Indexed OCR Text

Pages 21-40

((فعيل)) أو ((فعول))، أو ((فعِل))، وأما فقيه فهو قياس، لأن ((فعيلاً))، مقيس في
((فعل))، فهو مستعمل فيها هو قياسه من غير تحويل، نحو ((عليم)) و((شفيع))، فإن
المتكلم يحولهما عن شافع وعالم، لقصد المبالغة، ولا مخلص عن هذا إلا أن يدعي
أنه خولف تقديراً بمعنى أن الواضع، حوّله عن ((فاعل)) لقصد المبالغة .
فإن قلت: ليس من شرط الفقيه أن يكون له سجية، ولهذا قال الرافعي في
الوقف على الفقهاء: إنه يدخل فيه من حصّل منه شيئاً، وإن قلّ، وقضية هذا
حصوله بمسمى مسألة واحدة .
قلت: ليس كذلك لما سأذكره من كلام الشيخ أبي إسحاق والغزالي وابن
السمعاني وغيرهم من الأئمة، ولعل مراده من حصل حتى صار له سجية وإن
قلت.
[الفقه في الاصطلاح]:
وأما في اصطلاح الأصوليين: فالعلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من
أدلتها التفصيلية .
فالعلم جنس، والمراد به الصناعة، كما تقول: علم النحو أي: صناعته،
وحينئذ فيندرج فيه الظن واليقين، وعلى هذا فلا يرد سؤال الفقه من باب الظنون،
ومن أورده فهو اختيار منه لاختصاص العلم بالقطعي.
وخرج بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال.
وبالشرعية: العقلية، والمراد بها مايتوقف معرفتها على الشرع.
وبالعملية: عن العلمية، ككون الإجماع وخبر الواحد حجة. قاله الإمام.
وقال الأصفهاني: خرج به أصول الفقه، فإنه ليس بعملي، أي: ليس علماً
بكيفية عمل.
قال ابن دقيق العيد: وفيه نظر، لأن الغاية المطلوبة منها العمل، فكيف يخرج
بالعملية؟ وقال الباجى: هو احتراز عن أصول الدين.
واعلم أن أصول الدين منه ما ثبت بالعقل وحده كوجود الباري، ومنه ما ثبت
٢١

بكل من العقل والسمع كالوحدانية، وهذان خارجان بقوله: الشرعية، ومنه مالا
يثبت إلا بالسمع كمسألة أن الجنة مخلوقة، وأن الصراط حق، وهذا من الفقه
لوجوب اعتقاده، وعدل الآمدى وابن الحاجب عن لفظ ((العملية)) إلى الفرعية،
لأن النية من مسائل الفقه وليست عملاً، وليس بجيد، لأنها عمل. والظاهر أن لفظ
((العملية)) أشمل لدخول وجوب اعتقاد مسائل الديانات التي لا تثبت إلا بالسمع،
فإنها من الفقه كما سبق بخلاف الفرعية.
٣/ ب وبالمكتسب /: علم الله تعالى، وما يلقيه في قلب الأنبياء والملائكة من
الأحكام بلا اكتساب.
وبالأخير: عن اعتقاد المقلَّد، فإنه مكتسب من دليل إجمالي: قاله الإمام.
وقيل: علم المقلّد لم يدخل في الحدّ بل هو احتراز عن علم الخلاف.
وأما عند الفقهاء: فقال القاضي الحسين: الفقه افتتاح علم الحوادث على
الإنسان. أو افتتاح شعب أحكام الحوادث على الإنسان حكاه البغوي عنه في
((تعليقه)) .
وقال ابن سراقة: حده في الشرع: عبارة عن اعتقاد علم الفروع في الشرع،
ولذلك لا يقال في صفاته سبحانه وتعالى: فقيه.
قال : وحقيقة الفقه عندي: الاستنباط. قال الله تعالى: ﴿لعلمه الذين
يستنبطونه منهم﴾ [سورة النساء / ٨٣].
واختيار ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) أنه استنباط حكم المشكل من الواضح.
قال: وقوله وَّ: (ُرُبُّ حامل فِقْه غير فَقيهٍ) أي: غير مستنبط ومعناه: أنه يحمل
الرواية من غير أن يكون له استدلال واستنباط فيها. وقال في ديباجة كتابه: وما
أشبّه الفقيه إلا بغّواص في بحر دُرّ كلّما غاص في بحر فطنته استخرج دراً، وغيره
مستخرج آجُرّاً.
ومن المحاسن قول الإمام أبي حنيفة: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها.
قيل: وأخذه من قوله تعالى: ﴿لها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكتَسَبَتْ﴾ [سورة
٢٢

