Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
قال الشيخ: ولا أعلم يرويه، عن عمرو بن شعيب غير ابن لهيعة وعبدالرحمن
ابن الحارث، والحديث الأول لمنصور ولا يرويه عن ابن لهيعة غير منصور.
حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن موسى بن عدي الجرجاني بمكة، ثنا علي
ابن سلمة اللبقي، ثنا مجاعة بن ثابت، ثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله
ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب من يحب
التمر.
قال الشيخ: ولا يرويه عن أبي قبيل غير ابن لهيعة وعن ابن لهيعة غير مجاعة
ابن ثابت وهذا الحديث أتي فيه من مجاعة لا من ابن لهيعة.
حدثنا كهمس بن معمر الجوهري، ثنا أبو الطاهر، ثنا أشهب بن عبد
العزيز، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد أو سعد بن
سنان، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تأنى أصاب أو كاد ومن
عجل أخطأ أو كاد.
قال الشيخ: وهذا لا أعلم يرويه عن ابن لهيعة غير أشهب وعن أشهب أبو
الطاهر بن السرح والغريب فيه المتن . والحديث المشهور عن الليث عن يزيد عن
سعد بن سنان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم العجلة من الشيطان
والتأني من الله. وهكذا الحديث إلا أن ابن السرح أغرب بلفظه.
حدثنا بهلول حدثني محمد بن معاوية، ثنا ابن لهيعة، عن یزید بن أبي حبيب،
عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن فضالة بن عبيد "أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: الشيب نور في وجه المسلم، قيل: يا رسول الله فإنهم ينتفون! قال:
فمن شاء فلينتف نوره . قال الشيخ: وهذا يرويه ابن لهيعة أيضاً.
حدثنا العباس بن محمد بن العباس، ثنا محمد بن رمح أخبرنا ابن لهيعة، عن
-

١٨٢
خالد ابن يزيد، عن عمرو بن دينار أخبره عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد
الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخلن رجل على
امرأة إلا وعندها ذو حرمة. قال الشيخ: وهذا يرويه ابن لهيعة.
حدثنا علي بن إبراهيم بن الهيثم، ثنا روح بن الفرج، ثنا عمرو بن خالد، ثنا
ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: من ألف المسجد ألفه الله عز وجل. وهذا يرويه ابن لهيعة.
أخبرنا القاسم بن مهدي، ثنا أبو مصعب، ثنا ابن وهب، عن عبد الله بن
لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة السبائي عن أبي وعلة المصري، عن ابن عباس أن
رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن سبأ : رجل أم امرأة؟ فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: بل رجل له عشر بنون ستة يمانيون وأربعة شامبون. فأما الستة
اليمانيون: فالأزد ومذحج وكندة والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشاميون فلخم
وجذام وغسان وعاملة. قال الشيخ: وهذا لا أعلمه يرويه غير ابن لهيعة بهذا
الإسناد.
حدثنا أبو عروبة، ثنا ابن المقرئ، ثنا أبي ثنا ابن لهيعة حدثني ابن غزية، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: كل صلاة لا يقرأ فيها فهي خداج ثلاثاً.
قال الشيخ: ولا أعلم يرويه عن ابن غزية غير ابن لهيعة، وابن غزية هو
عمارة بن عزية الأنصاري مديني عزيز الحديث، ولا أعلم لعمارة بن عزية، عن
هشام بن عروة غير هذا الحديث.
وعبد الله بن لهيعة له من الروايات والحديث أضعاف ما ذكرت، وحديثه
أحاديث حسان وما قد ضعفه السلف هو حسن الحديث يكتب حديثه، وقد
حدث عنه الثقات: الثوري وشعبة ومالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد.
۔
-

ء
١٨٣
فأما حديث الثوري فحدثناه علي بن أحمد بن مروان وأحمد بن محمد بن
سعيد قالا: حدثنا أحمد بن سليمان العطار وثنا محمد بن علي بن أبي خداش
الموصلي، ثنا معافى بن عمران، عن سفيان الثوري، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل،
عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: يغزو قوم من هذه الأمة
على غير عطاء ولا رزق، أجورهم مثل أجور أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم.
قال الشيخ: وأما حديث شعبة ثناه ابن قتيبة، ثنا محمد بن قدامة، ثنا زيد بن
الحباب، عن شعبة، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن سالم والقاسم :
في الأمة تصلي ثم یدر کها العتق في الصلاة، قالا: تقنعُ وتمضي في صلاتها.
وأما حديث مالك فأخبرنا القاسم بن مهدي، ثنا أبو مصعب، ثنا مالك، عن
الثقة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن بيع العُرْبان.
قال الشيخ: هكذا ذكره أبو مصعب عن مالك عن الثقة عن عمرو بن
شعيب وبعض أصحاب الموطأ يذكرون عن مالك قال: بلغني عن عمرو بن
شعيب، ويقال أن مالكا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب ولم
یسمه لضعفه، والحدیث عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مشهور.
أخبرناه محمد بن حفص، ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان".
وأما حديث عمرو بن الحارث فحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد الحراني،
ثنا سعيد بن حفص النفيلي، ثنا موسى بن أعين، عن عمرو بن الحارث، عن ابن
لهيعة أن مشرح بن هاعان المعافري، حدثه عن عقبة بن عامر: قلت: يا رسول
الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، فإذا لم تسجدهما فلا تقرأهما.
۔

