Indexed OCR Text
Pages 1-20
أُصُولُ التخريج وَدِرَاسَة الاسْنَانية أُصُولُ الْتِخْيج وَدَرَاسَة الاسْمَانِيةُ بقَلم الدّكتور محْمُود الطّانْ أستاذ الحَديث بكلية الشريعَة والدّراسَات الاسْلاميّة جَامعَة الكويت مكتبة المعَارف لِلِنَشْر والتوزيع لِمَاجَهَا سَعد بن عَبد الرحمن الراشد الرياض جميع الحقوق محفوظة للناشر ، فلا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب ، أو تخزينه أو تسجيله بأية وسيلة ، أو تصويره أو ترجمته دون موافقة خطية مُسبقة من الناشر . الطبعة الثالثة للطبعة الجديدة ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ، ١٤١٦ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الطحان ، محمود أصول التخريج ودراسة الأسانيد - الرياض . ٢٢٠ ص ، ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٤-٣٦-٨٠٤-٩٩٦٠ أ - العنوان ١ - الحديث - تخريج ١٦/٢٩٢٣ ديوي ٢٣٧،٦ رقم الايداع : ١٦/٢٩٢٣ ردمك :٤-٣٦-٨٠٤- ٩٩٦٠ مَكتَبة المعَارف للنشر والتوزيع هاتف: ٤١١٤٥٣٥ - ٤١١٣٣٥٠ فاكس ٤١١٢٩٣٢ - برقياً دفتر ص.ب: ٢٢٨١ الرياض الرمز البريدي ١١٤٧١ سجل تجاري ٦٢١٣ الرياض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ولينا الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور. والصلاة والسلام على خيرته من خلقه سيدنا محمد بن عبد الله الذي اصطفاه الله تعالى ليخرج الناس من ظلمات الجهل. ويدلهم على طريق الإسلام بإذن ربهم العزيز الغفور. ورضوان الله تعالى عن الصحابة الذين تخرجوا على يدي النبي الكريم، فصاروا أئمة مهتدين، وقادة مجاهدین. ومغفرة الله تعالى ورحمته على العلماء العاملين، من سلف هذه الأمة وخلفها الذين أخرجوا احاديث الرسول الكريم المخصوص بالوحي الأمين، وجمعوها في السطور، بعد ان حفظوها في الصدور، ثم جاء من خرّجها في مصنفات عندما احتاج الناس إلى معرفة مواضعها في ثنايا الصفحات والسطور. فجزاهم الله تعالى أفضل الجزاء إلى يوم البعث والنشور . أما بعد: فهذا كتاب أودعت فيه من القواعد ما يسهل على طلبة العلم والباحثين في هذا الزمان معرفة مواضع الأحاديث النبوية في دواوينها ومصادرها الأصلية، وأوضحت فيه أشهر الطرق لتخريج الحديث الشريف. وقد توصلت إلى تلك القواعد والطرق عن طريق الاستقراء والممارسة. كما ذكرت فيه كيفية دراسة الأسانيد، وطريقة إخراج الترجمة، ثم بينت طريقة الحكم على الحديث وبيان مرتبته. ٣ وعرَّفتُ - من خلال ذلك - بكثير من مصادر الحديث الشريف وعلومه في شتى المجالات، حسب ما اقتضته الحاجة على وجه الإجمال، وذلك لأن التعريف بكتب الحديث وعلومه هو المعين الأكبر للوصول إلى معرفة مواضع الحديث وتخريجه . والذي دعاني لتصنيف هذا الكتاب هو ما لمسته في طلبة العلم والباحثين من الحاجة الملحة إلى مثل هذا الكتاب، إذ قد بَعُد طلبة العلم والباحثون - في هذا العصر - بُعداً شديداً عن كتب الحديث وعلومه، وجهلوا طريقة تصنيفها وترتيبها ، فضلاً عن معرفة محتوياتها ومكنوناتها. وكثر السؤال - بشكل يلفت النظر - عن معرفة مواضع كثير من الأحاديث