البقرة / ٢٨٦].
وقال الغزالي في ((الإحياء)) في بيان تبديل أسامي العلوم: إن الناس تصرفوا في
اسم الفقه، فخصوه بعلم الفتاوى والوقوف على وقائعها، وإنما هو في العصر الأول
اسم لمعرفة دقائق آفات النفوس، والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا. قال
تعالى: ﴿لِيتَفْقّهوا في الدّينِ وَلْيُنذِرُوا﴾ [سورة التوبة / ١٢٢] والإنذار بهذا النوع من
العلم دون تفاريع السلم والإجارة.
وعن أبي الدرداء: لا يفقه العبد کل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم
يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتاً.
وسأل فرقد السنجي الحسن عن شيء: فقال: إن الفقهاء يخالفونك، فقال
الحسن: ثكلتك أمّك وهل رأيت فقيهاً بعينك؟ إنما الفقيه هو الزاهد في الدنيا.
الراغب في الآخرة. البصير بذنبه. المداوم على عبادة ربه. الورع الكافّ.
ولذلك قال الحليمى في ((المنهاج)): إن تخصيص اسم الفقه بهذا الاصطلاح
حادث. قال: والحق أن اسم الفقه يعم جميع الشريعة التي من جملتها ما يتوصل به
إلى معرفة الله ووحدانيته وتقديسه وسائر صفاته، وإلى معرفة أنبيائه ورسله عليهم
السلام، ومنها علم الأحوال والأخلاق والآداب والقيام بحق العبودية وغير ذلك.
قلت : ولهذا صنف أبو حنيفة كتاباً في أصول الدين وسماه ((الفقه الأكبر)).
تنبيه :
عُلِم من تعريفهم الفقه باستنباط الأحكام: أن المسائل المدونة في كتب الفقه
ليست بفقه اصطلاحاً، وأن حافظها ليس بفقيه، وبه صرح العبدري في باب
الإجماع من شرح ((المستصفى)). قال: وإنما هي نتائج الفقه، والعارف بها
فروعي، وإنما الفقيه هو المجتهد الذي ينتج تلك الفروع عن أدلة صحيحة،
فيتلقاها منه الفروعي تقليداً ويدونها ويحفظها. ونحوه قول ابن عبد السلام: هم
نقلة فقه لا فقهاء.
وقال الشيخ أبو إسحاق في كتاب ((الحدود)): الفقيه من له الفقه، فكل من له
٢٣

الفقه فقيه، ومن لا فقه له فليس بفقيه. قال: والفقيه هو العالم بأحكام أفعال
العباد التي يسوغ فيها الاجتهاد.
وقال الغزالي: إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة
سمعها: فليس بفقيه: حكاه عنه ابن الهمداني في ((طبقات الحنفية)).
وقال ابن سراقة: الفقيه من حصل له الفقه.
وذكر الشافعي في ((الرسالة)): صفة المفتي، وهو الفقيه. فذكر سبع عشرة
خصلة تأتي في باب الاجتهاد إن شاء الله تعالى.
[أصول الفقه]
لغة: ما استند إليه الفقه، ولم يتم إلا به.
وفي الاصطلاح: مجموع طرق الفقه من حيث إنها على سبيل الإجمال، وكيفية
الاستدلال، وحالة المستدل بها.
فقولنا: ((مجموع)) ليعمها، فإذن بعضها بعض أصول الفقه لا كلها.
وقولنا: ((طرق)) ليعم الدليل والأمارة على اصطلاح الأصوليين.
وخرج بالإجمال: أدلة الفقه من حيث التفصيل، فلا يقال لها في عرف
الأصوليين: أصول فقه، وإن كان التحقيق يقتضي ذلك، إذ هو أقرب إلى الفقه،
وأقل تخصيصاً، ولأنه يوافق قولنا: هذا الحديث أصل لهذا الحكم. ولهذا الباب،
وحينئذ فاتخاذ الأدلة في آحاد مسائل الفروع من أصول الفقه، ويكون الإجمال
شرطاً في علم أصول الفقه، لا أنه شرط فيها، أو جزء منها.
قال ابن دقيق العيد: ويمكن الاقتصار على الدلائل، وكيفية الاستفادة منها،
والباقي كالتابع والتتمة، لكن لما جرت العادة بإدخاله في أصول الفقه وضعاً أدخل
فیه حداً.
قلت: وعليه جرى الشيخ في ((اللمع))، والغزالي في ((المستصفى))، وابن برهان
في ((الأوسط))، وقال: أصول الفقه أدلة الفقه على طريق الإجمال، وكيفية
الاستدلال به، وما يتبع ذلك . . هـ.
٢٤

بل قد يقال: الدليل هو الأصل بالذات، والباقي بالتبع لضرورة الاستدلال
بالدليل. قال صاحب ((المعتمد)): والمراد بكيفية الاستدلال ها هنا الشروط
والمقدمات وترتيبها معه، ليستدل بالطرق على الفقه.
هذا ما أطبق عليه الأصوليون، والفقهاء يطلقون ذلك على القواعد الكلية التي
تندرج فيها الجزيئات، كقولهم: الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن.
وقولهم: يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وغير ذلك من القواعد العامة التي
يندرج فيها الفروع المنتشرة، وعليه سمّى الشيخ عز الدين كتابه ((القواعد))،
ويقال: إنه أول من اخترع هذه الطريقة. ويوجد في كلام الإمام والغزالي متفرقات
منها .
هل الأصول هذه الحقائق أنفسها أو العلم بها؟ طريقان . وكلام القاضي أبي
بكر يقتضي أنه العلم بالأدلة، وعليه البيضاوي وابن الحاجب وغيرهما، وقطع
الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين في ((البرهان)) والرازي والآمدي بأنه نفس الأدلة .
ووجه الخلاف أنه كما يتوقف الفقه على هذه الحقائق يتوقف أيضاً على العلم
بها، فيجوز حينئذ إطلاق أصول الفقه على القواعد أنفسها، وعلى العلم بها.
والثاني أولى لوجوه:
أحدها: أن أصول الفقه ثابت في نفس الأمر من تلك الأدلة، وإن لم يعرفه
الشخص.
وثانيها: أن أهل العرف يجعلون أصول الفقه للمعلوم، فيقولون: هذا كتاب
أصول الفقه.
وثالثها: أن الأصول في اللغة الأدلةُ، فجعله اصطلاحاً نفس الأدلة أقرب إلى
المدلول اللغوي، وهذا بخلاف الفقه فإنه اسم للعلم كما سبق.
والتحقيق: أنه لا خلاف في ذلك، ولم يتواردوا على محل واحد، فإن من أراد
اللقبيّ، وهو کونه علماًعلى هذا الفن حدّه بالعلم، ومن أراد الإضافيّ حدّه بنفس
الأدلة، ولهذا لما جمع ابن الحاجب بينهما عرف اللقبيّ بالعلم، والإضافي بالأدلة،
٢٥