١٨٤
وأما حديث الليث فحدثنا عبد الله بن محمد بن نصر، ثنا عبد الملك بن
شعيب بن الليث بن سعد، حدثني أبي، حدثني الليث، حدثني عبد الله بن لهيعة،
عن عبد الرحمن، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله وسلم
أنه قال: من أصبح صائماً فنسي فأكل وشرب فالله أطعمه وسقاه فيتم صيامه.
حدثناه الحسن بن محمد المديني، ثنا يحيى بن بكير، ثنا ابن لهيعة، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الملك بن محمد، ثنا أبو الأحوص، ثنا ابن بكير حدثني الليث
حدثني ابن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن (ربوة
ذات قرار ومعین) قال: هي دمشق.
قال الشيخ: وهذا الذي ذكرت لابن لهيعة من حديثه وبينت جزءاً من أجزاء
كثيرة مما يرويه ابن لهيعة، عن مشايخه، وحديثه حسن كأنه يستبان عن من روى
عنه، وهو ممن یکتب حديثه.
دراسة ترجمة عبد الله بن لهيعة في المصادر السابقة
لعل من الأفضل أن يبدأ الباحث دراسته حول ترجمة عبد الله بن لهيعة
بتحقيق نصوص الأئمة الواردة في الترجمة، وتحديد ما قصدوا بها، من خلال تتبع
تلك النصوص في مصادر مختلفة، ومقارنة بعضها ببعض وتحليلها في ضوء القرائن
والملابسات، وذلك لاحتمال وقوع تصرف في النص من جهة ناقله إما
بالاختصار أو التصحيف، مما يؤدي إلى غموض معناه أو تناقضه مع نصوص
أخرى، ويستطيع الباحث بالجمع والمقارنة والتحليل أن يصحح ذلك ويحقق إن
کان في ذلك النص تصحیف، ويحدد المقصود منه ویوضحه إن کان فيه غموض
ولبس بسبب الاختصار.
-
-

١٨٥
ومن العيوب المنهجية الفادحة أن يكتفي الباحث بمصدر واحد في جمع الآراء
والنصوص وأن يحاول شرحها باستعجال دون أن يتتبع المناسبات أو السياقات
المفصلة التي تساعده في تفسير تلك النصوص، ودون أن يتأكد من صحة هذه
النصوص وسلامتها من التصحيف والتحريف .
ولتحقيق مزيد من الفائدة فإنه يتعين على الطالب أن يتدرب مع أستاذه على
جمع النصوص في المصادر المذكورة ومقارنتها، ورصد الفوارق الملحوظة فيها،
وحل جميع أنواع الإشكال فيها بصورة منهجية، ومحاولة تفسيرها تفسيرا يتفق
مع منهج قائليها، مجسدا في ذلك كله الأمور السابق شرحها في مستهل المرحلة
الثالثة .
وما نلحظه من تتبع ترجمة ابن لهيعة في المصادر السابقة هو أن الذين تكلموا
فيه جماعة كبيرة من أئمة الجرح والتعديل من معاصريه ولا حقيه، وبصور مختلفة
بحيث يخيل للقارئ أنها متعارضة ومضطربة، وما يستفاد من ذلك أن الرجل
مشهور وأن أحاديثه متداولة، وإلا لما كثر عدد المتكلمين فيه بالشكل الذي لمسنا
في ترجمته.
ومن الأئمة الذي تكلموا في ابن لهيعة الليث بن سعد وابن أبي مريم وصالح
ابن أحمد ويحيى بن سعيد وسفيان الثوري وعلي بن المديني وعبد الرحمن بن
مهدي وأحمد ابن حنبل ويحيى بن معين، ويعقوب بن سفيان والبخاري وأبو حاتم
وأبو زرعة الرازي والنسائي والدارقطني والجوزجاني وابن حبان وابن خزيمة
وغيرهم .
ولتسليط الضوء على طريقة الدراسة المتمثلة في الجمع والمقارنة والتحليل حول
آراء الأئمة المتعارضة التي لفتت انتباهنا في ترجمة ابن لهيعة آثرنا ما ورد عن الإمام
أحمد من النصوص ليكون ذلك نموذجا واضحا للتطبيق في دراسة نصوص الآخرين.
٠

١٨٦
نصوص الإمام أحمد في عبد الله بن لهيعة
١ - ورد في تهذيب الكمال عن الإمام أحمد : - وذكر ابن لهيعة - فقال :
كان كتب عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، وكان بعد يحدث بها عن
عمرو بن شعيب نفسه . وكذا نقله في السير، والتهذيب دون خلاف .
٢ - وفي تهذيب الكمال: وقال حنبل بن إسحاق سمعت أبا عبد الله
يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرا مما أكتب أعتبر به، وهو
يقوى بعضه ببعض . وكذا في التهذيب والسير .
٣ - وفي تهذيب الكمال : قال أحمد بن حنبل : من كان مثل ابن لهيعة
بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه ! . وكذا في التهذيب والسير . وورد هذا
النص في السير وغيره أيضا بإيجاز: "ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة".
٤ - وفي تهذيب الكمال : عن قتيبة : قال لي أحمد بن حنبل : أحاديثك
عن ابن لهيعة صحاح قال : قلت : لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب
ثم نسمعه من ابن لهيعة .
٥ - وفي تهذيب الكمال : قال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل : "ابن
لهيعة أجود قراءة لكتبه من ابن وهب" . وكذا في السير، وورد في التهذيب
هكذا : "ابن لهيعة أجود قراءة فكتبه من ابن وهب" .
٦ - وفي تهذيب الكمال : عن أحمد بن حنبل عن إسحاق بن عيسى :
احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين ولقيته سنة أربع وستين، ومات سنة
أربع وسبعين أو ثلاث وسبعين . وكذا في الكامل لكن قال فيه: «ولقيته أنا سنة
أربع ومائة أظنه قال : ومات سنة أربع وسبعين أو ثلاث وسبعين" . وذكره في
التهذيب لكن دون جملة : "ولقيته سنة أربع وستين"
٠

