Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢٠
فدل كلام العقيلي على أمور:
الأول: أنَّ حديث فضالة بن سعيد المأربي غير محفوظ.
الثاني: أنه فَرْدٌ.
الثالث: أنَّ هذا الإسناد فيه لين.
والأمر الثالث: هو خلاصة نظر العقيلي في هذا الإسناد أنه فيه لين.
واللين هو أقل الضعف.
وإن تعجب فعجب من الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - ففي
ترجمته لفضالة بن سعيد بن زميل المأربي ذكر الحديث موضع البحث ثم
قال (٣٤٩/٣): "هذا موضوع على ابن جريج". اهـ.
ولا يوجد في الإسناد أو المتن ما يساعده على دعواه.
فهي دعوى لا برهان عليها، ولا ذكر الذهبي دليلاً يشهد لها، وكلام
العقيلى هنا أقوى وأقعد.
فصل
وأما محمد بن یحیی بن قيس المأربي فقد وثقه الدارقطني في سؤالات
البرقاني (٤٦٤) وابن حبان (٩/:٤٥).
وذكره ابن ابي حاتم في "الجرح والتعديل" برواية جمع عنه، ولم یذ کر
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٢١
فيه جرحاً ولا تعديلاً (١٢٣/٨).
وقال ابن حزم: مجهول .
فقبول توثيق الدارقطني وابن حبان هو الموافق لقواعد الحديث، ومن
علم حجة على من لم يعلم.
فإن قيل قد قال ابن عدي في "الكامل" (٢٢٣٩/٦): أحاديثه مظلمةً
منکرةٌ. اهـ
قلت: هذا سَرفٌ من ابن عدي رحمه الله تعالى.
وقد ذکر حدیثین له في ترجمته:
أولهما: في مدح وذمِّ بعض المدن، والحمل فيه على من رواه عنه،
وهو خطَّاب بن عمر الهمداني، وقد قال الذهبي في ترجمته من "الميزان":
مجهول، وخبره في فضل البلدان کذب. اهـ.
وأصاب العقيلي بذكره هذا الحديث الموضوع في ترجمة خطّاب بن
عمر الهمداني (٢٥/٢).
والحديث الآخر الذي ذكره ابن عدي في ترجمة محمد بن يحيى
المأربي حديث في (الاستقطاع) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم،
وصحَّحه ابن حبان (٣٥١/١٠)، والخطب فيه سهل لا يستحق معه أن
يقال في حق الرجل: أحاديثه مظلمة منكرة. وأين هي الأحاديث الكثيرة
التي تستحق هذا الوصف .. ؟ !! .
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٣٢
وقال الذهبي في "الكاشف" (٩٥/٣): رُتُق.)) ...
وهي تقضي على تردده المذكور في ترجمة محمد بن يحيى المأربي في
"الميزان " اللعبة
وخلاصة ما قيل في محمد بن يحيى المأربي هو قول الحافظ في التقريب
(ص٨ ٥١٣): لين الحديث اهـ. والترمذي: يحبسِّن لمن قيل فيه مثل ذلك.
تنبيه:
أما ابن عبد الهادي فإنّه ما أصاب في كلامه عن محمد بن يحيى
الأربي وتشدّد وبعد عن الإنصاف، فذ کر أن الرجل مختلف فيه.
ثم أراد أن يقوي رجحان جرحه وتضعيفه، فذ کر کلام ابن عدي
وَأَيَّدَهُ بالحديثِ الموضوع في مدح وذم بعض المدن، وتقدم أن الحمل فيه
على خطّاب بن عمر الهمداني المجهول، فلم يكفه أنه لم يصرح بتوثيق
الدارقطني للمأربي في سؤالات البرقاني (٤٦٤) بل زاد أن ألصق به حديثاً
موضوعاً، نسأل الله تعالى السلامة والصون . .
بقى الكلام على ما قد يظن بعضهم أنّه علة ثالثة في هذا الإسناد،
وهي أنَّ ابن جريج وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج مدلس ولم
يصِّرِح بالسماع.
