Indexed OCR Text
Pages 81-100
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن شيرويه، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي(١)، قال سمعت إبراهيم بن الجُنيد(٢) يقول: كان من دُعاءِ معروف: اللَّهُمَّ لا تجعلنا بثناء النَّاسِ مفتونين، ولا بالستر مغرورين، اجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حَقَّ خشيتك(٣). أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب الزَّاهد، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز(٤)، حدثنا محمد بن منصور الطُّوسي(٥)، قال: السُّلمي في طبقات الصوفية ص ٨٩، وأبو نعيم في الحلية ٣٦١/٨، وابن = الجوزي في مناقب معروف ص ١٢٢، والذهبي في معجم الشيوخ ٢٠٦/٢ - ٢٠٧، وذكره ابن أبي يعلى الحنبلي في طبقاته ٣٨٣/١، والذهبي في السير ٩/ ٣٤١. (١) هو شيخ الإِسلام أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي المعروف بالسَّراج المقرىء، محدِّث خراسان، صاحب المسند الكبير، مات سنة ٣١٣. انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٨٨ . (٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجُنيد الخثَّلي، نزيل سامراء، الإِمام المحدِّث الزَّاهد، توفي في حدود الستين ومائتين، تاريخ بغداد ٦/ ١٢٠. (٣) رواه أبو نعيم في الحلية ٣٦١/٨، من طريق علي بن الموفّق عن إبراهيم بن الجُنَيد، وابن الجوزي في مناقب معروف ص ١٤٣، من طريق إبراهيم بن عبد الله عن محمد بن إسحاق الثقفي به . (٤) هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، الإِمام المحدِّث المشهور، صاحب التصانيف المشهورة، مات سنة ٣١٧ . (٥) هو أبو جعفر محمد بن منصور الطُّوسي البغدادي، سيترجم له المؤلف في رقم (٧). ٨٠ www.dorat-ghawas.com ٠ : ٠ 7 سمعتُ معروفاً الكرخي يقول: اللهم اجعلنا صالحين حتى نكون صالحين(١). سمعت أبا حفص عمر بن أحمد بن عثمان يقول: سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز يقول: سمعتُ محمد بن منصور الطُّوسي يقول: سمعت معروفاً الكَرْخِيَّ يقول في دعائه: أعوذ بك من أَمَلِ يمنعُ خير العمل(٢). سمعتُ أبا الحسن علي بن عمر الحافظ يقول: توفي معروف الكرخي سنة مائتين . (١) رواه ابن الجوزي في مناقب معروف ص ١٣٧، من طريق أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي به . (٢) رواه البيهقي في الزهد ص ١٩٥، وأبو نعيم في الحلية ٣٦٣/٨، كلاهما من طريق ابن شاهين عن البغوي به، ورواه أبو الشيخ ابن حيّان في طبقات المحدثين بأصبهان ٢٩٧/٤، من طريق محمد بن النعمان عن محمد بن منصور به، وذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ١/ ٣٨٤ . ٨١ www.dorat-ghawas.com ٢ - ذكر سَرِيّ بن المُغَلِّسِ السَّقَطِي(١) (١) هو أبو الحسن السَّرِي بن المُغَلِّس السَّقطي البغدادي، أحد الأولياء المشهورين بالعبادة، والمعروفين بالورع والزَّهادة، وكان أستاذ الجُنيد وخاله، صَحِبَ معروفاً الكرخي، وهو من أجلّ أصحابه، وروى عن أئمة الحديث كهُشيم بن بَشير، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وحماد بن أسامة .. وغيرهم، وأقام بِطَرَسوس، وغزا الروم غزوات متعددة، وجال في تلك الثغور، وتوفي ببغداد، ودُفن في مقبرة الشُّونيزية، وقبره ظاهر معروف إلى اليوم، وإلى جنبه قبر الجُنید . قال الجُنيد: ما رأيت أعبد من السَّري، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعاً إلا في علّة الموت. قال السُّلمي: هو أول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد وحقائق الأحوال، وهو إمام البغدادين وشيخهم في وقته. روى أبو نعيم في الحلية بإسناده عن أبي الحسن البزاز قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن السَّري بعد قدومه من الثَّغَر، فقال أبو عبد الله: أليس الشيخ الذي يُعرف بِطيبِ الغذاء؟ قلت: بلى، قال: هو على سيره عندنا قبل أن يخرج. وقد كان السَّري يُعرف بطيب الغذاء وتصفية القوت وشدة الورع، حتى انتشر ذلك عنه، وبلغ أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فقال: الشيخ الذي عُرف بطِيب الغذاء . وقال الجُنيد: سمعت الحسن البزاز يقول: كان أحمد بن حنبل ههنا، وكان بشر بن الحارث ههنا، وكنا نرجو أن يحفظنا الله بهما، ثم إنهما ماتا وبقي = ٨٢ www.dorat-ghawas.com السريّ، وإني أرجو أن يحفظنا الله بالسري. = مصادر ترجمته: طبقات الصوفية ص ٤٨، وحلية الأولياء ١١٦/١٠، وتاريخ بغداد ١٨٧/٩، والرسالة القشيرية ٦٩/١، وصفة الصفوة ٣٧١/٢، وتهذيب تاريخ دمشق ٧٣/٦، وبغية الطلب في تاريخ حلب ٩/ ٤٢١٢، والسير ١٨٥/١٢. من حكم هذا الإمام: - قليل في سُنَّة خيرٌ من كثير مع بدعة، كيف يقِلُّ عمل مع التقوى. - كل الدنيا فضول، إلاّ خمس خصال: خبز يشبعه، وماء يرويه، وثوب يستره، وبیت یُگنّه، وعلم يستعمله. - الأمور ثلاثة: أمر بانَ لك رُشده فاتّبعه، وأمر بانَ لك غيُّه فاجتنبه، وأمر أُشكل عليك فقف عنده وكِلْه إلى الله عزَّ وجلّ، وليكن الله دليلك، واجعل فقرك إلیه تستعن به عمّن سواه . - أقوى القوة غلبتك نفسك، ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز . - القلوب ثلاثة: قلب مثل الجبل لا يزيله شيء، وقلب مثل النخلة أصلها ثابت والريح تميلها، وقلب كالريشة يميل مع الريح يميناً وشمالاً . - من علامات الاستدراج العمى عن عيوب النفس . - حُسن الخُلق كفُّ الأذى عن الناس، واحتمال الأذى عنهم بلا حقد ولا مكافأة . - أحسن الأشياء خمسة: البكاء على الذنوب، وإصلاح العيوب، وطاعة علّم الغيوب، وجلاء الرَّيْنِ من القلوب، وألاَ تكون لكل ما تهوى ركُوب. - لن يكمل رجل حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك حتى يُؤثر شهوته على دینه . - إنَّ في النفس لشغلاً عن الناس. = ٨٣ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف بن محمد بن جيَّان الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن ثابت، حدثنا السَّري بن المُغَلِّس السَّقَطِي، حدثنا أبو أسامة، عن مِسْعَر، عن إبراهيم السَّكْسَكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: رأيتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسَلَّم مُتَّكِئاً على عليٍّ رضي الله عنه، فإذا أبو بكر وعُمَرُ قد أقبلا، فقال: يا أبا الحَسَنِ، حِبَّهُما، فَبِحُبِّهما تَدْخُلِ الجَنَّةَ(١). - يا معشر الشباب، جدّوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصِّروا كما قصّرت، = وكان في ذلك الوقت لا يلحقه الشباب في العبادة. - لا تصحب الأشرار، ولا تشغل عن الله بمجالسة الأخيار. - إحذر أن يكون لك ثناء منشور وعيب مستور. - سئل عن المتصوف، فقال: هو اسم لثلاث معان: هو الذي لا تطفىء نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن من علمٍ يُنْقِضُه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات من الله على هتك أستار محارم الله . - إني لأنظر في المرآة كل يوم مرتين أخاف أن يكون اسود وجهي. - قال السري: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني واحد فقال لي: نجا حانوتك، فقلت: الحمد لله، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت، حيث أردت لنفسي خيراً مما للمسلمين. - النجاة في ثلاث: في طيب الغذاء، وكمال التقى، وطريق الهدى (من كتاب الزهد ص ٣٤٢). - النصيحة لله أربعة: المعاداة لمن عصى الله، والموالاة لمن والاه، وحب من أطاع الله، وبغض من عصى الله (من كتاب المتحابين في الله، لابن قدامة ص ٣٨). (١) الحديث باطل، لا يصح. فيه أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الأشناني البغدادي، وهو كذَّاب، كما = ٨٤ www.dorat-ghawas.com سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن الفيض يقول: سمعت علي بن عبد الحميد الغَضَائريَّ (١) يقول: جئتُ إلى سَرِي بن المُغَلِّس السَّقَطي لأقرأ عليه شيئاً، فدققتُ عليه البابَ، فسمعتُهُ من داخل وهو يقول: اللَّهُمَّ من شغلني عنك فاشغله بك، ثُمَّ فتح الباب، وقَعَدَ، فأخذتُ أقرأ عليه، فقال: إنَّ هذه أغلال، إنَّ هذه أغلال(٢) . [سمعت أبا حفص عمر بن