نعم: الإمام في المحصول عرف اللقبيّ بالأدلة، ويجب تأويله على إرادة العلم
بها ..
ثم المراد بالأدلة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال.
١/٤ وقال إمام الحرمين والغزالي: هي ثلاثة الكتاب والسنة / والإجماع، ومنعا أن
تكون القوانين الكلية الظنية من أصول الفقه.
وقال في ((التلخيص)): الذي ارتضاه المحققون أن ما لا ينبغي فيه العلم كأخبار
الآحاد والمقاييس، لا يعد من أصول الفقه.
فإن قيل: فأخبار الآحاد والمقاييس لا تفضي إلى العلوم، وهي من أدلة أحكام
الشرع. قيل له: إنما يتعلق بالأصول تثبيتها أدلة على وجوب الأعمال، وذلك مما
يدرك بالأدلة القاطعة، وأما العمل المتلقى منها فيتعلق بالفقه دون أصوله.
وقال في ((البرهان)): فإن قيل: معظم المسائل الشرعية ظنون.
قلنا: ليست الظنون فقهاً، وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون.
ولذلك قال المحققون: أخبار الآحاد والأقيسة لا توجب العمل لذواتها، وإنما يجب
العمل بما يجب به العلم بالعمل، وهو الأدلة القطعية على وجوب العمل عند رواية
الآحاد وقيام الأقيسة.
قال: وهما وإن لم يوجدا إلا في أصول الفقه لكن حظ الأصولي إبانة القاطع في
العمل بها، ولكن لابد من ذكرها ليبنى المدلول عليه، ويرتبط الدليل به، وتبعه
ابن القشيرى، وقال: أطلق الفقهاء لفظ الدليل على أخبار الآحاد والقياس، وهو
خلاف هين.
وقال الأستاذ أبو منصور: الغرض من أصول الفقه معرفة أدلة أحكام الفقه،
ومعرفة طرق الأدلة، لأن من استقرأ أبوابه وجدها إما دليلاً على حكم أو طريقاً
يتوصل به إلى معرفة الدليل، وذلك كمعرفة النص والإجماع والقياس والعلل
والرجحان. وهذه كلها معرفة محيطة بالأدلة المنصوصة على الأحكام. ومعرفة
الأخبار وطرقها معرفة بالطرق الموصلة إلى الدلائل المنصوصة على الأحكام.
٢٦

ا
وههنا أمور:
أحدها: أن الأسماء المستعملة في هذه العلوم، كأصول الفقه والفقه والنحو
واللغة والطب. هل هي منقولة أو لا؟ ذكر بعضهم فيه احتمالين:
أحدهما: أن يكون مما صار علماً بالغلبة، كالعقبة.
والثاني: أن يكون من المنقولات العرفية.
قال: وهذا الاحتمال أرجح، لأن العلم بالغلبة يتقيد بما فيه الألف واللام أو
الإضافة، وأسماء هذه العلوم تطلق عرفاً مع التنكير والقطع عن الإضافة كما
تقول: فلان يعرف فقهاً ونحواً.
قلت: وبالأول صرح ابن سيده وغيره كما سبق، وبالثاني صرح القاضي في
((التقريب)) في الكلام على الحقيقة العرفية، والطرطوشي في أوائل كتابه، وقال:
فيكون من الأسماء العرفية، وهو مقتضى كلام الحليمي والغزالي، وما رجحٍ به
الثاني فيه نظر، لأنه مع التنكير لم يخرج عن العلمية فإن العلم يُنكرّ تحقيقاً أو
تقديراً.
الثاني: إذا ثبت أنها منقولة فهي أسماء أجناس أو أعلام أجناس، والظاهر
الأول، لقبوله الألف واللام، والعلم لا يقبله، ولاشتهارها في العرف، كاشتهار
لفظ الدابة لذوات الأربع. وقد ثبت أنها ليست بعلم هذا إذا كانت غير معرفة.
أما أصول الفقه فهو معرفة بالإضافة. ونقل إلى هذا العلم الخاص أو غلب عليه،
فهو علم جنس، لأنه المميز لهذا الجنس بخصوصه من غيره من الأجناس.
الثالث: أن أصول الفقه يطلق مضافاً ومضافاً إليه، ويطلق علماً على هذا العلم
الخاص.
واختلف الأصوليون، فمنهم من عرف الإضافيّ، ومنهم من عرف اللقبيّ،
ومنهم من جمع بين النوعين.
والصواب: تعريف اللقبى وليس ثم غيره. وأما جزءاه حالة التركيب، فليس
لواحد منهما مدلول على حدته. إنما هو كغلام زيد إذا سميت به لم يتطلب معنى .
الغلام، ولا معنى زيد، وليس لنا حدان إضافي ولقبي، إنما هو اللقبى فقط.
٢٧

