Indexed OCR Text

Pages 281-300

ونحن نقول: إن الواجب ما تعلق به خطاب مقصود، والإباحة مقصودة في
الإباحات، ولم يشرع للنهي عن المحظورات، وقول القائل: ((لا تزن ولا تسرق)) لم
يطلق له الرواح والمجيء من غير خطور النهي عن السرقة، وليس الوجوب وصفاً
راجعاً إلى العين حتى يقال: لا أثر لقصد المخاطب فيه، ولعل الكعبي يعتقد
الوجوب وصفاً راجعاً إلى العين كما قالوا في الحسن والقبح، أو يخالف في العبارة.
قال: وبالجملة فالخلاف في هذه المسألة يرجع إلى عبارة، إذ لا تتعلق به فائدة
شرعية ولا عقلية.
نعم قد يتعلق به فوائد شرعية، فإن الناوي للصوم لا يقصد الإمساك ليلاً، ولا
ينوي بصومه تقرباً، وقد يقال ذلك، لأن الواجب منه مجهول لا يدري مقداره
فيقال: المجهول كيف يكون واجباً ولا إمكان فيه؟ والمخالف فيه يقول: لا جرم
هذا النوع وآخر جزء من الرأس لا يتصفان بالوجوب، لأن الواجب منهما لا يتبين
فلا يندرج تحت اختيار العبد فتبقى تسمية الواجب من هذه الجهة، وإلا فما علم
الحكيم أنه لا يتأتى أداء الواجب إلا به بجعله واجباً. انتهى.
وقال ابن برهان في ((الأوسط)) : بنى الكعبى مذهبه على أصل إذا سلم له فالحق ما
قاله، وهو أن الأمر بالشيء نهى عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده، ولا مخلص
من مذهبه إلا بإنكار هذا الأصل. انتهى.
وكذا قال الآمدي وابن الحاجب: احتج الكعبي بأن فعل المباح ترك الحرام،
لأنه ما من مباح إلا وهو ترك لمحظور.
وترك الحرام واجب، فيلزم أن يكون فعل المباح واجباً من جهة وقوعه تركاً
محظور، وأجيب عنه بأمرین:
أحدهما: أنا لا نسلم أنه يلزم من فعله ترك الحرام لجواز تركه بواجب أو
مندوب، فلا يكون تركاً للحرام بل يحصل به تركه، ولا يتعين المباح الذي به يترك
الحرام .
قال ابن الحاجب: وفيه إقرار بأن بعض المباح واجب.
قال الآمدي: هذا الجواب صادر ممن لم يعلم كلامه فإنه إذا ثبت أن ترك الحرام
٢٨١

واجب، وأنه لا يتم بدون التلبس بضد من أضداده، وقد تقرر أن مالا يتم
الواجب إلا به فهو واجب فالتَّلَبُّسُ بضد من أضداده واجب.
والثاني : أنه يلزم إذا ترك واجباً مضيفاً كإنقاذ أعمى من بئر واشتغل بالصلاة أنه
حرام .
قال ابن الحاجب: وهو يلتزمه. قال: ولا مخلص عنه إلا بأن مالا يتم الواجب
إلا به من عقلي أو عادي فليس بواجب، ولعل هذا هو الذي دعاه إلى ذلك في
مسألة مقدمة الواجب.
واعلم أن هذا السؤال استصعبه المتأخرون، وزعموا أن كلام الكعبي صحيح
حتى قال الآمدي: عسى أن يكون عند غيري حله، ونحن نقول: قوله إن الحرام
إذا ترك به حرام آخر يكون واجباً من جهة أخرى يقال عليه: إن التفصيل
بالجهتين إنما هو في العقل دون الخارج، فليس لنا في الخارج فعل واحد يكون
واجباً حراماً، لاستحالة تقوم الماهية بفصلين متنافيين، وهما فصل الوجوب وفصل
الحرمة، وكذلك أيضاً يقال على قوله: إن المباح واجب لاستحالة اجتماع الوجوب
والإباحة في الشيء الواحد، وقد علم بالبديهة امتناع تقويم الماهية بفصلين أو
فصول متعاندة، ومن ثم امتنع أن يكون للشيء مميزان ذاتيان بخلاف المميزين
العرضيين الخاصتين واللازمين.
وأيضاً نقول: قوله فعل المباح ترك الحرام. قلنا: تركه له بخصوصه أو ترك له
مع غيره، والأول يلزم منه كون الفعل واجباً، وأما الثاني فلا نسلم، وسند المنع أن
التلبس بالفعل المعين ترك لجميع الأفعال الواجبة والمندوبة والمحرمة والمكروهة
والمباحة غير الفعل المتلبس به، وترك الجمع المذكور لا يتعين به ضد معين عملاً
بترك الصلاة على الكافر، فإنه لم يتعين من مفهومه وجوب الصلاة على المسلم، ثم
نقول: ما ذکرتم وإن دل على وجوبه.
قلنا : ما يدل على إباحته من وجوه:
أحدها: أن فعل المباح مستلزم لترك الواجب الذي ليس بمضيق، ولترك الحرام
وإذا تعارضت اللوازم تساقطت فيبقى المباح على إباحته.
٢٨٢