المشهورة والموجودة في الأصول، والتي لا يليق بالمبتدئين السؤال عنها، فضلاً عن الطلبة في حلقات الدراسات العليا والباحثين. وخشيت إن استمر الأمر على ذلك فترة طويلة أن يموت هذا العلم ويندثر، حتى ربما يفتش السائل عمن يدله على تخريج حديث فلا يجد، او لا يجد إلا بشق النفس . والذي ينبغي هو ان يكون تخريج الحديث ومعرفة مرتبته ميسوراً ومعروفاً لجميع طلبة العلم الشرعي بخاصة، ولسائر طلبة العلوم الأخرى والباحثين بعامة. وهذا ما قصدت أن يحققه الله تعالى بهذا الكتاب، مع علمي بأني لستُ فارس هذا الميدان، ولكن الحاجة وفقدان الكتاب الذي يسدها هو الذي دفعني لتصنيفه لا سيما بعد ان أُسْند إليّ تدريس مادة التخريج ودراسة الأسانيد في كلية أصول الدين، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. ومن الجدير بالذكر ان أبيّن هنا أنه قد جرتْ في الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة محاولة - منذ سنوات - للتصنيف في موضوع دراسة الأسانيد. لسد حاجة ٤ الطلبة في مادة ((الأسانيد)) المقررة على الطلبة. لكن تلك المحاولة حامت حول الموضوع، ولم تدخل فيه، إذ لم تبين الطريقة التي ينبغي سلوكها لدراسة الاسناد، وإنما اكتفت بشرح الأحاديث، وترجمة رجال الاسناد. وبيان اللطائف والفوائد وما إلى ذلك، وليس هناك إشارة إلى كيفية إخراج الترجمة من كتب التراجم، أو إلى كيفية الوصول إلى ما وصل إليه صاحب الكتاب (١). هذا بالنسبة لموضوع ((دراسة الأسانيد)) وأما موضوع ((أصول التخريج)) فلا أعلم ان أحداً تعرض للبحث او التصنيف فيه. لا في القديم، ولا في الحديث. وقد يُعْتذر للقدماء بأنه لم تكن الحاجة داعية إلى التصنيف في مثل هذا الموضوع، اما في هذا العصر الذي بَعُد فيه الناس عن الحديث وعلومه، فالحاجة ماسة جداً الى التصنيف فيه، لا سيما وقد ظهرت بوادر العودة إلى الاشتغال بالحديث وعلومه. فلعل هذا الكتاب يكون معيناً لمن يريد الاشتغال بالحديث وما يتعلق به، ومفتاحاً ميسراً للبحث فيه، ومعرفة مواضعه إن شاء الله تعالى. وقد عرضت كتابي هذا، ومنهجي فيه على عدد من خيار المتخصصين في الحديث فأفادوني - شكر الله لهم - بتوجيهاتهم وملاحظاتهم. وأقروني عليه بعد تلك الملاحظات فما لاحظوه عليّ عدّلته. وأرجو من مشايخي وإخواني المشتغلين بالحديث وعلومه - الذين لم يتيسر لي الاتصال بهم في هذا الموضوع - ان يتكرموا - جزاهم الله خيراً - بإبداء ملاحظاتهم إن وجدوا ما هو جدير بالتعديل او الزيادة - ولا بد من وجود ذلك - لعلي أتدار كه في طبعة قادمة إن شاء الله تعالى. (١) انظر ما صنف في هذه المحاولة كتابي ((عشرون حديثاً من صحيح البخاري)) و((عشرون حديثاً من صحيح مسلم)) كلاهما للشيخ عبد المحسن العباد، وانظر كذلك مذكرتي الأسانيد لطلاب السنتين الثالثة والرابعة في كلية الشريعة للشيخ عبد الغفار حسن. ٥ وقد سميت هذا الكتاب ((أصول التخريج ودراسة الأسانيد))؛ وأسأله تعالى ان أكون قد قمت بما يسد حاجة الطلبة والباحثين في معرفة أصول تخريج الأحاديث ودراسة أسانيدها. كما أسأله تعالى أن ينفع به طلبة