Indexed OCR Text
Pages 121-140
وقال إلكِيا الطبري: الحكم لا يرجع إلى ذات المحكوم ولا إلى صفة ذاتية له إن قلنا: إنها زائدة على الذات، أو صفة عرضية له، وإنما هو تعلق أمر الله بالمخاطب؛ وهذا التعلق معقول من غير وصف محدث للمتعلق به كالعلم يتعلق بالمعلوم . وإذا سمعت الفقيه يقول: حقي يتعلق بالعين فمعناه أنه ثبت لمعنى في العين كالخمر حرمت لمعنى فيها، فتعلق الحكم تابعاً للمعنى، فكانت على حال مّا يتعلق بالعين، وإن لم يتعلق بها حقيقة. قال: وهذا أصل كبير في الشرع تمسّ الحاجة إليه في مواضع. ومن فروعه: أن العقل لا مدخل له في أحكام الله تعالى خلافاً للمعتزلة. قلت: ومن فروعه: أن قوله تعالى ﴿حرت عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] ونحوه هل هو مجمل؟ فمن قال بإضافة الحل والحرمة إلى الأعيان نفى الإجمال، ومن لم يقل به أثبته. وعلم من تعريف الحكم بالخطاب أن نفى الحكم ليس بحكم شرعي بل الأمر فيه باق على ما كان قبل الشرع، لأن حقيقة الحكم الخطاب، وهو مفقود فيه. وقد جمع الجدليون في هذه المسألة ثلاثة مذاهب. مسألة [نفِى الأَحْكَامِ الشَّرَعِيَة] اختلف في نفي الأحكام الشرعية على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه حكم شرعي متلقى من خطاب الشارع. والثاني: ليس بحكم شرعي بل يرجع حاصله إلى بقاء الحكم فيه على ما كان قبل الشرع. والثالث: وإليه ميل الغزالي وغيره إلى تقسيمه إلى نفي حكم مسبوق بالإثبات ١٢١ من الشرع، وإلى تقرير على النفي الأصلي قبل الشرع. فالأول حكم شرعي كالإثبات؛ والثاني محض تقرير على انتفاء الحكم، فهو يخبرنا أن الله تعالى لم يخاطبنا فيه، وكثيراً ما يخبر الشرع عن الحقائق، ولا يكون ذلك حكماً شرعياً وهو تعلق الخطاب. وقد يسمى حكماً لا على أنه علامة على ١٤ / ب الحكم، كقول الشارع: لا زكاة في المعلوفة /، ونظائره. حكى هذه المذاهب البروي في ((المقترح)) قال: والذي كان ينصره محمد بن يحيى تلميذ الغزالي أن نفي الحكم حكم شرعي كنفي الصلاة السادسة، ونفي الزكاة عن عبيد الخدمة سواء تلقيناه من موارد النصوص، أو من مواقع الإجماع. واحتج بإجماع الأمة على أن المجتهد إذا استفرغ وسعه في البحث عن مظانّ الأدلة فلم يظفر بما يدل على الحكم فهو متقيد بالقطع بالنفي والعمل به. وما ذاك إلا للإجماع الدال على نص بلغهم عن الرسول عليه السلام: إنكم إذا لم تجدوا دليل الثبوت فاجزموا بالنفي. فقد تعلق بنا خطاب الجزم بالنفي فتوى وعملا، ولا معنى للحكم الشرعي غير هذا. وأين هذا من عدم الحكم قبل الشرع؟ قال: وهذا النفي ممكن تلقيه من النص أو الإجماع. فأما من القياس فينظر، فإن كان النفي لعدم المقتضى لم يجز فيه قياس العلة. وإن كان المانع طرأ بعد تحقق المقتضى للحكم جرى فيه جميع الأقيسة. وقال شارح ((المقترح)) أبو العز المختار: عندي من هذه المذاهب أنه ليس حكماً شرعياً، لأن الحكم خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين؛ والنفي ليس فعلاً، ليكون الخطاب المتعلق به حكماً. فهو في الحقيقة خبر عن انتفاء تعلق الخطاب . وقولنا: ((انتفاء الحكم)) إشارة إلى انتفاء تعلق الخطاب، فلا يكون حكماً. وما احتج به محمد بن يحيى ممنوع، لأنه جزم بوجوب الفتوى بالنفي، وهو حكم الوجوب. وليس من نفي الحكم سبيل، فإن تعلق التكليف لنا بالنفي مع أن النفي ليس من فعل المكلف ليس بسديد، فهذه مغالطة منه لا تخفى. ١٢٢ مسألة [الحكم هَل هوَ قطعى أم ظَنِى؟] أطلق ابن برهان في كتابه الكبير هنا أن الحكم عندنا قطعى خلافاً لأبي حنيفة، فإنه عنده ظنى، وبَينْ مراده به في باب القياس، فقال: الحكم قطعي في الأحوال كلها سواء أضيف إلى الدليل القطعي أو الظني، لأن الحكم قطعي ثابت عند الظن لا بالظن، والقطع غير معتبر. انتهى. يريد أن الظن في الشرعيات ينزل منزلة العلم القطعي في القطعيات. والحكم قطعي، لأن ثبوت الحكم عند وجود غلبات الظنون قطعي فلا ينصرف إليه الظن. ومثاله: حكم القاضي بقول الشهود ظني، ولكن الحكم عند ظن الصدق واجب قطعي؛ وهو