)) محل الخلاف ما إذا أريد إلحاق الأسماء اللغوية بقياس
لغوي أو الأسماء الشرعية بقياس شرعي. قال: فإن أريد إلحاقه به بقياس شرعي
لم يجز قطعا، لأن الأسماء اللغوية سابقة على الشرع، فلم يصح إثباتها بعلل
شرعية. حكاه بعض شراح ((اللمع)).
وقال ابن الصباغ في ((العدة)): يمتنع إثبات الاسم اللغوي بقياس شرعي مثل
أن يثبت فيمن وطىء الغلام أنه يسمى زنى، لأنه وطىء في فرج ، لأن الأسماء
اللغوية سابقة للشرع، فلا يثبت به، وإنما الاسم الشرعي يجوز إثباته بقياس
شرعي مثل تسمية هذه الأفعال الشرعية صلاة .
وقال الغزالي في ((المنخول)) تحرير النزاع: أن صيغ التصاريف على القياس ثابت
في كل مصدر نقل بالاتفاق، إذ هو في حكم المنقول، وتبديل العبارات ممتنع
بالاتفاق كتسمية الفرس دارا ، والدار فرسا .
ومحل النزاع في القياس على عبارة تشير إلى المعنى، وهو حائد عن نهج القياس
كقولهم للخمر: خمر لأنه يخامر العقل، فهل يقاس عليه سائر المسكرات؟ جوزه
الأستاذ، والمختار: منعه، وهو مذهب القاضي. اهـ.
وقال الصَّيْرفي: القياس لا يكون إلا على علة ، والأسماء لا قياس لها، وإنما
العلة كالحد للشيء والعلم عليه .
والحاصل: أن صورة المسألة في كل محل يصلح الجري فيه على مقتضى
الاشتقاق، ولم يظهر من أهل اللغة فيه قصد القصر أو التعدية كتسمية عصير
العنب خمراً من المخامرة أو التخمير. وقال صاحب ((الكبريت الأحمر))، أجمعوا
على أن إثبات الأسماء اللغوية بالقياس اللغوي جائز إذا كان الاسم اسم معنى،
وكان القياس مأذونا فيه من أهل اللغة كالاشتقاق، أما هل يجوز إثبات الأسماء
بالقياس الشرعي أولا؟
والجمهور على أنه لا يجوز، وذهب ابن سريج وغيره إلى الجواز فأثبتوا النبيذ
٢٩

التمر اسم الخمر بالقياس الشرعي، ثم أوجبوا الحد بشربه ، وأثبتوا لفعل اللواط
اسم الزنى بالقياس الشرعي، ثم أوجبوا حد الزنى فيهما بالنص .
وأجمعوا على أنه لا يجوز اختراع ألفاظ مبتكرة بالقياس .
وقال الأستاذ أبو إسحاق بعد حكاية الخلاف: واتفقوا على أن ما حدث بعدهم
مما لم يضعوا له اسما ولم يكن عندهم فلم يعرفوه في وقتهم، فلنا أن نسميه .
قال: واختلف أصحابنا في كيفيته ، فقال من جوز أخذ الأسامي قياسا: إنا
نقيس ما لم نعرفه فنعزيه إلى ما يشبهه، فيكون ذلك على لسان العرب بأصلها .
وقال من امتنع منه: إنا نسميه بما شئنا للحاجة الداعية إليه ، ولا يكون ذلك
من لغة العرب، ولكنه كما يعرب من كلام الفرس للحاجة .
تنبيهان
[التنبيه] الاول
[القياس في المجَاز]
الخلاف في القياس في اللغة كما يجرى في الحقيقة يجرى في المجاز أيضا ، وأشار
القاضي عبد الوهاب المالكي إلى أنه ممنوع في المجاز بلا خلاف، وفرق بينهما
بوجهين :
أحدهما : أن المنع من القياس في المجاز لا يوقع في ضرورة لبقاء اسم الحقيقة،
ولو منعنا القياس في الحقيقة بقيت بغير اسم، وقد يحتاج إلى التعبير عنها فيوقع منع
القياس في ضرر .
قال المازري : هذا إنما يتم له في ذات لا اسم لها أصلا في لسان العرب .
[المجاز أخفض رتبة من الحقيقة]
والثاني: أن المجاز أخفض رتبة من الحقيقة فيجب تمييز الحقيقة عليه، وقد منع
القاضي أبو الطيب القياس في المجاز . قال: فلا يقال: سألت الثوب قياسا على
٣٠
٠