العلم. وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم . الروضة الشريفة بالمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة ١٨ ربيع الأول ١٣٩٨ هـ. الموافق ٢٥ شباط ١٩٧٨ م. وكتبه محمود الطحان ٦ المقدمة وتشتمل على: ١ - تعريف التخريج. ٢ - أهميته وفائدته ووجه الحاجة إليه. ٣ - لمحة موجزة عن تاريخ التخريج. ٤ - أشهر كتب التخريج، التعريف ببعضها، نبذة موجزة عن مؤلفيها. ١ - تعريف التخريج سأذكر تعريف التخريج في اللغة. ثم أبين معاني التخريج عند المحدثين، ثم أذكر تعريف التخريج في الاصطلاح. أ - تعريف التخريج لغة: التخريج في أصل اللغة: اجتماع أمرين متضادين في شيء واحد. قال في القاموس (( وعام فيه تخريج: خِصْبّ وجَدْبّ. وأرض مُخَرَّجة ( كمنَقَّشة) نَبْتُها في مكان دون مكان، وخرّج اللوح تخريجاً: كتب بعضاً وترك بعضاً. والخَرَج: لونان من بياض وسواد)) (١) . (١) القاموس: ١٩١/١ - ١٩٢ بتصرف بسيط. ٧ ويطلق التخريج على عدة معان. أشهرها : الاستنباط: قال في القاموس: ((والاستخراج والاختراج: الاستنباط)) (١). التدريب: قال في القاموس: (( خرّجه في الأدب فتخرّج وهو خِرِّيج (كعِنّين) بمعنى مفعول) أي مُخرَّج(٢) . التوجيه: تقول: خرَّج المسألة. وجَّهَها، أي بيَّنَ لها وجهاً. (( والمَخْرج: موضع الخروج. يقال: خرج مَخْرجاً حسناً، وهذا مَخْرَجُهُ))(٣). قلت: ومنه قول المحدثين ((هذا حديث عُرِفَ مَخْرَجه)) أي موضع خروجه، وهو رواة إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم. (( والخروج نقيض الدخول. وقد أخرجه وخرج به (٤))) فيكون الإخراج معناه: الإبراز والإظهار، ومنه قوله تعالى ﴿ كزرع أخرج شطأه﴾ (٥) قلت: ومنه قول المحدثين عن الحديث: ((أخرجه البخاري)) أي أبرزه للناس وأظهره لهم ببيان مَخْرجِه. وذلك بذكر رجال إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم . وكذلك قولهم: ((خرَّجه البخاري)) بمعنى أخرجه، أي ذكر مخرجه، فهذا أصل اشتقاق المحدثين لكلمة ((التخريج)) أي إظهار مَخْرَج الحديث، أي موضع خروجه وذلك بذكر رواة إسناده، والله أعلم. ب - التخريج عند المحدثين: يطلق التخريج عند المحدثين على عدة معان: (١ و٢) القاموس: ١٩٢/١. (٣) لسان العرب: ٢٤٩/٢. (٤) لسان العرب: ٢٤٩/٢. (٥) سورة الفتح - آية ٢٩. أي: كمثل زرع أبرز وأظهر فراخه. ٨ ١ - فيطلق على أنه مرادف لـ ((الاخراج)): أي ابراز الحديث للناس بذكر مخرجه، أي رجال إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم. فيقولون مثلا: هذا حديث أخرجه البخاري، أو خرَّجه البخاري. أي رواه وذكر مخرجه استقلالاً . قال ابن الصلاح في ((علوم الحديث)): ((وللعلماء بالحديث في تصنيفه طريقتان. إحداهما : التصنيف على الأبواب. وهو تخريجه على أحكام الفقه وغيرها ... (١))) فالمراد بقوله: ((تخريجه)) أي إخراجه وروايته للناس في کتابه. ٢ - ويطلق على معنى إخراج الأحاديث من بطون الكتب وروايتها: قال السخاوي في ((فتح المغيث)): ((والتخريج: إخراج المحدّث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين .. (٢))). وعلى