Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢٠
عن أبيه بدل ابن عمر: فیحتمل أن يكون لزيد فيه شيخان. اهـ.
واحتمال الحافظ قوي وله نظائر.
والعجب أنَّ الألباني لم يذكر هذا الاحتمال القوي في توسّله .!
ولذلك وجه آخر: وهو أَنَّ هشام بن سعد من رجال مسلم فالقول
قوله.
وأغرب الألباني - غفر الله لنا وله - فاشتغل في توسّله (ص٦٧-٦٨)
بتضعيف داود بن عطاء المدني، ولما رأى متابعة هشام بن سعد قال: إنَّ في
السند اضطراباً. اهـ.
قلت: هذا قول مدفوع ينبغي ألا يلتفت إليه، ولا أرى دعامةً له إلا
الهوى الذي أداه لمخالفة قواعد الحديث.
فإنَّ من المعروف أنَّ الحكم بالاضطراب على السند لا يكون إلا إذا
تساوت الروايات وامتنع الجمع والترجيح، عند ذلك يحكم بالاضطراب
وهو هنا ممتنع جداً، فَإِنَّ هشامَ بنَ سعدٍ من رجال مسلم فحديثه راجح،
وقد رأيتُ الألباني يُحسِّنُ حدِيثُه مرات. وداود بن عطاء ضعيف، فكيف
يغضُ الألباني طرفه عن هذا الحق الأبلجّ.
هبْ أنهما متساويان، فالجمعُ واجبٌ كما صرح به الحافظ وتقدم
عنه رحمه الله تعالى.
فثبت ولله الحمد توسل عمر بالعباس من قول عمر نفسه وهو
زيادة في التوسّل بالنبي # .
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٢١
وفيه أيضاً أنَّ التوسّل کان بالعباس وليس بدعائه بدليل قول عمر:
(واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم)، فالضمير يعود على شخص
العباس قولاً واحداً، إلا عند أهل التحريف.
٠
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٢٢
الحديث الثالث
قال الإمام أحمد في المسند (١٣٨/٤):
حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا شعبة عن أبي جعفر، عن عمارة بن
خزيمة ابن ثابت عن عثمان بن حُنيف: " أنَّ رَجلاً ضريرَ البصرِ أَتى النبي
# فقالَ: ادعُ الله أن يعافِني، قال: إن شئتَ دعوتُ، وإن شئت
صبرتَ فهو خيرٌ لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأَ فيحسنُ
وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللّهم إنى أسألك وأتوجَهُ إليكَ بنبيكَ
محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهتُ بِك إلى ربي في حاجتي هذه
لُقْضَى لِي، اللّهم فشفعه في".
قال الترمذي (كما في التحفة): هذا حديث حسن صحيح غريب لا
نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي.
ورواه من هذا الوجه ابن خزيمة في صحيحه، والترمذي (تحفة
١٣٣،١٣٢/١٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٤١٠٧)، وابن ماجه
في السنن (٤٤١/١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢١٠/٦)، والطبراني
في المعجم الكبير (١٩/٩)، وفي الدعاء أيضاً (١٢٨٩/٢)، والحاكم في
المستدرك (٥١٩،٣١٣/١) وصححه وسلمه الذهبي، والبيهقي في دلائل
النبوة (١٦٦/٦)، وفي الدعوات الكبير.
وتابع حماد بن سلمة شعبةَ في روايته عن أبي جعفر.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٢٣
أخرج هذه المتابعة النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٤١٧)، وأحمد
في المسند (١٣٨/٤)، والبخاري في تاريخه (٢٠٩/٦). وقد اتفق شعبة
وحمادُ بنُ سلمة على أنَّ شيخ أبي جعفر هو عمارة بن خزيمة بن ثابت،
بينما خالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم.
قال النسائي في عمل اليوم والليلة (ص٤١٨): ((خالفهما هشام
الدستوائي وروح بن القاسم، فقالا عن أبي جعفر عمير بن يزيد بن
خماشة عن أبي أمامة بن سهل عن عثمان بن حُنيف)). اهـ.
قلت: حديث هشام الدستوائي أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة
(ص٤١٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢١٠/٦)، والبيهقي في دلائل
النبوة (١٦٨/٦).