فصَل
[الغَرَض من علم الأصول وَحقيقته]
[ومَادته وَموضوعه وَمِسَائُله]
يجب على كل طالب علم أن يعلم ما الغرض منه؟ وما هو؟ ومن أين؟ وفيم؟
وكيف يحصل حتى يتمكن له الطلب ويسهل؟ والأول: فائدته. والثاني: حقيقته
ومبادئه. والثالث: مادته التي منها يستمد. والرابع: موضوعه، والخامس:
مسائله .
أما الفائدة : فهي الغاية الموصلة للأمور المهمة، وللسبب الغائي اعتباران :
أول الفكر، ويسمى الباعث. ومنتهاه وهو آخر العمل، ويسمى الفائدة.
وأما الحقيقة: وهو اقتناصه بحد أو رسم أو تقسيم. والقصد به الإرشاد إلى
المطلوب وإيضاحه.
قال المازري: وإنما يحتاج إليه في التعليم للغير، وأما الطالب لنفسه إذا لاح له
حقيقة ما يطلب صح طلبه، وإن لم يحسن عبارة عنه صالحة للحدّ فلا يكون هذا
شرطاً إلا في حق من أراد التعليم لا التعلم.
وأما المادة: فذكر إمام الحرمين وتابعوه: أن أصول الفقه مستمد من ثلاثة
علوم: الكلام، والفقه، والعربية.
أما الكلام : فلتوقف الأدلة على معرفة الباري تعالى بقدر الممكن من ذاته
وصفاته وأفعاله. ومعرفة صدق رسوله، ويتوقف ثبوته على أن المعجزة تدل على
دعوى الرسالة. وذلك كله مبين في علم الكلام فيسلم هنا.
ونخص النظر في دليل الحكم هنا بعلم خمسة أشياء: كلام الله تعالى
المخاطب، وقدرة العبد كسباً ليكلّف، وتعلق الكلام القديم بفعل المكلف ليوجد
الحكم، ورفع التعلق فينسخ، وصدق المبلغ ليبين.
٢٨

وأما العربية: فلأن الأدلة جاءت بلسان العرب، وهي تشتمل على ثلاثة فنون:
علم النحو : وهو علم مجاري أواخر الكلم رفعاً ونصباً وجراً وجزماً.
وعلم اللغة : وهي تحقيق مدلولات الألفاظ العربية في ذواتها.
وعلم الأدب : وهو علم نظم الكلام، ومعرفة مراتبه على مقتضى الحال.
وإنما يكون هذا مادة لبعض أنواع الأصول، وهو الخطاب دون مسائل الأخبار
والإجماع والنسخ والقياس، وهي معظم الأصول. ثم إن المادة فيه ليست على نظير
المادة من الكلام، فإن العلم بها مادة لفهم الأدلة.
وأما الفقه: فلأنه مدلول أصول الفقه، وأصول الفقه أدلته، ولا يعلم الدليل
مجرداً من مدلوله.
والأولى أن يقال في وجه استمداده من علم الكلام: إن علم أصول الفقه فيه
ألفاظ لا تعلم مسمياتها من غير أصول الدين لكنها تؤخذ مسلمة فيه. على أن
يبرهن في غيره من العلوم، أو تكون مسلمة في نفسها. وهي العلم والظن والدليل
والأمارة والنظر، لأن لفظ الطرق يشمل ذلك كله، والحكم أيضاً، إذ لابد فيه من
خطاب شرعي، ولا يثبت ذلك بالدليل في غیر أصول الدين، وما ذکر منه غیر ما
عددناه، فهو تبع، ولابد من معرفة هذه الأمور في معرفة هذا العلم، ليتوقف منه
إذن على بعضه لا على كله. والى هذا أشار ابن برهان وغيره.
وذكر الغزالي أن استمداد أصول الفقه من شيء واحد، وهو قول الرسول الذي
دل التكلم على صدقه، فينظر في وجه دلالته على الأحكام. إما بملفوظه، أو
بمفهومه، أو بمعقول معناه ومستنبطه، ولا يجاوز نظر الأصولي ذلك قول النبي وَ ه
وفعله .
قال: وقول الرسول إنما يثبت صدقه وكونه حجة من علم الكلام.
وهذا ليس بمرضي فإن من جملة ما يوجد فيه من علم الكلام معرفة العلم
والظن والدليل والنظر وغيره مما سبق. وقوله بأن نظر الأصولي لا يجاوز قوله وفعله
ممنوع. فإنه ينظر في الاستصحاب والأفعال قبل الشرع، وقول الصحابي، وغيره
مما ليس بقول الرسول، ولا فعله.
٢٩