أحمد بن عثمان قال: أخبرنا] (٣) قال الدارقطني وغيره. انظر: تاريخ بغداد ٤٤١/٥، ولسان الميزان ٢٢٨/٥. = رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ٤٤٠/٥ عن شيخه أبي سعد المَالِيني به، ومن طريقه: ابن الجوزي في الموضوعات ٣٢٣/١، ورواه ابن العَدِيم في تاريخ حلب ٩/ ٤٢١٢ - ٤٢١٣ بإسناده إلى المَالِيني. والحديث رُوي أيضاً بإسناد مظلم عن أبي هريرة، رواه ابن الأعرابي في المعجم ٥٢١/١، والعُشَاري في فضائل أبي بكر رقم (٣٨)، والخطيب البغدادي في تاريخه ١/ ٢٤٦، وابن الجوزي في الموضوعات ٣٢٤/١. (١) هو أبو الحسن علي بن عبد الحميد بن عبد الله بن سليمان الغَضَائري، محدِّث حلب وزاهدها، مات سنة ٣١٣ . انظر: الأنساب ٢٩٩/٤، والسير ٢٣٢/١٤. (٢) رواه ابن العَدِيم في بغية الطلب ٤٢٢١/٩ بإسناده إلى أبي سعد المَالِيني به، ورواه أبو نعيم في الحلية ١١٧/١٠، وذكره السمعاني في الأنساب ٢٩٩/٤، وابن الملقن في طبقات الأولياء ص ١٦٤ . (٣) هذه الزيادة لا توجد في جميع النسخ، وقد زدتها من كتاب بغية الطَّلب لابن العَدِيم، حيث روى هذا الخبر من هذا الكتاب مما يدل على أنه اعتمد على نسخة غير النسخ التي في حوزتنا. ٨٥ www.dorat-ghawas.com أبو عبيد علي بن الحسين القاضي(١): توفي سَرِيّ بن المُغَلَّس يوم الثلاثاء لثلاثٍ خَلَوْنَ من شَهْرِ رمضانَ سنة ثلاث وخمسين ومائتين، بعد أذان الفجر، ودُفِنَ بعد العصر(٢). أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين بن بُندار، حدثنا علي بن عبد الحميد، [قال](٣) سمعت السَّري السَّقَطي يقول: عجبتُ لمن ينشدُ ضالّته وقد أضَلَّ نفسه، وعجبتُ لمن سافر(٤) في طلب الأرباح، ولن يَرْبَحَ تاجرٌ مثل نفسه(٥). أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن هارون البردعي، قال: سمعتُ المُرْتَعِش(٦) يقول: قال لي الجُنيد: قال لي سريّ (١) هو أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب البغدادي القاضي، الإِمام العلامة المحدِّث، مات سنة ٣١٩، السير ١٤/ ٥٣٦. (٢) رواه ابن العديم في بغية الطلب ٤٢٢٨/٩ - ٤٢٢٩ بإسناده إلى أبي سعد. (٣) من أ ، ب. (٤) في أ ، ب: يسافر. (٥) رواه ابن العَدِيم في بغية الطلب ٤٢٢٦/٩ بإسناده إلى الماليني، ورواه ابن عساكر كما في مختصر تاريخ دمشق ٢٢٧/٩، وتهذيب تاريخ دمشق ٨٠/٦. (٦) المرتعش هو أبو محمد عبد الله بن محمد النَّيسابوري، الإِمام الزَّاهد، صَحِبَ الجُنيد وأبا عثمان سعيد بن عثمان الحِيري، وأقام ببغداد حتى صار أحد مشايخ العراق وأئمتهم، قال أبو عبد الله الرازي: كان مشايخُ العراق يقولون: عجائبُ بغداد في التصوف ثلاث: إشارات الشِّبلي، ونُكت المرتعش، وحكايات الخُلْدي، وكان يقيم في مسجد الشُّونيزية، وهو مسجد الجنيد، ومات ببغداد سنة ٣٢٨، ودُفن عند الجنيد. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣٠/١٥. = ٨٦ www.dorat-ghawas.com [السَّقَطي](١): احفظ عني يا غلام، إنَّ المعرفة تُرَفْرِفُ على القَلْبِ، فإن كانَ فيه الحَيَاءُ وإلّ ارْتحلتُ(٢) . سمعت أبا حفص عمر بن أحمد بن عثمان يقول: سمعت علي بن الحسين بن حربويه يقول: سمعتُ السَّرِيَّ السَّقَطي يقول: لا يُقوَى على ترك الشَّهواتِ إلَّ بترك الشُّبهات(٣). شذرات من حكم هذا الإمام : = - أصول التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإِقرار له بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة. - كلما ازددت علماً كانت الحجة عليك أوكد. - وسئل، بماذا ينال العبد المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه. (١) من: ب. (٢) رواه ابن العديم في بغية الطلب ٤٢٢٦/٩ بإسناده إلى أبي سعد به، ورواه ابن عساكر كما في مختصر تاريخ دمشق ٢٢٥/٩، وتهذيب تاريخ دمشق ٧٩/٦، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة ٣٨١/٢. (٣) رواه البيهقي في الزهد ص ٣١٧، عن شيخه أبي سعد به، ورواه ابن العَدِيم في بغية الطلب ٤٢٢٠/٩ بإسناده إلى أبي سعد، ورواه أبو نعيم في الحلية ١٢٦/١٠ بإسناده إلى السَّري، ورواه ابن عساكر