وأماحديث روح بن القاسم فأخرجه البخاري في التاريخ الكبير
(٢١٠/٦) وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص٢٠٩)، والطبراني في
المعجم الكبير (١٧/١)، وفي الصغير وصححه (١٨٣/١) وفي الدعاء
(١٢٨٨/٢)، والحاكم في المستدرك (٥٢٦/١)، والبيهقي في دلائل النبوة
(١٦٧/٦ - ١٦٨).
قلت: هذا إسناد صحيح، وقد صححه غيرُ واحد من الحفاظ - وقد
تقدم - منهم: الترمذي، والطبراني، وابن خزيمة، والحاكم، والذهبي.
وأبو جعفر: هو الخَطْمِي عُمير بن يزيد بن عُمير بن خماشة
المدني، كما نصَّ على ذلك النسائي في عمل اليوم والليلة، وقد وقع
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٢٤
التصريح بالخَطْمِي عند أحمد، وبالمديني عند أحمد أيضاً وابن ماجه
والحاكم والبيهقي، وبالخَطْمِي المدني عند الطبراني وابن السني . .. ..
فلا تلتفت لتشغيب الشيخ بشير السهسواني رحمه الله تعالى في
صيانة الإنسان (ص١٢٥ -١٢٧)، فإنه مما لافائدة فيه.
وقد جاءت زيادة موقوفة عن المرفوع.
قال الطبراني في المعجم الصغير (١٨٤/١) : .
حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المقري المصري التميمي، حدثنا
أصبغ بن الفرج، حدثنا عبدالله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي، عن
روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أمامة ابن سهل
ابن حنیف، عن عمه عثمان بن حُنیف:
أنَّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة
له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى عثمان بن
حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حُنيف ائت الميضاةَ فتوضأ ثم
ائت المسجدَ فصلٍ فيه ركعتين ثُمَّ قُلْ:
اللّهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد# نبي الرحمة، يا محمد
إني أتوجه بك إلى ربك (ربي) جلَّ وعَزَّ فيقضي لي حاجتي، وتذكر
حاجتك. ورح إليّ حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قاله عثمان
ثم أتى باب عثمان فجاء البوابُ حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن
عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٢٥
له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما
كانت لك من حاجة فأَتِنا، ثم إنَّ الرجلَ خرج من عنده فلقى عثمان بن
حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظرُ في حاجتي ولا يلتفت إلى
حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت
رسول الله ﴿ وأتاه ضريرٌ فشكا إليه ذلك ذهاب بصره، فقال له النبي
4: (أفتصبر؟)، فقال: يا رسول الله إنَّه لي قائد وقد شق علي، فقال له
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ايت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم
ادعُ بهذه الدعوات. قال عثمان ابن حنيف: فو الله ما تفرقنا وطال بنا
الحديث حتى دخل علينا الرجلُ كأنهً لم يكن به ضررٌ قط)).
لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي
وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد (ابن أحمد) بن شبيب عن أبيه عن
يونس بن یزید الأبلي.
وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير ابن
يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث
صحيح . اهـ.
وأخرجه من هذا الوجه الطبراني في الكبير (١٧/٩)، وفي الدعاء
(١٢٨٨/٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (١٦٧/٦ - ١٦٨).
قلت: لا كلام بعد تصحيح الطبراني للحديث مرفوعاً وموقوفاً.
فإن قيل: قد صحَّح الطيراني الحديث المرفوع لكنه لم يصحح القصة
الموقوفة.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٢٦
أجيب: بأنَّ الطبراني قد وثق (شبيب بن سعيد الحبْطي)، وهو راوي
الموقوف، وتوثيق حديث الرجل هو تصحيح لحديثه، فالأمر سهل ولا
يحتاج لبيان، ويؤيد هذا ويوضحه أن الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٩/٢)
لم يتكلم على الحديث كما عهد عنه ولكنه اقتصر على نقل تصحيح
الطبراني فقط، فتدبر أيها المستبصر.
ومع ذلك سعى الساعون لتضعيف هذه الزيادة الصحيحة الموقوفة
فأتوا بعلل مزعومة هي:
١ - شيخ الطبراني (طاهر بن عيسى)، مجهول في زعمهم.