حاصل كلام المحصول في جوابه عن قولهم: الفقه من باب الظنون بناء على أن الحكم مبني على مقدمتين قطعيتين، وما انبنى على القطعي قطعي، لأنه يبنى على حصول الظن، وحصوله وجداني؛ وعلى أن ما غلب على الظن فحكم الله فيه العمل بمقتضاه. وهذه مقدمة إجماعية، وما أجمع عليه فهو مقطوع به، فثبت أنه مبني على مقدمتين قطعيتين، واللازم منه أنه قطعي. لكن الحق انقسام الحكم إلى قطعي وظني؛ وبمن صرح بذلك من الأقدمين الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب ((الحدود))، ومن المتأخرين ابن السمعاني في ((القواطع)). قال: وإنما قالوا: الفقه العلم بأحكام الشريعة مع أن فيه ظنيات كثيرة، لأن ما كان فيه من الظنيات فهي مستندة إلى العلميات. وقال ابن التلمساني: إنه الحق. واختار الشافعي أن المصيب واحد على ما نبين في باب الاجتهاد، ووجوب ١٢٣ اعتقاد أنّ هذا حكم الله، أو الفتوى به، أو القضاء غير نفس الحكم بأن هذا حلال أو حرام أو صحيح أو فاسد، لاختلاف المتعلقات فيها. وقال الأصفهاني: في ((شرح المحصول)): من الأحكام ما يثبت بأدلة حصل العلم بمقتضاها، وذلك في الأحكام الثابتة بنصوص احتفت بقرائن تدفع الاحتمالات المتعارضة عنها بانحصار تعيين المدلول في واحد، ومنه ما ثبت بأخبار آحاد. أو نصوص لم تعتضد بما يدفع الاحتمالات، فتلك الأحكام مظنونة لا معلومة . قال: وهذا هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ويؤيده أن الأحكام لو كانت بأسرها معلومة لما انقسمت الطرق إلى الأدلة والأمارة، ولما انتظم قولهم في المقدمات: إن كانت علمية فالنتيجة علمية، وإن كانت ظنية فالنتيجة ظنية، وإن كان بعضها علماً وبعضها ظنياً فالنتيجة ظنية. وقال ابن دقيق العيد: إن الأحكام تنقسم إلى متواترات، وهي مقطوع بها، وإلى ما ليس كذلك، وهي مظنونة. وبرهانه: أن الظن من الصفات المتعلقة أي: لابد له من مظنون، ومتعلقه الحكم المتعين أو الأحكام التي هي غير بالغة حد التواتر عن صاحب الشرع، فنركب قياساً. فنقول: هذه الأحكام، أو هذا الحكم المعين متعلق الظن وما هو متعلق الظن فهو مظنون، أو هذا الحكم مظنون. ثم نقول: هذه الأحكام مظنونة، ولا شيء من المظنون بمعلوم فلا شيء من هذه الأحكام بمعلوم. وأما الدليل الذي ذكره الرازي فإنما ينتج بأن العمل بمقتضى الظن معلوم، وهو بعد تسليم كون الإجماع قطعياً مسلّم. ولكنه حكم من الأحكام الشرعية وليس هو الأحكام الفقهية التي في أعيان المسائل التي تقام عليها الأدلة العلمية. والذي يحقق هذا أنا نبني هذه المسألة على ما نختاره، وهو أن لله حكماً معيناً في الواقعة، وهو مطلوب المجتهدين، ومنصوب عليه الدلائل، فمن أصاب ذلك الحكم فهو مصيب مطلقاً، ومن أخطأه فلله عليه حكم آخر شرطه عدم إدراك ١٢٤ ذلك الحكم الأول بعد الاجتهاد، وهو وجوب المصير إلى ما غلب على ظنه، وهذا الحكم معلوم. وليس يلزم من كون هذا معلوماً كون الأول معلوماً. وقال في موضع آخر: المختار أن لله تعالى في الواقعة حكماً معيناً طلب العباد أن يقفوا عليه بدلائله المنصوبة، وليس هذا بالحكم الأصلي. فإذا لم يقع العثور عليه أو ظن أن الحكم غيره نشأ ههنا حكم آخر بهذه الحالة، وهو وجوب العمل بما غلب على ظنه، ولُيُسمّ هذا بالحكم الفرعي. وبهذا يتبين الرد على أن الأحكام معلومة من حيث إنها مبنية على مقدمتين قطعيتين، وما كان مبنياً على مقدمتين قطعيتين فهو معلوم، فالفقه معلوم. وقرر كونها مبنية على مقدمتين قطعيتين بأنها مبنية على قيام الظن بالأحكام، وعلى أن الإجماع قائم على أن الواجب على المجتهد اتباع ظنه فيرتب هذا الحكم على مقدمة وجدانية ومقدمة إجماعية وكلتاهما قطعيتان. فتقول : الذي ثبت من هذا أن وجوب العمل بمقتضى الظن قطعي، لأنا نقول هكذا: الظن بهذا الحكم حاصل قطعاً، وإذا حصل الظن بحكم وجب العمل بمقتضى الظن فيه قطعاً، فوجب العمل بمقتضى الظن في هذا الحكم قطعاً. لكن هذه النتيجة مسألة من مسائل الفقه ونحن لا نمنع أن بعض الأحكام معلومة قطعاً . ١٢٥ الخطَاب عرفه المتقدمون بأنه الكلام