الثاني: أن فعل المباح مستلزم لتعارض اللزوم الذي استلزمه لوازم الأحكام
الخمسة، ومتى تعارضت اللوازم تساقطت.
الثالث: أنا لو فرضنا جميع الأفعال دائرة أخذت الأفعال المباحة خمسها، فإذا
حصل الفعل المتلبس به فهو مركز الدائرة، وإذا كان مثلاً مباحاً بالذات الذي أقر
الكعبي به حصل للفعل المذكور نسبة إلى كل خمس من أجزاء الدائرة، والفرض
أنه مباح فتساقطت النسب الخمس، وتبقى الإباحة الذاتية.
الثاني: من أدلة الدائرة: إذا تلبس المتلبس حصلت له الإباحة بالذات وبالنسبة
حصل منه الوجوب ناشئاً عن النسبة، وكل ما كان فيه أمران يقتضيان حكمين
عارضهما أمر مساو لأحدهما يقتضي نفي ذلك الحكم فإنه مرجح وقوع نقيض
الأمرين، فيرجح القول بإباحة الفعل المذكور.
الثالث: أن تقول: هذا الفعل فيه إباحة ذاتية وإباحة نسبية وفيه وجوب نسبي
معارض للإباحة فيتساقطان وتبقى الإباحة الذاتية.
الرابع: أن تقول: الإباحة النسبية ترجح بانفرادها على الوجوب النسبي لأن
الإباحة النسبية متوقفة على النسبة المذكورة والوجوب يتوقف على ترك الحرام،
والحرام متوقف على النسبة المذكورة فترجح الإباحة.
وقد رد مذهب الكعبي أيضاً باستلزام كون المندوب واجباً، إذ يترك به الحرام،
وكذا سائر الأقسام مع نقائضها، ولا يقوله عاقل، ولأنه يلزم أن كل انتقال عن
تحريم من قيام أو قعود أو نوم أن يكون واجباً، وهو خرق الإجماع، ويلزم فيما إذا
اشتغل عن القتل بالزنى أن يكون واجباً، فيجمع بين النقيضين، وهو محال، ولأنه
مسبوق بإجماع الأمة، فمن سبق بالإجماع لا يلتفت إليه.
وقال بعضهم: المباح أحد أضداد المحرم والتلبس بأحدها واجب، ويتعين
بفعل المكلف، فيصح وصفه بالوجوب، كالواجب المخير، وهو قوي الإشكال على
مذهب المعتزلة الواصفين كل واحد من التخيير بالوجوب، لا على مذهب من
يقول: الواجب المسمى فإنه لا يلزمه وصف أحد المباحات على التعبير بالوجوب.
٢٨٣

فصل
في المندوب
وهو ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه من حيث هو تارك له، فخرج بالقيد ما لو
أقدم على ضد من أضداد المندوب وهو معصية في نفسه، فيلحقه الإثم إذا ترك
٣٥ ١ المندوب من حيث عصيانه لا من / حيث تركه المندوب. قاله في ((التلخيص)).
قال: وقول: بعضهم ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه باطل، لصدقه على فعل الله
تعالى، ولا یسمی ندباً كما لا يسمى مباحاً.
والندب والمستحب والتطوع والسنة أسماء مترادفة عند الجمهور.
وفي ((المحصول)): لفظ السنة يختص في العرف بالمندوب بدليل قولنا: هذا
الفعل واجب أو سنة، ومنهم من قال: السنة لا تختص بالمندوب بل تتناول ما علم
وجوبه أوندبیته. اهـ.
وقال القاضي حسين والبغوي: ماعدا الفرائض ثلاثة أقسام: سنة: وهي ما
واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ومستحب: وهو ما فعله مرة أو مرتين،
وألحق بعضهم به ما أمر به ولم ينقل أنه فعله، وتطوعات: وهو مالم يرد فيه
بخصوصه نقل بل يفعله الإنسان ابتداء كالنوافل المطلقة.
ورده القاضي أبو الطيب في ((المنهاج)) بأن النبي صلى الله عليه وسلم حج في
عمره مرة واحدة، وأفعاله فيها سنة وإن لم تتكرر، والاستسقاء من الصلاة والخطبة
لم ينقل إلا مرة، وذلك سنة مستحبة. اهـ.
وفي وجه ثالث: أن النفل والتطوع لفظان مترادفان وهما ما سوى الفرائض
والسنن، والمستحب، ونحو ذلك أنواع لها.
وفي وجه رابع قاله الحليمي: السنة ما استحب فعله وكره تركه، والتطوع ما
٢٨٤

