Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَنَاجُ الْحَدِّثِينَ
١)
بِخْرِكُ الحَدِيَةِ الشَّرِهْ
يا
تَأليف
الدكتور علي نايف بقاعى
دَارُ السَِّ الإسْلامِيَّة

تَخِرْعُ الحَدْةِ الشَّرِيقِ

جَيْعُ الْحُقُوقِ مَخَفُوَظَةٌ
الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ
١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢ م
دَار البشائر الإسْلاميّة
هَاتفَ: ٧٠٢٨٥٧ - فَاكس: ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١
للطّبَاعَة وَالنّشر وَالتّوزيع
e-mail:
bashaer@cyberia.net.lb
بيروت - لبنانَ صَب: ١٤/٥٩٥٥

صد
2
٥،٧
٥١
الإهداء
إلى كلِّ غيورٍ على ميراث رسول الله وَلات .
والشكر والتقدير
إلى فضيلة شيخنا الجليل - الذي تكرَّم بمواكبتي في تأليف
هذا الجزء، ثمَّ بمراجعته قبل طبعه، مبديًا مِن فكره النيِّر
وأدبه الجمّ ألطف الإِشارات وأدقّ الملاحظات - الأستاذ
الدكتور نور الدِّين عتر حفظه الله تعالى ورعاه وأمتع به .
علي نايف بقاعي ؟

5

بَيْن يَدَيِّ الطّبْعَة الثّانِيَة
بِسْمِاللهِ الرَّمنِالرَّحَيَّةِ
الحمد للَّه ربِّ العالمين. أحمدك ربِّي حمد الشاكرين، وأشكرك شكر
الحامدين.
والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، المبعوث رحمةً للعالمين.
ورضي الله عن الصحابة الكرام والتابعين بإحسانٍ، ومَن تبعهم من المهتدين إلى
يوم الدين. وكرَّم الله تعالى وجه عليّ رضي الله عنه الذي قال: ((إنَّ النعمة
موصولةٌ بالشكر، والشكر يتعلَّق بالمزيد، وهما مقرونان في قَرَن فلن ينقطع
المزيد من الله حتَّى ينقطع الشكر من العبد)).
﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِيّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ
١٥
وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِّيَّتِىٌّ إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ
.
((اللَّهمَّ ما أصبح بي من نعمةٍ فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد
ولك الشكر)).
(«اللَّهمَّ أعنِّ على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)).
وبعد، فإنَّ هذه هي الطبعة الثانية لكتاب ((تخريج الحديث الشريف)) الذي
طبع للمرة الأولى قبل سنتين، أسأل المولى عزَّ وجلَّ أن ينفع بطبعته هذه كما
نفع بسابقتها .

وإن كان لا بدَّ من كلمة تقال بين يدي هذه الطبعة فإنِّي أتوجَّه بالشكر إلى
أساتذتي وإخواني المدرِّسين الذين لولا تشجيعهم وقول بعضهم: ((إنَّه جديرٌ بأن
يكون مقرّرًا دراسيًّا)) لما كان للكتاب رواج في معاهد عدد من الدول الإِسلامية.
أخصُّ بالذكر شيخنا الفاضل الدكتور نور الدين عتر - حفظه الله تعالى
ورعاه - وإخواننا ممَّن يدرِّسون الحديث الشريف أذكر منهم الدكتور بديع
السيِّد اللَّخَّام في سوريا، والدكتور صالح يوسف معتوق في الإمارات العربية،
والدكتور قاسم علي سعد في المملكة العربيّة السعودية.
أذكر ذلك من باب قوله مَل ـ: ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)).
هذا، وقد صوَّبتُ في هذه الطبعة ما كان في سابقتها من أخطاء مطبعية .
فأسأل الله تعالى أن يجعل لها القبول.
(«اللَّهمَّ إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك
شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأسألك من
خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم)).
سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله
ربّ العالمين.
وكتبه الفقير إلى رحمة ربِّ الغنيّ
علي نايف بقاعي
بيروت في ٤ رجب ١٤٢٣ هـ
الموافق ١١ أيلول ٢٠٠٢ م
٦