والجواب على ذلك: أن هذا يرويه ابن جريج عن عطاء وروايته عنه
محمولة على السماع صرح أو لم يصرح، فإنَّ ابن جريج قال: إذا قلتِ:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٢٣
قال عطاء: فأنا سمعته منه، وإن لم أقل سمعت. (التهذيب ٤٠٦/٦).
فالحاصل مما تقدم أن هذا الإسناد فيه راو غاية ما فيه أنه مجهول
وتفرد بهذا الحديث، وآخر اختلف فيه: وثقه الدارقطني وصحّح له ابن
حبان، ووثقه وأخرج له أصحاب السنن: النسائي، وأبو داود، والترمذي،
وقال عنه الحافظ: لين الحديث. وقال الذهبي: وثق.
فإذا كان الأمر كذلك فهذا الإسناد ضعيف فقط بسبب فضالة بن
سعيد بن زميل المأربي فقط، ويمكن أن ينجبر، بغيره بل يمكن أن يكون
مُشْبَة بالحسن على رأي جماعة من الحفاظ، وهو وحده يقضي على قولهم
المتهافت: أحاديث الزيارة كلها ضعيفة بل موضوعة. فكيف ولهذا
الحدیث نظائر أقوى منه.
ونسأل الله تعالى الإنصاف في الغضب والرضا. والله تعالى أعلم
بالصواب.
:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية.

٣٢٤
الحديث الثالث
(من زَارني بالمدينةِ محتسباً كنتُ لَه شفيعاً وشهيداً يومَ القيامةِ).
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٨٨/٣)، وحمزة بن يوسف
السهمي في تاريخ جرجان (ص٤٣٤) ومن طريقه السُّبكي في شِفاء
السِّقام (ص٣٥)، وابن أبي الدنيا في كتاب "القبور" كلهم من طريق
محمد بن إسماعيل بن أبي فدیك عن سليمان بن يزيد الكعي أبي المثنى عن
أنس بن مالك أن رسول الله # قال:
"من زارني بالمدينة محتسباً كنتُ لَه شفيعاً وشهيداً يوم القيامة".
قلت: محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ثقة احتج به الجماعة.
لكن أبا المثنى سليمان بن يزيد الكعبي قال عنه أبو حاتم: متكر
الحديث ليس بقوي. وضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان في "المجروحين":
يخالف الثقات في الروايات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا
للاعتبار. لكنه ذكره في "الثقات" (٣٩٥/٦)، وحسَّن له الترمذي.
ومقتضى ذلك أن يكون "صدوق الحديث" عند الترمذي، قال الحافظ في
"تعجيل المنفعة" (ص ١٥٣):
قول الترمذي: (حسن غريب) هذا يقتضي أن الراوي عنده صدوق
معروف. اهـ
وصحَّح له الحاكم (٢٢١/٤-٢٢٢) وهو يعني أن الرجل ثقة عنده.
فإن أعرضت عن تحسين الترمذي، وتصحيح الحاكم له، وتوثيق ابن
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٢٥
حِيَّان، فالرجل ضَعْفُه من النوع الخفيف الذي يزول بمجيء متابع أو
شاهد له، لذلك اقتصر الحافظ على تضعيفه في "التقريب" (ص ٦٧٠).
وأجاد الحافظ الذهبي فقال في "الكاشف" (٣٣١/٣): "وثق، وقال
أبو حاتم ليس بقوي". اهـ.
وتبقى علة أخرى في هذا السند، وهي الانقطاع بين سليمان بن يزيد
وأنس بن مالك، فإنَّ سليمان بن يزيد من أتباع التابعين.
وله طريق آخر عن أنس:
قال إسحاق بن راهويه في مسنده: أخبرنا عيسى بن يونس، ثنا ثور
ابن يزيد، حدثني شيخ عن أنس عن النبي 8# . (المداوي لعلل المناوي:
٢٣٢/٦).
قلت: عيسى بن يونس هو ابن أبي إسحاق السبيعي، ثقة.