استحب فعله ولم يكره تركه.
وفي وجه خامس: حكاه في باب الوضوء من ((المطلب)): السنة ما فعله صلى الله
عليه وسلم، والمستحب ما أمر به سواء فعله أو لا، أو فعله ولم يداوم عليه، فالسنة
إذاً مأخودة من الإدامة .
وقيل: السنة ما ترتب كالرواتب مع الفرائض، والنفل والندب ما زاد على ذلك.
حكاه الشيخ أبو إسحاق في (اللمع)).
وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): النفل قريب من الندب إلا أنه دونه في
الرتبة .
وعند المالكية ما ارتفعت رتبته في الأمر وبالغ الشرع في التخضيض منه يسمى
سنة، وما كان في أول هذه المراتب تطوعاً ونافلة، وما توسط بين هذين فضيلة
ومرغب فيه.
وفّق أبو حامد الأسفراينى بين السنة والهيئة: بأن الهيئة ما يتهيأ بها فعل
العبادة، والسنة ما كانت في أفعالها الراتبة فيها، وجعل التسمية وغسل الكفين في
الوضوء من الهيئات، والمشهور أنهما سنة، والخلاف يرجع إلى عبارة.
وقال ابن العربي أخبرنا الشيخ أبو تمام بمكة. قال: سألت الشيخ أبا إسحاق
الشيرازي ببغداد عن قول الفقهاء: إنه سنة وفضيلة ونفل وهيئة، فقال: هذه
عامية في الفقه، وما يجوز أن يقال: إلا فرض وسنة لا غير. قال: وقد اتبعهم
الشيخ أبو حامد الأسفرايني، فذكر أن في الصلاة سنة وهيئة، وأراد بالهيئة رفع
اليدين ونحوه. قال: وهذا كله يرجع إلى السنة.
قال: وأما أنا فقد سألت عن هذا أستاذي القاضي أبا العباس الجرجاني
بالبصرة. فقال: هذه ألقاب لا أصل لها، ولا نعرفها في الشرع. قلت له: قد
ذكرها أصحابنا البغداديون عبد الوهاب وغيره، فقال: الجواب عليكم.
قال ابن العربي: وفرق أصحابنا النظار، فقالوا: السنة ما صلاها النبي صلى
الله عليه وسلم في جماعة وداوم عليها، ولهذا لم يجعل مالك ركعتي الفجر سنة،
والفضيلة ما دخل في الصلاة وليس من أصل نفسها كالقنوت وسجود التلاوة.
٢٨٥

قال: وهذا خلاف لفظي لا يظهر إلا في الثواب، فالسنة أعلى المراتب والندب
ومتعلقه من الثواب أكثر من غيره.
وقد ركب الشافعي مسلكاً ضيقاً، فأطلق على الجميع سنة، ثم قال: إن ترك
السورة لا يقتضي سجود السهو، وترك القنوت يقتضي حتى قال أصحابنا: لا يوجد
بينهما فرق.
مسألة
[المندوب مَامُوربه]
المندوب مأمور به حقيقة في قول القاضي والغزالي وابن الصباغ ونقله عن أبي
بكر الدقاق وكثير من الأصحاب.
وقال سليم في ((التقريب)): إنه قول أكثر أصحابنا.
وصور المسألة بما إذا ورد لفظ الأمر ودل الدليل على أن المراد به الندب، فإن
ذلك لا يجعله مجازاً، لأنه حمل على بعض ما يتناوله، وإخراج البعض فكان حقيقة
كلفظ العموم إذا خص في بعض ما يتناوله، وبه قال أبو هاشم وغيره، ونقله ابن
القُشَيْرى وغيره عن المعتزلة، ولهذا قسموا الأمر إلى واجب وندب، ومورد التقسيم
مشترك.
وقال الكَرْخِي وأبو بكر الرازي: ليس مأموراً به حقيقة بل مجازاً، واختاره
الشيخ أبو حامد وأبو إسحاق وأبو بكر الشاشي وإلّكِيا الهراسي، واستحسنه ابن
السَّمْعاني ونقله ابن برهان في ((الأوسط)) عن معظم الأصحاب، ونقله المازري عن
الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقال ابن العربي: إنه الصحيح.
وقال الرازي في ((المحصول))؛ إنه المختار، والصحيح: الأول، فقد قال
القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)) الصحيح من مذهب الشافعي: أن المندوب
مأمور به، وقد نص عليه الشافعي في كتبه، ومن أصحابنا من قال: ليس مأموراً
به، وهو خلاف نص الشافعي، فإن ثبت هذا كان في المسألة قولان.
٢٨٦