قولهم سألت الربع، وقال أبو بكر الطرطوشي في مسألة الترتيب من ((خلافه)):
أجمع العلماء على أن المجاز لا يقاس عليه في موضع القياس .
[التنبيه] الثاني
قيل: هذا الخلاف في نفس اللغة . أما حكمها فلا خلاف فيه کقیاس النحوي
((إن)) النافية في العمل على ((ما)) النافية بجامع كونهما وضعا على حرفين كنفي
الحال ، وهذا عجيب لأن المسألة مفروضة في اللغة، وهي غير النحو، وكيف لا
يثبت النحو بالقياس، وهو العلم بمقاييس كلام العرب؟
قال ابن خروف: لما كان كلام العرب لا يضبط بالحفظ انتدب له الأئمة،
ووضعوا له قوانين يعلم بها كلامهم، فصار النوع الذي يدرك بالقياس هو الذي
يسمى بالنحو والعربية، والنوع الذي لا يدرك بالقياس، هو اللغة، ويستوي في
حمله العالم والجاهل ، لأنه قيد اللفظ.
ولذلك قال ابن جني في ((الخصائص)): قال لي أبو علي: ولأن مسألة واحدة من
القياس أنبه وأنبل من كتاب لغة عند عيون الناس، وقال لي أيضا: أخطىء في
خمسين مسألة من اللغة، ولا أخطىء في واحدة من القياس. قال ابن جني:
وصدق، لأنه بالقياس ضبط كلامهم ، وجمعوا الكثير الذي لا يضبطه الحفظ
القليل بالقياس، واستغنوا/ به عن حفظ ما لا ينحصر إذ فاتهم الأصل عن ٦٣/ب
العرب . اهـ.
مسألة
[تغيير الألفاظ اللغويَة]
حكى بعض المغاربة من شارحي ((البرهان)): أن الناس اختلفوا في أن الألفاظ
اللغوية هل يجوز تغييرها حتى يسمى الثوب دارا مثلا؟ قال: فالذي أجمع عليه
٣١

العلماء أن ما تعلق به حكم من الألفاظ لا يجوز تغييره إذ يؤدي إلى تغيير الحكم ،
وما لم يتعلق به حكم، فإن كان توقيفيا فمن الناس من يقول: لا يجوز تغييره وكان
التوقيف حكما ، ومنهم من جوز التغيير، وقال : إمكان الحكم ليس بحكم، وإنما
الحكم بالخطاب والعلم به عند توجه الخطاب، وقد سبقت هذه المسألة في فوائد
الخلاف في أن اللغات توقيفية أم لا؟ .
مَسألة
[ثبوت الاسم الشَرعي بالاجتهاد]
هذا في الاسم اللغوي فأما في الاسم الشرعي فكما يثبت بالتوقيف يثبت
بالاجتهاد، لأن الحكم إذا ثبت تبعه الاسم كما أن الشرع أثبت الربا في الأعيان
الستة، ثم ألحق العلماء غيرها بها بالاجتهاد، وثبت بذلك اسم الربا. قاله المحاملي
من أصحابنا في كتاب السَّلَم من كتابه المسمى ((بالأوسط)).
[المناسبة في الوضع]
الثامن: في عدم المناسبة في الوضع. ذهب الجمهور إلى أن دلالة اللفظ على
المعنى ليست لمناسبة بينهما، بل لأنه جعل علامة عليه، ومعرفا به بطريق الوضع .
وذهب عباد بن سليمان الصيمري وغيره إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة
طبيعية بينهما.
وعبر ابن الجويني عن هذا الاختلاف بأن اللغات الموضوعة لمعانيها هل هو لأمر
معقول أولا؟ والأول: قول عباد، ثم نقل صاحب ((المحصول)) عنه أن اللفظ يفيد
المعنى بذاته من غير واضع لما بينهما من المناسبة الطبيعية . قال الأصفهاني : وهو
الصحيح عنه، ونقل صاحب ((الاحكام)) عنه أن المناسبة حاملة للواضع على أن
يضع.
٣٢