المقصود منه إفهام من هو متهيء للفهم. وعرَفه قومٌ بأنه ما يُقصد به الإفهام أعم من أن يكون من قصد إفهامه متهيئاً أم لا . قيل: والأولى أن يفسر بمدلول ما يقصد به الإفهام، لأن الكلام عند الأشعري هو النفسي، والنفسي لا يقصد به الإفهام وفيه نظر. لأن قصد الخطاب مع النفس أو العين سواء، وفي وصف كلام الله في الأزل بالخطاب خلاف. الصحيح : وبه قال الأشعري: أنه يسمى خطاباً عند وجود المخاطب. قال ابن القشيرى: وهو / الصحيح. ١/١٥ وجزم القاضي أبو بكر بالمنع، لأنه لا يعقل إلا من مخاطِب ومخاطَب. وكلامه قديم فلا يصح وصفه بالحادث. وتابعه الغزالي في ((المستصفى)) ثم قال: وهل يسمى أمراً؟ فيه خلاف. والصحيح: أنه يسمى به، إذ يحسن أن يقال فيمن أوصى أولاده بالتصدق بماله: فلان أمر أولاده بكذا، وإن كان بعضهم مجتناً في البطن أو معدوماً. ولا يحسن أن يقال: خاطبهم إلا إذا حضروه وسمعوه. انتھی(١). وهذا بناه على أن المعدوم يصح تعلق الأمر به. وقال في ((الاقتصاد)): والحق: أنه يطلق على الله تعالى في الأزل آمر وناه، وإن كان لا مأمور هناك. كما جوز تسميته قادراً قبل وجود المقدور. قال: والبحث في هذه المسألة لفظي يرجع إلى اللغة من حيث جواز الإطلاق؛ (١) المستصفى للغزالي ٨٥/١ ط المطبعة الاميرية ببولاق سنة ١٣٢٢. ١٢٦ وأما من جهة المعنى فالاقتضاء القديم معقول وإن كان سابقاً على وجود المأمور كما في حق الولد. [خطاب التكليف وخطاب الوضع] خطاب الشرع قسمان : أحدهما : خطاب التكليف بالأمر والنهي والإباحة. ومتعلقه الأحكام الخمسة : الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، لأن لفظ التكليف يدل عليه، وإطلاق التكليف على الكل مجاز من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء. لأن التكليف في الحقيقة إنما هو للوجوب والتحريم والنسيان يؤثر في هذا القسم. ولهذا لا يأثم الناسي بترك المأمور، ولا بفعل المنهي. الثاني: خطاب الوضع: الذي أخبرنا أن الله وضعه، ويسمى خطاب الأخبار. وهو خمسة أيضاً، لأن الوصف الظاهر المنضبط المتضمن حكمة الذي ربط به الحكم إن ناسب الحكم فهو السبب والعلة والمقتضي. وإن نافاه فالمانع، وتاليه الشرط، ثم الصحة، ثم العزيمة، وتقابلها الرخصة. فالأول: أوقات الصلاة ونصاب الزكاة. والثاني: كالدين في الزكاة، والقتل في الميراث، والنجاسة في الصلاة. والثالث: كالحول في الزكاة والطهارة في الصلاة. والرابع: الحكم على الشيء بالصحة والفساد والبطلان. والخامس: كحل الميتة للمضطر. وسنتكلم على جملة الأقسام في فصل خطاب الوضع إن شاء الله تعالى. وزاد الجيلى من أصحابنا في كتاب ((الإعجاز)) والقرافي: التقديرات، وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم وبالعكس. فالأول : كالنجاسات المعفو عنها تقدر في حكم المعدومة. والثاني : كالملك المقدور في قوله: أعتق عبدك عني بكذا فيقدر له الملك حتى ١٢٧ يثبت ولاء العتق له، ويقدر الملك في دية المقتول خطأ قبل موته حتى يصح فيها الإرث، وتقدير الملك قبيل الشهادة. قال الجيلى: ثم التقدير ينقسم إلى تقدير صفة شرعية في المحل يظهر أثرها في البيع والطلاق كتقدير ملك اليمين وملك النكاح، وإلى تقدير أعيان محسوسة هي في نفسها معدومة مستحقة في الذمة. كتقدير الدراهم والدنانير في الحيوانات. والحكم يطلق على هذه الجهات كلها، ولا شك أن بينهما اتفاقاً وافتراقاً، وما وقع به الاتفاق إنما هو الخطاب فقط. [وجوه الافتراق بين الخطابين] ويفترقان من وجوه: أحدها : أن التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف، والوضعي يتعلق بفعل غير المكلف، فلو أتلفت الدابة أو الصبي شيئاً ضمن صاحب الدابة والولي في مال الصّبی . الثاني: أن التكليفي لا يتعلق إلا بالكسب بخلاف الوضعي، ولهذا لو قتل خطأ وجبت الدية على العاقلة، وإن لم يكن القتل مكتسباً لهم. فوجوب الدية عليهم ليس من باب التكليف، لاستحالة التكليف بفعل الغير، بل معناه أن فعل الغير سبب لثبوت هذا الحق في ذمتهم. الثالث: أن الوضعي خاص بما رتب الحكم