قال ابن الصباغ: وقولنا: إن ظاهر الأمر للوجوب يدل على أنه ليس مأموراً به،
وقال الصفي الهندي: والصواب: أن الأمر إن كان حقيقة في الوجوب فقط
فالمندوب ليس مأموراً به، وإلا فمأمور به. قال: والعجب من قول الغزالي، فإنه
من جملة الواقفية في مقتضى الأمر، فكيف اختار أن المندوب مأمور به؟ وكان من
حقه التوقف فيه، فإن قيل: كيف يصح القول بأنه مأمور به مع القول بأن صيغة
((افعل)) حقيقة في الوجوب؟ وهذا السؤال يخص الآمدي وابن الحاجب فإنهما
زعماه كذلك.
قلنا: الكلام هنا في الأمر الذي هو صيغة: ((أمر)) لا في صيغة ((افعل))، والأمر
مقول على الواجب والمندوب بالحقيقة، و((افعل)) يختص بالوجوب.
ومنهم من قال: الأمر المطلق لا يكون إلا إيجاباً، وأما المندوب فهو مأمور به
مقيداً لا مطلقاً، فيدخل في مطلق الأمر لا في الأمر المطلق، وأما كونه حقيقة أو
مجازاً فهو بحث آخر، وقد أجاب عنه أبو محمد البغدادي من الحنابلة بأنه مشكك
كالوجود والبياض، وأجاب القاضي منهم بأن الندب بعض الوجوب فهو كدلالة
العلم على بعضه، وهو ليس بمجاز، وإنما المجاز دلالته على غيره.
قيل: والمندوب وإن قلنا: إنه مأمور به إلا أن إطلاقه على الواجب أولى أو هو
الظاهر من الإطلاق، وذلك بحسب الاستعمال الشرعي.
ثم قيل: الخلاف لفظي، إذ المندوب مطلوب بالاتفاق كما قاله إمام الحرمين
وابن القشيرى فعلى هذا مطلوب هذه المسألة هل اقتضاء الشرع للمندوب أمر
حقيقة أم لا؟ والصحيح: أنه معنوي / .
وله فوائد:
٣٥/ب
أحدهَا
قال المازري والأبياري: إنما جعل الإمام الخلاف لفظياً، لتعلقه ببحث اللغة،
وإلا ففائدتها في الأصول أنه إذا قال الراوي: أمرنا، أو أمرنا النبي صلى الله عليه
وسلم بكذا فإن قلنا: لفظ الأمر يختص بالوجوب كان اللفظ ظاهراً في ذلك حتى
٢٨٧

يقوم دليل على خلافه، وإن قلنا: إنه يتردد بينهما لزم أن يكون مجملاً، وهذه المسألة
خولف فيها من وجهين:
أحدهما: البحث العقلي هل وجد في الندب حقيقة الأمر؟
والثاني: هل يسمى الندب أمراً؟
وهذا بحث لغوي، وقد نوزع في الأمر الأول وكذا جعل ابن برهان من فوائد
الخلاف مالو قال الصحابي: أَمِرْنا أو أَمَرَنا رسول الله ◌َّ أو نهانا فعندنا يجب
قبوله، وقال الظاهرية: لا يقبل حتى يعقل لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
لأن المندوب عندهم ليس بمأمور به، وعندنا مأمور به.
الثانية
أنه إذا ورد لفظ الأمر ودل دليل على أنه لم يرد به الوجوب فمن قال: بأنه حقيقة
حمله على الندب، ولم يحتج في ذلك إلى دليل، لأن اللفظ عنده حقيقتين إحداهما
بالإطلاق، والأخرى بالتقييد، وكما حمل عند الإطلاق على إحداهما حمل عند
التقييد على الأخرى، ومن قال: إنه مجاز لم يحمله عليه إلا بدليل، لأن حمل اللفظ
على المجاز لا يجوز إلا بدلالة ذكره سليم في ((التقريب)).
الثالثة
لحمل لفظ الأمر عند الإطلاق على الوجوب أو الندب وجهان:
وقال في ((المحصول)): منشأ الخلاف ههنا: أن الأمر حقيقة في ماذا؟ فإن كان
حقيقة في الترجيح المطلق من غير إشعار بجواز المنع من الترك. ولا بالمنع منه
فالمندوب مأمور به، وإن كان حقيقة في الترجيح المانع من النقيض فلا يكون
مأموراً به.
٢٨٨

وحاصله: أن الأمر إن كان حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب كان
مأموراً به، وإن كان حقيقة في الوجوب فلا.
واحتج بعضهم على أنه غير مأمور به بقوله بَله: (لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم بالسواك)، وفيه نظر، لأن المراد لأمرتهم أمر إيجاب لا أمر ندب بدليل
رواية البزار في مسنده (لفرضت عليهم).
فروع
المندوب حسن بلا خلاف، وهو من التكليف عند القاضي خلافاً لإمام
الحرمين، وهو مبني على تفسير التكليف، وسيأتي.
ولا يجب بالشروع خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وإلا لناقض أصل ندبيته، وأما
وجوب إتمام الحج فلاختصاصه بأن فرضه كنفله نية وكفارة وغيرهما، ومنهم من
جعلها مفرعة على مسألة الكعبي، وهو أن ما جاز تركه لا يكون فعله واجباً.
والحق: خلافه، لأن مسألة الكعبي ما يجوز تركه، والقائل بالوجوب هنا لا
يجوز الترك، فلا يصح تفريعها عليها.
قال ابن المنير: ووقع لي مأخذ لطيف لمالك في أن الشروع يلزم أن الصوم
والصلاة ونحوهما عبادات لا تقبل التجزئة، فلو ركع إنسان، فترك السجود لم يكن
متعبداً البتة، فإذا شرع فيما لا يتجزأ وجب عليه الإتمام، ويكون التقويم على معتق
البعض أصلاً في هذا، فإن حاصله إيجاب الإتمام على من شرع ويكون نظير عتق
المعسر في العبادات من حيث قبل التجزئة ابتداءً واستقرت فيه التنفل على
الراحلة لضرورة السفر، فإنه يقتصر على بعض الأركان وينتقل من الإتمام إلى
الإيماء .
قلت: وهو يرجع لمناسبة متدافعة كما ترى.
وقال ابن عبد البر: من احتج على المنع بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم)
[سورة محمد / ٣٣] فإنه جاهل بأقوال العلماء فإنهم اختلفوا فيها على قولين: فأكثرهم
قالوا: لا تبطلوها بالرياء وأخلصوها، وهم أهل السنة، وقيل: لا تبطلوها
٢٨٩