وثور بن يزيد ثقة ثبت. فلولا الشيخ المبهم الذي لم يُسَم لكان السند
في أعلى درجات الصحة.
لكن هذا الطريق إذا ضُمَّ لسابقه استفاد الحديثُ قوةً، فإن قال قائل:
إنه مُشْبَه بالحسن يكون قد أصاب، وكم احتج الأئمة الفقهاء بأقل من
هذا وبمثله في الأحكام، بل هذا بمفرده يثبت مشروعية الزيارة.
وابن عبد الهادي لم يذكر الطريق الثاني عن أنس الذي ذكره السيد
أحمد بن الصدِّيق الغماري في المداوي، ولعلَّ ابن عبد الهادي لم يقف
عليه، ولذا كان كلامه مقصوراً على الطريق الأول فقط.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٢٦
ولو وقف عليه ابن عبد الهادي لشنع عليه وضب تشنيعه على الراوي
المبهم كما هي طريقته لأنه يأبى أن يثبت حديثٌ في الباب. والله
المستعان.
٦
..
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٢٧
الحديث الرابع
(من أتى المدينةَ زائراً لي وجبتْ لَهُ شَفاعتي يومَ القيامةِ، وَمَنْ مَاتَ
في أحدِ الحَرَمِينِ بُعِثَ آمناً).
أخرجه يحيى بن الحسن بن جعفر في أخبار المدينة كما في "شفاء
السِّقام" (ص ٤٠).
ثنا محمد بن يعقوب، ثنا عبد الله بن وهب، عن رجل عن بكر بن
عبد الله عن النبي # قال: "من أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم
القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بُعث آمناً".
محمد بن يعقوب هو الأسدي الزبيري المدني أبو عمر.
قال عنه أبو حاتم والنسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات،
وقال: مستقيم الحديث (التهذيب: ٥٣٣/٩).
وقال الحافظ في التقريب (ص٥١٤): "صدوق".
وعبد الله بن وهبّ هو الثقة الحافظ الفقيه.
أما بكر بن عبد الله فالذي يظهر لي أنّه المزني البصرى فهو تابعي،
ثقة، ثبت جليل كما في "التقريب" (ص١٢٧)، فعلى هذا فالحديث
مرسل، ولولا الرجل المبهم لكان صحيح الإسناد.
واحتمل السيد السمهودي في "وفاء الوفا" (١٣٤٨/٤) أن بكر بن
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٢٨
عبد الله هو المزني المذكور أو هو بكر بن عبد الله بن الربيع الأنصارى
الصحابي المترجم له في الإصابة (١٦٤/١).
ووقع في "الصارم المنكي" (ص ٢٤٣) بكير بن عبد الله بالياء، وهو
تصحيف من الناسخ، وإن لم يكن تصحيفاً -وهو بعيد- فإنَّ عبد الله بن
وهب يروي في جامعه عن بكير بن عبد الله الأشجِّ المدني ثم المصري
بواسطة واحدة، وبكير بن عبد الله الأشج من تابعي التابعين.
والأرجح فيما سبق - والله أعلم - أن بكر بن عبد الله هو المزني
التابعي الثقة.
ومع الاحتمالات الثلاثة المذكورة ، فالحديث ضعيف الإسناد فقط.
فَمِنْ مجانبة قواعد الحديث قول ابن عبد الهادي في الصارم (ص٢٤٣)
وهو حديث باطل لا أصل له، وخبر معضل لا يعتمد على مثله، وهو من
أضعف المراسيل وأوهي المنقطعات. اهـ.
قلت: تزيَّد الرجل جداً، وبالغ، وتَعَنْت، وتَشَدَّد كعادته.
فإسناد الحديث ليس فيه إلا الرجل المبهم، وإمامه أحمد بن حنبل
وغيره من أئمة الفقه والحديث يحتجون بالمرسل.
ولم يذكر ابن عبد الهادي دليل مقولته لأن قواعد الحديث لا توافقه.