٢- (شبيب بن سعيد الحَبْطي) انفرد بالقصة، وهو ضعيفُ الحفظ،
زعموا.
٣- الاختلاف عليه فيها.
٤- مخالفته للثقات الذين لم يذكروا القصة في الحديث . ..
والثلاثة الأخيرة ذكرها الألباني في توسّله (ص٨٨)، والناظر فيها لا
يراها أكثر من دفعة صدر من متعنت، وسيرى أنَّ السعي لتضعيف
الأحاديث الصحيحة بهذه الحجج الواهية سعي لإقامة باطل بدعائم هي
أوهى من بيوت العنكبوت، ولو فتح هذا المهيع الخطير لانسد بابُ الآثار،
والله المستعان.
وإليك نقض هذه العلل المتوهمة:
أما عن العلة الأولى: وهي كون شيخ الطبراني طاهر بن عيسى
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٢٧
المصري من المجهولين فخذ الآتي:
١- مَنْ عَللَ الحديث بجهالة شيخ الطبراني أبعد جداً عن معرفة
الحديث وغاير قواعده، فإن القصة الموقوفة تَفَرَّد بها شبيب، ثم رواها عن
شبيب ثلاثة، ورواه عن الثلاثة المذكورين ثلاثة آخرون وعنهم آخرون،
فلم يتفرد أحد برواية القصة إلا شبيب، فلا مدخل لشيخ الطبراني هنا
فتأمل.
٢- قد صَحَّحَّ الطبراني الحديث، وتصحيحه يعني توثيق رجال إسناده
ومنهم شيخه طاهر بن عيسى المصري وهو أعلم به من غيره.
فلا تغتر بعد بكلام الشيخ فهد الدوسري صاحب النهج السديد في
تخريج أحاديث فتح المجيد عن شيخ الطبراني (ص٩٣).
أما عن العلة الثانية: وهي ضعف حفظ المتفرد بها وهو (شبيب ابن
سعيد الحَبْطي)، هكذا زعم الألباني في توسّله (ص٨٨)، ولم أجد من
سبقه إلى هذه الدعوى.
فشبيب بن سعيد الحَبْطي قد وثقه عليّ بن المديني، ومحمد بن يحيى
الذهلي، والدارقطني، والطبراني، وابن حبان، والحاكم.
وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي: لا بأس به.
وهذا غاية ما يطلب من التوثيق في الراوي ليصحح حديثه ويحتجُ به
في الصحيحين.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٢٨
فإن قيل ماذا تقول في قول ابن عدي في الكامل (١٣٤٧/٤):
((كان شبيبٌ إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخةً يونس عن
الزهري إذ هي أحاديث مستقيمةٌ، ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدِّثُ
عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعلَّ شبيباً بمصر في تجارته إليها
كتبَ عنه من حفظه، فيغلطُ ويَهمُ وأرجو ألاَّ يتعمد شبيب هذا
الكذب)). اهـ.
قلت وبالله استعنت: في هذا الكلام ثلاثة أمور:
الأول: ما رواه أحمد بن شبيب عن أبيه، أعني نسخةً يونس عن
الزهري فهي أحاديث مستقيمة.
الثاني: ما رواه عبدالله بن وهب عن شبيب بمصر، فيه غلط ووهم.
الثالث: حديثه في غير النوعين السابقين، صحيح، لأنه قَدَّ وهمَ
شبيب بکونه من رواية ابن وهب بمصر
وصحة النوع الثالث هو ما يقتضيه النظر الصحيح، وفي الذهاب لغير
هذا المذهب فيه إهدار لتوثيق تسعةٍ من الحفاظ لشبيب بن سعيد الحَبْطي.
فالرجل ثقةٌ طرأ عليه طارئ أثناء تجارته بمصر شأنه شأن كثير من
الرواة الثقات.
فإن قيل: قد قال عليّ بن المديني: ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر،
و کتابه کتاب صحیح، وقد کتبتها عن ابنه أحمد بن شبيب. ٠اهـ.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

١٢٩
قلت: كلام ابن المدين يدل على أَنَّ الرجل ثقة وكتابه صحيح، وقد
فهم من لا يفهم (١) إلا السبّ والشتم - سامحه الله - أنَّ هذا القول من ابن
المدین یثبت أن روايته من غیر کتابه لا تصح.
