Indexed OCR Text
Pages 1-20
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ) ( ء الخَيْطة م الدر ، في أصول الفقه الزَّرُكَشِيْ وهو بدر الدين محمد بن بجَاد بن عدابه الشّائعِى (٧٤٥ - ٧٩٤هـ) الجزء الأول قَام بتحَريْره الشيخ عبدالقادر حَد اللَّهَ العَانِى وَرَاجَعَه د. عمر سليمان الأشقر ٠ فيأصول الفقه حقوق الطبع محفوظة لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م تشرفت بإعادة طبعه : دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع - بالغردقة ١/ ب بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام العلامة المحقق أفضل المتأخرين، وبرهان المحققين، كهف الأئمة والفضلاء، زبدة نحارير العلماء، شيخ الإسلام وعمدة فضلاء الزمان، بدر الدين أبو عبد الله محمد ابن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشيُّ الشافعيّ، سقى الله ثراه، وفي دار الخلد مأواه: الحمد لله الذي أسس قواعد الشرع بأصول أساسه، وملَّك من شاء قيادَ قياسه، ووهب من اختصَّه بالسبق إليه على أفراد أفراسه، وأولى عنان العناية من .وفقه لاقتباسه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً يتقوّم منها الحد بفصوله وأجناسه . وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي رقي إلى السبع الطباق ببديع جناسه، وآنس من العلا نوراً هدى الأمة بإيناسه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ما قامت النصوص بنفائس أنفاسه، واستخرجت المعاني من مشكاة نبراسه. أما بعد: فإن أولى ما صرفت الهمم إلى تمهيدهِ، وأحرى ما عنيت بتسديد قواعده وتشييده، العلم الذي هو قوام الدين، والمُّرَقِّي إلى درجات المتقين. وكان علم أصول الفقه جواده الذي لا يُلحق، وحبله المتين الذي هو أقوى وأوثق، فإنه قاعدة الشرع، وأصل يُرد إليه كل فرع. وقد أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم في جوامع كلمه إليه، ونبه أرباب اللسان عليه، فصدر في الصدر الأول منه جملة سنية، ورموز خفية، حتى جاء الإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله عنه - فاهتدى بمناره، ومشى إلى ضوء ناره، فشمّر عن ساعد الاجتهاد، وجاهد في تحصيل هذا الغرض السَّني حق الجهاد، وأظهر دفائنه وكنوزه وأوضح إشاراته ورموزه، وأبرز محبّآته وكانت مستورة، وأبرزها في أكمل معنى وأجمل صورة، حتى نَوَّرَ بعلم الأصول دُجا الآفاق، وأعاد سوقه بعد الكساد إلى نفاق . وجاء مَنْ بعدَه، فبيّنوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا، حتى جاء القاضيان: قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسَّعا العبارات، وفكًا الإشارات، وبيَّنا الإجمال، ورفعا الإشكال . واقتفى الناس بآثارهم، وساروا على لاحب نارهم، فحرَّروا وقرَّروا، وصوَّروا، فجزاهم الله خير الجزاء، ومنحهم بكل مسرة وهناء. ثم جاءت أخرى من المتأخرين، فحجروا ما كان واسعاً، وأبعدوا ما كان شاسعاً، واقتصروا على بعض رؤوس المسائل، وكثروا من الشبه والدلائل، واقتصروا على نقل مذاهب المخالفين من الفرق، وتركوا أقوال من لهذا الفن أَصَّل، وإلى حقيقته وصّل، فكاد يعود أمره إلى الأوّل، وتذهب عنه بهجة المعوّل، فيقولون: خلافاً لأبي هاشم، أو وفاقاً للجبّائي، وتكون للشافعي منصوصة، وبين أصحابه بالاعتناء مخصوصة، وفاتهم من كلام السابقين عبارات رائقة، وتقريرات فائقة، ونقول غريبة، ومباحث عجيبة. [منهج المؤلف ومصادره] وقد اجتمع عندي بحمد الله من مصنفات الأقدمين في هذا الفن ما يربو على المئين، وما برحت لي همّة تهم في جمع أشتات كلماتهم وتجول، ومن