٤ /ب / واعلم أن المادة على قسمين: إسنادية ومقومة، فالمقومة داخلة في أجزاء
الشيء وحقيقته، وهي الفقه، والإسنادية ما استندت إلى الدليل، كعلم الكلام
لأنه يعلم أصول الفقه وإن لم يعلم علم الكلام، وإنما علم الكلام دليل المعجزة،
وهو دليل الأصول، فاستند إلى الدليل. وكذلك مادة العربية.
فإن قلت: كيف يجعل الفقه مادة للأصول. وهو فرع الأصول، ومادة كل شيء
أصله، فهذا يؤدي إلى أن يكون الفرع أصلاً والأصل فرعاً؟
أجاب المقترح في ((تعليقه على البرهان)) بأنه لابد أن يذكر الفقه في الأصول من
حيث الجملة، فيذكر الواجب بما هو واجب، والمندوب بما هو مندوب، لأن هذا
القدر مبين حقيقة الأصول. وإنما المحذور أن يذكر جزئيات المسائل، فإنَّ ذِكْرها
يؤدي إلى الدور.
[توقف معرفة أصول الفقه على الفقه]
واعلم أن معرفة أصول الفقه تتوقف على معرفة الفقه، إذ يستحيل العلم
بكونها أصول فقه مالم يتصور الفقه، لأن المضاف إلى معرفة إضافة حقيقية لابد
وأن يتعرف بها، ولا يمكن التعريف إلا على تقدير سبق معرفة المضاف إليه، ولأن
العلم بالمركب يتوقف على العلم بمفرداته ضرورة.
وأما الموضوع : فشيء يُبحث عن أوصافه وأحواله المعتبرة في ذلك العلم. وهو
معنى قول المنطقيين: موضوع كل علم ما يبحث فيه عن أعراضه الذاتية. أي ما
يلحق الشيء لذاته، كالتعجب اللاحق للإنسان لذاته، لا باعتبار أمر آخر. أو
لجزئه، كالمشي اللاحق له بواسطة كونه حيواناً. أو لأمر يساويه، كالضحك
اللاحق له بواسطة التعجب، فهذه الثلاثة هي أعراضه الذاتية.
وقد يكون لأعمَّ داخلٍ فيه. كالحركة للإنسان لكنه مهجور سمي بذلك
لرجوع موضوعات مسائل العلم إليه. فموضوع الفقه: أفعال المكلفين، وموضوع
أصول الفقه: الأدلة السمعية. وموضوع الهندسة: المقدار، وموضوع الطب: بدن
الإنسان. فإن هذه الأشياء هي مجال البحث في هذه العلوم يبحث فيها عن
أعراض هذه الأشياء اللاحقة بها، كما أنهم شبهوا ما يبحث في كل علم عن
٣٠

أعراضه وأحواله بمادة حسية يضعها إنسان بين يديه ليوقع فيها أثرا مّا، كالخشب
الذي يؤثر فيه النجار حتى يصير سريراً، أو باباً. وكالفضة التي يؤثر فيها الصائغ
حتى يصير خاتماً أو سواراً ونحوه.
وأما مبادىء كل علم فهي حدود موضوعه وأجزائه وأعراضه مع المقدمات التي
تؤلف عنها قياساته. وذلك كحد البدن وأعضائه، وما يعرض لها من صحة وسقم
بالنسبة إلى علم الطب. وحد الفعل وأصنافه وأشخاصه وما يعرض له من حل
وحرمة، ونحو ذلك بالنسبة إلى علم الفقه، وحدّ اللفظ، وما يعرض من صواب
وخطأ بالنسبة إلى النحو.
وهو جمع مبدأ، ومبدأ الشيء هو محل بدايته. وسميت حدود موضوع العلم
وأجزائه ومقدماته التي هي مادة قياساته مبادىء، لأنه عنها ومنها ينشأ، ويبدو.
وأما مسائل كل علم فهي مطالبه الجزئية التي يطلب إثباتها فيه كمسائل
العبادات، والمعاملات ونحوها للفقه، ومسائل الأمر والنهي والعام والخاص
والإجماع والقياس، وغيرها لأصول الفقه.
والموضوع قد يكون واحداً، كالعدد للحساب، وقد يكون كثيراً، وشرطه أن
يكون بينهما تناسب، أي: مشاركة. إما في ذاتي، كما إذا جعل الاسم والفعل
والحرف موضوعات النحو، لاشتراكها في الجنس، وهو الكلمة. وإما في عرضي
كما إذا جعل بدن الإنسان وأجزاؤه والأدوية والأغذية موضوعات الطب،
لاشتراكها في غاية، وهي الصحة.
وموضوع أصول الفقه قد اجتمع فيه الأمران، فإنه إما واحد، وهو الدلیل
السمعي من جهة إنه موصل للحكم الشرعي، وإما كثير، وهو أقسام الأدلة
السمعية من هذه الجهة، لاشتراكها إما في جنسها، وهو الدلیل، أو في غايتها،
وهو العلم بالأحكام الشرعية.
واختلفوا هل يجوز أن يكون للعلم أكثر من موضوع واحد أم لا؟ فقيل؛ يجوز
مطلقاً غير أنه لابد أن يشركه في أمر ذاتي، أو عرضي، كالطب يبحث فيه عن
أحوال بدن الإنسان، وعن الأدوية ونحوها. وقيل: يمتنع مطلقاً، لئلا يؤدي إلى
٣١

الانتشار.
واختار صاحب ((التوضيح)) من الحنفية تفصيلاً: وهو إن كان المبحوث عنه في
ذلك العلم إضافياً جاز، كما أنه يبحث في الأصول عن إثبات الأدلة للحكم،
والمنطق يبحث فيه عن إيصال تصور، أو تصديق إلى تصور أو تصديق، وقد يكون
بعض العوارض التي لها مدخل في المبحوث عنه ناشئة عن أحد المتضايفين،
وبعضها عن الآخر، فموضوع هذا العلم كلا المتضايفين. وإن كان غير إضافي لا
يجوز، لأن اختلاف الموضوع يوجب اختلاف العلم، ثم إن كان إضافياً، فقد
يكون المضاف والمضاف إليه موضوع ذلك العلم، كأصول الفقه، وقد يكون
أحدهما، کعلم المنطق، فإن موضوعه القول الشارح، والدلیل من حيث إنه یوصل
إلى التصور والتصديق.
٣٢