بالكبائر، وهو قول المعتزلة، وقد يقال: اللفظ عام فهو متناول لذلك، ولا يجب إلا
بالنذر.
وفي ((الاستذكار)) للدارمي في باب الاعتكاف: إذا دخل في عمل تطوع، ثم
نواه واجباً فحكى أبو حامد أن الْرَوَزى قال: يجب، وقال غيره: لا يجب.
وهل يجب بأمر الإمام؟ ينظر فإن كان من الشعائر الظاهرة وجب كما لو أمرهم
بالاستسقاء في الجدب تجب طاعته، وإن لم يكن من الشعائر الظاهرة لا يجب كما لو
أمرهم بالعتق وصدقة التطوع.
وأفتى النووي بأنه إذا أمرهم بصيام ثلاثة أيام من الاستسقاء وجب امتثال
أمره، وتوقف فيه بعضهم، لأنه ليس من الشعائر الظاهرة، فهو يشبه أمره
بالصدقة .
وذكروا في السير: أن الإمام يأمرهم بصلاة العيد، وهل هو واجب أو
مستحب؟ فیه وجهان.
قال في ((الروضة)): قلت: الصحيح وجوب الأمر، وإن قلنا: صلاة العيد سنة
لأن الأمر بالمعروف والطاعة لا سيما ما كان شعاراً ظاهراً. ويجوز أن يكون بعض
المندوب آكد من بعض، ولهذا يقولون: سنة مؤكدة، ولا يجيء فيه الخلاف السابق
في الواجب كما اقتضاه كلام القاضي وغيره، والمراد تفاصيل الأجور والثواب وإن
تساوت في الترك.
وقسم الفقهاء السنن إلى أبعاض وهيئات فخصّوا ما تأكد أمره باسم البعض
كأنه لتأكده صار کالجزء، وهو اصطلاح خاص.
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)): لا خفاء أن مراتب السنن متفاوتة في
التأكيد، وانقسام ذلك إلى درجة عالية ومتوسطة ونازلة، وذلك بحسب الدلائل
الدالة على الطلب، فمن الناس من قال: لا فرق بينهما، وهي طريقة الشافعية إلا
أنهم ربما فرقوا بلفظ الهيئات. قال: وأما التفرقة بين السنن والفضائل كما يفعله
المالكية فلم أره إلا في كلام صاحب ((الذخائر)) فإنه حكى وجهين في أن غسل
الكف من سنن الوضوء أو من فضائله.
٢٩٠

مسألة
[لا يترك المندوب اذا صارشعاراً للمبتدعة]
ولا يترك لكونه صار شعاراً للمبتدعة خلافاً لابن أبي هريرة، ولهذا ترك الترجيع
في الأذان والجهر بالبسملة والقنوت في الصبح والتختم في اليمين وتسطيح القبور
محتجاً بأنه وسير ترك القيام للجنازة لما أخبر أن اليهود تفعله.
وأجيب بأن له ذلك، لأنه مشرع بخلاف غيره لا يترك سنة صحت عنه.
وفصّل الغزالي بين السنن المستقلة وبين الهيئات التابعة، فقال: لا يترك القنوت
إذا صار شعاراً للمبتدعة بخلاف التسطيح والتختم في اليمين ونحوهما فإنها هيئات
تابعة، فحصل ثلاثة أوجه، والصحيح: المنع مطلقاً.
مسألة
[لا يَترك المندوب لخَوَف اعتقاد العَامَة وجوبه]
ولا يترك لخوف اعتقاد العامة وجوبه خلافاً لمالك، ووافقه من أصحابنا أبو
إسحاق المرْوزي فيما حكاه الدارمي في ((الاستذكار)) أنه قال: لا أحب أن يداوم
الإمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعة بالجمعة ونحوه لئلا يعتقد العامة وجوبه.
مسألة
[ سنة العَين وسنه الكفايَة]
كما ينقسم الفرض إلى عين وكفاية فكذلك السنة.
وسنة الكفاية أن يقع / الامتثال لأمر الاستحباب بفعل البعض، وينقطع دلالة
٢٩١