فيه على وصف، أو حكمة إن جوزنا التعليل بها، فلا يجري في الأحكام المرسلة الغير(١) المضافة إلى الأوصاف. ولا في الأحكام التعبدية التي لا يعقل معناها. ولهذا لو أحرم، ثم جنّ، ثم قتل صيداً لا يجب الجزاء في ماله على الأصح. ووجّهه ابن الصباغ والرافعي بأن الصيد على الإباحة وإنما يمنع من قتله تعبداً، فلا يجب إلا على مكلّف. (١) هكذا في سائر النسخ والصحيح أن كلمة ((غير) لا تقبل ((أل)) لأنها موغلة في التنكير. حاشية الصبان على شرح الأشموني ١٥٦/٢،١٠٤/١. ١٢٨ قلت: وبه يظهر فساد قول من ظن أنه من باب خطاب الوضع. وقال: الأرجح فيه الضمان. وقال النووي في ((شرح المهذب)): إنه الأقيس، وليس كما قال. الرابع: أن خطاب التكليف هو الأصل، وخطاب الوضع على خلافه. فالأصل أن يقول الشارع: أوجبت عليكم، أو حرمت؛ وأما جعله الزنى والسرقة علماً على الرجم والقطع فبخلاف الأصل. نعم خطاب الوضع يستلزم خطاب اللفظ، لأنه إنما يعلم به كقوله تعالى: ﴿أقمِ الصَّلاةَ لدُلوكِ الشّمْسِ﴾ [سورة الإسراء / ٧٨] الآية، ونحوه من الخطابات اللفظية المفيدة للأحكام الوضعية بخلاف خطاب اللفظ، فإنه لا يستلزم خطاب الوضع، كما لو قال: لا يتوضأ إلا من حدث، فإن هذا خطاب لفظي يعقل تجرده عن سبب وضع أو غيره. ويعلم مما ذكرناه أنه يقدم الحكم التكليفي على الوضعي عند التعارض، لأنه الأصل. ومنهم من يقدم الوضعي، لأنه لا يتوقف على فهم وتمكن. حكاه الآمدى في باب التراجيح . الخامس: أن الوضعى لا يشترط فيه قدرة المكلف عليه، ولا علمه؛ فيورث بالسبب، ويطلق بالضرر، وإن كان الوارث والمطلق عليه غير عالمين ولو أتلف النائم شيئاً أو رمى إلى صيد في ملكه فأصاب إنساناً ضمنه، وإن لم يعلما. وتحل المرأة بعقد وليها عليها، وتحرم بطلاق زوجها، وإن كانت لا تعلم. ويستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة أمران: أحدهما: أسباب العقوبات كالقصاص لا يجب على المخطىء في القتل، لعدم العلم، وحد الزنى لا يجب في الشبهة، لعدم العلم، ولا من أكره على الزنى، لعدم القدرة على الامتناع. الثاني: الأسباب الناقلة للملك كالبيع والهبة والوصية ونحوها يشترط فيها العلم والقدرة. فلو تلفظ بلفظ ناقل للملك، وهو لا يعلم بمقتضاه لكونه أعجمياً لم يلزمه مقتضاه، لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكونَ تجارة عن تَراضٍ﴾ [سورة النساء / ٢٩] ١٢٩ والنكاح ونحوه من العقود من قسم الوضع، ولهذا صححنا أنكحة الكفار إذا أسلموا مع قولنا: إنهم مخاطبون بالفروع. وكذا مما يستثنى ما لو رجع المعير عن العارية واستعمل المستعير جاهلاً بالرجوع فلا ضمان. نقله الرافعي عن القفال. ولو تيمم رجل ثم علم بقربه بئراً لم يكن علمها، فالأصح المنصوص في ((الأم)): لا تجب عليه الإعادة كذا في ((الروضة)). وقال النووي في ((التنقيح)): قال في ((الأم)): لا إعادة، وفي البويطى: تجب. فقال الجمهور: أراد بالأول ما إذا كانت خفية، وبالثاني ما إذا كانت ظاهرة. وهذا هو الصحيح، وفي ((المهذب)) نحوه. ولو صلى بنجاسة لم يعلمها وجب القضاء في الجديد؛ والمعضوب العاجز عن ١٥/ب الحج بنفسه لو جهل طاعة من يطيعه في سفره، أو جهل مالاً مَوْروثاً له فألحقه / ابن الصباغ وغيره بنسيان الماء في رحله. وألحقه صاحب ((المعتمد)) بالزكوي الضال. وهذا ترجيح للوجوب منهما، وقضية التأثيم لو مات قبل العلم. وقال الرافعي: قد يقطع بالمنع، لانتفاء استطاعة من لم يشعر بالقدرة، وهذا هو الظاهر. لأنه من باب خطاب الوضع لا من باب خطاب التكليف. ثم قيل: أنواع خطاب الوضع من قسم الحكم الشرعي، وإليه ذهب الغزالي وتبعه الامدي . وقيل: بل علامة على الحكم والوجوب بالأمر، والأوقات علامات وأمارات للوجوب؛ واختاره ابن السَّمْعاني في ((القواطع)). قال : ولئن قيل: الموجب هو الله تعالى لكن بهذه الأسباب، لأنها مجعولة أسباباً من قبل الله. قلنا: إذا اعترفتم أن الإيجاب من قبل الله فيكون الأمر أدل على الإيجاب من السبب، فيكون إحالة الإيجاب عليه أولى من إحالته على السبب. وحكى