الدَليل
يطلق في اللغة على أمرين:
أحدهما: المرشد للمطلوب على معنى أنه فاعل الدلالة، ومظهرها، فيكون
معنى الدليل الدالّ ((فعيل)) بمعنى الفاعل، كعليم وقدير مأخوذ من دليل القوم،
لأنه يرشدهم إلى مقصودهم.
قال القاضي: والدالّ: ناصب الدلالة ومخترعها، وهو الله سبحانه، ومن عداه
ذاكر الدلالة، وعند الباقين الدال ذاكر الدلالة، واستبعد، إذ الحاكي والمدرس لا
يسمى دالاً، وهو ذاكر الدلالة، فالأولى أن يقال: الدالّ ذاكر الدلالة على وجه
التمسك بها. ويسمى الله تعالى دليلاً بالإضافة. وأنكره الشيخ أبو إسحاق
الشيرازي في كتاب ((الحدود))، قال: ولا حجة في قولهم لله تعالى: يا دليل
المتحيرين، لأن ذلك ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من
الصحابة، وإنما هو من قول أصحاب العكاكيز.
وحكى غيره في جواز إطلاق الدليل على الله وجهين مفرعين على أن الخلاف في
أن أسماء الله هل تثبت قياساً أم لا؟ لكن صح عن الإمام أحمد أنه علم رجلاً أن
يدعو، فيقول: يا دليل الحيارى دلني على طريق الصادقين.
الثاني: ما به الإرشاد أي: العلامة المنصوبة لمعرفة الدليل، ومنه قولهم: العالم
دليل الصانع، ثم اختلفوا، فقيل: حقيقة الدليل: الدال، وقيل: بل العلامة
الدالة على المدلول بناء على استعمال المعنيين في اللغة، وقال صاحب ((الميزان)) من
الحنفية: الأصح: أنه في اللغة اسم للدال حقيقة، وصار في العرف اسماً
للاستعمال فيكون حقيقة عرفية.
٣٤

وفي الاصطلاح : الموصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب. قال إمام الحرمين:
ويسمى دلالة ومستدلاً به، وحجة، وسلطانً، وبرهاناً، وبياناً، وكذلك قال
القاضي أبو زيد الدَّبُوسي في ((تقويم الأدلة)) قال: وسواء أوجب علم اليقين، أو
دونه . انتھی .
وقال القاضي أبو الطيب: يسمى الدليل حجة وبرهاناً. وقيل: بل هما اسم لما
دل عليه صحة الدعوى.
وقال / الرُّؤْياني في ((البحر)): في الفرق بين الدليل والحجة وجهان: ١/٥
أحدهما: أن الدليل ما دل على مطلوبك، والحجة ما منع من ذلك.
والثاني: الدليل ما دل على صوابك. والحجة ما دفع عنك قول مخالفك. اهـ.
وخص المتكلمون اسم الدليل بالمقطوع به من السمعي والعقلي، وأما الذي لا
يفيد إلا الظن فيسمونه أمارة. وحكاه في ((التلخيص)) عن معظم المحققين.
وزعم الآمدى أنه اصطلاح الأصوليين أيضاً، وليس كذلك، بل المصنفون في
أصول الفقه يطلقون الدليل على الأعم من ذلك. وصرح به جماعة من أصحابنا،
كالشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق، وابن الصباغ.
وحكاه عن أصحابنا، وسليم الرازي، وأبي الوليد الباجى من المالكية، والقاضي
أبي يعلى، وابن عقيل والزاغوني من الحنابلة، وحكاه في (التخليص)) عن جمهور
الفقاء وحكاه القاضي أبو الطيب عن أهل اللغة، وحكى القول الأول عن بعض
المتكلمين.
قيل: ولعل منشأه قول بعضهم: إن الأدلة الظنية لا تحصل صفات تقتضي
الظن كما تقتضي الأدلة اليقينية العلم، وإنما يحصل الظن اتفاقاً عندها، ولهذا
يقولون: إن الظنيات ليس فيها ترتيب، وتقديم وتأخير، وليس فيها خطأ في نفس
الأمر كما يقول ذلك المصوِّبة.
وقال ابن الصباغ: اختلف المتكلمون في إطلاق اسم الدليل على الظني، وإنما
قصد بهذه التسمية الفصل بين المعلوم والمظنون، فأما في أصل الوضع فلم يختلفوا
٣٥
١

في أن الجميع يسمى دليلاً وضعاً. وكذلك قال ابن برهان وابن السَّمْعاني:
الفقهاء لا يفرقون بينهما، وفرق بينهما المتكلمون، وهو راجع إلى اللفظ دون المعنى.
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب ((عيار النظر)): قال أبو الحسن
الأشعري: معنى الدليل مظهر الدلالة، ومنه دليل القوم، وقال: إن تسمية الدلالة
دليلاً مجاز وإن كان إذا قيل له: لو كان الدليل مظهر الدلالة، لوجب على المسؤول
عن الدلالة إذا قيل له: ما الدليل؟ أن يقول: أنا، لأنه هو المظهر للدلالة.
أجاب بأنه لو قيل: مَن الدليل؟ قال: أنا. وإذا وقع السؤال بحرف ((ما)) عرف
أن المراد به السؤال عن الدلالة، لأن ((ما)) إنما يسأل به عما لا يوصف بالتمييز.
وقال عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين: إن الدليل هو الدلالة، وهو ما يتوصل به
الى معرفة ما لا يدرك بالحس والضرورة، وعلى هذا فتسمية الدالّ على الطريق
دليلاً مجاز. اهـ.
وقال القاضي أبو الطيب: الدلالة مصدر قولك: دلّ يدلّ دلالة ويسمى دليلاً
مجازاً من باب تسمية الفاعل باسم المصدر. كقولهم: رجل صوم.
وأما الدالّ: فاختلف أصحابنا فيه، فقيل: هو الدليل، وقيل: هو الناصب
للدليل، وهو الله تعالى الذي نصب أدلة الشرع والعقل.
قال الإمام: وليس للدليل تحصيل سوى تجريد الفكر من ذي فكرة صحيحة إلى
جهة يتطرق إلى مثلها تصديق، أو تكذيب.
[أقسام الدليل]:
وينقسم الدليل إلى ثلاثة أقسام: سمعي وعقلي ووضعي.
فالسمعي: هو اللفظي المسموع، وفي عرف الفقهاء: هو الدليل الشرعي.
أعني الكتاب والسنة والإجماع والاستدلال.
وأما عرف المتكلمين، فإنهم إذا أطلقوا الدليل السمعي، فلا يريدون به غير
الكتاب والسنة والإجماع قاله ((الآمدى)) في ((الأبكار)).
الثاني: العقلي: وهو ما دل على المطلوب بنفسه من غير احتياج إلى وضع،
٣٦