هذا يحمل كلام الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمة أحمد بن عبيد بن إسماعيل الصفّار: ((الحافظ الثقة أبو الحسن البصري الصفار، مصنَّف السنن، الذي يكثر أبو بكر البيهقي من التخريج منه في سننه)). (٣) ٣ - ويطلق على معنى الدلالة: أي الدلالة على مصادر الحديث الأصلية: وعزوه إليها. وذلك بذكر من رواه من المؤلفين. قال المُناوي في ((فيض القدير)) عند قول السيوطي: ((وبالغت في تحرير التخريج)) (( ... بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مُخَرّجيها من أئمة الحديث، من الجوامع والسنن (١) علوم الحديث ص ٢٢٨. (٢) فتح المغيث للسخاوي: ٣٣٨/٢. (٣) تذكرة الحفاظ: ٨٧٦/٣. ٩ والمسانيد، فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرِّجه، ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله - وإنْ جَلّ - كعظماء المفسرين (١))). قلت: والمعنى الثالث هو الذي شاع واشتهر بين المحدثين، وكثر استعمال هذا اللفظ فيه، لا سيما في القرون المتأخرة، بعد أن بدأ العلماء بتخريج الأحاديث المبثوثة في بطون بعض الكتب لحاجة الناس إلى ذلك. وهذا المعنى هو الذي سنبحث فيه أيضاً. وبناء على هذا المعنى الثالث. يمكننا ان نُعَرِّف التخريج اصطلاحاً بما يلي: أ - تعريف التخريج اصطلاحاً : التخريج: هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده. ثم بيان مرتبته عند الحاجة. ب - شرح التعريف: المراد بالدلالة على موضع الحديث، ذكر المؤَلَّفات التي يوجد فيها ذلك الحديث كقولنا مثلاً: ((أخرجه البخاري في صحيحه)) أو ((أخرجه الطبراني في معجمه)) أو ((أخرجه الطبري في تفسيره)) ونحو ذلك من العبارات. والمراد بمصادر الحديث الأصلية ما يلي: ١ - كتب السنة التي جمعها مؤلفوها عن طريق تلقيها عن شيوخهم بأسانيد إلى النبي ◌َ ◌ِّ. كـ ((الكتب الستة)) و((موطأ مالك)) و((مسند أحمد)) و ((مستدرك الحاكم)) و((مصنَّف عبد الرزاق)» وغيرها. (١) فيض القدير شرح الجامع الصغير: ٢٠/١. ٠ ١٠ ٢ - كتب السنة التابعة للكتب المذكورة في الفقرة الأولى، كالمصنفات التي جمعت بين عدد من كتب السنة السابقة. مثل: كتاب ((الجمع بين الصحيحين)) (١) للحُميدي. أو المصنفات التي جمعت أطراف بعض الكتب، مثل: كتاب ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) (٢) للمزِّيّ. أو المصنفات المختصرة من كتب السنة. مثل: كتاب ((تهذيب سنن أبي داود)) للمنذري. وهذا الأخير وإن حذف المنذري أسانيده إلا أن السند موجود فيه حكما. لأن من أراد السند رجع إلى سنن أبي داود . ٣ - الكتب المصنفة في الفنون الأخرى - كالتفسير والفقه والتاريخ - التي تستشهد بالأحاديث. لكن بشرط ان يرويها مصنفها بأسانيدها استقلالا . أي ان لا يأخذها من مصنفات أخرى قبله. ومن هذه الكتب ((تفسير الطبري)) وتاريخه، وكتاب ((الأم)) للشافعي. فإن هذه الكتب لم يصنفها مؤلفوها على أنها كتب لجمع نصوص السنة. وإنما صنفوها في فنون أخرى، لكن استشهدوا بنصوص الأحاديث ضمن أبحاثهم. في تفسير الآيات او بيان الأحكام. أو غير ذلك. لكنهم عندما يستشهدون