Indexed OCR Text
Pages 41-60
وقال العباس بن محمد الخلال(١): حدثنا إبراهيم بن شماس ، سمعتُ وكيعاً وحفص ابن غياث يقولان : ما قدم الكوفة مثل ذاك الفتى ، يعنيان أحمد بن حنبل . وقال قتيبة (٢): خيرُ أهلِ زماننا ابنُ المبارك، ثم هذا الشابّ ، يعني أحمدَ بنَ حنبل . وإذا رأيتَ رجلاً يُحِبُّ أحمدَ فاعلمْ أنه صاحب سُنّة ، ولو أدرك عصر الثوري والأوزاعي والليث لكان المُقَدَّمَ عليهم. فقيل لقتيبة: يُضَمّ أحمد إلى التابعين ؟ قال: إلى كبارهم . وقال عمير بن النحاس الرملي(٣) وقد ذَكَرَ أحمد بن حنبل: رحمه اللهُ، عن الدنيا ما أصبره ، وبالماضين ما كان أشبهه ، وبالصالحين ما كان ألحقه ، عُرضت له الدنيا فأباها ، والبدع فنفاها . وقال الخلّال(٤): حدثنا المروذي ، أخبرنا خضر المروذي بطرسوس ، سمعتُ ابن راهويه ، سمعتُ يحيى بن آدم يقول : أحمد بن حنبل إمامنا . وقال يحيى بن سعيد القطان(٥): ماقدم علَّ مثل أحمد بن حنبل . وقال أبو عبيد(٦): إني لأتديَّن بذكر أحمد ، ما رأيت رجلاً أعلم بالسُنَّة منه . وقال هلال بن العلاء الرقّي(٧): مَنَّ اللهُ تعالى على هذه الأُمّة بأربعة : بالشافعي بفقه أحاديث رسول الله عَ له، وبأبي عبيد فَسََّ غرائبَ أحاديث رسول الله عَّةٍ، وبيحيى (١) ((سير أعلام النبلاء)): ١١ : ١٨٨. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٤ : ٤١٧. (٣) ((سير أعلام النبلاء)) ١١ : ١٩٨. (٤) ((تاريخ بغداد)) ٤ : ٤١٧ . (٥) ((المناقب)) لابن الجوزي ص ١٠٣ . (٦) ((سير أعلام النبلاء)) ١١ : ١٩٦. (٧) ((معرفة علوم الحديث)) ص ٨٨ . ٠ - ٤١ - ابن معين نَفَى الكذبَ عن أحاديث رسول الله عَ لِّ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة بأمر رسول الله عَ له ، لولاهم لذهب الإِسلام. وقال عبد الرزاق(١): رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث : الشاذكوني وكان أحفظَهم للحديث ، وابن المديني وكان أعرفَهم باختلافه ، ويحيى بن معين وكان أعلمَهم بالرجال ، وأحمد بن حنبل وكان أجمعَهم لذلك كُلُّه . وقال مُهنّى بن يحيى(٢): قد رأيتُ ابن عيينة ، ووكيعاً ، وبقية ، وعبد الرزاق ، وضمرة ، والناسَ ، ما رأيتُ رجلاً أجمع من أحمد في علمه وزهده وورعه ، وذكر أشياء . وقال الذهبُّ(٣): وإلى الإِمام أحمد المُنتهى في معرفة السُّنَة علماً وعملاً، وفي معرفة الحديث وفنونه ، ومعرفة الفقه وفروعه ، وكان رأساً في الزهد والورع والعبادة والصدق . وللإِمام أحمد كلامٌ كثيرٌ في التحذير من البدع وأهلها ، وأقوالٌ في السُّنَّة ، قال حنبل(٤) : سمعتُ أبا عبد الله يقول: من أَحَبَّ الكلام لم يُفلح ، لأنه يَؤُول أمرُهم إلى خَيْرة ، عليكم بالسُّنَة والحديث ، وإياكم والخوضَ في الجدال والمراء ، أدركنا الناس وما يعرفون هذا الكلام ، عاقبةُ الكلام لا تؤول إلى خير . قال أحمد بن شهاب الإِسفراييني(٥): سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل وسُئل عمن نكتب في طريقنا ؛ فقال : عليكم بهَنَّاد ، وبسفيان بن وكيع ، وبمكة ابن أبي عمر ، وإياكم أن تكتبوا ، يعني : عن أحد من أصحاب الأهواء ، قليلاً ولا كثيراً ، عليكم بأصحاب الآثارِ والسُّنَن . وقد كان الإِمام أحمد رحمه الله حريصاً على التمييز بين الروايات والأسانيد ، والتفريق (١) ((المناقب)) لابن الجوزي ص ٩٧ . (٢) ((سير أعلام النبلاء)) ١١ : ١٩١. (٣) المصدر السابق ص ٢٩١ - ٢٩٢ . (٤) المصدر السابق ص ٢٩١ . (٥) ((سير أعلام النبلاء)) ١١ : ٢٣١. - ٤٢ - في أداء الروایة بین ( حدثني ) و( ثنا )(١) ، وبین ( عن ) و( ثنا )(٢) ، وغير ذلك ، ومن ذلك ما جاء في ((المسند(٣))) في مسند الحُسين بن علي رضي الله عنه : ((حدثنا يَزِيد وعباد بن عباد، قالا: أنبأنا هشام بن أبي هشام - قال عبادٌ : ابن زياد، عن أُمّه، عن فاطمة بنت الحُسين، عن أبيها الحُسين بن علي، عن النبي عَ لِ قال: مامِنْ مسلم ولا مسلمة يُصاب بمصيبة فيذكرها وإنْ طال عهدها - قال عباد : قدم عهدها - فُيُحدث لذلك استرجاعاً إلا جَدَّدَ اللهُ عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها (٤))) . رحمه الله رحمة واسعة ، وجزاه عنّا خير الجزاء . (١) انظر ((المسند)) ٥: ١١٦. (٢) انظر ((المسند)) ٣: ١٧٨ و١٩٣ و٢٠٤ و٢٦٦ و٢٩٠، ٤ : ١٥٧، ٥ : ٥٢. (٣) ١ : ٢٠١ . (٤) قال الحافظ ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)) ص ٢٠٩ في ترجمة (عباد بن زياد) تعقيباً على هذه الرواية: (( ومن لطيف ما وقع لأحمد في هذه وهي تمييزُ ألفاظِ الشيوخ أنه استعملها في المتن ، فقال في حديث الترجمة بعد قوله ((بمصيبة)): وإن طال عهدها، قال عباد: وإنْ قدم عهدها، يعني أنَّ لفظَ ((طال)) لفظُ يَزِيد، وأمّا عباد فلفظه ((قدم ))، وهو بمعنى طال . وأحمد يُحَرِّضُ على تمييز الألفاظ في السَّنَد والمتن كثيراً )). قلتُ: وبسبب تمييز الإِمام أحمد للسَّنَد وقع الحافظُ الحُسينّ في الوَهَم ، فإنه ترجم لعباد بن زياد في ((الإكمال)) ص ٢٢٤، وقال: مجهول، وكذلك تبعه ابنُ العراقي، لكنه قال: لا يُعرف كابنه، وكما تقدم في سند الحديث المذكور فإنه لا وجود لعباد بن زياد في الرواة ، وإنما وقع في سياق السَّنَدِ تمييزٌ بين اسم الراوي نشأ عنه هذا الخطأ . فالذي قال (( ابن زياد)) هو عباد بن عباد شيخُ أحمد، وابنُ زياد صفةٌ لهشام ، فأراد الإِمام أحمد أن يُبين أنَّ الذي نسب هشاماً هو عباد بن عباد ، يعني قال في روايته : عن هشام بن زیاد ، بخلاف يَزيد وهو ابن هارون فإنه قال في روايته : عن هشام بن أبي هشام . ووقع مثل هذا في ترجمة ( حجاج العامري ) كما في « تعجيل المنفعة )) ص ٨٩ - ٩٠ . - ٤٣ - ٢ - ترجمة عبد الله بن أحمد* (٢١٣ - ٢٩٠) : هو الإِمام ، الحافظ ، الناقد، مُحدِّث بغداد ، عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل ابن هلال أبو عبد الرحمن الذُّهْلي الشيباني المروزي ، ثم البغدادي . ولد سنة ثلاث عشرة ومئتين ، ومات سنة تسعين ومئتين ، ودُفِنَ في مقابرٍ باب التِّبْن . طلب الحديث في حداثته ، بل قبل ذلك ، وأُکبر شیخٍ لہ یحیی بن عبدویہ صاحبُ شعبة، وروى عن أبيه شيئاً كثيراً، من جملته ((المسند)) كله، و((الزُّهْد)). قال الحافظ الذهبي(١): فسماع عبد الله بن أحمد لسائر كتاب ((المسند )) من أبيه كان بعد المحنة بسنوات في حدود سنة سبع أو ثمان وعشرين ومئتين ، وما سمع عبد الله شيئاً من أبيه ولا من غيره إلا بعد المحنة ، فإنه كان أيام المحنة صبياً مميزاً ما كان حَلَّه يسمعُ بعد . وروى عن شيبان بن فُرُوخ ، وسويد بن سعيد ، ويحيى بن معين ، والهيثم بن خارجة ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وعُبيد الله القواريري ، وخلف بن هشام البَزَّار ، وأبي خيثمة ، وسُريح بن يونس ، وُبيد الله بن معاذ ، وعبد الله بن عَوْن الخَرَّاز ، ومحمد بن أبان البلخي ، ووهب بن بقية ، وخلقٍ كثيرٍ يزيدون على الأربع مئة ، جمعهم الحافظ ابن نُقْطة في جزء مفرد(٢) . قال الحافظ ابن حجر(٣): كان عبد الله بن أحمد لا يكتب إلا عمّن أَذِنَ له أبوه في الكتابة عنه ، وكان لا يأذن له أن يكتب إلا عن أهل السُّنَّة ، حتى كان يمنعه أنْ يكتب مصادر ترجمته: ((الجرح والتعديل)) ٥: ٧، و((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٧٥، و((طبقات الفقهاء)) ١٦٩، و((طبقات الحنابلة)) ١: ١٨٠، و((المنتظم)) ٦: ٣٩، و((التقييد)) ٢: ٤٥، و((سير أعلام النبلاء )) ١٣: ٥١٦، و((تذكرة الحفاظ)) ٢: ٦٦٥، و((العبر))٢: ٨٦، و((البداية والنهاية)) ١١: ٩٦، و((طبقات القراء)) ١: ٤٠٨، و(تهذيب التهذيب)) ٥: ١٤١، و((شذرات الذهب)) ٢ : ٢٠٣، و((الأعلام)) ٤ : ٦٥ . (١) ((سير أعلام النبلاء)) ١١ : ١٨١. (٢) ((التقييد)) ٢ : ٤٥. (٣) ((تعجيل المنفعة)) ص ١٥ و٣٥٥. وانظر ص ١٩ و٢٢٥ و٢٥٨ و٣٦٦ و٣٨١. - ٤٤ - عمّن أجاب في المحنة ، ولذلك فاته علّ بنُ الجَعْد ونظراؤه من ((المسند ))، ولهذا كان معظم شيوخه ثقات . وقال أيضاً(١): حكمُ شيوخِ عبد الله القبولُ إلا أن يثبت فيه جرح مُفَسّر لأنه كان لا يكتب إلا عمّن أذن له أبوه فيه . حَدَّث عنه النسائي، والبغويُ، وابنُ صاعد، وأبو عوانة الإِسفراييني، والمحاملي ، ودَعْلَج ، وأبو بكر النَّجَّاد ، وسليمان الطبراني ، وأبو علي ابن الصواف ، وأبو بكر الشافعي ، وأبو بكر القَطِيعِي، وجماعةٌ كثيرةٌ . قال إبراهيم بن محمد بن بشير(٢): سمعتُ عبَّاساً الدُّورَّ يقول: كنتُ يوماً عند أحمد ابن حنبل ، فدخل ابنُه عبد الله، فقال لي أحمد : ياعبّاس! إنَّ أبا عبد الرحمن قد وَعَى علماً كثيراً . وقال الخطيب البغداديّ(٣): كان ثقةً، ثبتاً، فهماً . وقال بدر بن أبي بدر البغدادي(٤): عبد الله بن