كدلالة الحدوث على المحدث، والإحكام على العالم.
الثالث : الوضعي: وهو مادل بقضية استناده(١)، ومنه العبارات الدالة على
المعاني في اللغات. قال(٢): وألحق به المحققون المعجزات الدّالة على صدق
الأنبياء، وتبعه ابن القشيرى، وقال ما دل عقلاً لا يتبدل، وما دل وضعاً يجوز أن
يتبدل. لكن الإمام في ((الإرشاد)) اختار أن دلالتها عقلية. وهو قول الأستاذ أبي
إسحاق، وسيأتي عن ابن القَطَّان أيضاً.
وقال الآمدى في ((الأبكار)): الذي ذهب إليه شيخنا والقاضي والمحققون: أن
دلالة المعجزة على صدق الرسول ليست دلالة عقلية ولا سمعية.
أما الأول: فلأن ما يدل عقلاً يدل بنفسه، ويرتبط بمدلوله لذاته، ولا يجوز
تقديم غيره، وقد تقع الخوارق عند تصرم الدنيا مع عدم دلالتها على تصديق
مدعي النبوة، فإنه لا إرسال، ولا رسول إذ ذاك.
وأما الثاني: فلأن الدلالة السمعية متوقفة على صدقه فلو توقف صدق
الرسول عليها لكان دوراً، بل دلالتها على صدقه غير خارج عن الدلالات
الوضعية النازلة منزلة التصديق، فكانت نازلة من الله منزلة قوله: صدق.
ثم العقلى ينقسم إلى ما يقتضي القطع كالأدلة في أصول العقائد، وإلى مالا
يقتضيه؛ وكذلك ينقسم إلى ما يقتضي القطع، وهو يتضمن العلم، وإلى مالا
يقتضيه، كأخبار الآحاد والمقايس السمعية، فكما لا يوصف باقتضاء العلم لا
يوصف باقتضاء غلبة الظن. قال: وهذا مما يزل فيه معظم الفقهاء، ولكن جرت
العادة بحصول الظن في أثرها من غير تضمنها.
ويتنوع العقلي إلى استقرائي وتمثيلي واقتراني واستثنائي متصل أو منفصل
ويتألف المتصل من المتلازمات، والمنفصل من المتضادات، ونوعها الأصحاب
أربعة: بناء الغائب على الشاهد، وإنتاج المقدمات النتائج، والسبر والتقسيم،
والاستدلال بالمتفق عليه على المختلف فيه.
(١) لعله إلى الوضع، ١ هـ. ناسخ لنسخة دار الكتب المصرية.
(٢) لعل الفاعل ضمير يعود على الآمدي. ا هـ ناسخ نسخة دار الكتب المصرية.
٣٧

ونازع ابن القشيرى في الأول. وقال: عندنا لا أصل لبناء الغائب على
الشاهد، وأن الحكم به باطل، وإن قام دليل على المطلوب في الغائب فهو
المقصود، ولا أثر لذلك الشاهد، وإلا فذكر الشاهد لا معنى له، وليس في
المعقولات قياس. قال: وكذا قياس المختلف فيه على المتفق عليه باطل، لأنه لا
قياس في المعقولات، وستأتي هذه المسألة في كتاب القياس إن شاء الله تعالى.
ولا يشترط في الدليل الوجود، بل يجوز أن يكون عدمياً، ولهذا يستدل بعدم
الآيات على كذب المتنبىء، وبعدم الأدلة والعلوم الضرورية على انحصار أوصاف
الأجناس فيما أدركناه. والدليل لا يقتضي مدلوله، ولا يوجبه إيجاب العلة معلولها بل
يتعلق بالمدلول على ما هو به، كالعلم يتعلق بالمعلوم.
وبيانه: أن الحدوث لما دل على المحدث استحال القول بأنه يوجبه، بل يتعلق
به على ما هو به. والقصد بهذا التحرز من قول بعضهم: الدليل يوجب كذا،
والدلالة تقتضي مدلولها كذا.
وهل يجوز أن يكون الدليلُ محتاجاً لدليل؟ فيه خلاف حكاه أبو الحسين بن
القَطَّان في كتابه في أصول الفقه.
قال: فمنعه قوم وجوزه آخرون. وقالوا: الأدلة تنقسم إلى ما هو بين بنفسه،
وإلى ما هو في ثواني العقل محتاج إلى دليل.
واختلف المتكلمون في مسألة وهي: أنا إذا أقمنا دليلاً على حدوث العالم مثلاً،
فهل المدلول حدوث العالم أو العلم بحدوثه؟
٥/ ب والصحيح: الأول بدليل أن حدوث / الأكوان دال على حدوث الجواهر سواء
نظر الناظر أولا .
واختلفوا في الدلائل اللفظية هل تفيد القطع؟ على ثلاثة مذاهب:
أحدها: نعم. وحكاه الأصفهاني في ((شرح المحصول)) عن المعتزلة، وعن أكثر
أصحابنا .
والثاني: أنها لا تفيد.
٣٨