١٨٧
٧ - وورد في سير أعلام النبلاء عن الإمام أحمد : «من كتب عن ابن لهيعة
قدیما فسماعه صحیح،".
وهذه النصوص في ظاهرها تعارض، أو يدل ظاهرها على اضطراب موقف
الإمام أحمد إذ يجرح ابن ميعة مرة ويعدله أخرى، لكن عند مقارنة بعضها
ببعض وتحليلها في ضوء ملابساتها نجدها متناسقة ومتفقة مع مواقف غيره من
أئمة الجرح والتعديل تجاه عبد الله بن لهيعة .
ونأخذ على سبيل المثال النص (رقم ٢) الذي يدل دلالة واضحة على أن ابن
لهيعة ضعيف عند الإمام أحمد، وعندما ننظر في النصين التاليين (رقم ٣ و٤) نجد
الإمام أحمد ينص على أن ابن لهيعة أثبت الناس في مصر أو من أثبتهم أو ثقة،
وهذا يناقض ما سبق من قوله في جرح ابن لهيعة، وذلك حين حمل النصين
الأخيرين على ظاهرهما، وأما إذا حملناهما على المعنى الذي يفهم من خلال
التأمل والتحليل فلا يبقى في تلك النصوص تناقض ولا غموض .
وتوضيح ذلك أن الإمام أحمد لا يمكن أن يقصد بقوله «من كان مثل ابن
لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه" (نص رقم ٣) أن ابن لهيعة أثبت
الناس في مصر ولا من أثبتهم ولا من ثقاتهم، لأنه إذا قمنا بالموازنة بين ابن لهيعة
وبين ليث بن سعد وغيره ممن عاصروا ابن لهيعة من حفاظ الحديث وأئمته بمصر
على ضوء أقوال الإمام أحمد نجد بين ابن لهيعة وبين ليث بن سعد وغيره من
الثقات بونا شاسعا في الحفظ والإتقان والإمامة بحيث لا تسوغ المقارنة بينه وبين
هؤلاء الثقات فضلا أن يقدم الإمام أحمد ابن لهيعة عليهم بشكل عام .
وهل يمكن أن يفضل الإمام أحمد ابن لهيعة على أولئك الثقات الأجلاء في
مصر الذين لم يختلف في توثيقهم، وهو القائل : "ما حديث ابن لهيعة بحجة،
وإني لأكتب كثيرا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوى بعضه ببعض" ؟ كلا .

١٨٨
ولعل كلام الإمام أحمد خرج مخرج المبالغة التي يريد بها المدح والثناء، أو
مجرد الدفاع عن صدق ابن لهيعة وحفظه وجمعه وعلمه، ويكون في أقرب
الاحتمالات صدور ذلك منه ردة فعل أثارتها بعض المواقف المتعنتة التي تحط من
مكانة ابن لهيعة العلمية وتجعله في حد الترك (١).
وقد سبق في مستهل حديثنا في المرحلة الثالثة ما يشير إلى أن ما يصدر من
الناقد في صدد المدح أو الدفاع لا يعتبر توثيقا لكونه غير مقصود ظاهره، كما لا
يعتبر ما يقولونه عند الغضب وثورته جرحا . وهي قاعدة علمية أفاض العلماء في
شرحها منذ القديم .
وقد رأينا الليث بن سعد يقول عند وفاة ابن لهيعة : "ما خلف مثله"، وهو
الذي رفض حديث ابن لهيعة قائلا : «لا أدع ما ينفعني بحديث ابن لهيعة عن
عقيل)". وليس بين القولين تناقض في الواقع، لكون النص الأول قد خرج مخرج
المدح الذي يستحب لكل مسلم أن يخاطب به أخاه المسلم تواضعا أو أن يذكر
الخير عند وفاته ورعا، بينما صدر الموقف الثاني حكما عمليا ليس للتواضع أو
الورع فيه مدخل .
وبناء على ما سبق كله لا يوجد تناقض بين آراء الإمام أحمد حول ابن
لهيعة، لأنه تكلم فيه في مناسبات متعددة وفقا لما يقتضيه المقام.
ومن هنا تبرز ضرورة التأمل والنظر في موقف الشيخ أحمد شاكر - رحمه
الله تعالى - القاضي بتوثيق ابن لهيعة في مواضع كثيرة من تعليقاته(٢) استنادا
لقول الإمام أحمد السابق شرحه قبل تحليله والتأمل في ملابساته، كما اتضح جليا
(١) أشار الحافظ الذهبي إلى موقف البعض المتعنت في تضعيف ابن لهيعة حين قال في السير: "وبعضهم يبالغ في
وهنه ولا ينبغي إهداره وتتجنب تلك المناكير فإنه عدل في نفسه" أنظر ص : ١٤٩ من هذا الكتاب .
(٢) أنظر مثلا تعليقاته على سنن الترمذي ١٦/١ (تحقيق أحمد شاكر، ط ٢ مصطفى الحلبي، ١٣٩٨)