أحمد جِهْيِذ ابن جِهْبِذٍ. وقال أبو يعلى ابن الفَرَّاءِ(٥): وجدتُ على ظهر كتابٍ رواه أبو الحُسين السُّوْسَنْجِرْدي ، عن إسماعيل الخُطبي ، قال: بلغني عن أبي زُرْعة أنه قال : قال لي أحمد ابن حنبل : ابني عبد الله محظوظٌ من علم الحديث - الخُطبي يشُكّ - لا يكاد يذاكرني إلا بما لا أحفظ . (١) المصدر السابق ص ٣٦٠ . (٢) ((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٧٦ و((التقييد)) ٢: ٤٨ و((سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٥١٨ و((المصعد الأحمد)) المطبوع في ((مقدمة المسند )) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ص ٣٨. (٣) ((تاريخ بغداد)) ٩ : ٣٧٥. (٤) ((سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٥٢٣ و((المصعد الأحمد)) ص ٣٩. (٥) ((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٧٦ و((التقييد)) ٢: ٤٨ و(سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٥٢٠ و((المصعد الأحمد)) ص ٣٨ . - ٤٥ - وقال أبو أحمد ابن عدي(١): نَبُلَ عبد الله بن أحمد بأبيه ، وله في نفسه محلٌّ في العلم، أحيا عِلْمَ أبيه من ((مسنده)) الذي قرأه عليه أبوه خصوصاً قبل أن يقرأه على غيره ، وممّا سأل أباه عن رواة الحديث ، فأخبره به ما لم يسأله غيرُه ، ولم يكتب عن أحد ، إلّا من أمره أبوه أن يكتب عنه . وقال أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المُنادي(٢): لم يكن في الدنيا أحدٌ أروى عن أبيه من عبد الله بن أحمد، لأنه سمع منه ((المسند )) ... وغير ذلك من التصانيف وحديث الشيوخ . قال : وما زِلْنا نرى أكابرَ شُيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال ، وعِلَل الحديث، والأسماء والكنى ، والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها ، ويذكرون عن أسلافهم الإِقرارَ له بذلك ، حتى إنّ بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفةِ وزيادةِ السماع للحديث على أبيه . وقال الحافظ الذهبيّ(٢): وكان صيناً ديّناً صادقاً، صاحبَ حديث واتّباع وبصر بالرجال، لم يدخل في غير الحديث، وله زياداتٌ كثيرةٌ في ((مسند )) والده واضحةٌ عن عوالي شيوخه . وقال أبو علي ابن الصواف(٤): قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : كُلُّ شيء أقول : قال أبي ، فقد سمعتُه مرتين وثلاثة ، وأقلُّه مرة . (١) ((سير أعلام النبلاء)) ١١: ٥٢٣ و((المصعد الأحمد)) ص ٣٩. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٧٥ - ٣٧٦ و((التقييد)) ٢: ٤٧ و((سير أعلام النبلاء)) ١٣ : ٥٢١ و(تهذيب التهذيب)) ٥ : ١٤٢ - ١٤٣. (٣) ((سير أعلام النبلاء)) ١٣ : ٥٢٤ . (٤) ((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٧٦ و((التقييد)) ٢: ٤٨ و((سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٥٢٠. - ٤٦ - ٣ - ترجمة القَطِيعِيّ" (٢٧٤ - ٣٦٨): هو الشيخ العالم المُحَدّثُ ، مسنِدُ الوقت ، المفيد ، الصدوق ، أبو بكر أحمد بن جعفر ابن حمدان بن مالك بن شبيب البغدادي ، المالكي نَسَباً ، الحنبلي مذهباً ، سكن قَطِيعة الدقيق فُنُسِبَ إليها . وُلِدَ في المحرم سنة أربع وسبعين ومئتين ، وتوفي لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاث مئة ، وله خمس وتسعون سنة . سمع وهو مميّزٌ باعتناء أبيه من محمد بن يونس الكُدَيْمي ، وإبراهيم الحربي ، وإسحاق ابن الحسن الحربي ، وبشر بن موسى الأسدي ، وعبد الله ابن الإِمام أحمد ، وأبي يعلى الموصلي ، وجماعة . حَدَّثَ عنه الحاكمُ فأكثر ، والدارقطني ، وابنُ شاهين ، وابن رزقويه ، وابنُ أبي الفوارس ، والقاضي الباقلاني ، وأبو بكر البرقاني ، وأبو نعيم الأصبهاني ، وأبو علي ابن المُذْهِب ، وخلق ، آخرهم موتاً أبو محمد الجوهري بقي إلى سنة أربع وخمسين وأربع مئة . وكان مكثراً عن ابن الإِمام أحمد، سمع منه ((المسند))، و((الزهد))، و((الفضائل))، و((التاريخ))، و((المسائل)). قال محمد بن الحسين بن بُكير(١): سمعتُ القَطِيعَّ يقول : كان عبد الله بن أحمد يجيئنا فيقرأ عليه عمُّ أُمّي ، أبو عبد الله ابن الجَصَّاص ، فيُقعدني عبد الله في حِجْره ، حتى يُقال له : يؤلمك ؟ فيقول : إني أُحِبُّه . مصارد ترجمته: ((تاريخ بغداد)) ٤: ٧٣، و((الأنساب)) ١٠: ٤٦٥، و((طبقات الحنابلة)) ٢ : # ٦، و((المنتظم)) ٧: ٩٢، و((التقييد)) ١: ١٣٨، و((العبر)) ٢: ٣٤٦، و((سير أعلام النبلاء)) ١٦ : ٢١٠، و((ميزان الاعتدال)) ١: ٨٧، و((دول الإسلام)) ١: ٢٢٨، و((الوافي بالوفيات)) ٦ : ٢٩٠، و((البداية والنهاية)) ١١: ٢٩٣، و((غاية النهاية)) ١: ٤٣، و((المصعد الأحمد)) ص ٤٠ - ٤٢ المطبوع في مقدمة ((المسند)) لأحمد شاكر، و((لسان الميزان)) ١ : ١٤٥، و((النجوم الزاهرة)) ٤: ١٣٢، و((المنهج الأحمد)) ٢: ٥٧، و((شذرات الذهب)) ٣: ٦٥. (١) ((تاريخ بغداد)) ٤: ٧٣ و((سير أعلام النبلاء)) ١٦: ٢١٢ و((المصعد الأحمد)) ص ٤١. - ٤٧ - وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي(١): سألتُ الدار قطنَّ عن القَطِيعي، فقال: ثقةٌ زاهدٌ قديمٌ ، سمعتُ أنه مجاب الدعوة . وقال الحاكم (٢): هو ثقة مأمون . وقال الخطيب البغدادي(٢): لم نر أحداً ترك الاحتجاج به . وقال الخطيب (٤) أيضاً: سمعتُ أبا بكر البَرْقاني وسُئل عن ابن مالك فقال : كان شيخاً صالحاً ، وكان لأبيه اتصالٌ ببعض السلاطين ، فقُرىء لابن ذلك السلطان على عبد الله بن أحمد ((المسند))، وحضر ابنُ مالك سماعَه ، ثم غرقت قطعةٌ من كتبه بعد ذلك فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه ، فغمزوه لأجل ذلك ، وإلّا فهو ثقة . وحدثني البَرْقاني ، قال : كنتُ شديدَ التنقير عن حال ابن مالك ، حتى ثبت عندي أنه صدوقٌ لا يشكّ في سماعه ، وإنما كان فيه بَلَةٌ ، فلما غرقت القَطِيعة بالماء الأسود غرق شيء من كتبه ، فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم يكن فيه سماعه ، ولمّا اجتمعتُ مع الحاكم أبي عبد الله بنيسابور ذكرتُ ابنَ مالك ولينتُه ، فأنكر علَّي ، وقال : ذاك شيخي ، وحَسَّنَ حالَه . قال ابن كثير(٥) : ولم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه ولا التفتوا إلى ما طَعَن عليه بعضُهم وتكلّم فيه بسبب غرق كتبه حين غرقت القَطِيعةُ بالماء الأسود ، فاستحدث بعضها من نسخ أخرى ، وهذا ليس بشيء ، لأنها قد تكون معارضةً على كتبه التي غرقت ، والله أعلم . وقال الحافظ الذهبي(٦): ولم يكن القَطِيعُّ من فُرسان الحديث، ولا مُجَوِّداً، بل أدَّى ما تَحَمَّلَه إنْ سلم من أوهام في بعض الأسانيد والمتون . (١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٦: ٢١٢ و((المصعد الأحمد)) ص ٤١. (٢) ((المصعد الأحمد)) ص ٤٢ . (٣) ((تاريخ بغداد)) ٤: ٧٣ و((المصعد الأحمد)) ص ٤٢. (٤) ((تاريخ بغداد)) ٤: ٧٤ و((التقييد)) ١ : ١٣٩. (٥) («البداية والنهاية)) ١١ : ٢٩٣. (٦) ((سير أعلام النبلاء ) ١٣ : ٥٢٤ . - ٤٨ - المبحث الرابع في بعض المصنفات الحديثية أ - الكلام على المسانيد : ١ - تدوين الحديث . ٢ - كيفية تخريج المسند . ٣ - درجة المسانيد . ب - مسند الإمام أحمد : ١ - أصل المسند . ٢ - جمع المسند وتصنيفه . ٣ - أهميته والحرص على سماعه . ٤ - رواة المسند . ٥ - الزيادات على المسند . ٦ - عدد أحاديثه . ٧ - عدد الصحابة . ٨ - عدد شيوخ أحمد . ٩ - عدد شيوخ عبد الله . ١٠ - تساهل الإِمام أحمد في رواية الفضائل . ١١ - درجة أحاديث المسند . ١٢ - طبعات المسند . - ٤٩ - المبحث الرابع أ - الكلام على المسانيد : ١ - تدوين الحديث : قال الحافظ ابن حجر(١): ((رأى بعضُ الأئمة أن يُفرد حديث النبي عَّ له خاصة وذلك على رأس المئتين، فصَنَّفَ عُبيد الله بن موسى العبسي الكوفي ((مسنداً ))، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري ((مسنداً))، وصَنَّفَ أسد بن موسى الأموي ((مسنداً))، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر ((مسنداً )). ثم اقتفى الأئمةُ بعد ذلك أثرَهم ، فقَّ إمام من الحُفَّاظ إلَّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد ، كالإِمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، وعثمان بن أبي شيبة ، وغيرِهم من النُّبلاء . ومنهم من صَنَّفَ على الأبواب والمسانيد معاً كأبي بكر بن أبي شيبة . فلمّا رأى البخاريُّ هذه التصانيف وجدها جامعةً بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثيرُ منها يشمله التصنيف فلا يُقال لغَّه: سمين، حَرَّكَ هِمَّتَه لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين )) . ٢ - كيفية تخريج المسند : قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى(٢): (( الاختيارُ في تخريج المسند إلى المصنِّف، فإنْ شاء رَتَّبَ أسماء الصحابة على حروف المعجم من أوائل الأسماء ، فيبدأ بأُبّ بن كعب ، وأسامة بن زيد ، ومَنْ يليهما . (١) (( هدي الساري مقدمة فتح الباري)) ص ٦ . (٢) ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ٢: ٣٥٠ - ٣٥١. - ٥١ - وإنْ شاء رَتَّبَها على القبائل فيبدأ ببني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله عد اله فِي النَّسَب . وإنْ شاء رَتَّبَها على قدرِ سوابقِ الصحابة في الإِسلام ، ومحلِّهم في الدِّين ، وهذه الطريقةُ أحبُّ إلينا في تخريج المسند ، فيبدأ بالعشرة رضوان الله عليهم ، ثم يُتبعهم بالمُقَدَّمين من أهل بدر . ويتلوهم أهل الحُديبية الذين أنزل اللهُ تعالى فيهم: ﴿لقد رَضِيَ اللهُ عن المؤمنين إذْ يُبايعونك تحت الشجرة ﴾. ثم مَنْ أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح كخالد بن الوليد ، وعَمْرو بن العاص ، وأبي هريرة، ثم مَنْ أسلم يوم الفتح، ثم الأصاغر الأسنان الذين رأوا رسولَ الله عَ له وهم أطفالٌ كالسَّائب بن يزيد ، وأبي الطفيل عامر بن واثلة، وأبي جحيفة السُّوائي، ونحوهم)). ٣ - درجة المسانيد : قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى(١): ((ومما يتلو الصحيحين سنن أبي داود السجستاني ، وأبي عبد الرحمن النسوي ، وأبي عيسى الترمذي ، وكتاب محمد بن إسحاق ابن خُزيمة النيسابوري الذي شَرَّطَ فيه على نفسه إخراجَ ما اتّصل سَنَدُه بنَقْلِ العَدْل عن العَدْل إلى النبي عَ لّهِ. ثم كتب المسانيد الكبار مثل مسند أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، وأبي يعقوب إسحاق ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه ، وأبي بكر عبد الله وأبي الحسن عثمان ابني محمد بن أبي شيبة ، وأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي، وعَبْد بن حُميد ، وأحمد بن سنان الواسطي )). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله (٢): (( ... فإنَّ النفوسَ تَرْكَنُ إلى مَنْ أُخرج له بعضُ الأئمة الستة أكثر من غيرهم لجلالتِهم في النفوس وشُهْرتِهم ، ولأنّ أصل وَضْعِ التصنيف (١) ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ٢ : ٢٤٤. (٢) مقدمة ((تعجيل المنفعة)) ص ٢ - ٣ . - ٥٢ - للحديث على الأبواب أن يُقتصر فيه على ما يصلح للاحتجاج أو الاستشهاد ، بخلاف مَنْ رَّبَ على المسانيد فإِنَّ أَصَلَ وَضْعِه مطلقُ الجمع )). وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى(١): ((كتبُ المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي : الصحيحان ، وسنن أبي داود ، وسنن النسائي ، وجامع الترمذي ، وماجرى مجراها في الاحتجاج بها والركونٍ إلى ما يُورد فيها مطلقاً ، كمسند أبي داود الطيالسي ، ومسند ◌ُبيد الله بن موسى ، ومسند أحمد ، ومسند إسحاق بن راهويه ، ومسند عَبْد بن حُميد ، ومسند أبي يعلى الموصلي ، ومسند الحسن بن سفيان ، ومسند البَزَّار ، وأشباهها . فهذه عادتُهم فيها : أنْ يُخرجوا في مسند كُلِّ صحابي ما رَوَوْه من حديثه غير متقیدین بأن يكون حديثاً محتجّاً به)). وقال الحافظ ابن حجر معقّباً على كلام ابن الصلاح(٢): (( قلتُ: هذا هو الأصل في وضع هذين الصنفين ، فإنَّ ظاهرَ حالٍ من يُصنِّفُ على الأبواب أنه ادّعى على أنَّ الحكم في المسألة التي بَوَّبَ عليها ما بَوَّبَ به فيحتاج إلى مستدل لصحة دعواه ، والاستدلال إنما ينبغي أن یکون بما يصلح أن يُحتجّ به . وأمّا من يُصنِّف على المسانيد فإنَّ ظاهرَ قصدِه جمعُ حديث كل صحابي على حدة ، سواء أكان يصلح للاحتجاج به أم لا . وهذا هو ظاهر من أصل الوضع بلا شك ، لكن جماعة من المصنفين في كل من الصنفين خالف أصل موضوعه فانحط أو ارتفع ، فإنَّ بعض من صَنَّفَ الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة بل والباطلة إمّا لذهول عن ضعفها وإمّا لقلة معرفة بالنقد . وبعض مَنْ صَنَّفَ على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي فأخرج أصحَّ ما وجد من حديثه . كما روينا عن إسحاق بن راهويه أنه انتقى في ((مسنده )) أصح ما وجده من حديث (١) ((المقدمة)) ص ٣٤ - ٣٥. (٢) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ١ : ٤٤٦ - ٤٤٩. - ٥٣ - كل صحابي إلا أن لا يجد ذلك المتن إلا من تلك الطريق ، فإنه يخرجه . ونحا بقي بن مخلد في ((مسنده)) نحو ذلك. وكذا صنع أبو بكر البزار قريباً من ذلك، وقد صَرَّحَ ببعض ذلك في عدة مواضع من ((مسنده)) فيخرج الإِسناد الذي فيه مقال ويذكر علته ، ويعتذر عن تخريجه بأنه لم يعرفه إلا من ذلك الوجه . وأما الإِمام أحمد ، فقد صنف أبو موسى المديني جزءاً كبيراً ذكر فيه أدلة كثيرة تقتضي أن أحمد انتقى ((مسنده )) وأنه كله صحيح عنده ، وأنَّ ما أخرجه فيه عن الضعفاء إنما هو في المتابعات ، وإن كان أبو موسى قد ينازع في بعض ذلك ، لكنه لا يشك منصف أن مسنده أنقى أحاديث وأتقن رجالاً من غيره . وهذا يدل على أنه انتخبه . ويؤيد هذا ما يحكيه ابنه عنه أنه كان يضرب على بعض الأحاديث التي يستنكرها . وروى أبو موسى في هذا الكتاب من طريق حنبل بن إسحاق قال: (( جَمَعَنا أحمد أنا وابناه عبد الله وصالح ، وقال : انتقيته من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفاً فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - عَ الم ـ فارجعوا إليه ، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة)) . فهذا صريح فيما قلناه إنه انتقاه ولو وقعت فيه الأحاديث الضعيفة والمنكرة ، فلا يمنع ذلك صحة هذه الدعوى ، لأن هذه أمور نسبية بل هذا كاف فيما قلناه إنه لم يكتف بمطلق جمع حديث كل صحابي . وظاهر كلام المصنف أن الأحاديث التي في الكتب الخمسة وغيرها يحتج بها جميعها ، وليس كذلك فإن فيها شيئاً كثيراً لا يصلح للاحتجاج به بل وفيها مالا يصلح للاستشهاد به من حديث المتروكين وليست الأحاديث الزائدة في (( مسند أحمد » على ما في (( الصحيحين)) بأكثر ضعفاً من الأحاديث الزائدة على ((الصحيحين)) من (( سنن أبي داود)) و((جامع الترمذي)). - ٥٤ - ٢ - جمع المسند وتصنيفه : قال الحافظ الذهبي(١): ((ثم إنَّ الإِمام أحمد كان لا يَرَى التصنيف، وهذا كتاب ((المسند)) له لم يُصنّفه هو، ولا رَتَبَه، ولا اعتنى بتهذيبه، بل كان يرويه لولده نُسَخاً وأجزاءً، ويأمره : أَنْ ضَعْ هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان )). وقال الحافظُ ابن حجر(٢): ((وكان الإِمام أحمد رحمه الله تعالى لم يُرَّب مسانيدَ المُقِلِّين ، فَتَبَها ولدُه عبد الله، فوقع فيه إغفالٌ كبيرٌ من جَعْلِ المدني في الشامي ، ونحو ذلك )) . وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن قاسم القلعي(٢): قال لنا أبو بكر أحمد بن جعفر ابن حمدان، قال لي أبو عبد الرحمن: هذا «المسند )) أخرجه أبي رحمه الله من سبع مئة ألف حديث ، قال : وأخرج فيه أحاديث معلولة ، بعضها ذكر عللها معها ، وسائرُها في كتاب « العلل)» لئلا يخرج في الصحيح. قال أبو علي : نقلتُه من أصل القاضي ابن فطيس في (( المسند)) لابن حنبل . وقال أبو الحسن بن عبيد الحافظ(٤): سمعتُ أبا عبد الرحمن عبد الله بن أحمد يقول : خَرَّجَ أبي (( المسند)) من سبع مئة ألف حديث . وقال أبو محمد القاسم بن الحسن الباقلاني(٥) : سمعتُ أبا بكر بن أبي حامد الفقيه يقول : سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : قلتُ لأبي : لِمَ كرهتَ وضعَ الكتب وقد عملتَ ((المسند )) ؟ فقال: عملتُ هذا الكتاب إماماً، إذا اختلفَ الناسُ في سُنَّة عن رسول الله عَ لّه رجع إليه . (١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٣ : ٥٢٢. (٢) ((المعجم المفهرس)) الورقة ٥٣ . (٣) ((فهرسة ابن خير الإِشبيلي)) ص ١٤٠ . (٤) ((خصائص المسند)) ص ٢٢ و((المصعد الأحمد)) ص ٣١. (٥) ((خصائص المسند)) ص ٢٢ و((المصعد الأحمد)) ص ٣٠. - ٥٥ - وإذا تقرر هذا فسبيل من أراد أن يحتج بحديث من السنن أو بأحاديث من المسانيد واحد ، إذْ جميع ذلك لم يشترط من جمعه الصحة ولا الحسن خاصة ، فهذا المحتج إن كان متأهلاً لمعرفة الصحيح من غيره ، فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال إسناده وحال رواته ، كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المسانيد حتى يحيط علماً بذلك . وإن كان غير متأهل لدرك ذلك فسبيله أن ينظر في الحديث إن كان خرج في ((الصحيحين)) أو صرح أحد من الأئمة بصحته ، فله أن يقلد في ذلك . وإن لم يجد أحداً صححه ولا حسنه فما له أن يقدم على الاحتجاح به ، فيكون كحاطب ليل فلعله يحتج بالباطل وهو لا يشعر . ولم أر للمصنف سلفاً في أن جميع ما صنف على الأبواب يحتج به مطلقاً ، ولو كان اقتصر على الكتب الخمسة لكان أقرب من حيث الأغلب لكنه قال مع ذلك: (( وما جرى مجراها)). فيدخل في عبارته غيرها من الكتب المصنفة على الأبواب كسنن ابن ماجه بل و((مصنف)) ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهم ، فعليه في إطلاق ذلك من التعقب ما أوردناه ، والله أعلم )) . ب - مسند الإمام أحمد بن حنبل : ١ - أصل المسند : قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى (١): ((والأصلُ في المسند الأحمدي إيرادُ الأحاديثِ المرفوعةِ لا أقوالِ الصحابة فمَنْ بعدهم » . (١) ((تعجيل المنفعة)) ص ٢٣٣ ترجمة (عبد الله بن قتادة المحاربي ). - ٥٦ - قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي(١): ((هذا القول منه على غالب الأمر ، وإلّا فلنا أحاديث قوية في ((الصحيحين)) و((السنن)) والأجزاء ما هي في ((المسند))، وقدر الله تعالى أنَّ الإِمام قطع الرواية قبل تهذيب ((المسند))، وقبل وفاته بثلاث عشرة سنة ، فتجد في الكتاب أشياء مكررة ، ودخول مسند في مسند ، وسند في سند ، وهو نادرٌ )). قال الحافظ ابن الجزري(٢): (( أمّا دخولُ مسنٍ في مسند فواقعٌ، وقد بينتُه في كتابي: ((المسند الأحمد )). وأمّا قولُه ((فما اختلف فيه من الحديث رُجع إليه، وإلّا فليس بحُجّة)) ، يُريد أصولَ الأحاديث ، وهو صحيح ، فإنه ما من حديث غالباً إلّا وله أصلٌّ في هذا ((المسند ))، والله أعلم . وأمّا دخولُ سندٍ في سند فلا أعلمه وقع فيه ، ولا شَكَّ أنَّ الإِمام أحمد مات قبل ترتيبه وتهذيبه ، والله أعلم )). ٣ - أهميته والحرص على سماعه: كان الإِمام أحمد يقول لابنه: احتفظ بهذا ((المسند)) فإنه سيكون للناس إماماً. وقال الحافظ أبو موسى المَدِيني(٢): ((وهذا الكتابُ أصلٌ كبيرٌ ، ومرجعٌ وثيقٌ لأصحاب الحديث ، انتُقي من حديث كثير ومسموعات وافرة ، فجعله إماماً ومعتمداً ، وعند التنازع ملجأ ومستنداً)) . وذكر الأسدي (٤) : سمعتُ أبا بكر بنَ مالك يقول : رأيتُ أبا بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد في النوم وهو على حالة جميلة ، فقلتُ : أي شيء كان خبرك ؟ قال : كلّ ما تحبّ ، (١) ((المصعد الأحمد)) ص ٣١. (٢) المصدر السابق . (٣) ((خصائص المسند)) ص ٢١ . (٤) المصدر السابق ص ٢٣ - ٢٤ . - ٥٧ - قال الحافظ ابن الجزري(١): ((وقد أشكل هذا الكلام على بعض الناس ، فقال: كيف يقول الإِمام أحمد هذا، ونحن نجد أحاديث صحاحاً ليست في ((المسند)) ، كحديث أُمّ زَرْع، رواه البخاري في (( صحيحه )) وغيره ، وهو عند عبد الله بن أحمد ، کما رواه الطبراني في كتاب ((العشرة )) ؟ وأُجيب عن ذلك بأنَّ الإِمام أحمد شرع في جمع هذا ((المسند))، فكتبه في أوراق مفردة ، وفَرَّقَه في أجزاء منفردة ، على نحو ما تكون المسوّدة ، ثم جاء حلولُ المنية قبل حصول الأمنية ، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته ، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه ، فَبَقِي على حاله ، ثم إنَّ ابنَه عبدَ اللهِ ألحق به ما يشاكله ، وضَمَّ إليه من مسموعاته ما يشابه ويماثله ، فسمع القَطِيعُّ من كتبه من تلك النسخة على ما يظفر به منها ، فوقع الاختلاطُ من المسانيد والتكرار من هذا الوجه قديماً ، فبقي كثيرٌ من الأحاديث في الأوراق والأجزاء لم يظفر بها ، فما لم يوجد فيه من الأحاديث الصحاح من هذا القبيل . قلتُ : أمّا حديث أُمّ زرع ، سمعتُ شيخنا الحافظ الحجة عماد الدين إسماعيل بن عمر ابن كثير يقول: إنما لم يُخرجه أحمد في ((المسند)) لأنه ليس من قول النبي عَ ةٍ، بل هو حكاية من عائشة رضي الله عنها ، والله أعلم )). وقال ابن السَّمَّاك(٢): حدثنا حنبل بن إسحاق بن حنبل - ابن عم الإِمام أحمد - قال: جَمَعَنا عَمّي لي ولصالح ولعبد الله، وقرأ علينا ((المسند))، وما سمعه منه تامّاً غيرنا، وقال لنا : إنَّ هذا الكتاب قد جمعتُه وانتقيتُه من أكثر من سبع مئة وخمسين ألفاً ، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله عَ لَّهِ فارجعوا إليه ، فإنْ وجدتموه فيه ، وإلا فليس بحجة . (١) ((المصعد الأحمد)) ص ٣٠. (٢) ((خصائص المسند)) ص ٢١، و((سير أعلام النبلاء)) ١١: ٣٢٩، و((المصعد الأحمد)) ص ٣١، و ((المنهج الأحمد)) ١ : ٢٤٦. - ٥٨ - الزم ما أنت عليه وما نحن عليه ، فإنَّ الأمر هو ما نحن عليه وما أنتم عليه . ثم قال : بالله إلّا حفظت هذا ((المسند))، فهو إمام المسلمين ، وإليه يرجعون ، وقد كنتُ قديماً أسألك بالله إنْ أعْتَ منه أكثر من جزء لمن تعرفه ، ليبقى . قال : وسمعتُ أبا بكر بنَ مالك يقول : حضرتُ مجلس يوسف القاضي سنة خمس وثمانين ومئتين، أسمع منه كتاب الوقوف ، فقال لي: من عنده ((مسند أحمد بن حنبل )) و ((الفضائل)) أيش يعمل ههنا؟ أو كلاماً نحو هذا . وقال أبو موسى المديني رحمه الله تعالى(١): ((ولعمري إن من كان من قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع لهم من حديث هذا الإِمام الكبير ، على ما أخبرني الإِمام الحافظ أستاذي أبو القاسم إسماعيل بن محمد رحمه الله في إجازته لي ، قال : أخبرنا أبو بكر بن مَرْدَويه ، قال : كتب إلَي أبو حازم العبدوي ، يذكر أنه سمع الحاكم أبا عبد الله عند منصرفه من بُخارى يقول : كنت عند أبي محمد المزني ، فقدم عليه إنسان علويّ من بغداد ، وكان أقام ببغداد على كتابة الحديث ، فسأله أبو محمد المزني ، وذلك في سنة ست وخمسين وثلاث مئة ، عن فائدته ببغداد وعن باقي إسناد العراق ، فذكر في جملة ما ذكر: سمعتُ ((مسند أحمد ابن حنبل )) رحمه الله تعالى من أبي بكر بن مالك في مئة جزء وخمسين جزءاً ، فعجب أبو محمد المزني من ذلك ، وقال: مئة وخمسون جزءاً من حديث أحمد بن حنبل ؟! كُتّا ونحن بالعراق إذا رأينا عند شيخ من شيوخنا جزءاً من حديث أحمد بن حنبل قضينا العجب من ذلك ، فكيف في هذا الوقت هذا المسند الجليل ، فعزم الحاكم على إخراج الصحيحين ، ولم يكن عنده مسند إسحق الحنظلي ، ولا مسند عبد الله بن شیرویه ، ولا مسند أبي العباس السراج ، وكان في قلبه ما سمعه من أبي محمد المزني ، فعزم على أن يخرج إلى الحج في موسم سنة سبع وستين ، فلما ورد في سنة ثمان وستين ، أقام بعد الحج ببغداد أشهراً ، وسمع (١) ((خصائص المسند)) ص ٢٠ - ٢١، ونقل منه بعضه في ((المصعد الأحمد)) ص ٣٢. - - ٥٩ - جملة ((المسند)) من أبي بكر بن مالك، وعاد إلى وطنه، ومدَّ يده إلى إخراج الصحيحين على تراجم المسند » . ٤ - رواة المسند : قال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حنبل(١): ((وله زياداتٌ كثيرةٌ في ((مسند)) والده واضحةٌ عن عوالي شيوخه ، ولم يُحِّرِّر ترتيب ((المسند )) ولا سَهَّله، فهو محتاج إلى عَمَلٍ وترتيب، رواه عنه جماعة ، وسمع أبو نُعَيْم الحافظ كثيراً منه من أبي علي ابن الصَّوَّاف، وعامَّته من أبي بكر القَطِيعِي، وحدَّث القَطِيعي مَرَّاتٍ ، وقرأه عليه أبو عبد الله الحاكم وغيرُه ، ولم يكن القَطِيعُي من فُرْسان الحديث ، ولا مجوِّداً بل أدَّى ما تَحَمَّلَه ، إن سَلِمَ من أوهام في بعض الأسانيد والمتون . وآخر من روى («المسند » كاملاً عنه - سوى نَزْرٍ يسير منه ، أُسقط من النُّسخ - الشيخُ الواعظ أبو علي ابن المُذْهِب(٢) ، ولم يكن صاحبَ حديث، بل احتيجَ إليه في سَمَاعِ هذا الكتاب ، فرواه في الجملةِ ، وعاش بعده عشرةَ أعوامِ الشَّيخُ أبو محمد الجَوْهَري ، فكان خاتمةَ أصحاب القطيعي ، وتفرَّد عنه بعِدَّةِ أجزاءٍ عاليةٍ ، وبسماع مسند العشرة من ((المسند)). ثمَّ حَدَّث بالكتاب كلِّه آخِرُ أصحاب ابنِ المُذْهِب وفاةً : الشيخ الرئيس الكاتب أبو القاسم هِبةُ الله بن محمد الشَّباني ابن الحُصين، شيخٌ جليلٌ مُسْئِدٌ ، انتهى إليه عُلو الإِسناد ، بمثل ◌ُبَّة الإِسلام بغداد ، وكان عَرِياً من مَعرفة هذا الشَّأَن أيضاً ، روى الكتاب عنه خلقٌ (١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٣ : ٥٢٤. (٢) وقع لابن المُذْهِب فَوْتٌ في رواية المسند نَبَّه عليه الحافظُ ابنُ حجر في ((إطراف المسند المعتلي)) في مسند عوف بن مالك بن أبي مالك الأشجعي ورقمه (٤٣١) فقال : ((وهو فَوْتٌ لابن المُذْهِب على القَطِيعِيّ لم يسمعه منه، وقد رواه عن القطيعي أبو القاسم عبد الملك ابن محمد بن بشران ، وحَدَّثَ به عنه أبو الحسن علي ابن العلاف ، وهذا العلاف قد أجاز لأبي القاسم ابن عساكر ولأبي موسى المَدِيني وطائفةٍ فيمكن اتصالُه بالإِجازة من طريق بعضهم ، وكذلك مسند فَضَالة بن عبيد الأنصاري))، ورقم مسنده (٤٤٣) . - ٦٠ _