المقتّح عن جمع من الأصحاب أنه متلقى من خطاب الأخبار عن أفعال ١٣٠ المكلفين. ثم قال: وليس كذلك فإن الخبر لا يتلقى منه بل هو تابع لمتعلقه كالعلم يتبع المعلوم على ما هو به من وجوده وعدمه. فإن كان الشيء موجوداً أخبر عن وجوده؛ وإن كان معدوماً أخبر عن عدمه. والحقّ: أنه متلقى من خطاب التكليف؛ وهو أن يأمر المجتهد بإثبات الحكم بالوصف في جميع مجاريه، وهذه قاعدةُ شرعيةِ القياس، وهي الأمر بالنظر حتى يعثر على الوصف الذي يظن أنه أمارة، ثم يؤمر بتعديته وهو حكم السببية، ولا معنى للحكم الثابت بالأسباب إلا هذا. اهـ. والتحقيق: أنه لا يحتاج إلى غير إثبات الحكم، لأنه المقصود. فلا حاجة إلى أن يقول: لله في كل واقعة حكمان. أحدهما: نصب الشي سبباً، والثاني: إثبات الحكم؛ إذ المقصود حاصل بإثبات الحكم فلا حاجة إلى الوضع الثاني، وهو نصب الشيء سبباً. وهذا كما يقول في باب القياس: عرفنا أن النص حجة، ثم النص إنما كان معرّفاً للحكم بواسطة الإشعار. ولا يحتاج إلى أن يقول: الشارع جعل الإشعار معرّفاً، وهذا حكم من جهة الشارع وراء ثبوت ذلك الحكم فكذلك ههنا، فإنه المقصود الأعلى. تنبيهَان [التنبيه] الأول: [خطاب الشارع إما لفظي أو وضعي] ما ذكرناه من تقسيم الخطاب إلى تكليفى ووضعي تابعناهم فيه، وفيه نظر، لأن مقصود خطاب الوضع الطلب كما بينًا. فالأحسن أن يقال: خطاب الشارع إما لفظي أو وضعي. أي: ثابت بالألفاظ نحو ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [سورة البقرة / ٤٣] أو عند الأسباب، كقوله: إذا زالت الشمس وجبت الظهر. فاللفظ أثبت وجوب الصلاة، والوضع عين وقت وجوبها . ١٣١ [التنبيه] الثاني : استشكل جعل الحكم الشرعي جنساً للأحكام الخمسة، وما ألحق به من خطاب الوضع. لأن الجنس لابد وأن يكون صادقاً على نوعين خارجيين، فيلزم أن يكون الحكم الشرعي الذي هو الجنس صادقاً على خمسة أنواع أو ستة؛ والأنواع مختلفة الحقائق جزماً، فيلزم أن يكون خطاب التحريم والندب والإباحة والكراهة مختلفات الحقائق لنوعيتها . وهي أنواع: الحكم الشرعي الذي هو الكلام النفسي، ويلزم أنه لا يكون الكلام النفسي الذي هو كلام الله حقيقة واحدة بل حقائق مختلفة، وذلك باطل على أصل الأشاعرة، وإن قيل: لا أجعل الحكم الشرعي جنساً للخمسة أو الستة بل أجعله عرضاً عاماً ففاسد؛ لأن العرض العام لابد وأن يكون صادقاً على نوعين، وإلا لكان خاصة فيعود الإشكال. ١٣٢ ." فصل [فيما يعلم به خطاب الله وخطاب رسوله] ذكره أبو نصر بن القشيرى في أصوله فيما يعلم به خطاب الله وخطاب رسوله. قال القاضي: خطاب الله إذا اتصل بالخلق على وجهين: أحدهما: بلا واسطة كموسى عليه السلام، والملائكة، ومن يحمّلهم الله وحيه، ولا طريق إلى العلم بكونه كلام الله إلا الاضطرار، فإذا خاطبَ الله عبداً خلق له علماً ضرورياً بأن مخاطبه هو الله تعالى، وأن الله الذي يُسمِعُ كلامَ الله. وذلك لأن كلام الله يخالف الأجناس فلا يتوصل إلى معرفته بمعرفة اللغات والعبارات، ولا تدل عليه دلالة عقلية. وقال القلانسي وعبد الله بن سعيد وغيرهما من سلفنا: إن نفس سماع كلام الله يعقب العلم به لا محالة. قال القاضي: وهذا مما لا أرتضيه، وأجوز سماع كلام الله مع الذهول عن کونه کلاماً لله. والثاني: مما يتصل بالمخاطب بواسطة. فهذا مرتب على العلم بصدق الرسول عليه السلام أولاً، ووجوب عصمته عن الخلف، وإنما يتبين ذلك بالمعجزة. وأما معرفة خطاب الرسول عليه السلام فينقسم أيضاً إلى شفاه ووجاه، وإلى ما يبلغ عنه. فأما ما خاطب من عاصره وجاهاً فمنه نص ومنه ظاهر ومجمل، وكذا ما يبلغ عنه، والمجمل إنما يتفق في الوعد والوعيد، وما يتعلق بأحكام الآخرة لا في التكاليف أعني إذا لم يتفق الاستفسار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ١٣٣ مسألة [لاحَاكِم إِلا الشَّرِع] إذا تبين أن الحكم خطاب الشرع فلا حاكم على المكلفين إلا الشرع خلافاً للمعتزلة. حيث حكموا العقل. وقد اختلفت العبارات عن حكاية مذهبهم. [مذهب المعتزلة] فقال ألكيا الطبري: قالت