ومِنْ تَعَصُّب الألباني قوله في ردّه على الشيخ محمد سعيد رمضان
البوطي (ص١٠٩):
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٢٩
"وهذا باطل كما قال ابن عبدالهادي". اهـ.
فَعُمْدَتُهُ قول ابن عبد الهادي الذي ما استطاع أن يقيم صلب دعوته
المتهاوية، ثم جاء الألباني يُرَدِّدُ الصَدَى لا غير، وهذا هو التقليد المذموم
فأين البحث منه أو ممن قلده هنا ؟ !.
والمتتبع يجد أن المحدثين لا يزيدون في مثل هذا على قولهم: مرسل
ضعيف الإسناد، ومثله ينجبر بغيره. نسأل الله تعالى السلامة والصون.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٣٠
الحديث الخامس
(مَنْ زَرَنِي بَعدَ مَوْتِي فكأنما زارني في حياتي، وَمَنْ مَتَ بأحدٍ
الحرمين بُعِثَ مِنَ الآمنين يومَ القِيامَةِ).
أخرجه الدارقطني في سننه (٢٧٨/٢)، حدثنا أبو عبيد والقاضي أبو
عبد الله وابن مخلد قالوا: أنا محمد بن الوليد البسري، نا و کیع، نا خالد
بن أبي خالد وأبو عون عن الشعبي والأسود بن ميمون عن هارون أبي
قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب قال: قال رسول الله اخطار:
( من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد
الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة).
وأخرجه من هذا الوجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٤٨٨/٣)
والمحاملي والساجي كما في الميزان، وعلّقه ابن عبد البر في الاستذكار.
ورواه البخاري في تاريخه فقال:
ميمون بن سوار العبدي عن هارون أبي قزعة عن رجل من ولد
حاطب عن رسول الله ﴿: (من مات في أحد الحرمين ... ).
قلت وبالله استعنت: خالد بن أبي خالد هو خالد بن طهمان، فإنه
يروي عن طبقة الشعبي وهو كوفي مثله، ويروي عنه وكيع وليس هو
خالد بن أبي خلدة كما ادعى ابن عبد الهادي في "الصّارم المنكي"
(ص١٥١).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٣١
وخالد بن طهمان "صدوق" و کان قد اختلط، لکن تابعه ابن عون،
ويقال أبو عون، وهو هو، فَإِنَّه عبد الله بن عون البصري وكنيته أبو عون
وهو ثقة ثبت، فصحَّ بذلك السند إلى عامر بن شراحيل الشعبي بل إلى
هارون بن أبي قزعة، لأنَّ الشعبي حافظ ثقة لا يُسْأَل عن مثله.
وأغرب ابن عبد الهادي وتَشَدَّد جداً وحَوَّل فقال:
وأما ما وقع من الزيادة في الإسناد عن وكيع عن خالد بن أبي خالد
وأبي عون أو ابن عون عن الشعبي أو بإسقاط الشعبي(١)، فإنها زيادة
منكرة غير محفوظة، وليس للشعبي مدخل في إسناد هذا الحديث .. ثم
قال: والحاصل أن ذكر هذه الزيادة المظلمة في الإسناد لم تزد الحديث
فقط بل لم تزده إلا ضعفاً واضطراباً (الصّارم المنكي ص ١٥١).
قلت: هذه الزيادة مسلسلة بالثقات كما تقدم: وكيع بن الجراح
وخالد بن طهمان ومتابعه عبد الله بن عون البصري، ثم عامر الشعبي
كلهم ثقات لا ينظر في حالهم ما خلا ابن طهمان وهو (صدوق) وقد
توبع.
ونسأل الله تعالى الإنصافَ فيِ الرضا والغضب.
إذا عُلم ذلك فإنَّ الكلام في هذا الإسناد انحصر في: هارون بن أبي
قزعة، وشيخه المبهم.
(١) رجح السُّبكي في "شِفاء السِّقام" رواية: إثبات الشعبي وهو الصواب (ص٣٣)
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٣٢
أما هارون بن أبي قزعة فقد قيل: هارون أبو قزعة، وقيل: ابن قزعة
وهذا لا يضر.