قلت: الرجل وثقة ابن المديني، فهو يعني أنه ضابط حفظاً وكتابةً، ثم
نَصَّ على أحد أفراد العموم، وهو صحة كتابه، فلم يشترط ولم يصرح
ولم يشر إلى شيء عن حفظه، و كلامه لا مفهوم له، و کنت أود أن یبین
من أين أتى بهذا الفهم الذي لا يحسد عليه ؟!
والتفاته إلى السبِّ والشتم صرفه عن الفهم.
تنبيه:
من غريب التشويش والحذف في العبارات أَنَّ الألباني - غفر الله لنا
وله - حاول أن يستدل بعبارة عليٍّ بن المديني على ضعف حفظ شبيب بن
سعيد، فقال في توسّله (ص٨٦):
قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر ... إلخ، وحذف
الألباني أهم كلمة من كلام ابن المديني التي صدر بها عبارته وهي
قوله: (ثقة) كان يختلف ... الخ
وهكذا تكون الأمانة العلمية، فالله المستعان.
وقد أبعد الألباني فسلك مسلكاً آخر غريباً لم يسبق إليه، فأهمل
كلام الأئمة الحفاظ الذين وثقوا شبيباً، فنقله من طائفة الثقات الذين يُقْبَلُ
(١) هو صاحب كشف المتواري (ص ٤٠).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٣٠
ء
حديثهم إلا غرائب وقعت في رحلاتهم، إلى طائفة الضعفاء، الذين لا
يقبل حديثهم إلا بشروط، فشرط شرطين لقبول حديث شبيب بن سعيد
الحَبْطي، فقال في توسّله (ص ٨٧):
الأول : أن یکون من رواية ابنه أحمد عنه.
والثاني: أن یکون من رواية شبيب عن يونس. اهـ.
قلت : الذي أوقع الألباني في هذا القول الغريب هو عدم رجوعه
للأصول(١)، فقد نقل عبارة ابن عدي في شبيب من الميزان (٢٦٢/٢)،
واعتمد عليه دون الرجوع للأصول، والذي نقله الألباني عن ابن عدي
هو ما نصُّه:
كان شبيب لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه وأرجو أنه لا
يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه شبيب آخر يعني
جود.
ففرق بین (کان شبیب لعلہ یغلط ویھم إذا حَدَّث من حفظه) كما
في الميزان. وبين عبارة الكامل (١٣٤٧/٤): (لعلَّ شبيباً بمصر في تجارته
إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم).
(١) وقد تتبعت شيئاً كثيراً من كلامه على الرجال فوجدته لا يرجع للأصول، ويكتفي
بالكتاب الواحد المختصر في الكلام على الرجال غالباً، وقد نبهت على ذلك في (وصول
التهاني ياثبات سُنّة السُّبْحة والرد على الألباني) الطبعة الجديدة، وفي مقدمة (النقد الصحيح
لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح) للحافظ العلائي رحمه الله تعالی.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٣١
فالأولى، تعني أَنَّ الغلط والوهم كانا ديدنه، وصفةً لازمة له.
وهي عبارة فيها نظر.
والثانية، التي في الكامل: تعني أَنَّ الغلط والوهم طارئٍّ عليه وهو ما
حدَّث عنه ابن وهب مصر.
فالأولى تعني ضعفه، والثانية لا تعني ذلك، والأمر واضح.
وقد صرح النقاد بوجوب حكاية الجرح والتعديل وعدم التصرف في
عبارة المعدِّل أو المجرِّح.
وقد اهتبل الألباني تصرف الذهبي في عبارة ابن عدي ولم يرجع
للأصل فحدث منه ما تراه.
والحاصل أَنَّ حديث شبيب بن سعيد صحيح، من غير رواية عبدالله
ابن وهب، إذا أخذنا كلام ابن عدي في الاعتبار فإنَّ كلامه فيه نظر.
ولذلك قال الذهبي في المغني (١٩٥/١): ثقة، له غرائب
وقال في الديوان (ص١٤١): ثقة، يأتي بغرائب.