المعتزلة: العقل يوجب، ولا يعنون ههنا إيجاب العلة معلولها، أو أن العقل يأمر فإن الاقتضاء منه غير معقول، وهو عرض والأمر يستدعي الرتبة فإذن المَعْنِيّ به: أن العقل يعلم وجوب بعض الأفعال عليه. والمعنى بوجوبه علمه باقتران ضرر بتركه، وإليه يرجع معنى الوجوب والحسن والقبح . وهذا منهم ادعاء العلم ضرورة على وجه يشترك العقلاء فيه. ثم قال: وقد مال إلى ما ذكروه طوائف من القائلين بقدم العالم من حيث أن الذي يتعلق به نظام المعيشة وعمارة الدنيا هو أقرب إلى الاعتدال، وحسن النظام من الذي يتضمن خراب الدنيا. وهذا المذهب لاشك في بطلانه قطعاً. وقال في موضع آخر: العقل يستقلّ بوجوب اتباع الرسل من حيث إن الاتباع تمحض نفعاً لا يشوبه ضرر، والامتناع من الاتباع محض ضرر. ولا يتأتى ذلك إلا بعد أن يعلم أن الله تعالى أظهر المعجزة على يده ليصدقه. وهذا العلم يحصل عند المعتزلة من جهة أن الله لا يفعل القبيح، وعند الأشعرية من جهة أنه لو لم يقدر ذلك لم تكن معرفة الصدق من جائزات العقل، وذلك محال. والذي يعلم بالشرع أنه مصلحة ونفع محض على ثلاثة أضرب: حكم، وما يتعلق الحكم به من علة وتسبب، والأدلة على علة الحكم. وقال ابن برهان: اعلم أن المعتزلة وإن أطلقوا أقوالهم بأن العقل يحسّن ويقبّح ١٣٤ ۔۔ ۔۔ لم يريدوا به أنه يوجب الحسن والقبح؛ فإن العقل عبارة عن بعض العلوم الضرورية، والعلم لا يوجب المعلوم إيجاب العلة المعلول؛ وإنما عنوا به أن العقل يكشف عن حسن الحسن وقبح القبيح. فعند ذلك انقسموا، فمنهم من ذهب إلى أن الحسن حسن لذاته وكذا القبيح، ومنهم من صار إلى أن قبح الصفة. وكذلك أصحابنا قالوا : إن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه، وما عنوا به الإيجاب؛ وإنما عنوا به أن الحسن هو المقول فيه: ((لا تفعل)). وقال في موضع آخر: عندنا لا حكم للعقل لكن نحن نقول: إن الأدلة العقلية حقائق ثابتة في أنفسها دالة على مدلولاتها، ومقتضية أحكامها / إلا أنا لا نعتقد ١/١٦ ذلك، والمعتزلة يعتقدون أن للعقل أحكاماً. وهذا الخلاف بيننا وبينهم. وأنكره بعض الناس. وقال: النظر في الأدلة العقلية لا يوجب العلم بحال. وقال الأستاذ: أبو منصور البغدادي: ذهبت المعتزلة والبراهمة إلى أن العقول طريق إلى معرفة الحسن والقبيح والواجب والمحظور ثم اختلفوا في وجه تعليق الحكم على العقل. فقالت المعتزلة: هو خاطر من قبل الله يدعوه إلى النظر والاستدلال. وشَرَّعَ الرسل ما قبح في العقل كذبح البهائم وتسخير الحيوان وإتلافه. قالوا: وإنما حسن ورود الشرع به للغرض المقصود منه. وخالفهم أبو هاشم، وزعم أنه لولا ورود الشرع بذلك لم يكن معلوماً جواز حسنه. ثم اختلفوا في صفة الخاطر، فقال النظام: هو جسم محسوس وأن اللّه تعالى يفعل خاطراً لطاعة، وخاطراً لمعصية في قلب العاقل فيدعوه بأحد الخاطرين إلى طاعته، ليفعلها، ويدعوه بالآخر ليتركها. وقال الجبائي: يدخل الشيطان في خرق أذن الإنسان إلى موضع سنه أو قلبه فیھمس ویتکلم بما يدعو إليه. قال: فالخاطر الذي من قبل الله كالعلم ونحوه. ١٣٥ وقال ابنه أبو هاشم: هو قول خفي يلقيه الله في قلبه كالأمر بالمعروف، وكذلك الخاطر الذي يلقيه الشيطان في قلب العاقل، ولا معنى للاشتغال بهذه الترهات. قال: وذهب أهل الحق إلى أن طريق العلم بوجوب النظر في العقليات والسمعيات السمع دون العقل. وإنما يعلم بالعقل صحة ما يصح كونه، ووجوب وجود ما يجب وجوده، واستحالة كون ما يستحيل كونه، وصحة ما يصح ورود الشرع به جوازاً بكل ما ورد الشرع به من واجب ومحذور ومباح ومكروه ومسنون. فقد كان في العقل جواز ورود الشرع على الوجه الذي ورد به؛ وكان فيه أيضاً جواز ورود الشرع بتحريم ما أوجبه وإيجاب ما حرمه، ولم يكن فيه دلالة على وجوب فعل، ولا على تحريمه قبل ورود الشرع. وقالوا أيضاً: لو توهمنا خلق العاقل قبل ورود السمع عليه، واستدل ذلك العاقل على معرفة الله، ووصل إليها لم يستحق بذلك ثواباً؛ ولو جحده به وكونه لم يستحق عقاباً، ولو عذبه الله أبداً في النار لكان