٧
والثالث: وهو اختيار فخر الدين الرازي أنها تفيد القطع إن اقترنت به قرائن
مشاهدة، أو معقولة كالتواتر(١) ولا يفيد اليقين إلا بعد تيقن أمور عشرة: عصمة
رواة ناقليها، وصحة إعرابها، وتصريفها، وعدم الاشتراك، والمجاز،
والتخصيص بالأشخاص، والأزمان، وعدم الإضمار. والتقديم والتأخير، وعدم
المعارض اللفظى، قيل: ولم يذكر النسخ، لأنه داخل عنده في التخصيص
بالأزمان.
٠٠
قال القرطبي في أصوله: وما ذكره صحيح غير أنه لا يشترط في حصول اليقين
حصول هذه الأمور مفصلة في الذهن، فإنا نقطع بأن الله تعالىٍ قد حكم على
المطلقة المدخول بها بتربص ثلاثة قروء، لا أقل منها، ولا أكثر. وأنَّ حُكْمَ المحصر
الذي لم يجد الهدي صيام عشرة أيام، وإن لم يخطر لنا تفصيل هذه الأمور بالبال.
وهذا كما يقول في الخبر المتواتر: إذا اجتمعت شروطه يفيد العلم، وإن لم يشعر
الذهن بتفصيل شروطه حالة حصول العلم به، وكذا القول في الدليل اللفظى،
فإنه قد يحصل لنا اليقين به قبل إحضار تلك الأمور بالبال. قال: وإنما نبهنا على
ذلك لئلا يسمع القاصر كلام الإمام هذا. فيظن أنه لا يحصل العلم بالدليل
اللفظى حتى يخطر له تلك الأمور بباله، ويعتبرها واحداً واحداً فتشك نفسه، مما
حصل له من اليقين من الأدلة. ولا شك أنّ ظنّ تلك الأمور، أو بعضها بالدليل
ظنّ إلا أن يقترن به قرائن عقلية، أو حالية، فيحصل اليقين منها . انتهى.
وردّه غيره بأن بعض النحو واللغة والشعر قد بلغ حد التواتر كرفع الفاعل
ونصب المفعول، ونحن لا ندعي قطعية جميع النقليات، ومن ادعى أنه لا شيء
من التراكيب يفيد القطع بمدلوله، فقد أنكر جميع المتواترات.
وقال غيره: المقصود من هذه المسألة أن الدليل النقلي إذا أدى إلى إثبات أمر،
وقام الدليل العقلي على نفي ذلك الأمر، فإن الدليل النقلي يسقط اعتباره في هذا
المحل. ولا يمكن أن يقال: إنه معارض للدليل العقلي كما يتصور المعارضة بين
العقلي والنقلي بالنسبة إلى محل واحد.
(١) في نسخة: كالمتوافر، والكاف للتنظير. اهـ. ناسح نسخة دار الكتب المصرية.
٣٩

مَسألة
[أدلَة العقول]
قال أبو الحسين بن القطان: أنكر داود وأصحابه أدلة العقول.
وذهب أبو بكر الصيرفى إلى أنها صحيحة إلا أن الله تعالى لم يحوجنا إليها، لأن
أول محجوج بالسمع آدم عليه السلام حيث قيل له: ((لا تأكل)) فدل على أن أدلة
العقل قد كفينا الأمر فيها واستقللنا بالسمع.
قال: وعندنا أن دلائل العقول صحيحة بها ندري الأشياء، لأن العلم بالمعجزة
إنما دل عليها العقل، وقال تعالى: ﴿فما أغنى غنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا
أفئدتهم من شيء﴾ [سورة الأحقاف / ٢٦] ولم يرد سبحانه بالأفئدة قطعة اللحم، وإنما
أراد به التمييز، وبهذه الآية احتج على أن محل العقل الفؤاد.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: الذي عليه الإسلاميون وغيرهم أن العقول طرق
المعلومات. قال: وأنكرت طائفة من المحدثين ذلك، وقالوا: لا يعرف شيء إلا
من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
فرع: [قضايا العقول]
وقضايا العقول ضربان: ما علم بضرورة العقل، وهو مما لا يجوز أن يكون على
خلاف ما هو به كالتوحيد، فيوجب العلم الضروري، وإن كان عن استدلال
للوصول إليه بضرورة العقل. وما علم بدليل العقل، وهو ما يجوز أن يكون على
خلاف ما هو به كآحاد الأنبياء إذا ادعى النبوة، فيوجب علم الاستدلال، ولا
يوجب علم الاضطرار، لحدوثه عن دليل العقل لا عن ضرورته.
واختلف في أصول النبوات على العموم هل تعلم بضرورة العقل أو بدليله؟
على اختلافهم في التعبد بالشرائع. هل اقترن بالعقل أو يعقبه؟ فذهب من جعله
مقترناً بالعقل إلى إثبات عموم النبوات بضرورة العقل وذهب من جعله متأخراً عن
العقل إلى إثباتها بدليل العقل.
٤٠