بتلك الأحاديث يروونها عن شيوخهم بالأسانيد إلى النبي ◌َ ◌ّهِ، ولا يأخذونها من مصنفات أخرى تقدمتهم. فهذه هي مصادر الحديث الأصلية . وأما العزو إلى الكتب التي جمعت بعض الأحاديث لا عن طريق التلقي عن الشيوخ، وإنما من المصنفات السابقة لها فلا يعتبر العزو إليها تخريجاً على الاصطلاح في فن التخريج، وإنما هو تعريف القارئ بأن هذا الحديث مذكور في كتاب كذا، وهذا النوع من العزو يلجأ إليه العاجز عن معرفة مصادر الحديث الأصلية فينزل في عزوه نزولاً غير مُسْتحسن وهو غير لائق بأهل العلم لا سيما أهل الحديث. (١) أعادت تصويره عن طبعة الهند دار الكتب العلمية في بيروت. ((الناشر)). (٢) طبع في الهند واعيد تصويره في القاهرة. ((الناشر)). ١١ ومن تلك الكتب التي لا تعتبر مصدراً أصلياً من كتب السنة: الكتب التي جمعت أحاديث الأحكام مثل كتاب ((بلوغ المرام من أدلة الأحكام)) للحافظ ابن حجر، وكذلك الكتب التي جمعت الأحاديث على ترتيب احرف المعجم، ككتاب ((الجامع الصغير )) للسيوطي، ثم باقي الكتب الأخرى التي جمعت الأحاديث من كتب السنة المتقدمة على أي شكل كان، مثل: ((الأربعين النووية)) و ((رياض الصالحين)) كلاهما للنووي، وغيرهما من الكتب الأخرى الكثيرة لكن هذه الكتب تعتبر دليلاً على مصادر الحديث الأصلية، لذا يستعان بها في ذلك. والمراد بـ ((بيان مرتبته عند الحاجة)) أي بيان رتبة الحديث من الصحة والضعف وغيرها إذا دعت الحاجة. لذلك فليس بيان المرتبة إذن شيئاً أساسياً في التخريج، وإنما هو أمر متمم يؤتى به عند الحاجة إليه. ٢ - أهميته وفائدته ووجه الحاجة إليه لا شك ان معرفة فن التخريج من أهم ما يجب على كل مشتغل بالعلوم الشرعية ن يعرفه، ويتعلم قواعده وطرقه، ليعرف كيف يتوصل إلى الحديث في مواضعه الأصلية . كما أن فوائده كبيرة لا تنكر. لا سيما للمشتغلين بالحديث وعلومه، لأنه بواسطته يهتدي الشخص إلى مواضع الحديث في مصادره الأصلية الأولى التي صنفها الأئمة . والحاجة إليه ماسة من حيث إنه لا يسوغ لطالب العلم ان يستشهد بأي حديث أو يرويه إلا بعد معرفة مَنْ رواه من العلماء المصنفين في كتابه مُسْنداً. ولهذا فان فن التخريج يحتاجه كل باحث، او مشتغل بالعلوم الشرعية وما يتعلق بها . ١٢ 1 ٣ - لمحة عن تاريخ التخريج لم يكن العلماء والباحثون في القديم بحاجة إلى معرفة القواعد والأصول التي أطلقنا عليها الآن اسم ((أصول التخريج)) لأن اطلاعهم على مصادر السنة كان اطلاعاً واسعاً، وصلتهم بمصادر الحديث الأصلية كانت وثيقة، فكانوا عندما يحتاجون للاستشهاد بحديث ما، سرعان ما يتذكرون موضعه في كتب السنة، بل وفي أي جزء من تلك الكتب او يعرفون - على الأقل - مظانه في المصنفات الحديثية، وهم على علم بطريقة تأليف تلك المصنفات وترتيبها، لذلك يسهل عليهم الاستفادة منها، والمراجعة فيها لاستخراج الحديث وقُلْ مثل ذلك فيمن يقرأ حديثاً في مصنف من المصنفات غير الحديثية. فان لديه القدرة على معرفة مصدره. والوصول إلى موضعه بسهولة ويسر . وبقيتْ الحال على ذلك عدة قرون. إلى ان ضاق اطلاع كثير من العلماء والباحثين على