كما في مختصر تاريخ دمشق ٢١٦/٩. ٨٧ www.dorat-ghawas.com ٣ - ذكر الجُنَيَد بن محمد(١) (١) هو أبو القاسم الجُنيد بن محمد بن الجُنيد النَّهاوندي الأصل، البغدادي القَوَاريري، سيّد الطائفة وشيخ العارفين وقدوة السائرين وعَلَم الأولياء في زمانه، وُلد ببغداد بعد العشرين ومائتين، وتوفي فيها، ودُفن عند قبر خاله السَّري في مقبرة الشونيزية، وهي مقبرة الصوفية التي تسمى اليوم بمقبرة الشيخ جنيد غربي بغداد، وكان ممن بَرَّز في العلم والعمل، كان فقيهاً على مذهب أبي ثور، وكان يُفتي في حلقته بحضرته وهو ابن عشرين سنة، صحب خَالَه السَّريَّ والحارث المُحَاسبي. وكان يقول: تفقهتُ على مذهب أصحاب الحديث، كأبي عبيد وأبي ثور، وصَحِبتُ الحارث المُحَاسبي وسَرِيَّ بن المغَلِّسِ رحمة الله عليهم، وذلك كان سبب فلاحي، إذ عِلْمنا مضبوطٌ بالكتاب والسُّنَّة، ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ولم يتفقه قبل سلوكه فإنه لا يُقتَدَى به، لأن مذهبنا مُقيّدٌ بأصول الكتاب والسنة. قال ابن المُنَادِي: سمع الحديثَ الكثيرَ من الشيوخ، وشاهد الصالحين وأهل المعرفة، ورُزِق من الذكاء وصواب الإِجابات في فنون العلم ما لم يُر في زمانه مثله عند أحد من قرنائه، ولا ممن أرفع سنّاً منه ممن كان منهم يُنسب إلى العلم الباطن والعلم الظاهر في عفاف وعزوف عن الدنيا وأبنائها . وقال جعفر بن محمد الخُلدي: لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير أبي القاسم الجُنيد، وإلا فأكثرهم كان يكون لأحدهم علم كثير ولا يكون له حال، وآخر يكون له حال كثير وعلم يسير، وأبو القاسم الجُنيد كانت له حال = ٨٨ www.dorat-ghawas.com = خطيرة وعلم غزير، فإذا رأيت حاله رجّحته على علمه، وإذا رأيت علمه رجّحته على حاله. ونقل ابن القيم في مدارج السالكين ١٢١/٣ عن أبي بكر العَطَوي، قال: كنت عند الجُنيد حين مات فخَتَم القرآن، فقلت: يا أبا القاسم، أرفق بنفسك، فقال: أرأيت أحداً أحوج إليه مني في مثل هذا الوقت، وهو ذا تُطوَى صحيفتي! ثم ابتدأ في ختمة أخرى، فقرأ من البقرة سبعين آية، ثم مات. وقال جعفر الخُلدي: رأيت الجُنيد في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: طاحت تلك الإِشارات، وغابت تلك العبارات، وفنيت تلك الرسوم، وما نفعنا إلّ رُكَيعات كُنَّا نركعها في السَّحر . مصادر ترجمته: طبقات الصوفية ص ١٥٥، والرسالة القشيرية ١١٦/١، وتاريخ بغداد ٧/ ٢٤١، والأنساب ٥٥٦/٤، والسير ١٤ / ٦٦. من أقوال هذا الإِمام الجليل : - الطريق إلى الله عزَّ وجلّ مسدودٌ على خلقه، إلاّ على المقتفين آثار رسول الله وَ ﴿ والتابعين لسنته، كما قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ . - ما أخذنا التَّصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات، لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع الله تعالى، وأصله التَّعُّف عن الدنيا . - لا يصفو قلب لعمل الآخرة إلا إذا تجرد من حبّ الدنيا. - إن الله تعالى يُخلِص إلى القلوب من بِرِّه، حسْبَ ما خلُصت القلوب به إليه من ذكره، فانظر ماذا خالط قلبك. - الوقت إذا فات لا يُستدرك، وليس شيء أعزَّ من الوقت. - العمر قصير، والوقت ضيّق، والأيام تمضي، وليس في الوقت فضل. - عليك بحفظ الهمّة، فإن حفظ الهمة مقدمة الأشياء. ٨٩ www.dorat-ghawas.com ١ :١۴۴%-+ أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن أحمد بن مقبل، حدثنا جعفر بن محمد بن نُصَير (١)، أخبرنا أبو القاسم الجُنيد بن محمد، حدثنا الحسن بن - من خالفت إشارته معاملته فهو مدّع كذاب. = - جماع الخير كلّه في ثلاثة أشياء: إن لم تُمض نهارك بما هو لك فلا تمضه بما هو عليك، وإن لم تصحب الأخيار فلا تصحب الأشرار، وإن لم تنفق مالك فيما لله فيه رضاً فلا تنفقه فيما لله فيه سخط . - سُئل عن الزهد، فقال: استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب. - وسُئل عن حقيقة الشكر، فقال: ألَّ يستعان بشيء من نعمه على معاصيه. - وسُئل عن حقيقة الخوف، فقال: توقُّع العقوبة