وفصل الزجاجي بين أسماء الألقاب وغيرها، فقال : واضع اللغة أجرى اللفظ
على مسمياتها لمعان تتضمنها أسماء الألقاب، فإن قولنا ((زيد)) وإن كان مأخوذاً من
الزيادة، فليس بجار على مسماها لهذا المعنى، وليس فيه إلا تعريف شخص من
شخص حكاه عنه الواحدي في ((البسيط)) عند قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء
كلها﴾ [سورة البقرة / ٣١] وهذا المذهب فاسد ، لأن الألفاظ لو لم تدل بالوضع،
وإنما دلت بذواتها لكانت كالأدلة العقلية، فلا تختلف بالأعصار والأمم ،
والاختلاف موجود، وأيضا لو كان كما قال لاشترك فيه العرب والعجم لاشتراكهما
في العقل، وأيضا فإنا نقطع بصحة وضع اللفظ للشيء ونقيضه وضده ، ونقطع
بوقوع اللفظ على الشيء ونقيضه ، كالقرء الواقع على الحيض والطهر، والجور
الواقع على الأبيض والأسود ، فلو كانت الدلالة لمناسبة لزم أن يناسب اللفظ
الواحد النقيضين والضدين بالطبع، وهو محال، فلا يصح وضع اللفظ الواحد لهما
على هذا التقدير، واللازم منتف ، لأنا نقطع بصحة وضعه لهما بل بوقوعه .
قال السَّكَاكي : هذا المذهب متأول على أن للحروف خواصّ تناسب معناها
من شدة وضعف وغيره كالجهر والهمس والمتوسط بينهما، إلى غير ذلك ، وتلك
الخواص تستدعي على أن العالم بها إذا أخذ في تعيين شيء منها لمعنى لا يهمل
التناسب بينهما قضاء لحق الكلم(١) كما ترى في الفصم بالفاء الذي هو حرف رخو
لكسر الشيء من غير أن يبين، والقصم بالقاف الذي هو حرف شديد لكسر الشيء
حتى يبين، وفي الزفير لصوت الحمار، والزئير بالهمز الذي هو شديد لصوت
الأسد ، وأن المركبات ((كالفَعَلان)) و((الفَعَلى)) - بالتحريك - كالنَزَوان والجَيَدى،
و((فَعُل)) - بضم العين كطرف وشرف وغير ذلك خواص أيضا، فيلزم فيها ما يلزم
في الحروف من اختصاص بعض المركبات ببعض المعاني دون بعض كاختصاص
(الفَعَلان)) و((الفَعَلى)) بالمتحركات، واختصاص ((فَعُل)) بأفعال الطبائع، وفي أن
للحروف والمركبات خواص نوع تأثير لا نفس الكلمة في اختصاصها بالمعاني. هذا
حاصل تأويله .
(١) هكذا في سائر النسخ والذي في مفتاح العلوم للسكاكي ((الحكمة)) المفتاح ص ١٥٢
٣٣

والحق : أن هذا القائل إن أراد أن هذه الألفاظ علة مقتضية لذاتها هذه المعاني
فخارق للإجماع، وإن أراد أن بين وضع الألفاظ ومعانيها تناسباً من وجه ما لأجلها
حتى جعل هذه الحروف دالة على المعنى دون غيره كما يقول المعللون للأحكام
الشرعية : إن بين عللها وأحكامها مناسبات وإن لم تكن موجبة لها، وهو الظاهر
من كلامه، فهو مذهب جماعة من أرباب علم الحروف، إذ زعموا أن للحروف
طبائع في طبقات من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة تناسب أن يوضع لكل مسمى
ما يناسبه من طبيعة تلك الحروف، ليطابق لفظه ومعناه، وكذلك يزعم المنجمون
أن حروف اسم الشخص مع اسم أمه واسم أبيه تدل على أحواله مدة حياته لما
بينهما من المناسبة، فإن عنى عبّاد هذا فالبحث معه ومع هؤلاء والرد عليه بما يرد
مذهب الطبائعيين في علم الكلام، ولا ينفع ما ردوا به من وضع اللفظ للضدين،
لأنها مسألة خلاف كما سيأتي .
وقال [ابن] الحوبى : هل للحروف في الكلمات خواص أو وضعت الكلمات
لمعانيها اتفاقا؟ فوضع الباب لمعنى والناب لآخر، وكان من الجائز وضع الباب لمعنى
الناب وبالعكس.
فنقول : الظاهر أنها لا تعلل ولا يقال : لم قيل لهذا المعنى باب ولذلك جدار؟
قال: ولا شك أن من الحروف ما هو مستحسن، ومنه ما ليس كذلك،
فالمستحسن إذا ضم إليه مستقبح لم يكن مناسبا ، غير أن المناسبة من كل لفظ
ومعناه اشتغال بما لا يمكن وتفويت للزمان ، فإن اتفق في بعضها أن وقع في الذهن
شيء من غير تفكر قيل به، كما يقول في الشدة والرخاء كيف جعل في الشدة
الحرف الشديد وهو الدال مضاعفا؟ والرخاء كيف جيء فيه بالحروف الرخوة؟
قال: وهذا ينبني على مسألة حكمية، وهي أن الفاعل المختار هل يشترط في
اختياره أحد الرافعين بحاجته وجود مرجح؟ والأظهر: أنه لا يشترط، فالجائع
يكون أكله لعلة الشبع، أما اختياره أحد الرغيفين لشبعه بدلا عن الآخر لا يكون
لعلة ، فالوضع لحكمة، وإنما وضع الباب بخصوصه لمعناه فلا سبب له .
قلت : ويجوز أن يكون من فوائد الخلاف ما إذا تعارض مدلول اللفظ
٣٤