دونها عوائق الحال تحول، إلى أن من الله سبحانه بنيل المراد، وأمدّ بلطفه بكثير من المواد، فمخضت زبد كتب القدماء، ووردت شرائع المتأخرين من العلماء، وجمعت ما ٦ انتهى إلي من أقوالهم، ونسجت على منوالهم، وفتحت منه ما كان مقفلاً، وفصلت ما كان مجملاً، بعبارة تستعذب، وإشارة لا تستصعب . وزدت في هذا الفن من المسائل ما ينيف على الألوف، وَوَلَّدْتُ من الغرائب غير المألوف، ورددت كل فرع إلى أصله وشكل قد حيل بينه وبين شكله، وأتيت فيه بما لم أسبق إليه، وجمعت شوارده المتفرقات عليه بما يقضي منه العجب، وإن الله يهب لعباده ما يشاء أن يهب، وأنظم فيه بحمد الله ما لم ينتظم قبله في سلك، ولا حصل لمالك في ملك، وكان من المهم تحرير مذهب الشافعي وخلاف أصحابه وكذلك سائر المخالفين من أرباب المذاهب المتبوعة . ولقد رأيت في كتب المتأخرين الخلل في ذلك والزلل في كثير من التقريرات والمسالك، فأتيت البيوت من أبابها، وشافهت كل مسألة من كتابها، وربما أسوقها بعباراتهم لاشتمالها على فوائد، وتنبيهاً على خلل ناقل وما تضمنته من المآخذ والمقاصد . فمن كتب الإمام الشافعي رضي الله عنه ((الرسالة))، و((اختلاف الحديث)) و ((أحكام القرآن))، ومواضع متفرقة من ((الأم))، و ((شرح الرسالة)) للصير في وللقفال الشاشي وللجوينى ولأبي الوليد النيسابورى، وكتاب ((القياس)» للمُزني، وكتاب ((الرد على داود في إنكاره القياس)) لابن سريج، وكتاب (الاعذار والانذار)) له أيضاً، وكتاب ((الدلائل)) و ((الأعلام)) للصيرفي، وكتاب القفال الشاشي، وأبي الحسين بن القطان، وأبي علي بن أبي هريرة وأبي إسحاق المروزي، وأبي العباس ابن القاضي في ((رياض المتعلمين)) وأبي عبد الله الزبيري وأبي الحسين محمد بن يحيى بن سراقة العامري، وأبي القاسم بن كج، وأبي بكر بن فُورَك، والأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني، والشيخ أبي حامد الأسفريني، وسليم الرازي في ((التقريب في الأصول)) و((التحصيل)) للأستاذ أبي منصور البغدادي، و((شرح الكفاية والجدل)) للقاضي أبي الطيب الطّبري، و((اللمع)) وشرحها للشيخ أبي إسحاق، و((التبصرة)) و((الملخص))، و((المعونة)) و((الحدود)) وغيرها من كتبه، وكتاب الشيخ أبي نصر بن القشيري، وكتاب أبي الحسين السهيلي من أصحابنا، و((الأوسط)) لابن برهان و ٤ ٧ (الوجيز)) له، و((القواطع)) لأبي المظفر بن السمعاني وهو أجل كتاب للشافعية في أصول الفقه نقلاً وحجاجاً، وكتاب ((التقريب والإرشاد)) للقاضي أبي بكر وهو أجل كتاب صنف في هذا العلم مطلقاً، و((التخليص)) من هذا الكتاب لإمام الحرمين أملاه بمكة شرفها الله، و((البرهان)) للإمام وشروحه، وقد اعتنى به المالكيون. المازَري، والأبياري، وابن العلاف، وابن المنير، ونكت عليه الشيخ تقي الدين المقترح جد الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد لأمه، ومختصر ((النكت)) لابن عطاء الله الإسكندري، ومختصره لابن المنير، و((المستصفى)) للغزالي، وقد اعتنى به المالكية أيضا، فشرحه أبو عبدالله العبدري في كتابه المسمى ((بالمستوفی))، ونکت عليه ابن الحاج الأشبيلي وغيره، واختصره ابن رشد وابن شاس صاحب (الجواهر)) وابن رشيق، و((المحصول)) ومختصراته وشروحه للأصفهاني والقرافي، و((الأحكام)) للآمدي، و((مختصر)) ابن الحاجب، و((النهاية)) للصفي الهندي، و ((الفايق)) و((الرسلة السيفية)) له، وابن دقيق العيد في (العنوان)) وشرح ((العمدة)) وشرح ((الإلمام)) وبه ختم التحقيق في هذا الفن، وفي موضع من شرح ((الإلمام)) يقول : أصول الفقه هو الذي يقضي ولا يقضى عليه. ومن كتب الحنفية كتاب أبي بكر الرازي