مع مجاري الأنفاس. (١) هو الإِمام القدوة المُحدِّث، شيخ الصوفية، أبو محمد الخُلْدي، صَحِبَ الجُنيد وعُرف بصحبته، وروى عن الحارث بن أبي أسامة، وأبي القاسم البغوي .. وغيرهما من أئمة الحديث، وكان ثقة صادقاً فاضلاً، وكان المرجع إليه في علوم القوم وكتبهم وحكاياتهم، وكان من أفتى المشايخ وأجلُّهم وأحسنهم قولاً، حجّ قريباً من ستين حجة، وتوفي ببغداد سنة ٣٤٨، عن خمس وتسعين عاماً، ودفن بالشونيزية عند قبر سَريّ والجُنيد؛ وله مؤلفات، منها: كتاب الفوائد والزهد والمراثي، وقد طبع بعضه، وفي خزانتي نسخة مخطوطة من هذا الكتاب، والنّة متّجهة إلى تحقيقه وخدمته في القريب العاجل إن شاء الله تعالى. انظر: تاريخ بغداد ٢٢٦/٧، والسير ٥٥٨/١٥ . وله حِكم نفيسة، منها : - من لم يزِن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة، ولم يتّهم خاطره فلا تعدّه في ديوان الرجال. - من أراد أن يزهد فليزهد أولاً في الرياسة، ثم ليزهد في قدْر نصيب نفسه ومُراداتها . - الفرق بين الرِّيَّاء والإِخلاص: أن المرائي يعمل ليُرى، والمخلص يعمل ليصل. ٩٠ www.dorat-ghawas.com عَرَفَة، حدثنا محمد بن كثير الكوفي(١)، عن عمرو بن قيس، عن عَطِيَّة(٢)، عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسَلَّم: اتَّقوا فِرَاسَةَ المؤمِنِ، فإنَّهُ ينظُرُ بِنُورِ اللَّهِ عزَّ وجلّ، ثُمَّ تلى ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَّوَسِمِينَ (١٥)﴾(٣) (١) محمد بن كثير الكوفي، ضعيف، قال البخاري في التاريخ الكبير ٦٨٣/١: منكر الحديث . وقال مسلم في الكنى ٤١/١: متروك الحديث، وقال ابن عدي في الكامل ٢٢٥٨/٦: الضعف على حديثه ورواياته بيِّن. (٢) عطيّة هو ابن سعد العَوْفي، وهو صدوق يهم كثيراً، وهو مشهور بالتدليس، ومن تدليسه أنه كان يسمع من الكلبي الكذاب أشياء يرسلها الكلبي إلى النبي وَلات، فيقوم عطية بروايتها عن أبي سعد، وهي كنية اصطلحها للكلبي، فيظن السامع أنه يريد أبا سعيد الخدري، انظر: المجروحين ١٧٦/٢، وتهذيب التهذيب ٢٢٥/٧. وبهذا يظهر أن رواية عطية عن أبي سعيد لا يحتج بها سواء أصرح بالسماع أم لا، وذلك لاحتمال أن يكون أبا سعيد هو الكلبي وليس الصحابي. (٣) الحديث ضعيف. رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ٧/ ٢٤٢، من طريق أبي سعد المَالِيني به، ورواه من طريقه: السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ٢٦٨/٢. ورواه أبو نعيم في الحلية ٢٨١/١٠ - ٢٨٢، والسُّلمي في طبقات الصوفية ص ١٥٦، ومن طريقه: القشيري في الرسالة ٢/ ٤٨٠، بإسنادهما إلى الجُنيد عن الحسن بن عرفة به . ورواه البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٣٥٤، من طريق أحمد بن أبي الطيب، عن مصعب بن سلام، عن عمرو بن قیس به . ورواه من طريقه: الترمذي رقم (٣١٢٧)، من طريق مصعب بن سلام، عن = ٩١ www.dorat-ghawas.com عمرو بن قيس به، وقال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه. = ورواه الطبري في التفسير ٤٦/١٤، والعقيلي في الضعفاء ١٢٩/٤، وأبو الشيخ ابن حيان في الأمثال رقم (١٢٧)، وابن جُميع في المعجم ص ٢٣٢، والخطيب البغدادي في تاريخه ١٩١/٣، والسُّلمي في الأربعين (كما في تخريج أحاديثه ص ١٣٣)، وابن الجوزي في الموضوعات ١٤٦/٣، كلهم من طريق محمد بن کثیر به . وفي الباب: عن أبي أمامة، وثوبان، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر. يراجع تخريجها: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢٩٩/٤، وانظر كتاب الأربعين على مذهب المتحققين من الصوفية لأبي نُعيم ص ١٠٤، ولكن جميع طرقه ضعيفة كما قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص ١٩ . قلتُ: ويغني عن هذا الحديث حديث بمعناه، عن أنس قال: قال رسول الله وَّله: ((إنَّ لله عباداً يَعْرِفُون النَّاسَ بالتَّوسُّمِ)). رواه البزار في المسند ٢٤٣/٤ (كشف الأستار)، وابن جرير الطبري في التفسير ٤٦/١٤، والطبراني في الأوسط ٢٢٢/٨ (مجمع البحرين)، والقضاعي في مسند الشهاب ١١٦/٢، وهو