قال الحافظ في: النكت على ابن الصلاح (٧٧٣/٢): واختلاف
الراوة في اسم رجل لا يؤثر ذلك، لأنّه إن كان ذلك الرجل ثقةً فلا ضير،
وإن كان غيرَ ثقةٍ فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه لا من قبل
اختلاف الثقات في اسمه" . اهـ. فتأمل ذلك.
والرجل قد ضعفه يعقوب بن شيبة، وذكره العقيلي، والساجي، وابن
الجارود في الضعفاء، لكن ذكره ابن حبان في الثقات (٥٨٠/٧).
ويروى عنه عامر الشعبي فيكون هارون بن أبي قزعة ثقة عنده.
قال يحيى بن معين في "الشعبي": إذا حدث عن رجل فسماه فهو
ثقة، ويحتج به (التهذيب: ٦٧/٥)، فرواية الشعبي عن هارون ابن أبي
قزعة توثيق له، كما قال ابن معين لأنه سماه. وهو توثيق أقل من النصِّ
عليه صراحة، لأنّه توثيق ضمني أو إجمالي.
فمع توثيق ابن حبان ورواية الشعبي الموثقة لهارون بن أبي قزعة،
فالرجل ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به.
وتبقى علة واحدة في هذا الإسناد وهي شيخ هارون بن أبي قزعة
المبهم.
ولیکن الضعف في هذا الحدیث غیر شدید، بل ضعفه قريب ويحتج
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية )

٣٣٣
الفقهاء بمثله في إثبات مشروعية أمر ما، ودونك كتب الفقه لتتحقق من
صحة مقولتي، فكيف ولأحاديث الزيارة طرق بعضها من شرط
الحسن.
فإذا وقفت بعد على قولهم: أحاديث الزيارة ضعيفة بل موضوعة
فاضرب بقولهم عرض الحائط لأنه مخالف للقواعد.
وقد قال الحافظ الذهبي: أجودها (أي أحاديث الزيارة) إسناداً
حديث حاطب، وأقره السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص ٤١٣)،
والسيوطي في "الدرر المنتشرة" (ص ١٧٣) فهؤلاء ثلاثة من الحفاظ اتفقوا
على مقولة تدحض المخالف، وهم السعداء لا يشقى جليسهم.
بقى التنبيه على أنَّ ابن تيمية قد حكم على هذا الحديث بالكذب،
فقال في كتابه (التوسّل والوسيلة ص٧٤): هذا كذب ظاهر مخالف لدين
المسلمین، فإن من زاره في حیاته و کان مؤمناً به کان من أصحابه، لا
سيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه، وقد ثبت عنه أنه قال:
"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما
بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه". أخرجاه في الصحيحين.
والواحد من بعد الصحابة لا یکون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها
واجبة كالحج، والجهاد، والصلوات الخمس، والصلاة عليه، فكيف بعمل
ليس بواجب باتفاق المسلمين ؟ اهـ (ص٧٤).
وقّلده الألباني فحكم على هذا الحديث بالبطلان فما أصابا.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٣٤
وجواب هذا الإشكال سهل:
١- قوله: فكأنما زارني ... الحديث، هذا تشبيه ولا يلزم من التشبيه
المساوة بين طرفي التشبيه، فقد يكون أحدهما أفضل من الآخر، فيكون
من باب إلحاق فاضل بأفضل منه كقولك: الرملي كالشافعي، وأبو.
يوسف كأبي حنيفة، وزيد كالبدر، ومدرسة كالأزهر ونحو ذلك.
٢- الجامع بين طرفي التشبيه هو الحياة، فمن زاره # بعد موته يشبه
من زاره في حياته باعتبار حياة التي # في قبره الشريف، وحياة النبي
في قبره تواترت بها الأخبار وأفردها بالتصنيف عدد من الحفاظ منهم
البيهقي، والسيوطي، وللحافظ السيد أحمد بن الصدِّيق الغماري رحمه الله.