١٨٩
أنه مما ينبغي أن لا يستعجل الباحث في اعتماد نص واحد دون مقارنته بما صدر
من الناقد في مناسبة أخرى من الآراء والمواقف .
وهكذا يجب أن يحاول الباحث تفسير النصوص بالاعتماد على ما يمكن أن
تفسر به من الأقوال أو القرائن والمناسبات التي يقف عليها من خلال مقارنة
وتحليل دقيق لتلك النصوص، وإلا سيقع في دراسته المستعجلة وغير المؤسسة
تخليط وتحريف وتأويل باطل .
تصحيح الإمام أحمد رواية المتقدمين عن ابن لهيعة ومعنى ذلك التصحيح .
سبق قول الإمام أحمد لقتيبة بن سعيد : «أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح"
وهذا لا يعني أنه يصحح ما رواه قتيبة عن ابن لهيعة من الأحاديث أو أنه يوثق
ابن لهيعة، وإنما كان قصده مجرد توثيق ما انتهجه قتيبة في تلقي الأحاديث من ابن
لهيعة، حيث إنه لم يحمل ذلك إلا بعد تأكده من أنها أحاديثه وليست أحاديث
غيره، وأنها لم تضرها عادة ابن لهيعة في قبول التلقين التي أفسدت عليه رواياته .
وهذا ما نفهمه من تعقيب قتيبة بن سعيد على قول الإمام أحمد قائلا : «لأنا
كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة".
وفي رواية أبي داود : «سمعت قتيبة يقول : كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة
إلا من كتب ابن أخيه أو كتب ابن وهب إلا ما كان من حديث الأعرج".
يعني به أنه لم يسمع من ابن لهيعة حديثا إلا بعد أن تثبت أنه من مسموعاته،
وذلك من خلال اعتماده على ما كتبه ابن أخي ابن لهيعة أو ابن وهب من
أحاديث ابن لهيعة، لكونهما ممن تتبع أصوله مباشرة، وأما حديث ابن لهيعة عن
الأعرج فهو مما لم يتثبت فيه قتيبة .

١٩٠
وفي هذا النص ما يساعدنا على تفسير ما ورد من قول الإمام أحمد : «ابن
لهيعة أجود قراءة لكتبه من ابن وهب"، ووقع هذا النص في التهذيب : («ابن لهيعة
أجود قراءة فكتبه من ابن وهب"، وإن كان يتطرق احتمال التصحيف في هذا
النص، فإنه في كلا السياقين لا يخلو من غموض، إذ أن ابن لهيعة من كبار
شيوخ ابن وهب بحيث لا تستقيم المقارنة بينهما حتى يقال: «ابن لهيعة أجود
قراءة من ابن وهب"، اللهم إلا إذا قلنا في تأويل هذا النص : "إن ابن لهيعة
يكون أجود إذا قرئ عليه الحديث مما كتبه عنه ابن وهب، لأنه كان يتتبع
أصوله. وعلى كل فإن النص يظل بحاجة إلى تحقيق لفظه ومعرفة مناسبته من
خلال تتبعه في مصادره الأصيلة .
وبعد أن قمنا بما يجب قيامه في سبيل تحقيق نصوص الإمام أحمد وتحديد ما
قصده منها من خلال مقارنتها وتحليلها والتأمل في ملابساتها يمكن تلخيص
موقفه تجاه ابن لهيعة بما يلي :
إن ابن لهيعة ضعيف لكن لم يكن متهما ولا متروکا مهما قيل في تساهله أو
طعن في ضبطه، وأن ضعفه يتفاوت بحسب حال رواته، وأن رواية ابن وهب وقتيبة
ابن سعيد وأمثالهما ممن تتبع أصوله أجود من روايات غيرهم، وهذا بعينه ما أراده
الإمام أحمد بقوله: "من كتب عن ابن لهيعة قديما فسماعه صحيح، كما في النص
(رقم ٧)، ولا يعمم هذا القول على كل القدماء من تلاميذ ابن لهيعة، لأن قصد
الإمام أحمد هو تلميح إلى أمثال ابن وهب ممن تجنبوا التلقين وحدهم، علما بأن
أغلبهم من القدماء سوى قتيبة بن سعيد، فإنه من المتأخرين في أصحاب ابن لهيعة .
وأما ما حكاه الإمام أحمد: "كتب ابن لهيعة عن المثنى بن الصباح عن
عمرو بن شعيب، وكان بعد يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه، فأسلوب
مشهور عن ابن لهيعة، يقول عبد الرحمن بن مهدي :
۔