المقَدّمَة
بِسْمِاللهِالرّمِ الرَّحْيَّمِ
الحمد للَّه العلَّم، الذي ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، ولا يعزب
عن علمه شيء، ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ أَكْمَاِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا
بِعِلْمِهِ﴾، الذي علَّمنا بعد أن لم نكن نعلم، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَلِتِكُمْ لَا
تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ .
حمدًا يوافي نِعَمَهُ ويكافىء مزيده، ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ
الثَّمَرَتِ رِزْقَالَّكُمْ﴾، وما أكثرها مِنْ ثمراتٍ وما أعظمها من نِعَم .
وصلَّى الله تعالى على مَنْ أنزل عليه الكتاب هدى للناس، ﴿كِتَبُ
أَنَزَ لْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُّمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ .
ورضي اللَّه عن الصحابة أجمعين، الذين ذُكِرَ وصفُهم في الكتب المنزلة
على النبيِّين، ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِ اُلْإِنِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْئَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،
يُعْجِبُ الزَُّّاعَ لِيَغِيَظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾ .
أمَّا بعد، فإنَّ أجلّ العلوم بعد علوم كتاب الله تعالى تلك العلوم التي تتعلَّق
بسنَّة رسول الله وَّر. كيف لا، والسنَّة هي المبيّنة لكتاب الله تبارك وتعالى.
وهذه العلوم المتعلّقة بالُّنَّة، وإن شئتَ قلت علوم الحديث كثيرة جدًّا،
يدرس بعضَها طلَّبُ الكلِّيَّات والمعاهد الشرعيَّة في مادتي: مصطلح الحديث،
وأحاديث الأحكام.
٧

وفي العقود الثلاثة الأخيرة استحدث بعضُ الكلِّيَّات الشرعية موادًّ
جديدة، كأصول التخريج، ودراسة الأسانيد، ومناهج المحدِّثين. وبدأ أهل
الاختصاص في الحديث الشريف يصنّفون في هذه الموادّ. ومعلومٌ أنَّ كلّ
مولودٍ يخرج صغيرًا، ثمَّ يكبر، وأنَّ كلَّ سابقٍ للكلام على فنّ لا بدَّ أن يترك
أشياء للمتعقّب، ويدع مسائل للمستدرِك والمهذِّب.
وأوكل إليَّ تدريس مادَّة تخريج الحديث ودراسة الأسانيد في العام
١٤١١ هـ، الموافق ١٩٩١ م في بعض كلَِّّات بيروت المحروسة بإذن الله تعالى،
ثمَّ في العام التالي في بعض كلِّيَّات طرابلس الفيحاء حماها المولى عزَّ وجلّ.
فدرَّست المادَّة وقتئذٍ مستعينًا بكتاب ((أصول التخريج ودراسة الأسانيد))
للدكتور الفاضل محمود الطخَّان حفظه الله تعالى؛ لأنَّني وجدتُه أنسب الكُتب
المطبوعة في ذلك الحين.
ثمَّ رأيتُ من واجبي تجاه طلَّب الدراسات الإِسلاميّة عمومًا، وطلَّب
الحديث خصوصًا، أن أُؤَلِّف كتابًا في التخريج ودراسة الأسانيد ومناهج
المحدِّثين، وأجعله تعلُّميًّا تعليميًّا، يتعلَّمه الطالب بنفسه، ويعلِّمه المدرِّس
لطلَّبه، وأُكْثِرُ فيه مِن الأمثلة والتطبيقات المحلولة، وأذكر تطبيقاتٍ عديدةً غير
محلولة، ليتمرَّن الطالب على حلِّها، ويتمكَّن المدرِّس مِن إعطاء كلِّ طالبٍ
تطبيقًا مختلفًا عمَّا يعطيه للطلَّب الآخرين. ولا أطيل الكلام في وصف
المصنَّفات، ولا في الوصف النظري لطرق التخريج، بل أكتفي بذكر ما يُحتاج
إليه من هذا الوصف فقط، لأترك المجال رحبًا للتطبيق العملي.
ورأيت أن يكون هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء:
الجزء الأوَّل: تخريج الحديث الشَّريف.
الجزء الثاني: دراسة أسانيد الحديث الشّريف.
الجزء الثالث: مناهج المحدِّثين في الصناعة الحديثيَّة.
٨
٠٠ ....