تعالى خلاصة جامعة في حياة الأنبياء تجدها في خاتمة كتاب "الرد المحكم
المتين على كتاب القول المبين" لشيخنا العلامة المحقق الجامع سيِّدي
عبد الله بن الصديق رحمه الله تعالى ونُّور مرقده.
بيد أن الأمر لا يخلو من توجيه نظر القارئ إلى أن هذا الاتفاق الذي
ذكره ابن تيمية فيه نظر، لأن زيارة سيدنا رسول الله # واجبة عند كثير
من علماء المسلمين وهو قول الظاهرية، وعليه كثير من المالكية، وهو قول
عند الحنفية كما تقدم.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٣٥
الحدیث السادس
(مَنْ زَارَ قبري أو قَال مَنْ زَارنَي كُنت لَهُ شَفيعاً أوْ شَھیداً مَنْ
مَات في أحد الحرمين بعثَهُ اللهُ مِنَ الآمنين يوم القيامةَ".
أخرجه أبو داود الطيالسي (منحة المعبود ٢٢٨/١)، والبيهقي في
السنن الكبرى (٢٤٥/٥)، وفي شعب الإيمان (٤٨٨/٣).
حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال: حدثني رجل من آل
عمر عن عمر قال: سمعت رسول الله :# يقول:
"مَن زارَ قَبرى أو قَالَ من زَارنّي كُنتُ لَهُ شَفيعاً أو شَهِيداً، وَمَنْ
مَات في أحدِ الحرمين بعثَهُ اللهُ مِنَ الآمنين يوم القيّامِة".
وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٨٩/٣) من حديث شعبة بن
الحجاج عن سوار بن ميمون، نا هارون بن قزعة، عن رجل من آل
الخطاب عن النبي آ﴾
قال:
(من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة، ومن سكن المدينة
وَجدَّ على بلائها كنت له شهيداً أو شفيعاً، ومن مات في أحد الحرمين
بعثه الله من الآمنين يوم القيامة).
وقال العقيلي: والرواية في هذا لينة (١٧٠/٤).
فاختلف حديثا شعبة وأبي داود الطيالسى وخلافهما يرجع لأمرين:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٣٦
الأول: قال شعبة: عن سوار بن ميمون، عن هارون بن قزعة.
ولم يذكر أبو داود هارون بن قزعة.
الثاني: الاختلاف فيمن رفع الحديث.
وهذا الاختلاف لا مدخل لشعبة ولأبي داود الطيالسي فیه فكلاهما
من كبار الحفاظ الثقات خاصة أولهما فتوهيم أحدهما- كما فعل ابن عبد
الهادي - فيه نظر.
فقد حكم ابن عبد الهادي بوهم أبي داود الطيالسي من جهتين:
الأولى: أنه وهم بإسقاط هارون بن قزعة من روايته .
الثانية: أن ذكر عمر وهم من الطيالسي.
كذا قال ابن عبد الهادي سامحه الله (الصارم المنكي ص ١٣٢) !!
وهذا عجيب جداً من ابن عبد الهادي، فإن أبا داود الطيالسي حافظ
ثقة إمام مصنف حدَّث بما تحمله، فلا مدخل له فيه.
والصواب أن هذا الاختلاف راجع لسوار بن ميمون، فإنه لا ترجمة
له في كتب الرجال.
فلا ينبغى أن يوهم الطيالسى ويترك سوار بن ميمون- أو ميمون بن
سوار كما قيل في بعض الروايات - وهو غير معروف.
والحاصل أنَّ الحديث ضعيف بهذا الإسناد فقط، وليس بموضوع.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٣٧
الحديث السابع
(من حجّ فزار قبري بعد موتي کان کمن زارني في حیاتی).
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤٠٦/١٢)، والدارقطني في سننه
(٢٧٨/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٤٦/٥)، وابن عدي في الكامل
(٧٩٠/٢)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٤٤٧/١)، والفاكهي في
أخبار مكة (٤٣٧/١)، وعزاه الذهبي للبخاري في الضعفاء تعليقاً، ولم
أجده في المطبوعة (الميزان: ٥٩٩/١)، وهو في المطالب العالية (٣٧٢/١)
معزواً لأبي يعلى.