١٩١
"كتب إليَّ ابن لهيعة كتابا، فيه : حدثنا عمرو بن شعيب"، قال عبدالرحمن:
"فقرأته على ابن المبارك، فأخرج إليَّ ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة فإذا :
حدثني إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب". وقد حكى مثله غير واحد
من أئمة الجرح والتعديل منهم سعيد بن أبي مريم .
وهذا العمل من ابن لهيعة يحتمل أمورا :
منها : أنه كان يقبل ما دفع إليه من الأحاديث الملفقة دون أن يشعر بذلك .
ومنها : أنه نسي من حدثه، كما أوضح ذلك سعيد بن أبي مريم حين قال
بعد أن ذكر ما يشبه القصة المتقدمة : "فكان يقول - يعني ابن لهيعة - حدثنا
صاحبنا فلان، فلما طال ذلك نسي الشيخ فكان يقرأ عليه، ويرويه عن عمرو بن
شعیب" يعني مباشرة دون ذكره صاحبه الذي حدث عن عمرو بن شعيب .
ومنها : أنه يدلس بإسقاط شيوخه الضعفاء، كما حكى ذلك ابن حبان
سابقا. وأيا كان الاحتمال فإن الخلل في حديث ابن لهيعة يكمن في تساهله عند
رواية الحديث أو في اختلال ضبطه وحفظه .
موقف عبد الرحمن بن مهدي من ابن لهيعة
إذا نظرنا في نصوص عبد الرحمن بن مهدي نجد فيها شائبة التعارض، لكنها
تزول عند المقارنة والتحليل .
يقول عبد الرحمن بن مهدي : «ما أعتد بشئ سمعته من حديث ابن لهيعة إلا
سماع ابن المبارك ونحوه" . ويفهم من ظاهره أنه لا يقبل من أحاديث ابن لهيعة
إلا ما روى ابن المبارك عنه، وإذا جاء حديث ابن لهيعة من طريق ابن المبارك فهو
مقبول عنده، لكنه لم يقصد ذلك، وهذا جلي من الحكاية التالية :
-

١٩٢
قال علي بن المديني : سمعت عبد الرحمن بن مهدي، وقيل له : تحمل عن
عبد الله ابن يزيد القصير عن ابن لهيعة ؟ فقال: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلاً ولا
كثيراً، ثم قال عبد الرحمن: كتب إليَّ ابن لهيعة كتاباً، فيه: حدثنا عمرو بن
شعيب، فقرأته على ابن المبارك، فأخرج إليَّ ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة
قال: أخبرني إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب".
وهذا يعني أن عبد الرحمن بن مهدي ليس مطمئنا لحديث ابن لهيعة سواء
كان صحيحا أم ضعيفا إلا إذا كان من طريق ابن المبارك عنه . ولا يعقل أبدا أن
عبد الرحمن قد قبل هذا الحديث المتقدم وصححه لمجرد أنه من رواية ابن المبارك
عن ابن لهيعة، ولم يشفع لهذا الحديث عنده كونه من رواية ابن المبارك عن ابن
لهيعة مع وجود إسحاق بن أبي فروة في سنده سيما وأنه متروك الحديث .
ولا يتعارض ما سبق مع ما ورد عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : «وددت
أني سمعت من ابن لهيعة خمس مائة حديث، وأني غرمت مؤدى"، (كأنه يعني :
دية) لكونه محمولا على أن ذلك كان قبل أن يتبين له حال ابن لهيعة، وبعد أن
تبين له عدم دقته في الرواية وعدم ضبطه للأحاديث ترك أحاديثه ولم يحدث عنه
شيئا، فقد قال: «لا أحمل عن ابن لهيعة قليلا ولا كثيرا"، ويشهد لذلك ما قاله
محمد بن المثنى : "ما سمعت عبد الرحمن يحدث عن ابن لهيعة".
ولا شك أنه لا يصدر من عبد الرحمن بن مهدي هذا الموقف إلا بعد معرفة
أحاديث ابن لهيعة، خاصة بعد تأكده من تهاونه في إسقاط إسحاق بن أبي فروة
الذي سمع منه الحديث عن عمرو بن شعيب .
وعلى ضوء ذلك يكون القصد بقوله : «ما أعتد بشئ سمعته من حديث ابن
لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه،، أنه لا يثق بما يُروى عن ابن لهيعة إلا إذا روى

١٩٣
عنه ابن المبارك، لأنه كان يتتبع أصوله ويتأكد من حديثه فيها، ومعلوم أن ابن
لهيعة كان يقبل ما يدفع إليه من الأحاديث، ويقرُّ بأنها من أحاديثه .
وهكذا نجد نصوص عبد الرحمن بن مهدي متسقة لا يوجد فيها أثر
للتعارض والتناقض .
هذان نموذجان لدراسة النصوص المتعارضة لمعرفة مدى تعارضها، والتوفيق
بينها، ويكون من الأفضل أن يتدرب الطالب على دراسة بقية النصوص على هذا
المنوال .
تلخيص الحكم على حديث ابن لهيعة وطريقة ذلك
بعد أن شرحنا طريقة تحقيق النصوص الواردة في حق هذا الراوي وبعد أن
عقدنا نماذج من المقارنات اللازمة بين هذه النصوص وحاولنا إزالة ما اعتورها
من تعارض آن الأوان أن نلخص الحكم على حديث ابن لهيعة وأن نشرح طريقة
ذلك .
إننا إذا نظرنا في آراء معظم العلماء في شأن ابن لهيعة نجد جانب الخلل في
كيفية روايته أبرز من غيره من جوانب التضعيف، وقد تمثل هذا الخلل في عدم
اعتماده على أصوله عند الرواية، وقد رسم لنا صورة ذلك بشكل واضح أحد
حفاظ مصر؛ أحمد بن صالح حين قال فيما حكاه عنه يعقوب بن سفيان
الفسوي:
"ابن لهيعة صحيح الكتاب، كان أخرج كتبه، فأملى على الناس حتى كتبوا
حديثه إملاء، فمن ضبط كان حديثه حسناً صحيحاً، إلا أنه كان يحضر من يضبط
ويحسن، ويحضر قوم يكتبون ولا يضبطون ولا يصححون، وآخرون نظارة،
وآخرون سمعوا مع آخرين، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتاباً، ولم ير له كتاب" .
ء