حديث حسن كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦٨. شرح الحديث: الفِراسة - بكسر الفاء - وهي لغة تستعمل بمعنى النظر والتثبّت والتأمل للشيء. أما اصطلاحاً، فهي ما توسّمته من أخيك بدليل يظهر لك أو شاهد يبدو منه، أو علامة تَشْهدها ذلك فيه، ولا تنطق به إن كان سوء، كما أنه لا يحكم عليه ولا يقطع به لكي لا يقع في الإِثم، ولا تقع الفراسة على القلب إلا إذا كان محباً لما أحب الله تعالى، مبغضاً ما أبغضه الله تعالى. قال أبو القاسم القُشيري في الرسالة ٢/ ٤٨٠: الفِراسة خاطر على القلب فينفي ما يضادّه، وله على القلب حُكم ... وهي على حسب قوّة الإِيمان، فكل من كان أقوى إيماناً كان أحدّ فراسة، وقال أبو سعيد الخرّاز: من نظر بنور الفِراسة = ٩٢ www.dorat-ghawas.com : : نظر بنور الحق، وتكون موادّ علمه من الحق بلا سهو ولا غفلة، بل حُكم حقٍ = جری علی لسان عبد. ثم قال القشيري معقِّباً على قول أبي سعيد (نظر بنور الحق): يعني بنور رخّصه به الحق سبحانه. وقال: والمتوسِّم، هو الذي يعرف الوَسم (أي العلامة)، وهو العارف بما في سويداء القلوب بالاستدلال والعلامات ... والمتفرّس ينظر بنور الله تعالى، وذلك: سواطع أنوار لمعت في قلبه فأدرك بها المعاني، وهو من خواص الإِيمان . ثم نقل عن شاه الكرماني - وكان حادّ الفراسة لا يخطىء - أنه قال: من غضّ بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات وعمّر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتِّباع السنَّة، وتعوَّد أكل الحلال، لم تُخطىء فراسته. ونقل ابن السبكي في طبقات الشافعية ٣٢٧/٢ أن رجلاً دخل على عثمان رضي الله عنه، وكان قد رأى امرأة في الطريق، وتأمّل محاسنها، فقال عثمان: يدخل عليَّ أحدكم وآثار الزنا على عينيه، فقال الرجل: أَوَحْيٌ بعد رسول الله وَ﴾؟! فقال: لا، ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة. قال ابن السبكي: إنما أظهر عثمان هذا تأديباً لهذا الرجل، وزجراً له عن سوء صنيعه . واعلم أن المرء إذا صفاء قلبه صار ينظر بنور الله، فلا يقع بصره على كَدر أو صافٍ إلاّ عرفه، ثم تختلف المقامات، فمنهم من يعرف أن هناك كدراً ولا يدري ما أصله، ومنهم من يكون أعلا من هذا المقام فيدري أصله، كما اتفق لعثمان رضي الله عنه؛ فإنَّ تأمُّل الرجل للمرأة أورثه كدراً، فأبصره عثمان، وفهم سببه . وقال ابن القيم في مدارج السالكين ١٣١/١: وأما فراسة الصادقين العارفين بالله وأمره، فإن همتهم لما تعلقتْ بمحبة الله ومعرفته وعبوديته، ودعوة الخلق إليه على بصيرة، كانت فراستهم متصلة بالله، متعلقة بنور الوحي مع نور الإيمان، = ٩٣ www.dorat-ghawas.com سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي يقول: سمعت الجنيد يقول: دخلت على سَرِي السَّقَطي فقال لي: يا أبا القاسم، حتى متى لا تطوي عنك فراش المرضى، وحتى متى لا تستريح من عيادة الهَلْكى، وحتى متى لا تنفع فيك أدوية الأطباء، يا أبا القاسم، اجعلْ قَبْركَ خِزانتكَ، وقدِّم إليها ما تقدر عليه، حتى إذا دخلت إلى الخزانة سرَّكَ فميّزت بين ما يحبه الله وما يبغضه، من الأعيان والأقوال والأعمال، وميّزت بين = الخبيث والطيب، والمحق والمبطل، والصادق والكاذب، وعرفت مقادير استعداد السالكين إلى الله، فحملت كل إنسان على قدر استعداده، علماً وإرادة وعملاً. وقال رحمه الله أيضاً في ٤٨٥/٢: وكان الصدِّيق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسة، وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووقائع فراسته مشهورة، فإنه ما قال لشيء: أظنه كذا، وإلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته لربه في المواضع المعروفة . وقد ذكر القشيري أمثلة للعارفين بالفراسة، فمن ذلك ما ذكره في ٤٩٣/٢ عن الجُنيد، أنه كان يقول له السَّرِيُّ: تكلّم على الناس، فقال الجُنيد: وكان في قلبي حِشْمةٌ من الكلام على الناس، فإني كنت أتَّهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيتُ ليلةً النبيِ وَ لَّ في المنام، وكانت ليلة جمعة، فقال لي: تكلم على الناس، فانتبهت، وأتيت باب السَّري قبل أن أُصبح، فدققت عليه، فقال: لم تصدِّقنا حتى قيل لك؟ فقعد للناس في الجامع بالغد، فانتشر في الناس أن الجُنيد قعد يتكلم على الناس، فوقف عليه فتىّ نصراني متنكراً، وقال له: أيها الشيخ، ما معنى قول رسول الله وَله: ((اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله تعالى)) قال: فأطرق الجُنيد، ثم رفع رأسه وقال: أسلم، فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام. ٩٤ www.dorat-ghawas.com ما قدَّمتَ إليها(١). سمعت أبا الوزير علي بن إسماعيل الصوفي يقول: سمعت أبا الحسين المنصوري يقول: سألت الجُنيد: متى يستوجبُ العبد أن يقال له عاقل؟ قال : سمعت سَرِياً يقول: هو أن لا يظهرَ في جوارحه شيءٌ قد ذمَّه هؤلاء(٢). سمعت أبا القاسم يوسف بن يحيى يقول: سمعت أبا القاسم الجُنيد بن محمد يدعو: بموضعك في قلوبِ العارفينَ دُلَّني على رضاكَ، وأخرج من قلبي ما لا ترضاه، وأسكنْ في قلبي رضاك(٣). سمعت أبا بكر بن منصور يقول: سمعت أبا الحسن العلوي قال: سمعت الجُنيد يقول - وقد سُئل عن الشَّفَقَةِ على الخَلْقِ ما هو؟ فقال - : تُعطيهم من نفسك ما يطلبون، ولا تحملهم ما لا يطيقون، ولا تخاطبهم بما لا يعلمون. سمعت علي بن عثمان بن نصر القَرَافي يقول: سمعت إسماعيل بن المتوكل يقول: سمعت عثمان بن عبد الله الزِّنجي يقول: سمعت الجُنيد بن محمد يقول - وقد سُئل عن اليقين ما هو ؟ فقال - : تركُ ما ترى لما لا تری(٤). (١) رواه ابن العَدِيم في بغية الطلب ٤٢٢٣/٩ - ٤٢٢٤ بإسناده إلى أبي سعد الماليني به. ورواه بنحوه البيهقي في الزهد ص ١٩٩ - ٢٠٠ و٢٩٢، ورواه ابن عساكر كما في مختصر تاريخ دمشق ٢٢٦/٩ . (٢) رواه ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ٢٦٩/٢ بإسناده إلى أبي سعد الماليني به، وفيه: قد ذمّه مولاه. (٣) رواه ابن السبكي في طبقاته ٢٦٩/٢ بإسناده إلى الماليني به . (٤) رواه ابن السبكي في طبقاته ٢/ ٢٧٠ بإسناده إلى الماليني به . ٩٥ www.dorat-ghawas.com سمعت علي بن إبراهيم البصري يقول: سمعت أبا الحسن أحمد بن زيزي يقول: قلت للجُنيد: من أصحبْ بعدَكَ؟ فقال: اصحبْ بعدي من تأمنه سرَّ اللَّهِ فيك(١). سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن يعقوب يقول: توفي الجُنيد [بن محمد] (٢) سنة سبع وتسعين ومائتين. (١) رواه ابن السبكي في طبقاته ٢/ ٢٧٠ بإسناده إلى الماليني به. وذكر السُّلمي في الطبقات ص ١٦١ بلفظ: قال الجنيد لرجل سأله: من أصحب؟ فقال: من تقدر أن يُطلعه على ما يعلمه الله فيك. (٢) من: ب. ٩٦ www.dorat-ghawas.com (١) ٤ - ذکر عمرو بن عثمان المكي(١ (١) هو أبو عبد الله عمرو بن عثمان بن كُرَب المكي، صحب أبا سعيد الخرّاز وغيره، ومات ببغداد سنة ٢٩٧ على القول الصحيح، وكان قد ولي قضاء جُدة، فهجره الجُنيد، وقال: لا أكلِّم من كان يُظهر الزُّهد، ثم يبدو منه الإِتساع في طلب الدنیا . وقال أبو نُعيم: من أئمة المتصوفة، قدم أصبهان زائراً .. له المصنفات الكثيرة في علم المعاملات والأجوبة اللطيفة في العبادات والإِشارات. وكان عمرو بن عثمان على عقيدة السلف في الصفات، فكان يقول: تعالى وتقدّس أن يَحِلَّ بجسم أو يلاصق به، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وكان بينه وبين الحلاج صداقة، ولكنه لما اكتشف محاولته تقليد القرآن عنّفه واشتدّ عليه ثم نبذه، قال: كنت أماشيه - يقصد الحلاج - في بعض أزقَّة مكة، وكنتُ أقرأ القرآن، فسمع قراءتي، فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا، ففارقته. مصادر ترجمته: طبقات المحدثين بأصبهان ٤٥٧/٣، وطبقات الصوفية ص ٢٠٠، والرسالة القشيرية ١٣٢/١، وحلية الأولياء ٢٩١/١٠، وتاريخ بغداد ٢٢٣/١٢، والمنتظم ٩٧/١٣، وصفة الصفوة ٤٤٠/٢ . شذرات من حكم هذا الإِمام : - المعرفة دوام محبّة الله تعالى، ودوام مخافته، ودوام الإقبال عليه، ودوام انتصاب القلب بذكره . - التوبة فرض على جميع المذنبين والعاصين، صَغُر الذنب أو كبر، وليس لأحد عُذر