وفي الكاشف (٤/٢): صدوق.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية؟

١٣٢
فصل
فإن قيل قد ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح علل
الترمذي (ص٤١٨) ضمن قومٍ ثقاتٍ، لهم كتاب صحيح، وفي حفظهم
بعض شيء.
فجوابه: أَنَّ هذا لا يعني ضعف حديثهم إذا حدثوا من حفظهم، وإنما
يعني أن حديثهم من الكتاب صحیح، وأدون منه حديثهم من حفظهم؛
لأنهم قوم ثقات قد وثقهم عدد من الأئمة بدليل قوله: (وفي حفظهم
بعض شيء)، فهذه العبارة لا تفيد أن الغلط كان غير متفك عنهم فهم
ضعفاء الحفظ، بل العكس هو الصواب.
وقد ذكر ابن رجب في هذا النوع طائفة من أعيان الثقات
كعبد العزيز بن محمد الداروردي، وهمام البصري، وعبدالرزاق
الصنعاني، وأبي داود الطيالسي، وإبراهيم بن سعد الزهري وغيرهم،
والعمل عند المحدثين قاطبة على قبول حديثهم حَدَّثوا من كتاب أو من
حفظهم. على أَنَّ العبارات التي قيلت فيهم هي أشد من التي قيلت في
شبيب بن سعيد الحبطي رغم الاتفاق عليهم وأنت إذا توقفت في حديث
هؤلاء الأئمة الذين حَدَّثوا به من حفظهم لاتهمت بالجنون، فتدبر.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

١٣٣
فصل
بقى الكلام على أمرين:
الأمر الأول:
قال الحافظ في التقريب (ص٢٦٣) في ترجمة شبيب:
لا بأس محديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب. اهـ.
وما قاله الحافظ(١) يعني صحة القصة المذكورة، وهذا أيضاً لم يرتضه
الألباني فعقب عليه بقوله في توسّله (ص٨٧):
٨٠
ولیس کذلك بل هذا مقید بأن يكون من روايته هو عن يونس .. ،
ويؤيده أَنَّ الحافظ نفسَه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيباً هذا في (من طعن
فيه من رجال البخاري) من مقدمة فتح الباري (ص١٣٣)، ثُمَّ دفع الطعن
عنه بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه بقوله: (قلت: أخرج
البخاري من رواية ابنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير
يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئاً)، فقد أشار رحمه الله بهذا
الكلام إلى أَنَّ الطعن قائم في شبیب، إذا كانت روايته عن غير يونس، ولو
من رواية ابنه أحمد عنه. اهـ.
قلت: الذي أشار له الحافظِ هو أَنَّ البخاري أخرج له أصحَّ حديثه،
ذلك أَنَّ البخاري عندما أراد أن يخرج حديث الزهري في جامعه الصحيح
أراده من طريق الطبقة الأولى من أصحاب الزهري كما فَصَّله الحافظ
(١) وفيه تشددً لقصره القبول على رواية ابنه أحمد فقط، فتدبر.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٣٤
الحازمي في شروط الأئمة.
ولما كان يونس من هذه الطبقة، وكان شبيب عنده نسخة يونس بن
يزيد، عن الزهري، وسمعها منه أحمد بن شبيب فأصبحت النسخة من هذا
الطريق غاية في الصحة فأخرجها البخاري في صحيحه.
فأحمد، عن أبيه، عن يونس، عن الزهري من شرط البخاري.
فعدم إخراج البخاري لحديث شبيب من غير هذا الطريق لا تعني
ضعف التي لم تخرج في الصحيح، بل تعني أنه ليس على شرط البخاري
فقط، لأَنَّ البخاري لم يستوعب الصحيح، وما ادعاه، وصحح أحاديث
خارج صحيحه.