١٩٤
"وكان من أراد السماع منه ذهب فاستنسخ ممن كتب عنه، وجاءه فقرأه
عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة لم
تضبط جاء فيه خلل كثير، ثم ذهب قوم فكل من روى عنه عن عطاء بن أبي
رباح فإنه سمع من عطاء، وروى عن رجل عنه وعن رجل عن آخر عنه، وعن.
ثلاثة عن عطاء، قال: فتركوا من بينه وبين عطاء وجعلوه عن عطاء" اهـ.
وقال يعقوب بن سفيان في موضع آخر: «سمعت أحمد بن صالح يقول:
كتبت حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود في الرَّق، وقال: كنت أكتب عن
أصحابنا في القراطيس وأستخير الله فيه، فكتبت حديث ابن لهيعة عن النضر في
الرقّ "، قال يعقوب: "فذكرت له سماع القديم وسماع الحديث، فقال: كان
ابن لهيعة طَلاّباً للعلم، صحیح الكتاب، و کان املی علیهم حديثه من کتابه، فربما
يكتب عنه قوم يعقلون الحديث وآخرون لا يضبطون، وقوم حضروا فلم يكتبوا
فكتبوا بعد سماعهم، فوقع علمه على هذا إلى الناس، ثم لم يخرج كتبه، وكان
يقرأ من كتب الناس، فوقع حديثه إلى الناس على هذا ، فمن كتب بأخرة من
كتاب صحيح قرأ عليه في الصحة ، ومن قرأ من كتابٍ مَن كان لا يضبط ولا
يصحح كتابه وقع عنده على فساد الأصل،"، قال: "وظننت أن أبا الأسود كتب
من کتاب صحیح، فحديثه صحیح یشبه حدیث أهل العلم،،اهـ.
وبناء على هذه الحكاية فإن ابن لهيعة أخرج أصوله وأملى أحاديثه على
الرواة، غير أنهم تلقوها على مستويات مختلفة، فمنهم من ضبطها ومنهم من
تساهل في سماعها وضبطها، ثم بعد ذلك لم يكن ابن لهيعة يخرج كتبه عند
التحديث، بل كان اعتماده في التحديث على كتب الناس أو على ما يدفع إليه
من الأحاديث دون أن يراجع أصوله، وهذا ما يسمى في اصطلاح المحدثين قبول
التلقين، ومن أخذ منه الأحاديث عن طريق التلقين فقد وقع فيها خلل كبير بل
٠

١٩٥
ربما دخل فيها الموضوعات من حيث لا يدري، وبالتالي لا يقبل الحديث من هذا
الصنف . وهذا التساهل من ابن لهيعة أثار انتقادا شديدا من أئمة الجرح
والتعديل .
وقد حكى سعيد بن أبي مريم قصة تتبلور فيها ظاهرة التلقين هذه بشكل
أوضح:
يقول سعيد بن أبي مريم: "كان حيوة بن شريح أوصى إلى رجل،
وصارت كتبه عنده، وكان لا يتقي الله، يذهب فيكتب من كتب حيوة الشيوخ
الذين شاركه فيهم ابن لهيعة، ثم يحمل إليه، فيقرأ عليهم" .
وعن يحيى بن حسان : "جاء قوم ومعهم جزء، فقالوا : سمعناه من ابن
لهيعة، فنظرت فيه فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، فقمت إليه،
فقلت : أي شيء هذا ؟ قال : فما أصنع بهم ؟ يجيئون بكتاب فيقولون : هذا من
حديثك، فأحدثهم به،، اهـ .
غير أن بعض الرواة استدركوا هذا الخلل فتتبعوا أصول ابن لهيعة مباشرة
للتحقق من وجود تلك الأحاديث في أصوله كما سمعوها منه، أو نسخوها ممن
ضبط أحاديثه لقراءتها على ابن لهيعة، وهم مثل ابن المبارك وابنَ وهب وابن
المقرئ وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم .
ولم يتمكن من ذلك الاستدراك كثير من المتقدمين خصوصا الغرباء مثل
الثوري وشعبة والأوزاعي، ولهذا قال الثوري : "عندنا الفروع وعنده الأصول"،
يعني لم يسمع الثوري من ابن لهيعة أصوله ولم يتمكن من تتبعها، ولعل الثوري
قد أخذ الحديث خارج مصر، لأنه قال : "حججت حِججا لألقى ابن لهيعة".
وقد عد الثوري ما سمعه من ابن لهيعة فروعا لعدم تتبعه في أصوله، وعادة
+