النص على الاستحباب فيما زاد على ذلك ولا يبقى مستحباً بل داخلاً في حيز المباح
أو غيره، بخلاف سنة العين فإنها بفعل البعض الاستحباب موجود في حق
الباقين، كذا قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) ومثال سنة
العين الوتر وصيام الأيام الفاضلة وصلاة العيدين، ومثال سنة الكفاية الأذان
والإقامة والتسليم والتشميت، وكذا الأضحية كما ذكره النووي عن الأصحاب
وعليه يحمل نص الشافعي: إذا ضحى الرجل في بيته، فقد وقع اسم الأضحية،
وكذلك التسمية عند الأكل حكاه في الروضة عن نص الشافعي، وفي حديث
الأعرابي ما يقتضيه، وكذا ما يفعل بالميت مما يندب إليه.
قال ابن دقيق العيد: ويفارق فرض الكفاية سنة الكفاية في أن فرض الكفاية لا
ينافيه الاستحباب في حق من زاد على القدر الذي سقط به الفرض، والسنة على
الكفاية ينافيها الاستحباب فيما زاد من ذلك الوجه الذي اقتضى الاستحباب.
وَهنا فائدتان
إحداهما: [المشهور وقوع سنة الكفاية]
المشهور وقوع سنة الكفاية، وخالف في ذلك الشاشي، وقال في كتابه ((المعتمد))
في صلاة الجمعة ما نصه: لم نر في أصول الشرع سنة على الكفاية بحال، والسنن
معلومة ويخالف الفرض حيث انقسم إلى عين وكفاية، فإن في الكفاية فائدة، وهي
السقوط بفعل البعض على الباقين، والسنة لا يظهر لها أثر في كونها على الكفاية،
لأنها لا إثم في تركها فتسقط كمن ترك بفعل من فعل، وإنما هي ثواب يحصل له
بالسلام مثلاً، ولا يجوز أن يحصل له ثواب بفعل غيره من غير فعل يوجد من جهة
تساویه .
ألا ترى أنه إذا دخل المسجد جماعة سن لهم تحية بالمسجد، ولا تسقط سنة
التحية في حق بعضهم بفعل البعض؟ وهذا لأن فرض الكفاية موجه على الجماعة
احتياطاً، ليحصل ذلك الفرض، فإذا فعل بعضهم فقد حصل المقصود وسقط عن
٢٩٢

الباقين، والسنة إنما أمر بها استحباباً لحظ المأمور في تحصيل الثواب له، فلا يحصل
له ثواب بما لا کسب له فيه. اهـ.
الثانية: [سنة الكفاية أهم من سنة العين]
قد سبق أن القيام بفرض الكفاية أهم من فرض العين من جهة إسقاط الحرج
عن الكل، فينبغي على هذا أن يقال بمثله هنا في سنة العين والكفاية، لكن لا حرج
هنا فليكن أفضلية سنة الكفاية من جهة تحصيله الثواب للجميع، وفيه بُعد كما
تقدم، لأنه لم يفعله، وقد نقل النووي في كتاب الأضحية أنه لو اشترك غيره في
ثواب أضحيته وذبح عن نفسه جاز، وعليه يحمل تضحية النبي وق طر بكبشين،
وقوله : (الله صل على محمد وآل محمد).
فائدة
[العبادة هِى الطَّاعَة لله تعَالى]
العبادة هي الطاعة لله تعالى. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: بما افتقر من
الطاعات إلى النية. قاله الشيخ أبو إسحاق في ((الملخص)): قال: والطاعة: موافقة
الأمر، وقال ابن الصباغ في ((العدة)): الطاعة موافقة الأمر والمعصية مخالفة الأمر.
وقالت المعتزلة: الطاعة موافقة المطاع والمعصية مخالفة المراد.
وقيل: مخالفة المعاصي، وهذا بناء منهم على أن الأمر شرطه الإرادة.
قال: والعبادة ما كان طاعة لله منوياً به سواء كان فعلًا كالصلاة أو تركاً كالزنا.
وقالت الحنفية: الوضوء ليس بعبادة، لعدم افتقاره إلى النية.
ولنا: أن العبادة مشتقة من التعبد، وعدم النية لا يمنع كونه عبادة، وهكذا ذكره
أصحابنا .
وعندي: أن العبادة والطاعة والقربة إنما يكون فعلاً وتركاً إذا فعل المكلف ذلك
تعبداً أو تركه تعبداً، فأما إذا فعله لا بقصد التعبد بل لغرض آخر، أو ترك شيئاً
٢٩٣

م
من المحرمات لغرض آخر غير التعبد، فلا يكون ذلك عبادة منه، لقوله تعالى:
﴿ذلك خير للذين يريدون وجه الله﴾ [سورة الروم / ٣٨].
وأما إزالة النجاسة فإنما صحت من غير نية، لأن طريقها الترك فصح، وإن لم
يقصد به التعبد، لأنه عدم الفعل، ولكن لا يثاب عليه إلا إذا قصد به الإزالة
للصلاة، أو لأجل النهي عنه، فحينئذ يكون عبادة.
وأما القربة فقال القَفَّل الْرَوزي: ما كان معظم المقصود منه رجاء الثواب من
الله تعالى. حكاه عنه القاضي الحسين في ((الأسرار))، قال: ولا يرد عليه قضاء
الديون ورد المغصوب لأن المقصود منها، ومن سائر المعاملات النفع للآدمي.
خاتمَة
[السنة لاتعَدل الوَاجب]
قال الشيخ عز الدين في ((الأمالى)): قال البيهقي: لا يعدل شيء من السنن
واجباً أبداً وهو مشكل، لأن الثواب والعقاب مرتبان على حسب المصالح
والمفاسد، ولا يمكننا أن نقول: ثمن درهم من الزكاة تربو مصلحته على مصلحة
ألف درهم تطوعاً، وأن قيام الدهر لا يعدل ركعتي الفجر. هذا خلاف القواعد.
اهـ.
وفيه أمور:
أحدها: أن إشكاله هذا يرجع بالإشكال على منعه السابق، كمزية القائم
بفرض الكفاية على فرض العين، لتوفر المصلحة العامة متقابلة لمصلحة خاصة،
وليست مفسدة ترك النهوض بمهمات شعائر الدين أقل من مفسدة التارك لفرض
عين بل أكثر لما فيه من خرم نظام مصالح العباد.
الثاني: أن ما مثل به قد يلتزم، إذ ترك التطوع صدقة كان أو صلاة لا إثم فيه
٢٩٤