و ((اللباب)) لأبي الحسن البستي الجرجاني، وكتاب شمس الأئمة السرخسي، و ((تقويم الأدلة)) لأبي زيد، و((الميزان)) للسمرقندي و(الكبريت الأحمر)) لأبي الفضل الخوارزمي، وكتاب ١/٢ ((العالمي)) و((البديع)) لابن الساعاتي وكان أعلم أهل زمانه / بأصول الفقه. ومن كتب المالكية ((الجامع)) لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد بن خويز منداد المالكي البصري ونقلت عنه بالواسطة، و((الملخص)) للقاضي عبد الوهاب و((الإفادة)) و((الأجوبة الفاخرة)) له، و((الفصول)) لأبي الوليد الباجي، و((المحصول)) لابن العربي، وكتاب أبي العباس القرطبي شارح مسلم، و((القواعد)) للقرافي وغيره. ومن كتب الحنابلة ((التمهيد)) لأبي الخطاب، ((والواضح)) لابن عقيل، ٨ و ((الروضة)) للمقدسي ومختصرها للطوفى وغيرهم . ومن كتب الظاهرية كتاب ((أصول الفتوى)) لأبي عبد الله محمد بن سعيد الداودي وهو عمدة الظاهرية فيما صح عن داود، وكتاب ((الاحكام)) لابن حزم. ومن كتب المعتزلة ((العمد)) لأبي الحسين و((المعتمد)) له، و((الواضح)) لأبي يوسف عبد السلام، و((النكت)) لابن العارض بالعين المهملة. ومن كتب الشيعة ((الذريعة)) الشريف الرضي، و((المصادر)) لمحمود بن علي الحمصي وهو على مذهب الإمامية، وغير ذلك مما هو مبين في مواضعه . وسميته ((البحر المحيط)) والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم مقرباً للفوز بجنات النعيم، بمنه وكرمه. ب ٩ فصَل [أول مَن صنَّفَ فى الأصُول ] الشافعي رضي الله عنه أول من صنف في أصول الفقه. صنف فيه كتاب ((الرسالة) وكتاب ((أحكام القرآن)) و((اختلاف الحديث)) و((إبطال الاستحسان)) وكتاب ((جماع العلم)) وكتاب ((القياس)) الذي ذكر فيه تضليل المعتزلة ورجوعه عن قبول شهادتهم، ثم تبعه المصنفون في الأصول. قال الإمام أحمد بن حنبل: لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي . وقال الجويني في شرح ((الرسالة)): لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها . وقد حكى عن ابن عباس تخصيص عموم، وعن بعضهم القول بالمفهوم، ومن بعدهم لم يقل في الأصول شيء ولم يكن لهم فيه قدم. فإنا رأينا كتب السلف من التابعين وتابعي التابعين وغيرهم فما رأيناهم صنفوا فيه. ألا ترى أن أحمد بن حنبل كان أكبر سناً منه، وكان متقدماً في العلم وكان يأخذ بركابه فيتبعه ويتعلم منه. أهـ. وليس كما قال بل هو أصغر من الشافعي بأربع عشرة سنة (١). واعلم أن الشيخ أبا الحسن الأشعري كان يتبع الشافعي في الفروع والأصول و ربّما يخالفه في الأصول، كقوله بتصويب المجتهدين في الفروع، وليس ذلك مذهب الشافعي، وكقوله: ((لا صيغة للعموم)). قال الشيخ أبو محمد الجويني: ونقل مخالفته أصول الشافعي ونصوصه وربما ينسب المبتدعون إليه ما هو برىء منه كما نسبوا إليه أنه يقول: ليس في المصحف (١) ولد الإمام محمد بن إدريس الشافعي سنة ١٥٠ هـ، وولد الإمام أحمد بن حنبل سنة ١٦٤ هـ. ١٠ قرآن، ولا في القبور نبي، وكذلك الاستثناء في الإيمان، ونفي قدرة الخالق في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب علم الدليلى عليهم. وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه، وتأملت نصوصه في هذه المسائل فوجدتُها كلها خلاف ما نسب إليه. وقال ابن فورك في كتاب ((شرح كتاب المقالات)) للأشعري في مسألة تصويب المجتهدين: اعلم أن شيخنا أبا الحسن الأشعري يذهب في الفقه ومسائل الفروع وأصول الفقه أيضاً مذهب الشافعي، ونص قوله في كتاب التفسير في باب إيجاب قراءة الفاتحة على المأموم: خلاف قول أبي حنيفة، والجهر بالبسملة: خلاف قول مالك، وفي