١٩٦
المحدثين أن لا يعتمدوا على الأحاديث المروية بطريق التلقين التي سبق أن سماها
الثوري فروعا.
ونظرا لهذه الميزة العلمية المتمثلة في تتبع الأصول والتوثق من سلامة
الأحاديث المسموعة من ابن لهيعة من آثار التلقين رجح الأئمة رواية من سبق
ذکرهم من العبادلة وصححوا سماعهم منه .
ولا یفهم من ذلك أن ابن لهيعة ثقة وأن حديثه صحیح إذا روى عنه هؤلاء
الرواة من المتقدمين، لأن سوء الحفظ وعدم ضبطه للأحاديث يظل مانعا من
الحكم عليه بالتوثيق، وإنما قصدهم بذلك مجرد ترجيح روايتهم على روايات
الآخرين، ولهذا أجاب عبد الرحمن بن مهدي حين سئل : هل تأخذ حديث عبد
الله بن يزيد القصير؟ - وهو احد متتبعي أصول ابن لهيعة - بقوله: «لا أحمل
حديث ابن لهيعة قليلا ولا كثيرا" .
ومما نستدل به على أن قصدهم بتصحيح رواية العبادلة مجرد الترجيح
والتفضيل على روايات الآخرين دون الحكم عليها بالصحة ما حكى علي بن
المديني عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : " ما أعتد بشيء سمعت من حديث ابن
لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه" . وقد أوضح ابن مهدي موقفه هذا بعد أن
تبين له من كتاب ابن المبارك أن ابن لهيعة إنما سمعه من إسحاق بن أبي فروة،
وكيف يعقل أن هذا الحديث الذي رواه ابن المبارك عن ابن لهيعة صحيح
عند ابن مهدي، وهو من حديث إسحاق بن أبي فروة المتفق على ضعفه ؟ .
وكلام ابن مهدي واضح في هذا الجانب، حيث قال : ما أعتد بشيء سمعت
من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك، وهذا نص صريح على أنه يقصد
جانب السماع وأسلوب التحمل فقط .
٠

١٩٧
ونستدل أيضا على ذلك بما حكى عبد الرحمن بن أبي حاتم حيث قال :
قلت لأبي : إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك فابن لهيعة يحتج به ؟
قال : لا .
ومن ذلك ما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم : سئل أبو زرعة الرازي عن
ابن لهيعة سماع القدماء منه ؟ فقال : آخره وأوله سواء إلا أن ابن المبارك وابن
وهب كانا يتتبعان أصوله فيكتبان منها، وهؤلاء الباقون كانوا يأخذون من
الشيخ، وكان ابن لهيعة لا يضبط، وليس ممن يحتج بحديثه .
ويتضح لنا مما تقدم ضرورة تأويل ما صدر عن البعض من إطلاق القول
بصحة رواية العبادلة عن ابن لهيعة بما سبق بيانه آنفا، وتأويل الإطلاق بصحة
حديث المتقدمين عنه (١)، بأن المقصودين بذلك هم الذين تتبعوا أصول ابن لهيعة
دون من سواهم من الرواة، فالأوزاعي والثوري وشعبة وعمرو بن الحارث مثلا
هم من المتقدمين، غير أنهم لم يتتبعوا أصول ابن لهيعة بدليل أن الثوري أشار آنفًا
إلى وقوع خلل في حديثه عن ابن لهيعة وعدم اعتماده، وما قاله الثوري يسحب
على روايات الأوزاعي وشعبة وعمرو بن الحارث وأضرابهم من المتقدمين .
. والجدير بالذكر أن ظاهرة قبول التلقين التي سببت لابن لهيعة مشكلة علمية
كبيرة لا علاقة لها بما يقال إنه احترقت كتبه، بدليل أنه لم يرجحوا من سماع
المتقدمين إلا من تتبع أصوله كما أشار إلى ذلك أحمد بن صالح، وربما أدى
احتراق الكتب إلى تفاقم ظاهرة قبول التلقین، هذا إن صحت قصة احتراق
الكتب .
(١) راجع بعض النصوص في إطلاق الصحة على روايات المتقدمين في النماذج السابقة من كتب التراجم
ص : ٩٧ - ١٣٧
-