والعرف، وفيه وجهان، أصحهما عند إمام الحرمين والغزالي: اعتبار العرف،
ووجهه الإمام بأن العبارات لا تغني لأعيانها، وهي في الحقيقة أمارات منصوبة على
المعاني المطلوبة .
٣٥

تقسيم الالفاظ
[تقسيم الدلالة]
الأول : في تقسيم الدلالة :
وقد اختلف فيها، فالصحيح أنها كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى
من كان عالما بوضعه له .
١/٦٤
وقال ابن سينا : إنها نفس الفهم، ورد بأن الدلالة نسبة / مخصوصة بين اللفظ
والمعنى، ومعناها موجبيته تخيل اللفظ لفهم المعنى ، ولهذا يصح تعليل فهم المعنى
من اللفظ بدلالة اللفظ عليه، والعلة غير المعلول، فإذا كانت الدلالة غير فهم
المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها به .
وأجيب: بأن التعليل قد يكون مع الاتحاد كما في كل حدّ مع محدوده نحو هذا
إنسان لأنه حيوان ناطق .
ورجح آخرون التفسير الثاني بأن اللفظ إذا دار بين مخاطبين، وحصل فهم
السامع منه قيل: هو لفظِ ذلك، وإن لم يحصل قيل: ليس بذلك، فقد دار لفظ
الدلالة مع الفهم وجوداً وعدماً ، فدل على أنه تسمى الدلالة .
ويتلخص من هذا الخلاف خلاف آخر في أن الدلالة صفة للسامع أو اللفظ؟
والصحيح الثاني. وينبغي أن يحمل كلام ابن سينا على أن مراده بالفهم الإفهام،
ولا يبقى خلاف، والفرق بينهما: أن الفهم صفة السامع، والإفهام صفة المتكلم،
أو صفة اللفظ على سبيل المجاز، وهذه دلالة بالقوة. أما الدلالة بالفعل فهي
إفادته المعنى الموضوع له .
٣٦

وشرط بعضهم فيه شروطا ثلاثة: أن لا يبتدئه بما يخالفه، ولا يختمه بما يخالفه،
وأن يصدر عن قصد فلا اعتبار بكلام الساهي والنائم ، والقصد من هذا: أن
يجعل سكوت المتكلم على كلامه كالجزء من اللفظ، ويلتحق بالقرائن اللفظية،
وهي على القولين غير الدلالة باللفظ، لأن الدلالة باللفظ هي الاستدلال به، هو
استعماله في المعنى المراد، فهو صفة المتكلم، والدلالة صفة اللفظ أو السامع، وقد
أطنب القَرَافي في الفرق بينهما بما حاصله هذا .
وهي تنقسم إلى لفظية وغير لفظية، والثانية قد تكون وضعية كدلالة وجود
المشروط على وجود الشرط، وعقلية كدلالة الأثر على المؤثر كدلالة الدخان على
النار وبالعكس .
[دلالة المطابقة والتضمن والإلتزام]
والأول : أعني اللفظية تنقسم إلى عقلية كدلالة الصوت على حياة صاحبه،
وطبيعية كدلالة أح على وجع في الصدر، ووضعية وتنحصر في ثلاثة: المطابقة
والتضمن والالتزام، لأن اللفظ إما أن يدل على ما تمام وضع له أولا . والأول:
المطابقة كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، والثاني إما أن يكون جزء مسماه أولا
والأول دلالة التضمن كدلالة الإنسان على الحيوان وحده أو الناطق وحده ،
وكدلالة النوع على الجنس، والثاني : أن يكون خارجا عن مسماه وهي دلالة
الالتزام كدلالته على الكاتب أو الضاحك، ودلالة الفصل على الجنس، وبهذا
التقسيم تعرف حدّ كل واحد منها .
وقد اجتمعت الدلالة في لفظ العشرة، فإنها تدل على كمال الأفراد مطابقة على
الخمسة تضمنا وعلى الزوجية التزاما .
والدليل على الحصر: أن المعنى من دلالة اللفظ على المعنى عنده سماعه إما
وحده كما في المطابقة، وإما مع القرينة كما في التضمن والالتزام ، فلو فهم منه
معنى عند سماعه ليس هو موضوعه، ولا جزء موضوعه ، ولا لازمه لزم ترجيح
أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح ، لأن نسبة ذلك اللفظ إلى ذلك المعنى
كنسبته إلى سائر المعاني، ففهمه دون سائر المعاني ترجيح من غير مرجح.
٣٧