في ترك التوبة بعد ارتكاب المعصية، لأن المعاصي كلّها قد توعّد الله = ٩٧ www.dorat-ghawas.com أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان قال: أملى عليّ أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي الصُّوفي، ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا ابن عيينة(١)، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عليها أهلها، ولا يسقط عنهم الوعيد إلَّ بالتوبة، وهذا مما يبين أن التوبة فرض. - اعلم أن العلم قائد، والخوف سائق، والنفس حَرون بين ذلك، جَموح خذَّاعة روَّاغة، فاحذرها، وراعها بسياسة العلم، وسُقْها بتهديد الخوف، يتم لك ما تريد . - اعلم أن رأس الزهد وأصله في القلوب هو احتقار الدنيا واستصغارها، والنظر إليها بعين القِلّة، وهذا هو الأصل الذي يكون منه حقيقة الزهد. - وا أغمّاه من عهد لم نُقم له بوفاء، ومن خلوة لم نصحبها بحياء، ومن مسألة ما لجواب فيها غداً! ومن أيام تفنى ويبقى ما كان فيها أبداً. - ثلاثة أشياء من صفات الأولياء: الرجوع إلى الله في كل شيء، والفقر إلى الله في كل شيء، والثقة به في كل شيء. (١) هو الإِمام سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي، الإِمام القدوة شيخ الإِسلام، وهو أشهر من أن يُذكر، ولكن كما يُقال: بذكر الصالحين تتنزل الرَّحمَات، توفي هذا الإِمام الجليل سنة ١٩٨ . ومن أقوال هذا الإِمام: اسلكوا سُبل الحق، ولا تستوحشوا من قِلَّة أهلها. - لا يُصيب رجل حقيقة التقوى حتى يُحيل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال، وحتی یدع الاثم وما تشابه منه . - وسُئل هذا الإِمام عن الزهد، فقال: الزهد فيما حرَّم الله، فأما ما أحل الله، فقد أباحكَه، فإن النبيين قد نكحوا، وركبوا، ولبسوا، وأكلوا، لكن الله نهاهم عن شيء، فانتهوا عنه، وكانوا به زُهّاداً. - وروى أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٩١ بإسناده إلى العباس التُرقفي قال: خرج علينا سفيان بن عيينة يوماً، فنظر إلى أصحاب الحديث، فقال: أفيكم أحد من أهل = ٩٨ www.dorat-ghawas.com 1 دس ، أو عن أبي سعيد(١)، فلا أدري الشكَّ من أبي عبد الله: أن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسَلَّم قالَ: المُؤمنُ القَوِيُّ خَيْرٌ من المؤمن الضَّعيفِ وَكُلٌّ على خَيْرِ، احْرِصْ على ما ينفعُكَ، ولا تعجزْ، فإنْ فاتك شيءٌ فقل: كَذَا قُدِّر، كذا كانَ، وإيّاك ولوّ فإنها مفتاحُ عَمَلِ الشِّيطان(٢). مصر؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل فيكم الليث بن سعد؟ فقالوا: توفي. قال: أفيكم أحد من أهل الرَّملة؟ فقالوا: نعم، قال: ما فعل ضمرة بن ربيعة الرَّمْلي؟ قالوا: توفي. قال: هل فيكم أحد من أهل حمص؟ قالوا: نعم، قال: ما فعل بقيّة بن الوليد؟ قالوا: توفي. قال: هل فيكم أحد من أهل دمشق؟ قالوا: نعم، قال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ قالوا: توفي. فقال: هل فيكم أحد من أهل قيساريّة؟ قالوا: نعم، فقال: ما فعل محمد بن يوسف الفِريابي؟ قالوا: توفي. قال: فبكى طويلاً، ثم أنشد يقول: ومِنَ الشَّقاءِ تَفَرُّدِي بالسُّودُدِ خَلَتِ الدِّيارُ فَسُدْتُ غَيرٍ مُسَوَّدٍ (١) في أ، ب: أو عن أبي هريرة، وهو خطأ، وجاء في تاريخ بغداد وقد روى الحديث عن الماليني: أو غير أبي هريرة. (٢) الحديث صحيح من حديث أبي هريرة. رواه أبو نعيم في الحلية ٢٩٦/١٠، وفي أخبار أصبهان ٣٣/٢، من طريق أبي الشيخ ابن حيّان، عن عمرو بن عثمان بإسناده إلى أبي هريرة به، وليس فيه ذكر أبي سعيد كما في رواية المؤلف، فلعل الشكّ من أبي الشيخ وليس من عمرو بن عثمان كما قال الماليني. ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه ٢٢٣/١٢ من طريق أبي سعد الماليني عن ابن حیّان به . ورواه مسلم (٢٦٦٤)، والنسائي في اليوم والليلة (٦٢٣)، وابن ماجه (٤١٦٨)، وأحمد ٣٧٠/٢، وابن أبي الدنيا في كتاب الرضا عن الله رقم (٥٣)، وابن أبي عاصم في السنة ١٥٧/١، والطحاوي في مشكل الآثار = ٩٩ www.dorat-ghawas.com