.ولا يلزم من كونه على غير شرطه أنّه لا يصلح للاحتجاج به عند
البخاري نفسه بل قد يكون صالحاً للاحتجاج به عنده وليس هو على
شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، كما صرح بذلك الحافظ
في الفتح (٢٠٥/٢)، وكثيراً ما يختم الحافظ الترجمة في مقدمة الفتح في
بيان كيفية رواية البخاري لحديث الراوي المتكلم فيه، ذلك أن حديث
الرجل إذا جاء على خلاف ما ذكره الحافظ يكون فيه تفصيل هذا ما
يجب التمسك به، والإذعان إليه وإلا نكون قد أهدرنا توثيق تسعة من
أئمة الحفاظ لشبيب.
ولم أرَ من سبق الألباني في ردِّ حديث شبيب مع اشتراط هذين
الشرطین.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٣٥
ولم يزد ابن تيمية في كتابه (قاعدة في التوسّل) (ص١٠٢) عن قوله:
(شبيب هذا صدوق، روى له البخاري). وهو كلام جيد يرد على
الألباني و على من شايعه، لكنه اتبع سبيلاً آخر لتعليل هذا الحديث وهو:
الأمر الثاني:
وحاصله أَنَّ هذا الحديث يرويه شبيب، عن روح بن القاسم، وقد
ذكر ابنُ عدي حدیثین في كامله أنكرهما على شبيب من رواية شبيب،
عن روح بن القاسم، وإن كان شبيب قد غلط في ذينك الحديثين أمكن
أن يكون غلط في هذا الحديث. انظر قاعدة في التوسّل له
(ص١٠٤-١٠٥).
قلت وبالله التوفيق:
١- هذان الحديثان من رواية ابن وهب، عن شبيب، عن روح بن
القاسم، وقد تقدم أَنَّ شبيباً حَدَّث أثناء تجارته بمصر ابن وهب ببعض ما
أنكر عليه.
وقد أورد هذين الحديثين ابنُ عدي في كامله ليستدل بهما على
صحة دعواه، فلا مدخل هنا لما يرويه شبيبٌ عن روح بن القاسم،
فالكلام على من حدثه شبيب-(وهو ابن وهب)، لا من حَدَّث عنه شبيب
سواء کان روحاً أو غيره.
٢- لا يُسلم لابن عدي استشهاده بهذين الحديثين على صحة دعواه
وهاك الحديثين:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٣٦
الحديث الأول: ما رواه شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن
أبي عقيل، عن سابق بن ناجية، عن أبي سلام قال: مَرَّ بنا رجل فقالوا:
إنَّ هذا قد خدم النبي﴿ قال: فقمت إليه، فقلت: حدثني شيئاً سمعته من
رسول الله 8% لم يتداوله الرجال بينك وبينه قال: سمعته يقول: (من قال
حين يصبحُ وحينَ یُمسی رضیتُ باللهِ رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ نبياً،
كان حقاً على الله أن يرضيه يومَ القيامة).
وحاصل ما في هذا الحديث أَنَّ بعضَهم جعله عن أبي عقيل، عن
سابق بن ناجية، عن أبي سلام، عن خادم رسول الله # به مرفوعاً.
وهم شعبةُ وهشيمُ، وروح بن القاسم.
فأبو سلام هنا روی عمَّن رفعه.
وخالفهم مِسْعَر فجعله عن أبي عقيل، عن سابق،عن أبي سلام به
مرفوعاً.
فأبو سلام هنا هو الذي رفعه.
والصواب قول شعبة والجماعة وهو ما صححه الحفاظ: المزي،
والعلائي في جامع التحصيل (ص ٣٨٥)، وابن حجر في الإصابة (٩٣/٣)،
والبوصيري في مصباح الزجاجة (١٥٠/٤).
ومن هنا يظهر خطأ ابن عدي رحمه الله تعالى ومن اعتمد عليه في
إيراد هذا الحديث على أنه مما أنكر على شبيب.
وخطأ ابن عدي من وجهين:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٣٧
الأول: الاختلاف من طبقة شيوخ شبيب، فلا مدخل لشبيب فيه.
الثاني: أن شبيب بن سعيد سلك المسلك الصواب فيه كما ترى،
والله أعلم.
وأما الحديث الثاني: فهو ما رواه شبيب، عن روح بن القاسم، عن
عبدالله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسن أنَّ رسول الله لإ قال:
(إذا دخلت المسجد ... ) الحديث.
ورواه عبدالعزيز الداروردي، وإسماعيل بن إبراهيم بن عُلية، وقيس
ابن الربيع، وليث بن أبي سليم، عن عبدالله بن الحسن، عن أمه فاطمة
الكبرى عليها السلام.
وإذا كان شبيب قد انفرد عن روح وروى الحديث معضلاً، فالقول
قول الجماعة، ولكن الخطب هنا سهل، ومثله يحدث لكثير من كبار
الحفاظ، ولا يعني هذا ضعف شبيب في روح بن القاسم لأنه جرَّد الحديث
السابق ووافق الجماعة.
٣- شبيب بن سعيد بصري كروح بن القاسم البصري، ورواية
شبيب عن بلديّه لها مزيةٌ وقوةٌ، وأبو جعفر الخطمي مدني بصري كذلك،
ومما يزيدها قوة أن حدث بها بصريين مثله هما: ابنيه أحمد وإسماعيل.
والحاصل مما سبق:
أُنَّ شبيب بن سعید ثقة إلا ما حدث عن ابن وهب، وليس كله من
المنكرات بل تعرف وتنکر، فإذا توبع ابن وهب كما هنا وجب عليك أن
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٣٨
تعرف وتقبل، والله أعلم بالصواب.
وبذلك تعلم أَنَّ إطلاق الضعف على شبيب من الألباني في توسّله
(ص١١٨) فضلاً عن كونه تهافتاً فهو أمر مردود ولم يسبق إليه.
k
فصل
أما عن الأمر الثاني الذي ضعَّف به الألباني الحديث فهو قوله:
والاختلاف علیه فيها. اهـ.
قلت: أعاد الضمير إلى شبيب.
ولكنه جعل الاختلاف في توسّله (ص٨٧) على أحمد بن شبيب
فقال: ثم ظهر لي علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها.
فبان من هذا اضطرابه، فالأمر سهل والخطب غير جليل والأمثلة على
تحديث الراوي للحديث على وجهين كثيرة، فإذا رجع الحديث لشبيب
ابن سعيد فقد روى القصة عنه ثلاثة.
اثنان في بلدته البصرة وقت الراحة والبعد عن السفر والمشقة، وهُمَا:
أحمد وإسماعيل ابنا شبيب كما في دلائل النبوة للبيهقي (١٦٧/٦ - ١٦٨).
أما الثالث: فهو عبدالله بن وهب.
فقد روى عنه القصة وقت السفر، وكان السفر خاصاً بالتجارة
حيث تبلبل البال وتشتت الأفكار، ولكنه حَدَّث على الجادة ولم يتلعثم
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

١٣٩
ولم يخطئ، فجاء حديثه في قطعة العذاب موافقاً لحديثه في بلدته، والراوي
إذا حَدَّث في بلده كان أتقن مما يحدث به في حال سفره كما هو معروف
ونصَّ عليه الحافظ في الفتح (٤٤٤/١٠).
وإذا كان شبيب في هذا الحديث قد أجاد في السفر والحضر، فإن
هذا غاية ما يطلب في الرجل كما لا يخفى على أولي العناية والإنصاف.
وإذ قد انتهى الأمر إلى أن شبيباً قد حَوَّد الحديث بهذه الصورة فلا
مدخل بعد صحة هذه القصة لمن يأتي من الرواة عن شبيب ويروى
الحديث تارة بذكر القصة وتارة أخرى لا يذكرها.
ولكن الهوى والتعصب يدفعان إلى الإفتراء، وهو ما تراه هنا بادعاء
الألباني اختلافاً على أحمد بن شبيب.
وجواب هذا الاختلاف الذي ارتآه الألباني فقط: أنَّ أحمد بن شبيب
كان يحدث الحديث بطوله، وفيه قصة مجئ الرجل لعثمان بن عفان رضي
الله عنه حَدَّث بذلك الحافظ الثقة المتقن يعقوب بن سفيان الفسوي كما
في دلائل النبوة للبيهقي (١٦٨/٦).
وكان أحمد أحياناً أخرى لا ينشط فيقتصر على أصل الحديث فقط،
أخرج ذلك ابن السُّني والحاكم، فكان ماذا ؟ والرجل (أي أحمد) ثقة،
اللَّهم إلا التعنت والتعصب.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