وَهنا تنبيهات
[التنبيه] الأول
أن الإمام فخر الدين قيد دلالة التضمن والالتزام بقوله: ((من حيث هو كذلك)»
واحترز به عن دلالة اللفظ على الجزء أو اللازم بطريق المطابقة إذا كان اللفظ
مشتركا بين الكل والجزء أو بين الكل واللازم، ويمثلونه بلفظ الإمكان ، فإنه
موضوع للإمكان العام والخاص، والعام جزء الخاص كما تقرر في المنطق من أن
الممكن العام في مقابلة الممتنع، فلذلك يطلق على الواجب وعلى ما ليس بممتنع ولا
واجب الذي هو الممكن الخاص، فهو حينئذ موضوع للكل والجزء .
قال بعض الفضلاء : وفي النفس من هذا التمثيل شيء فلعله ما وضع لذلك،
بل مجموع قولنا: إمكان عام لا أحدهما، ومجموع قولنا: إمكان خاص لا قولنا
إمكان فقط، فلا اشتراك حينئذ. قال: وأخذ التمثيل بأحسن من ذلك بلفظ
الحرف، فإنه موضوع لكل حروف المعاني ولجزئه ، فإن ((ليت)) مثلا حرف، ولكل
واحد من اللام والياء والتاء يقال له : حرف فهذا هو اللفظ المشترك بين المسمى
وجزئه، وأما المشترك بين اللفظ ولازمه فهو عسر مع إمكانه. انتهى.
ويمكن أن يمثل له بلفظ ((مفعل)) فإن أهل اللغة نقلوا أنه اسم للزمان والمكان
والمصدر ، وهي متلازمة عادة فيكون اللفظ موضوعا للشيء ولازمه ، إذ لا فعل
إلا في زمان أو مكان عادة، ومَثَّله الصفي الهندي ((بفَعِيل)) المشترك بين الفاعل
والمفعول، كالرحيم فإنه يكون بمعنى المرحوم كما يكون بمعنى الراحم نص عليه
الجوهري، وهو إذا دل على أحدهما بطريق المطابقة دل على الآخر بطريق
الالتزام ، لكونه لازماً له ، وهو أيضا تمام مسماه، فلو لم يقل من حيث هو كذلك
لزم أن تكون دلالة الالتزام دلالة المطابقة، فلم يكن التعريف مانعاً .
إذا عرف هذا فقد أورد على القيد الذي ذكره الإمام(١) أنه يجب أن يعتبره أيضا
في المطابقة احترازا عن دلالة اللفظ المشترك بين الكل والجزء، وبين الكل واللازم
على الجزء أو اللازم بطريق التضمن أو الالتزام ، فإن كل واحدة من هاتين
(١) وهو قوله: ((من حيث هو كذلك)).
٣٨