وإن كثر بخلاف الفرض وإن قل، فناسب تأكده والاعتناء به بزيادة الثواب، فلا
يمتنع إطلاق التفضيل.
الثالث: في كلام أصحابنا في الفروع صور تقتضي ترجيح النفل على الفرض.
منها : أن إبراء المعسر أفضل من إنظاره،َ لحصول الغرض وزيادة، ومنها : ما قاله
في ((الأذكار)): أن ابتداء السلام أفضل، لحديث صحيح فيه، ومنها: أن الأذان
سنة والإمامة فرض كفاية على ما صححه النووي فيهما مع ترجيحه الأذان، ومنها:
ما صححه أيضاً من تفضيل غسل الجمعة على الغسل من غسل الميت مع وجوبه
في القدیم.
٢٩٥

فصل
في المكروه
وهو لغة ضد المراد.
ويطلق في حق الله على معنى الإرادة كقوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم
فثبطهم﴾ [سورة التوبة / ٤٦] أي: أراد التثبيط فمنع الانبعاث، فسميت إرادة الضد
كراهة باعتبار ضده. لأن الباري سبحانه واحد، فلا يصح أن يقوم به المتضادان،
ولا يعتبر هذا المعنى في الشرعيات، لأنا لا نشترط في الأمر الإرادة، ولا في النهي
الكراهة، وهي مأخوذة من التنفير. ومنه قوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق
والعصيان﴾ [سورة الحجرات / ٧].
ويطلق على أربعة أمور :
أحدها : الحرام، ومنه قوله تعالى: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً﴾
[سورة الإسراء / ٣٨] أي محرماً، ووقع ذلك في عبارة الشافعي ومالك.
٣٦/ ب ومنه قول / الشافعي في باب الآنية: وأكره آنية العاج، وفي باب السلم: وأكره
اشتراط الأعجف والمشوي والمطبوخ، لأن الأعجف معيب، وشرط المعيب مفسد.
قال الصيدلاني: وهو غالب في عبارة المتقدمين كراهة أن يتناولهم قوله تعالى :
﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ [سورة
النحل / ١١٦] ، فكرهوا إطلاق لفظ التحريم.
الثاني : مانهي عنه نهي تنزيه وهو المقصود هنا.
الثالث : ترك الأولى كصلاة الضحى، لكثرة الفضل في فعلها، وحكى الإمام
٢٩٦

في «النهاية»: أن ترك غسل الجمعة مكروه مع أنه لا نهي فیه.
قال: وهذا عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصوداً.
قلت: ويؤيده نص الشافعي في ((الأم)): على أن ترك غسل الإحرام مكروه.
وفرق معظم الفقهاء بينه وبين الذي قبله أن ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه :
مكروه، ومالا يقال فيه: خلاف الأولى، ولا يقال: مكروه.
وفرق محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة بين الحرام والمكروه كراهة تحريم،
فقال: المكروه كراهة تحريم: ما ثبت تحريمه بغير قطعي، والحرام ما ثبت بقطعى
كالواجب مع الفرض.
الرابع : ما وقعت الشبهة في تحريمه كلحم السبع، ويسير النبيذ هكذا عده
الغزالي في ((المستصفى)) من أقسام الكراهة، وبه صرح أصحابنا في الفروع في أكثر
المسائل الاجتهادية المختلف في جوازها، لكن الغزالي استشكله بأن من أداه
اجتهاده إلى تحريمه فهو عليه حرامٍ، ومن أداه إلى حله فلا معنى للكراهة في حقه إلا
إذا كان في شبهة الخصم حزازةً في نفسه، وَوَقْعُ في قلبه فلا يصح إطلاق لفظ
الكراهة لما فيه من خوف التحريم، وإن كان غالب الظن الحل، ويتجه هذا على
مذهب من يقول: المصيب واحد، وأما على قول من يقول: كل مجتهد مصيب،
فالحل عنده مقطوع به إذا غلب على ظنه.
قال الأبيارى في ((شرح البرهان)): وليس في مسائل الفقه مسألة أصعب من
القضاء بالكراهة في هذا القسم، فإنه مخالف للدليلين جميعاً، وإن كان القولان
متفقاً عليهما كان المصير إلى الكراهة خرقاً للإجماع، ثم الذي يتأتى في هذا التوقف
عن الفعل وإن كان يغلب على ظنه الحل لاحتمال التحريم. أما حمل غيره عليه أو
الفتوى بالكراهة فلا وجه له عندي.
م
٢٩٧