عدلاً. وإنما كان كإيلام الطفل في الدنيا والعقاب لا يستحقه إلا من تعلق به الأمر والنهي خطاباً أو بواسطة الرسالة ثم عصاه. هذا قول شيخنا أبي الحسن الأشعري، وبه قال أكثر الأئمة كمالك والشافعي والأوزاعى والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وكل من لم يتمعزل من أصحاب لرأي . وقال في كتاب ((التحصيل)): إنه مذهب الجمهور من أصحاب الشافعي ومالك وأصحاب الحديث. وقال الشيخ أبو حامد الأسفراينى في ((تعليقه)): مذهب أصحاب الحديث عامة: أنه لا تجب معرفة الله قبل السمع؛ وذهبت المعتزلة إلى أنه يجب عليه ذلك قبل ورود السمع، وقبل ورود الدعوة، وإلا فهو مرتد كافر. ولهذا قلنا: إن من قتل ممن تبلغه الدعوة فعليه الدية، وعند أبي حنيفة لا دية عليه، لأنه مشرك مرتد معاند . وقال إمام الحرمين في ((تلخيص كتاب القاضي)): بحث التحسين والتقبيح ١٣٦ يرجع إلى ما يحسن ويقبح في التكليف، وهما راجعان إلى حكم الرب شرعاً لا إلى وصف العقل. وصارت المعتزلة إلى أن قبح القبيح يرجع إلى ذاته؛ والأكثرون منهم صاروا إلى مثل ذلك في الحسن؛ وأما أهل الحق فقالوا: لا يدرك بمجرد العقل حسن ولا قبح، لأن الحسن ما ورد الشرع بتعظيمه، والقبيح ما ورد بذمه؛ فالحسن والقبح على التحقيق هو عين التحسين والتقبيح الشرعيين. وقد أطبقت المعتزلة على أن حسن المعرفة والشكر، وقبح الكفر والظلم مما يدرك بضرورة العقل. وقال عبد الجليل في (شرح اللامع)): أفعال المكلّفين عند المعتزلة على أربعة أضرب: أحدها : ما يعلم حسنه بالعقل ولا مجال للسمع فيه، كشكر المنعم والعدل والإنصاف والعلم. والثاني: ما يعلم قبحه بالعقل، وهو ضد ما ذكرنا من الجور وكفر المنعم والجهل، وهذان الضربان يعلمان بمجرد العقل. والثالث: ما في معلوم الله أن فعله يؤدي إلى فعل ما هو حسن في العقل فهو عندهم حسن إلا أنهم لا يعلمون حسنه إلا بعد ورود الشرع كالصلاة والصيام والزكاة والحج . والرابع: ما هو في معلوم الله أنه قبيح ولا يعلم حتى يرد السمع فيكون تركه داعياً إلى القبح في العقل كالزنى واللواط وشرب الخمر وقتل النفس. فهذا لا يعلم قبحه إلا بعد ورود السمع. هذا مذهبهم في تقسيم الحسن والقبح. وقال الإمام أبو نصر بن القشيرى في ((المرشد)): الشيء عندنا لا يحسن ولا يقبح لنفسه بل إنما ترجع الأحكام إلى قول الشارع. وقالت المعتزلة: لا يتوقف إدراك الحسن والقبح على السمع بل يدركان بالعقل، ثم منها ما يدرك بضرورة العقل كالكفر والضرر المحض؛ ومنها ما يدرك بنظره كوجوب شكر المنعم. ١٣٧ قال: ومن قال من أئمتنا: لا يدرك الحسن والقبح إلا بالشرع فهو متجوز، لأنه توهم أن الحسن زائد على الشرع وليس كذلك، فإن الحسن عبارة عن نفس ورود الشرع بالثناء على فاعله وكذا القبيح. وقال في كتابه في أصول الفقه: معنى قول المعتزلة: إنه يقبح كذا أو يحسن كذا عقلاً أنه يدرك ذلك منهما من غير إخبار خبر. وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعي أن التكليف مختص بالسمع دون العقل وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شيء ولا تقبيحه، ولا حظر ولا إباحة، ولا يعرف شيء من ذلك حتى يرد السمع فيه؛ وإنما العقل آلة تدرك بها الأشياء، فيدرك به حسن وقبح بعد أن ثبت ذلك بالسمع . وقد ذهب إلى هذا المذهب جماعة كثيرة، وهم الذين امتازوا عن متكلمي المعتزلة، وذهب إليه جماعة من الحنفية. وذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن للعقل مدخلاً في التكليف، لأن الحسن والقبيح ضربان: ضرب علم بالعقل، وضرب علم بالسمع. فأما المعلوم حسنه بالعقل فهو العدل والإنصاف والصدق وشكر المنعم وغير ذلك؛ وأما المعلوم حسنه بالشرع فنحو الصلاة والصيام والزكاة والحج ونحوه؛ وأما المعلوم قبحه بالشرع فكالزنى وشرب الخمر ونحوه. قالوا: وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل يكون وروده مؤكداً لما في العقل إيجابه وقضيته. وزعموا أن الاستدلال على معرفة الصانع واجب بمجرد العقل قبل ورود السمع به ودعاء الشرع إليه. ١٦ /ب / وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم. وذهب إليه من أصحابنا أبوبكر القفال الشاشي وأبو بكر الصيرفي وأبو بكر الفارسي والقاضي أبو حامد، وغيرهم والحليمي من المتأخرين. وذهب إليه كثير من أصحاب أبي حنيفة خصوصاً العراقيون منهم. واستدلوا بأن الله تعالى وبّخ الكفار على تركهم الاستدلال بعقولهم على ١٣٨ وحدانيته وربوبيته بما يشاهدونه في أنفسهم وغيرهم. فقال: ﴿لآيات لأولي الألباب﴾ [سورة آل عمران / ١٩٠] وقال: ﴿لأولي النهي﴾ [سورة طه / ٥٤] وقال: ﴿أفلا تعقلون﴾ [سورة البقرة / ٤٤] ﴿لقوم يعقلون﴾ [سورة البقرة / ١٦٤] ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل﴾ [سورة الملك / ١٠]. قال: والصحيح: هو الأول وإياه نختار ونزعم أنه شعار السنة. ودليله قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [سورة الإسراء / ١٥] ولم يقل حتى نركب عقولاً. وقال حكاية عن الملائكة في خطاباتهم مع أهل النار ﴿ألم يأتكم رسل منكم﴾ [سورة الأنعام / ١٣٠] وقال تعالى: ﴿ألم يأتكم نذير﴾ [سورة الملك / ٨] فدل على أن الحجة إنما لزمتهم بالسمع دون العقل. وقال تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللـه حجة بعد الرسل﴾ [سورة النساء / ١٦٥] فدل على أنه لا حجة بمجرد العقل بحال. وأما الآيات التي ذكروها، فنحن نقول: إن العقل آلة تمييز وبه تدرك آلة الأشياء ويتوصل إلى الحجج، وإنما الكلام في أنه بذاته هل يستقل بإيجاب شيء آخر أو تحريمه؟. قال: وهذه مسألة كلامية وإنما اقتصرنا فيها على هذا القدر وذكرناها في أصول الفقه، لأنه محتاج إليه في مسائل من الفقه. انتهى. وما نقله عن القفال الشاشي والصيرفي رأيته في كتابيهما في الأصول. أما القفال، فقال: أحكام الشرع ضربان: عقلي واجب، وسمعي ممكن. فالأول: ما لا يجوز تغيره ولا يتوهم جواز استباحة ما يحظر، ولا حظر ما أوجب فعله كتحريم الكفر والظلم والعدل ونحوه. وقد يرد السمع بهذا النوع فيكون مؤكداً لما وجب بالعقل. والثاني: كأعداد الصلوات وهو موقوف على تجويز العقل وقبوله إياه فيما جوزه العقل فهو مقبول، وما رده فمردود؛ ومتى ورد السمع بإيجابه صار واجباً إلى أن يلحقه النسخ والتبديل. هذا كلامه. وأما الصيرفي فقال: في كتاب ((الدلائل والأعلام)): لا يجوز أن يأتي الكتاب أو ١٣٩ السنة أو الإجماع بما يدفعه العقل؛ وإذا استحال ذلك فكل عبادة جاء بها القرآن أو السنة فعلى ضربين: أحدهما: مؤكد لما في العقل إيجابه أو حظره أو إباحته كتحريم الشرك وإيجاب شكر المنعم. والثاني: ما في العقل جواز مجيئه ومجيء خلافه كالصلاة. والزكاة. فالسمع يرقيها من حيز الجواز إلى الوجوب. قال: ولا يأتي الخبر بخلاف ذلك. قال: والدليل على أن العقل حاكم على ما يرد به السمع أنه المميز بين الأشياء الواردة عليه . قال : وجماع نكتة الباب أن الذي يرد السمع مما يثبته العقل إنما يأتي تنبيهاً، كقوله تعالى: ﴿إِن في خَلْقِ السَّمُواتِ والأرْضِ﴾ [سورة البقرة/١٦٤] ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ من شي﴾ [سورة الأعراف / ١٨٥] وإنما أتى بالشيء الذي العقل عامل فيه. وقد يفكر الإنسان في خلق نفسه وخلق السموات والأرض وتدبر آثار الصنعة، فيستدل على أن لها صانعاً حكيماً، فبهذا يعلم أن تنبيه السمع بين في العقل. انتهى . واعلم أن هؤلاء عدوا هذا إلى غيره، فقالوا: يجب العمل بخبر الواحد عقلاً، وبالقياس عقلًا ونقل ذلك عن ابن سريج والقفال وغيرهما. وذكروا في الاعتذار عن موافقتهم للمعتزلة وجهين: أحدهما: أن ذلك كان في أول أمرهم ثم رجعوا عنه. قال ابن عساكر في ((تأريخه)): كان القفال في أول أمره مائلاً عن الاعتدال قائلاً بالاعتزال، ثم رجع إلى مذهب الأشعري. الثاني: قال القاضي أبو بكر في كتابه ((التقريب)» والأستاذ أبو إسحاق في ((تعليقه)) في أصول الفقه، وله في ((شرح كتاب الترتيب)) نحواً من هذا أيضاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ولما حكينا هذه المذاهب علم أن هذه الطائفة من أصحابنا كابن سريج كانوا قد ١٤٠