كتب السنة ومصادرها الأصلية. فصعب عليهم حينئذ معرفة مواضع الأحاديث التي استشهد بها المصنفون في العلوم الشرعية وغيرها. كالفقه والتفسير والتاريخ (١) فنهض بعض العلماء، وشمروا عن ساعد الجد، فخرَّجوا أحاديث بعض الكتب المصنفة في غير الحديث، وعزوا تلك الأحاديث إلى مصادرها من كتب السنة الأصول، وذكروا طرقها. وتكلموا على بعضها أو كلها بالتصحيح والتضعيف ٠ (١) هناك سبب آخر في نظر الحافظ العراقي لم يذكر العلماء المتقدمون من أجله تخريج الأحاديث في مصنفاتهم، هذا السبب هو: ان لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته، قال الحافظ العراقي في خطبة تخريجه الكبير للاحياء: ((عادة المتقدمين السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم، وعدم بيان من خرجه، وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادراً. وإن كانوا من أئمة الحديث حتى جاء النووي فبين. وقصد الأولين ان لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته، ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء: مع كونه أعلم بالحديث من النووي)). انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير: ٢١/١. ١٣ حسب ما يقتضيه المقام، فظهر ما يسمى بـ (( كتب التخريج)). وكان من أوائل تلك الكتب - فيما أعلم - الكتب التي خرَّج الخطيب البغدادي ( - ٤٦٣ هـ) أحاديثها، وأشهرها تخريج الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب، للشريف أبي القاسم الحسيني. وتخريج الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب لأبي القاسم المهرواني. وكلاهما لا زال مخطوطاً. وكتاب ((تخريج أحاديث المُهذَّب)) تصنيف محمد بن موسى الحازمي الشافعي المتوفى سنة٥٨٤ هـ، وكتاب المهذب هو كتاب في الفقه الشافعي تصنيف أبي إسحاق الشيرازي. ثم تتالت كتب التخاريج حتى شاعت وكثرت. وبلغت عشرات المصنفات وبذلك قدم علماء الحديث خدمة كبيرة لتلك الكتب التي خرّجوا أحاديثها. وبالتالي قدموا خدمة جليلة مشكورة للسنة النبوية المطهرة، وسدوا بعملهم هذا ثغرة كبيرة في صرح المصنفات الحديثية. ولو لم يقوموا بهذا الجهد الكبير لكان هناك نقص كبير في خدمة المصنفات في العلوم الشرعية، ولعانينا نحن اليوم كثيراً في الاهتداء إلى مصادر تلك الأحاديث الكثيرة، فجزى الله علماء سلفنا على ما قاموا به من الجهود التي بذلوها في تلك المصنفات ابتغاء وجه الله تعالى خير الجزاء . ثم دارت الأيام، وجاء العصر الذي نحن فيه، وتغيرت الأحوال كثيراً إذ صار كثير من الباحثين ومن ينتسب للعلم لو رأى حديثاً في أي كتاب يقرؤه وأشار ذلك الكتاب إلى مصدر الحديث بإيجاز فانه لا يعرف كيفية الوصول إلى نص الحديث في ذلك المصدر، لقلة معرفته بكيفية ترتيب ذلك المصدر وتبويبه، وكذلك إذا أراد الاستشهاد بحديث، وعرف من طريق ما أن هذا الحديث في ((صحيح البخاري)) أو ((مسند احمد)) أو ((مستدرك الحاكم)) فانه لا يستطيع الوصول إلى نصه في تلك المصادر، لعدم معرفته بطريقة تصنيفها وكيفية ترتيبها !... وقد لمستُ ذلك بوضوح - في المحيط العلمي