تنبيه
إطلاق الكراهة على هذه الأمور هل هو من المشترك أو حقيقة في التنزيه مجاز في
غيره؟ وجهان لأصحابنا. حكاهما ابن سراقة في كتابه بالنسبة لكراهة التنزيه
والتحریم.
مسألة
قد تكون الكراهَة شَرعًا
وقد تكون الكراهة شرعية لتعليق الثواب عليها ، وقد تكون إرشادية أي
لمصلحة دنيوية ، ومنه كراهة النبي لتر أكل التمر لصهيب وهو أرمد ، ومنه كراهة
الماء المشمس على رأي ، والنظر في الفرج .
مسألة
[المكروه هَل هوَ مَنْهِ عَنه؟]
المكروه الذي هو ضد المندوب هل هو منهي عنه أم لا؟ فهو نظير الخلاف
السابق في المندوب هل هو مأمور به؟ من قال : النهي للتحريم فليس عنده بمنهي
عنه ، ومن قال : للتنزيه أو للقدر المشترك بينه وبين التحريم ، أو هو مشترك بينهما
فهي منهى عنه، ويدل على أنه غير منهي عنه قوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾
[سورة الحشر / ٧] وحكى القاضي الحسين في ((تعليقه)) في كتاب الأيمان وجهين في أن
فعل المكروه هل هو معصية أم لا ؟ وقال : إن الشافعي مرّض القول فيه ومال إلى
أنه معصية ، فقال : وأخشى أن يكون معصية يعني في الحلف بغير الله .
ثم قال القاضي : المعصية ضربان محرم يتعلق به الإثم ، ومعصية من طريق
المخالفة لا يتعلق بها إثم ، فتوقف الشافعي عن كونه معصية فيها إثم .
٢٩٨

وحكى الرافعي في باب الصيد والذبائح عن الشيخ أبي حامد أن ترك التسمية
على الذبيحة يقتضي الإثم مع تصريحه بكراهة الترك .
مسألة
[هَل المكروه من التكليف؟]
في أن المكروه هل هو من التكليف أم لا؟ والخلاف كالخلاف في المندوب .
مسألة
[المكروه هَل هوَقبيح؟]
المكروه هل هو قبيح أم لا يلتفت على تفسير الحسن والقبح؟ واختار إمام
الحرمين وابن القشيري أنه لا يوصف بقبح ولا حسن .
مسألة
[المكروه هَل يَدخل تحَت الأمر؟]
المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عندنا ، لأن الأمر طلب واقتضاء ، والمكروه
لا يكون مطلوباً ولا مقتضى ، فلا يدخل تحت الخطاب للتناقض .
قال إلْكِيا الطبري : إلا أن تكون الكراهة لمعنى في غير ما تعلق به لفظها كما
قيل في تنكيس الوضوء : إنه مكروه ، لأنه يخالف عادة السلف في هيئته لا في
أصل الوضوء، وهو إمرار الماء ، ولا في شرائطه فلم يمنع الإجزاء .
والخلاف في هذه المسألة مع الحنفية ، قال إمام الحرمين : وهذه المسألة مَثَّلَها
٢٩٩

الأئمة بالترتيب في الوضوء ، فمن يراه يقول : التنكيس مكروه ، ولا يدخل تحت
مقتضى الأمر .
وقال ابن السَّمْعاني : تظهر فائدة الخلاف في قوله تعالى : ﴿وليطوفوا بالبيت
العتيق﴾ [سورة الحج / ٢٩] فعندنا هذا لا يتناول الطواف بغير طهارة ، ولا
المنكس ، وغيرهم يتناوله فإنهم وإن اعتقدوا كراهيته ذهبوا إلى أنه دخل في الأمر
وأجزأ . قال : وهذا المقال إنما يتصور على أصلهم ، وأما عندنا فليس هو بطواف
أصلا .
ومن فوائد الخلاف أيضاً : الصلاة في الأوقات المكروهة إذا قلنا : إنها مكروهة
كراهة تنزيه وفي صحتها تفريعا على هذا وجهان ، والقول بالبطلان وهو الأصح
يخرج على أن المكروه لا يدخل تحت مطلق الأمر .
ومنها : مسألة الصلاة في الدار المغصوبة التي سبق ذكرها ، واقتصر المتأخرون
على ذكرها وأهملوا أصلها ، والعكس أولى .
ومنها: إعادة صلاة الجنازة لا يصح في احتمال لإمام الحرمين ، وقواه النووي
ووجهه : أنها لا تستحبّ ، وقيل تكره ، ومع الكراهة لا تصح تخريجا على هذا
الأصل .
ومنها : لو نذر الإحرام من دويرة أهله .
قال صاحب ((التهذيب)): يلزمه ، ووافقه النووي وخالفهما بعض المتأخرين ،
وقال : ينبغي أن لا ينعقد لكونه مكروها ، ونظيره الصوم يوم الشك تطوعا
حرام ، ولو نذر صومه ففي انعقاده وجهان .
ومنها : حيث قلنا : للقاضي قبول الهدية ولم نحرمها ، والأكثرون على أنه
يملكها وفيه وجه قوى أنه لا يملكها ، ثم صححوا أنها ترد إلى صاحبها ،
والظاهر : أنها توضع في بيت المال ولا ترد إليه .
واعلم أن جماعة من أصحابنا ذكروا المسألة هكذا ونصبوا الخلاف بيننا وبين
الحنفية منهم الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين وابن القشيري وابن برهان وابن
٣٠٠