جميعهم من طريق حفص بن سليمان الأسدي القاري، عن ليث بن
أبي سليم، عن مجاهد بن جبر عن ابن عمر مرفوعاً قال: قال رسول الله
*: (من حجَّ فزارَ قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي).
وفي هذا الإسناد ضعيفان، وأولهما أضعف من الثاني.
أما أولهما: فهو حفص بن سليمان الكوفي القاري.
ضعفه جماعة، وقال بعضهم: متروك، وبالغ فيه بعضهم فنسبه إلى
الكذب.
وقد أجاب على هذه المبالغة تقى الدين السُّبكي رحمه الله تعالى
فقال:
وعندي أن هذا القول سَرفٌ، فإنَّ هذا الرجل إمام قراءة وكيف
يعتقد أنه يَقْدِمُ على وضع الحديث والكذب، ويتفق الناس على الأخذ
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٣٨
بقراءته، وإنما غايته أنّه ليس من أهل الحديث، فلذلك وقعت المنكرات
والغلط الكثير في روايته. اهـ (من شفاء السِّقام ص٢٥).
وقال تلميذُه الذهبي في ترجمة عاصم بن أبي النجود القاري:
ما زال في كل وقت يكون العالم إماماً في كل فن مقصراً في فنون
وكذلك كان صاحبه حفص بن سليمان ثبتاً في القراءة واهياً في الحديث،
وكان الأعمش بخلافه كان ثبتاً في الحديث ليناً في الحروف. اهـ (سير
النبلاء: ٢٦٠/٥).
وبكلام التقي السُّبكي والذهبي يذهب ما قد يشكل للبعض عن حال
حفص بن سليمان القاري.
وثانيهما: هو لیٹ بن ابي سليم صدوق في نفسه لكنه اختلط، ولم
يتميز حديثه، فمثله وإن كان ضعيفاً لم يتخلف عنه بصير في باب
المتابعات والشواهد.
و لم ينفرد حفص بن سليمان به عن ليث بن أبي سليم فله متابعان:
المتابعة الأولى: أخرجها الطبراني في معجميه الكبير (٤٠٦/١٢)،
والأوسط (٢٠١/١).
قال: حدثنا أحمد بن رشدين، قال، حدثنا علي بن الحسن هارون
الأنصاري، قال: حدثني الليث بن ابنة الليث بن أبي سليم قال: حدثتني
عائشة ابنة يونس امرأة الليث عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن
عمر به مرفوعاً. هكذا وقع في الكبير .
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٣٩
وفي المطبوع من المعجم الأوسط للطبراني لم يذكر ليث بن أبي
سليم، والصواب ما وقع في الكبير، وأشار الطبراني في الأوسط إلى تفرد
عليّ بن الحسن بن هارون الأنصاري به.
وقال الهيثمي في "المجمع: وفيه عائشة بنت سعد، ولم أجد من ترجمها
(٢/٤). اهـ.
قلت: والأمر كذلك، ومثلها عليّ بن الحسن بن هارون الأنصاري،
والليث آبن ابنة الليث بن أبي سليم لم أجد من ترجمهما.
وشيخ الطبراني أحمد بن رشدين المقال فيه مشهور. فهذا الإسناد
ضعيف جداً.
أما المتابعة الثانية: فهي ما أخرجها أبو بكر محمد بن السري بن
عثمان التمار في جزئه قال:
ثنا نصر بن شعيب مولي العبديين، ثنا أبي، وثنا جعفر بن سليمان
الضبعي عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر به مرفوعاً. كذا في "شفاء
السِّقام" (ص٢٧).
وهذا الإسناد ضعيف. بسبب أبي بكر محمد بن السرى بن عثمان
التمار.
قال عنه الذهبي:
يروى المناكير والبلايا، ليس بشئ، وأقره الحافظ في اللسان
(١٧٤/٥).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