إثبات آية البسملة في كل سورة آية منها قرآناً منزلاً فيها، ولذلك قال في كتابه في أصول الفقه بموافقة أصوله. ١١ فصل فِي بيَان شَرف علم الأصول اعلم أن العلوم ثلاثة أصناف : كالحساب والهندسة. محض ، عقلی الأول : والثاني : لغوي، كعلم اللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان والعروض. والثالث : الشرعي وهو علم القرآن والسنة، ولا شك أنه أشرف الأصناف، ثم أشرف العلوم بعد الاعتقاد الصحيح معرفة الأحكام العملية، ومعرفة ذلك بالتقليد ونقل الفروع المجردة يستفرغ جمام الذهن ولا ينشرح بها الصدر، لعدم أخذه بالدلیل، وشتان بين من يأتي بالعبادة تقليداً لإمامه بمعقوله وبین من يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وادرع ملابسه الضافية، وسبح في بحره، وربح من مكنون دره . قال إمام الحرمين في كتاب ((المدارك)) وهو من أنفس كتبه: والوجه لكل متصد للإقلال بأعباء الشريعة أن يجعل الإحاطة بالأصول شوقه الآكد، وينص مسائل الفقه عليها نص من يحاول بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف جمام الذهن في وضع الوقائع مع العلم بأنها لا تنحصر مع الذهول عن الأصول . وقال الغزالي في ((المستصفى)): خير العلم ما ازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع علم الفقه، وأصول الفقه من هذا القبيل، فإنه ١٢ يأخذ من صفو العقل والشرع سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد، ولأجل شرف علم أصول الفقه ورفعته وفّر الله دواعي الخلق على طلبته، وكان العلماء به أرفع مكاناً، وأجلهم شأناً، وأكثرهم أتباعاً وأعواناً. وقال أبو بكر القفال الشاشي في كتابه ((الأصول)): اعلم أن النص على حكم كل حادثة عيناً معدوم، وأن للأحكام أصولاً وفروعاً، وأن الفروع لا تدرك إلا بأصولها، وأن النتائج لا تُعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، فحق أن يبدأ بالإبانة عن الأصول لتكون سبباً إلى معرفة الفروع. ثم اختلف في نسبة الأصول إلى الفقه، فقيل: علم الأصول بمجرده كالميلقِ الذي يختبر به جيد الذهب من رديئه، والفقه كالذهب، فالفقيه الذي لا أصول عنده ككاسب مال لا يعرف حقيقته، ولا ما يدّخر منه مما لا يدّخر، والأصولي الذي لا فقه عنده كصاحب الميلق الذي لا ذهب عنده، فإنه لا يجد ما يختبره على میلقه . وقيل : الأصوليّ کالطبيب الذي لا عقار عنده، والفقيه کالعطار الذي عنده كل عقار، ولكن لا يعرف ما يضرّ ولا ما ينفع. وقيل : الأصوليّ كصانع السلاح، وهو جبان لا يحسن القتال به، والفقيه كصاحب سلاح ولكن لا يحسن إصلاحها إذا فسدت، ولا جماعها إذا صدعت. فإن قيل: هل أصول الفقه إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة؟ نبذة من النحو كالكلام على معاني الحروف التي يحتاج الفقيه إليها، والكلام في الاستثناء، وعود الضمير للبعض، وعطف الخاص على العام ونحوه، ونبذة من علم الكلام كالكلام في الحسن والقبح، وكون الحكم قديماً، والكلام على إثبات النسخ، وعلى الأفعال ونحوه، ونبذة من اللغة، كالكلام في موضوع الأمر والنهي، وصيغ العموم والمجمل والمبين والمطلق والمقيد، ونبذة من علم الحديث / كالكلام في الأخبار، ٢/ب فالعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في شيء من ذلك، وغیر العارف بها ١٣ لا يغنيه أصول الفقه في الإحاطة بها، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع والقياس والتعارض والاجتهاد، وبعض الكلام في الإجماع من أصول الدين أيضاً، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه، ففائدة أصول الفقه بالذات حينئذ قليلة . فالجواب: منع ذلك، فإن الأصوليين دققوا النظر في فهم أشياء من كلام العرب لم تصل إليها النحاة ولا اللغويون ، فإنّ كلام العرب متسع والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي . مثاله: دلالة صيغة ((افعل)) على الوجوب، و((لا تفعل)) على التحريم، وكون ((كلّ)) وأخواتها للعموم، ونحوه مما نص هذا السؤال على كونه من اللغة لو فتشت لم تجد فيها شيئاً من ذلك غالباً، وكذلك في كتب النحاة في الاستثناء من أن الإخراج قبل الحكم أو بعده، وغير ذلك من الدقائق التي تَعَرَّض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب باستقراء خاص، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، وسيمر بك منه في هذا الكتاب العجب العجاب. ١٤ المقَدمَات [تعريف أصول الفقه] أصول الفقه: مركب تتوقف معرفته على معرفة مفرداته من حيث التركيب لا من حیث كل وجه. [تعريف الأصل] فالأصول: جمع أصل، وأصل الشيء، ما منه الشيء، أي: مادته، کالوالد للولد، والشجرة للغصن. وردّه القَرَافي باشتراك ((مِنْ)) بين الابتداء والتبعيض، وبأنه لا يصح هنا معنى من معانيها. وأجاب الأصفهاني عن الأول: بأن الاشتراك لازم لكن يصار إليه في الحدود حيث لا يمكن التعبير بغيره، وعن الثاني: بأن ((من)) لابتداء الغاية. وقال الآمدي: ما استند الشيء في تحقيقه إليه . وقال أبو الحسين: ما يبنى عليه غيره، وتبعه ابن الحاجب في باب القياس، وَرُدّ بأنه لا يقال: إن الولد ينبي على الوالد، بل يقال: فرعه. . وقال الإمام: هو المحتاج إليه، وَرُدّ بأنه إن أريد احتياج الأثر إلى المؤثر لزم إطلاقه على الله تعالى، وإن أريد ما يتوقف عليه الشيء لزم إطلاقه على الجزاء والشرط. وقد التزمه في ((المباحث المشرقية)) فقال: لا تبعد تسميه الشروط، واندفاع الموانع أصولاً باعتبار توقف وجود الشيء عليها. وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب ((الدلائل والأعلام)): كل ما أثمر معرفة شيء ونبه عليه فهو أصل له، فعلوم الحسّ أصل، لأنها تثمر معرفة حقائق الأشياء، وما عداه فرع له. ١٥ وقال القفال الشاشي: الأصل: ما تفرع عنه غيره، والفرع: ما تفرع عن غيره، وهذا أسدّ الحدود، فعلى هذا لا يقال في الكتاب: إنه فرع أصله الحسّ، لأن الله تعالى تولاه وجعله أصلاً دل العقل عليه. قال: والكتاب والسنة أصل، لأن غيرهما يتفرع عنهما، وأما القياس فيجوز أن يكون أصلاً على معنى أن له فروعاً تنشأ عنه، ويتوصل إلى معرفتها من جهته، كالكتاب أصل لما ينبني عليه، وكالسنة أصل لما يعرف من جهتها، وهو فرع على معنى أنه انما عرف بغيره وهو الكتاب أو غيره، وكذلك السنة والإجماع. قال: وقيل إن القياس لا يقال له: أصل ولا فرع، لأنه فعل القائس، ولا توصف الأفعال بالأصل والفرع. وقال الأستاذ أبو منصورِ البغدادي: الأصل ما عُرف به حكمُ غيره، والفرع ما عُرِف بحكم غيره قياساً عليه. وقال الماوَرْدي في ((الحاوي)): قيل: الأصل مادلّ عليه غيره، والفرع ما دل على غيره، فعلى هذا يجوز أن يقال في الكتاب: إنه فرع لعلم الحس، لأنه الدال على صحته . هذا الاعتراض يصلح أن يدخل به كثير من العبارات السالفة على اختلافها فليتأمل . وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): قيل: الأصل ما انبنى عليه غيره، وقيل: ما يقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه وهما مدخولان، لأن من أصول الشرع ما هو . عقيم لا يقبل الفرع، ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال، كدية الجنين والقسامة وتحمل العاقلة، فهذه أصول ليست لها فروع، فالأولى أن يقال: الأصل كل ما ثبت دليلاً في