الدلالتين حينئذ دلالة على تمام المسمى، وليست مطابقة .
وقال الصفي الهندي: إنما لم يذكره فيها، لأن دلالة التضمن والالتزام لا يمكن
معرفتهما إلا بعد معرفة المطابقة، لكونهما تابعين لها ، فلو جعل القيد المذكور جزءا
من معرفة المطابقة للاحتراز عنها لزم أن يكونا معلومين قبل المطابقة، فيلزم أن
يكون الشيء معلوما قبل كونه معلوما، وهو محال. قال: ولا يخفى عليك ما فيه .
وبعضهم حذف القيد المذكور في الثلاث اعتبارا بقرينة ذكر التمام والجزء
واللازم، وصاحب ((التحصيل)) ذكره في الثلاث .
قال القَرَافي: وهو قيد لم يذكره أحد ممن تقدم الإمام، وإنما اكتفى المتقدمون
بقرينة التمامية والجزئية واللازمية ، فيقال للإمام: إن كانت هذه القرائن كافية فلا
حاجة إلى القيد، وإلا فيلزم الاحتياج إليه في الثلاث، فما وجه تخصيص التضمن
والالتزام؟
فإنا نقول في المطابقة: كما يمكن وضع العشرة للخمسة، يمكن وضعها للخمسة
عشر، فيصير له على جميع ذلك دلالتان مطابقة باعتبار الوضع الأول ، وتضمن
باعتبار الثاني. انتهى .
ويمكن أن يُرَدّ ما اعترض به على الإمام، فإنه يرى أن لا يمكن أن يدل اللفظ
الواحد على المعني الواحد بالمطابقة مع التضمن أو الالتزام، لأن دلالته على المعنى
بالمطابقة بالذات وبهما / بالواسطة ومن المحال اجتماع دلالتي الذات والواسطة ، ٦٤/ب
وإذا لم يجتمعا كان اللفظ في حال الاشتراك بين الكل والجزء دلالة واحدة، وهي
المطابقة، لأنها أقوى فتدفع الأضعف .
وإذا صحت لك هذه القاعدة صح ما قاله ، ولم يحتج أن يذكر القيد بالحيثية في
دلالة المطابقة، لأنه في صورة الاشتراك بين الكل والجزء، وليس للفظ إلا دلالة
المطابقة فقط لا التضمن والالتزام ، فلم يحتج أن يحترز عنه بقوله: من حيث هو
کذلك.
وأما في دلالة التضمن والالتزام فاحتاج إلى ذكر الحيثية، وإلا كان يلزمه أن
٣٩

دلالة المطابقة على الجزء دلالة التضمن والالتزام في صورة المشترك بين الكل
والجزء .
وبيانه : أن اللفظ إذ دل بالمطابقة على الجزء في تلك الصورة فقد دل على جزء
المسمى دلالة التضمن فدلالة المطابقة، دلالة التضمن هذا خلف ، ولا يلزم هذا
على إطلاق دلالة المطابقة .
وللبحث فيه مجال ، فقد نازع بعضهم الإمام في هذا التقييد ، وقال: اللفظ إذا
أطلق على الجملة فإن التضمن للجزء ثابت عند مراد المطلق المعنى المركب من ذلك
الجزء وغيره، فإن مدلول اللفظ هو جملة مشتملة على أجزاء كل واحد منها إنما فهم
ضمنا وتبعا للجملة ، وإن كان للمستعمل أن يطلق ذلك اللفظ أيضا على الجزء،
ولكن عند دلالته بهذا الإطلاق على ذلك الجزء لا يكون جزءا من أجزاء ذلك
المعنى، بل مستقلا، ونحن لا نريد بدلالة التضمن إلا أن يفهم الجزء تضمنا،
ويكون جزءا من أجزاء ذلك المعنى، ولا تكون الدلالة لفظية لكن تبعية، فإذا
استقلت خرجت عن كونها تضمنا ، ولم يبق جزء من أجزاء ذلك المعنى، وحينئذ
فالقيد المذكور غير محتاج إليه .
[الشبيه] الثاني
[اقسَام اللازم]
إن اللازم على قسمين: لازم في الذهن بمعنى أن الذهن ينتقل إليه عند فهم
المعنى، ويلزم من تصور الشيء تصوره، كالفردية للثلاثة والزوجية للأربعة سواء
كان لازما في الخارج أيضا ، كالسرير في الارتفاع من الأرض ، إذ السرير كلما
وجد في الأرض فهو مرتفع، ومهما تصور في الذهن فهو مرتفع ، أو لم يكن كالسواد
إذا أخذ بقيد كونه ضداً للبياض ، فإن تصوره من هذه الحيثية يلزمه تصور
البياض ، فهما متلازمان في الذهن متنافيان في الخارج ، ولا يتصور ذلك في اللازم
الخارجي فقط كالسرير مع الإمكان، فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن
٤٠