الذي أعيش فيه - من طلابنا الباحثين لتحضير رسائل التخصص في السُّنة وباقي العلوم الشرعية الأخرى، لنيل درجة ما يسمى بـ ((الماجستير)) و((الدكتوراه)) وكذلك من الطلاب والباحثين عامة. ١٤ فاقتضى الأمر ان يُصنَّف في ذلك كتابٌ يشتمل على قواعد وأصول تبين كيفية التخريج وطرقه، ويُوضّح فيه طريقة كل مصنف من المصنفات الحديثية التي صنفها الأئمة، وترتيبه وتبويبه وكيفية المراجعة فيه والاستفادة منه، كما يُذْكر في هذا المصنَّف الفهارس والمراجع الحديثة التي تولت فهرسة وترتيب بعض كتب السنة بشكل يُسهّلُ على الباحث الوصول إلى الحديث في أقرب وقت وأيسر طريق. هذا ما سأقوم به في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، فأسأل الله التوفيق والسداد ، والتيسير لاتمامه على شكل ينفع الله به طلبة العلم والباحثين في معرفة تخريج الأحاديث النبوية بسهولة ويسر. وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم آمين. ٤ - أشهر كتب التخاريج، والتعريف ببعضها قلت إن علماء الحديث صنفوا عشرات من كتب التخاريج (١). فمن أشهر تلك الكتب : ١ - تخريج أحاديث المهذب، لأبي إسحق الشيرازي: تصنيف محمد بن موسى الحازمي ( - ٥٨٤ هـ). ٢ - تخريج أحاديث المختصر الكبير، لابن الحاجب تصنيف محمد بن أحمد عبد الهادي المقدسي ( - ٧٤٤ هـ). ٣ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للمرغيناني: تصنيف عبد الله بن يوسف الزيلعي ( - ٧٦٢ هـ). ٤ - تخريج أحاديث الكشاف، للزمخشري. للحافظ الزيلعي أيضاً. ٥ - البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي: تصنيف عمر بن علي بن الملقن ( - ٨٠٤ هـ). (١) انظر أسماء ما يقارب اربعين كتاباً في التخريج في ((الرسالة المستطرفة)) من ص ١٨٥ إلى ص ١٩١. لحد ١٥ ٦ - المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الاحياء من الأخبار، تصنيف عبد الرحيم بن الحسين العراقي ( - ٨٠٦ هـ). ٧ - تخريج الأحاديث التي يشير إليها الترمذي في كل باب: للحافظ العراقي أيضاً . ٨ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير، للرافعي: تصنيف احمد بن علي بن حجر العسقلاني ( - ٨٥٢ هـ). ٩ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية: للحافظ ابن حجر أيضاً. ١٠ - تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي: تصنيف عبد الرؤوف بن علي المُناوي ( - ١٠٣١ هـ). وإليك تعريفاً ببعضها مع نبذة عن حياة مؤلفيها : ٤ ١٦ أ - نصب الراية لأحاديث الهداية هو من أشهر ما وصلنا من كتب التخاريج الحديثية، وقد صنفه الحافظ جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ (١). وهو كتاب خرَّج فيه مؤلفه الأحاديث التي استشهد بها العلامة علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي (- ٥٩٣) هـ في كتابه ((الهداية)) في الفقه الحنفي. ! وهو من أجود كتب التخريج - إن لم يكن أجودها - وأنفعها وأشملها ذكراً لطرق الحديث وبيان مواضعه في كتب السنة الكثيرة، مع ذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل في رجال إسناد الحديث