إيجاب حكم من الأحكام ليتناول ما جلب فرعاً أو لم يجلب . ويطلق في الاصطلاح على أمور : أحدها: الصورة المقيس عليها على الخلاف الآتي - إن شاء الله تعالى - في القياس في تفسير الأصل. ١٦ الثاني: الرجحان، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز. الثالث: الدليل، كقولهم: أصل هذه المسألة من الكتاب والسنة أي: دليلها، ومنه أصول الفقه أي: أدلته. الرابع: القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل. وهذه الأربعة ذكرها القَرافي، وفيه نظر، لأن الصورة المقیس علیها ليست معنی زائداً، لأن أصل القیاس اختلف فيه هل هو محل الحکم أو دلیله أو حکمه؟ وأيا ما كان فليس معنى زائداً، لأنه إن كان أصل القياس دليله فهو المعنى السابق، وإن كان محله أو حكمه فهما يسميان أيضاً دليلاً مجازاً، فلم يخرج الأصل عن معنى الدليل. وبقي عليه أمور: أحدها: التعبد، كقولهم: إيجاب الطهارة بخروج الخارج على خلاف الأصل. یریدون أنه لا يهتدي إليه القياس. الثاني: الغالب في الشرع، ولا يمكن ذلك إلا باستقراء موارد الشرع. الثالث: استمرار الحكم السابق، كقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل له. الرابع: المخرج، كقول الفرضيين: أصل المسألة من كذا. [عدد الأصول التي يبنى الفقه عليها] ثم اختلفوا في عدد الأصول، فالجمهور على أنها أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. قال الرافعي في باب القضاء: وقد يقتصر على الكتاب والسنة، ويقال: الإجماع يصدر عن أحدهما، والقياس الرد إلى أحدهما فهما أصلان. قال في ((المطلب)): وفيه منازعة لمن جوز انعقاد الإجماع لا عن أمارة، ولا عن دلالة، وجوز القياس على المحل المجمع عليه. ١٧ واختصر بعضهم فقال: أصل ومعقول أصل، فالأصل الكتاب والسنة والإجماع، ومعقول الأصل هو القياس. قال ابن السَّمْعاني: وأشار الشافعي إلى أن جماع الأصول نص ومعنى، فالكتاب والسنة والإجماع داخل تحت النص، والمعنى هو القياس، وزاد بعضهم العقل فجعلها خمسة . وقال أبو العباس بن القاص الأصول سبعة: الحس والعقل والكتاب والسنة والإجماع والقياس واللغة. والصحيح: أنها أربعة. وأما العقل: فليس بدليل يوجب شيئاً أو يمنعه، وإنما تدرك به الأمور فحسب، إذ هو آلة العارف، وكذلك الحس لا يكون دليلاً بحال، لأنه يقع به درك الأشياء الحاضرة . وأما اللغة: فهي مدركة اللسان، ومطية لمعاني الكلام، وأكثر ما فيه معرفة سمات الأشياء ولا حظ له في إيجاب شيء. وقال الجيلي في ((الإعجاز)): أربعة: الكتاب والسنة والقياس ودليل البقاء على ١/٣ النفي الأصلي، وردها / القفال الشاشي إلى واحد فقال: أصل السمع هو كتاب الله تعالى، وأما السنة والإجماع والقياس فمضاف إلى بيان الكتاب، لقوله تعالى ﴿تبياناً لكل شيءٍ﴾ [سورة النحل / ٨٩] وقوله: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ﴾ [سورة الأنعام / ٣٨]. وروي عن ابن مسعود أنه لعن الواصلة والمستوصلة، وقال: مالي لا ألعن من لعنه الله؟ فقالت امرأة: قرأت كتاب الله فلم أجد فيه ما تقول، فقال: إن كنت قَرَ أْتِيهِ فقد وجدْتِيهِ ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سورة الحشر / ٧] (وأن النبي بَّ لعن الواصلة والمستوصلة). فأضاف عبد الله بن مسعود بلطيف حكمته قول الرسول إلى كتاب الله، وعلى هذا إضافة ما أَجْع عليه مما لا يوجد في الكتاب والسنة نصاً . ١٨ قلت: ووقع مثل ذلك للشافعي في مسألة قتل المحرم للزنبور. قال الأستاذ أبو منصور: وفي هذا دليل على أن الحكم المأخوذ من السنة، أو الإجماع، أو القياس مأخوذ من كتابه سبحانه، لدلالة كتابه على وجوب اتباع