١٩٨
ولذلك اشتهر لدى الناس أن رواية العبادلة عن ابن لهيعة صحيحة، ولم يصح
إدخال عبد الله بن مسلمة القعنبي فيهم، وليسوا وحدهم متميزين بذلك، بل
نستطيع أن نضيف إليهم أشخاصا آخرين كانوا يتتبعون الأصول مثل ابن أخيه :
لهيعة وقتيبة وأبي الأسود : النضر بن عبد الجبار، وعثمان بن صالح السهمي .
أما بالنسبة إلى ابن أخي ابن لهيعة وقتيبة فقد قال قتيبة : كنا لا نكتب
حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه أو كتب ابن وهب . وقد صحح ذلك
الإمام أحمد بقوله لقتيبة : أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح .
وأما أبو الأسود فقد اختاره أحمد بن صالح في كتابة أحاديث ابن لهيعة حين
قال : كتبت حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود في الرَّق(١)، وكنت أكتب عن
أصحابنا في القراطيس، وأستخير الله فيه، ثم عقب يعقوب بقوله : وظننت أن أبا
الأسود كتب من كتاب صحيح، فحديثه صحيح يشبه حديث أهل العلم .
وأما عثمان بن صالح السهمي فقد قال ابنه يحيى : سألت أبي متى احترقت
دار ابن لهيعة ؟ فقال : في سنة سبعين ومائة، قلت : واحترقت كتبه كما تزعم
العامة ؟ فقال : معاذ الله ما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلا من أصل كتاب
ابن لهيعة بعد احتراق داره غير أن بعض ما يقرأ منه احترق وبقيت أصوله بحالها .
ويفهم من هذا النص أن عثمان بن صالح ممن كتب أحاديث ابن لهيعة من
أصل كتابه، غير أنه لم يستوعب جميع الأحاديث، وإنما هي أحاديث ابن لهيعة
عن عمارة بن غزية دون غيرها من الأحاديث .
(١) يقصد بالرق الكتاب الأصل الذي لا يودع فيه المحدث إلا ما تثبت فيه، على خلاف القراطيس التي
تعد مسودات تحتاج إلى إعادة النظر فيها وإلى تحرير . والجدير بالذكر أن قوله "وأستخير الله فيه"
بعد قوله : "كنت أكتب عن أصحابنا في القراطيس" في مقابل ما ذكره "أنه كان يكتب حديث أبي
الأسود عن ابن لهيعة في الرق" يدل على ما سبق من قولنا إن الرق له صفة الأصل وأن القراطيس لها
صفة المسودات .

١٩٩
وبناء على ما سبق تحقيقه فإن ما صدر عن بعض الأئمة من توثيق ابن لهيعة
أو تحسین حاله في أول حیاته أو تصحیح حديثه أو أحاديث العبادلة أو روايات
المتقدمين عنه ؛ إنما ذلك كله راجع إلى الرواة الذين صح سماعهم من ابن لهيعة
وتتبعوا أصوله وضبطوا ما أملاه .
وأما أن يفهم من ذلك أنه ثقة أو حسن الحديث إذا روى عنه هؤلاء الرواة
فلا ؛ لأنه لم يلتزم أحد من تلاميذ ابن لهيعة لا العبادلة ولا غيرهم بانتخاب
الصحاح دون الضعاف من أحاديثه، أو بانتقاء ما رواه ابن لهيعة عن الثقات دون
الضعفاء، وإنما التزموا فقط بكتابة ما تحققوا من أنه من أحاديثه سواء كانت
ضعيفة أو صحيحة أو متصلة أو منقطعة أو مروية عن الثقات أو عن الضعفاء .
وبعد هذا كله فإن خلاصة الحكم هي : «أن عبد الله بن لهيعة من حفاظ
الحديث وبحور العلم بمصر، غير أنه ضعيف لسوء حفظه وقبوله للتلقين، وإذا
روى عنه العبادلة أو غيرهم ممن تجنب تلقينه فإن ضعفه يكون أخف، وبذا لا
يصحح حديثه إلا إذا وافقه ثقة، وأما إذا تفرد أو خالف غيره من الثقات فإن
حديثه يكون ضعيفا معلولا حتى وإن رواه العبادلة أو غيرهم ممن تتبع أصوله،
سواء ثبتت قصة احتراق كتبه أم لا . هذا هو موقف العلماء جميعا" .
ومن هنا جاء تلخيص الحكم على حال ابن لهيعة عن كثير من أئمة الجرح
والتعديل بإطلاق ضعفه مع تحسين حاله في رواية العبادلة عنه، وذلك نظرا لقلة
الخطأ في أحاديثهم عنه .
وما أحسن تلخيص الحافظ الذهبي لحال ابن لهيعة حين قال في السير :
«لا ريب أن ابن لهيعة كان عالم الديار المصرية، هو والليث معا، كما كان
الإمام مالك في ذلك العصر عالم المدينة، والأوزاعي عالم الشام، ومعمر عالم

٢٠٠
اليمن، وشعبة والثوري عالما العراق، وإبراهيم بن طهمان عالم خراسان، ولكن
ابن لهيعة تهاون بالإتقان وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم .
وبعض الحفاظ يروي حديثه، ويذكره في الشواهد، والاعتبارات، والزهد
والملاحم، لا في الأصول .
وبعضهم يبالغ في وهنه، ولا ينبغي إهداره، وتتجنب تلك المناكير، فإنه عدل
في نفسه.
أعرض أصحاب الصحاح عن رواياته، وأخرج له أبو داود، والترمذي،
والقزويني . وما رواه عنه ابن وهب، والمقرئ، والقدماء، فهو أجود".
وبهذا نكون قد أنهينا هذا الموضوع، ولعل الطالب أو القارئ قد أخذ
فكرة منهجية واضحة حول ما يلي :
١ - دراسة الرواة في كتب التراجم .
ب - تحقيق ما صدر عن الأئمة من الآراء والأقوال .
ج - تفسير هذه الآراء بما تقتضيه سياقاتها وملابساتها .
د - تلخيص أحوال الرواة سيما عند تعارض أقوال أئمة الجرح والتعديل
فيهم .
وعلى الطالب أن يواصل تمارينه فيما سبق كله ليتأصل في نفسه فقه التخريج
وتراجم الرواة، وليتهيأ لتوظيف الإمكانات الهائلة التي تقدمها الموسوعات
الحديثية المبرمجة في الحاسب الآلي لخدمة السنة النبوية المشرفة في هذا العصر .
والله من وراء القصد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
٠
-