بشكل شافٍ وافٍ لم يُسبق إليه - فيما أعلم -. وقد استمد من طريقته ومعلوماته هذه مَن جاء بعده من أصحاب كتب التخاريج لا سيما الحافظ ابن حجر العسقلاني. (١) هو الحافظ المتقن جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي. و((الزيلعي)) نسبة إلى ((زيلع)) بلدة على ساحل الحبشة، وفيها موضع لمحط السفن، وهي الآن من أرض ((الصومال)) نشأ رحمه الله نشأة علمية فتفقه وبرع فيه، وطلب الحديث واعتنى به، وخرج وألف وجمع وسمع من كبار شيوخ وقته، ومن شيوخه الفخر الزيلعي شارح الكنز، والقاضي علاء الدين التركماني، ولازم مطالعة كتب الحديث إلى أن خرج أحاديث الهداية، وأحاديث الكشاف. فاستوعب ذلك استيعاباً بالغا، وكان الحافظ العراقي يرافقه في مطالعة الكتب الحديثية لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنيا بتخريجها، وصنف كتاباً آخر في التخريج، وهو تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري. توفي رحمه الله في القاهرة ودفن فيها سنة ٧٦٢ هـ رحمه الله رحمة واسعة. اصول التخريج م ٢ ١٧ وهذا الكتاب يدل على تبحر الزيلعي في الحديث وعلومه، وسعة اطلاعه على مصادره الكثيرة. وقدرته على استخراج ما فيها. قال العلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) عن هذا الكتاب: ((وهو تخريج نافع جداً، به استمد مَن جاء بعده من شُرَّاح الهداية، بل منه استمد كثيراً الحافظ ابن حجر في تخاريجه (١)، وهو شاهد على تبحره في فن الحديث وأسماء الرجال، وسعة نظره في فروع الحديث إلى الكمال)) (٢). وطريقة تخريجه في هذا الكتاب أنه يذكر نص الحديث الذي أورده صاحب كتاب ((الهداية)) ثم يذكر من أخرجه من أصحاب كتب الحديث وغيرها مستقصياً طرقه ومواضعه، ثم يذكر الأحاديث التي تدعم وتشهد لمعنى الحديث الذي ذكره صاحب ((الهداية) ويذكر من أخرجه أيضاً؛ ويرمز لهذه الأحاديث (٣) بـ ((أحاديث الباب)). ثم إن كانت المسألة خلافية يذكر الأحاديث التي استشهد بها العلماء والأئمة المخالفون لما ذهب إليه الأحناف، ويرمز لهذه الأحاديث بـ ((أحاديث الخصوم)) ويذكر من أخرجها أيضاً. يفعل كل ذلك بمنتهى النزاهة وكمال الانصاف من غير أن يميل به عن الحق تعصب مذهبي أو سواه. وقد طبع الكتاب طبعتين. كانت الأولى في الهند في أوائل هذا القرن الهجري. لكن هذه الطبعة كانت مشحونة بالأغلاط في الأسانيد والمتون، وفيها تصحيف وسقط بحيث لا يمكن الاعتماد عليها. وكانت الطبعة الثانية بالقاهرة تحت إشراف وتصحيح إدارة المجلس العلمي بالباكستان، وذلك سنة ١٣٥٧ هـ - ١٩٣٨ م بمطبعة دار المأمون، وهي طبعة جيدة محققة في أربعة ملجدات (٤). (١) وقد اعترف الحافظ ابن حجر بذلك وأشار إلى استفادته من تخاريج هذا الكتاب في مقدمة كتابيه ((الدراية في تخريج أحاديث الهداية ص ١٠)) و((الحبير ص ٩)). (٢) الرسالة المستطرفة ص ١٨٨. (٣) أي الأحاديث التي تدعم وتشهد لمعنى حديث كتاب ((الهداية)). (٤) اعيد تصوير هذه النسخة في بيروت لدى دار إحياء التراث العربي والمكتب الاسلامي وصوّر ايضاً في القاهرة لدى دار الحديث بالأزهر. ((الناشر)). ١٨