ذلك کله . [تعريف الفقه] والفقه لغة: اختُلِفَ فيه، فقال ابن فارس في ((المجمل)): هو العلم، وجرى عليه إمام الحرمين في ((التلخيص))، وإلْكِيًا الهراسي، وأبو نصر بن القشيرى، والماوَرْدي إلا أن حملة الشرع خصصوه بضرب من العلوم. ونقل ابن السَّمْعاني عن ابن فارس: أنه إدراك علم الشيء. وقال الجوهري وغيره: هو الفهم. وقال الراغب: هو التوسل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم. وفي ((المحكم)) لابن سيده: الفقه العلم بالشيء والفهم له، والظاهر أن مراده بهما واحد وهو الفهم، لأنه فسّر الفهم بمعرفة الشيء بالقلب، ومعرفة الشيء بالقلب هو العلم به، ومثله قول الأزهري: فهمت الشيء عقلته وعرفته، وأصرح منه قول الجوهري: فهمت الشي فهماً علمته . وظهر بهذا أن الفهم المفسّر به الفقه ليس فهم المعنى من اللفظ، ولا فهم غرض المتكلم . ونقل الفقه إلى علم الفروع بغلبة الاستعمال كما أشار إليه ابن سيده حيث قال: غلب على علم الدين لسيادته وشرفه كالنجم على الثريا، والعود على المندل. قال ابن سراقة: وقيل: حده في اللغة العبارة عن كل معلوم تيقنه العالم به عن فكر. وقال أبو الحسين في ((المعتمد))، وتبعه في ((المحصول)): فهم غرض المتكلم، ورُدّ بأنه يوصف بالفهم حيث لا كلام، وبأنه لو كان كذلك لم يكن في نفي الفقه عنهم منقصة ولا تعيير، لأنه غير متصور، وقد قال تعالى : ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [ سورة الإسراء / ٤٤] . وقال ابن دقيق العيد: وهذا تقييد للمطلق بما لا يتقيد به. ١٩ وقال الشيخ أبو إسحاق وصاحب ((اللباب)) من الحنفية: فهم الأشياء الدقيقة، فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا. قال القَرَافي: وهذا أولى، ولهذا خصّصوا اسم الفقه بالعلوم النظرية، فيشترط كونه في مظنة الخفاء، فلا يحسن أن يقال: فهمت أن الاثنين أكثر من الواحد، ومن ثم لم يُسَمّ العالم بما هو من ضروريات الأحكام الشرعية فقيهاً، فإن احتج له بقوله تعالى: ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول﴾ [سورة هود / ٩١] وقوله: ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً﴾ [سورة النساء / ٧٨] . قلنا: هذا يدل على أن الفهم من الخطاب يسمى فقهاً، لا على أنه لا يسمى فقهاً إلا ما كان كذلك، وقد قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ [ سورة الأعراف / ١٧٩] وهذا لا يختص بالفهم من الخطاب، بل عدم الفهم مطلقاً من الأدلة العقلية والسمعية، وطرق الاعتبار، ثم المراد من الفهم: الإدراك، لاجودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص ما يرد عليه من المطالب خلافاً للأمدى . [الذهن] والذهن: عبارة عن قوة النفس المستعدة لاكتسابها الحدود الوسطى والآراء. وقال ابن سراقة: الفهم عبارة عن إتقان الشيء، والثقة به على الوجه الذي هو به عن نظر، ولذلك يقال: نظرت ففهمت، ولا يقال في صفات الله سبحانه: فهم. يقال: فقِهِ بالكسر فهو فاقِه إذا فهم، وفقَه بالفتح. فهو فاقه أيضاً إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقُّهَ بالضم فهو فقيه إذا صار الفقهُ له سجيّة، واستعمل لاسم فاعله فقيه، لأن ((فعيلاً)) قياس في اسم فاعل ((فعل))، ووقع في عبارة بعضهم: أنه اختير له ((فعيل))، لأن ((فعيلاً)) للمبالغة، فاستعمالها فيمن صار الفقه له سجية أولى . وهذا ليس بصحيح. أعني دعوى أن ((فعيلا)) ها هنا للمبالغة، لأن الألفاظ المستعملة للمبالغة هي التي كانت على صيغة، فحولت عنها إلى تلك الألفاظ للمبالغة، ولذلك يقع في كلامهم ما حول للمبالغة من ((فاعل))، [إلى] ((مفعال)) أو ٢٠