والجزء الأوّل هو هذا الذي بين يديك خصَّصته للتخريج، الذي يُقصد منه
تيسير الوصول إلى الحديث. وغالب ظنِّ أنَّ تيسير الوصول إلى الحديث أمرٌ
لم يغب عن بال سلفنا رضي الله عنهم الذين صنَّفوا في القرون الأولى .
وما التصنيف على الموضوعات، ثمَّ على المسانيد، ثمَّ على الترتيب
الألفبائي إلاَّ لأجل تيسير الوصول إلى الحديث، الذي هو مقصود التخريج.
وجعلتُ هذا الجزء في بابين، الأوَّل منهما في مبادىء التخريج، والثاني
منهما في طرق التخريج. ثمَّ جعلتُ الأوَّل في أربعة فصول، والثاني في خمسة
كالآتي :
الباب الأول: مبادىء التخريج
الفصل الأول: التخريج: تعريفه وفوائده وصياغته وتاريخه
ذكرتُ فيه تعريف التخريج لغةً واصطلاحًا، ودفعتُ اعتراضًا أورده بعض
المعاصرين على أبسط تعريفٍ له، وبيَّنت إغراب من جعل التخريج هو الاعتبار
المعروف في علوم الحديث. ثم ذكرتُ أسماء الكتب التي وقفتُ عليها في
تعليم التخريج. وبيَّنْتُ بعد ذلك كيفية صياغة العزو للمصادر. ثمَّ ذكرتُ فوائد
التخريج، وختمتُ الفصل بذكر نبذة في تاريخ التخريج وبعض ما أُلِّف فيه .
الفصل الثاني : مناهج تصنيف كتب الحديث
ذكرتُ في هذا الفصل أنَّ أنواع المصنَّات مرتَّبَةٌ إمّا على الموضوعات
وإمَّا بحسب الرَّاوي وإمَّا على حروف المعجم.
وعرَّفتُ ممَّا رُتِّب على الموضوعات بالجوامع والسنن والمصنَّفات
والموطَّآت والمجاميع وكتب الزوائد والمستدركات والمستخرجات والأجزاء
والكتب ذوات الموضوع العامّ.
٩
٫١٫٠٠"

ثم عرَّفت ممَّا رُتِّب على حسب الراوي بالمسانيد والمعاجم وكتب
الأطراف.
وأخيرًا ذكرتُ بعض ما رُتِّب على حروف المعجم من الكتب الحديثيّة.
الفصل الثالث: التخريج: مدى التوسّع فيه
وماذا يُستخدم في كلّ طريقة من طرقه
قسمتُ في هذا الفصل التخريج إلى ثلاثة أقسام من حيث التوسُّع فيه،
وهي: الوجيز، والوسيط، والبسيط. ثمَّ بيَّنتُ أنَّ العمدة في التخريج أصل
الحديث .
وذكرتُ بعد ذلك ما يُستخدم في كلّ طريقة من طرق التخريج، وختمتُ
الفصل ببيان إمكانية استخدام أكثر من طريقة لتخريج الحديث الواحد.
الفصل الرابع: استخدام الحاسوب في تخريج الحديث
بيَّنتُ فيه أنَّه يمكن الاستفادة من الحاسوب بتضافر جهود المحدِّثين
والمبرمجين.
ثمَّ ذكرتُ ثلاثة برامج متوفّرة في الأسواق، هي: مكتبة الحديث الشَّريف،
وموسوعة الحديث الشَّريف، والمحدِّث، وأشرت إلى برنامجين آخرين.
الباب الثاني: طرق تخريج الحديث الشَّريف
الفصل الأوَّل: الطريقة الأولى: تخريج الحديث بمعرفة موضوعه
بيَّنتُ كيف ومتى تُستخدم هذه الطريقة. وقسمتُ الكتب المستخدمة فيها
إلى مفردةٍ ومشتملة، وإلى أصلية وغير أصلية. ثمَّ جعلت تطبيقات هذه الطريقة
على ست مراحل. كي يتدرَّج المبتدىء في التخريج شيئًا فشيئًا.
الفصل الثاني: الطريقة الثانية: تخريج الحديث بمعرفة راويه
بيَّنتُ متى تُستخدم كتب المسانيد والمعاجم. ثمَّ عرَّجتُ على استخدام
١٠
٠٠ ..

كتب الأطراف ككتاب المِزِّي: ((تحفة الأشراف))، وكتاب ابن حجر: ((إتحاف
المَهَرَة)» .
الفصل الثالث: الطريقة الثالثة: تخريج الحديث بمعرفة طرفه الأوَّل
بيَّنتُ متى تُستخدم هذه الطريقة. ونبَّهتُ إلى احتمال اختلاف طرف
الحديث الأوَّل باختلاف روايات الحديث، وإلى اختلاف ترتيب بعض
الفهارس. ثمَّ أشرتُ إلى وجود فهارس خاصة وأخرى عامّة وإلى كيفية
استخدام کلّ منها.
الفصل الرابع: الطريقة الرابعة: تخريج الحديث بمعرفة
إحدی صفات السند أو المتن
ذكرتُ في هذه الطريق الرجوع إلى كلٍّ من أنواع المصنَّفات الآتية: كتب
الأحاديث المتواترة والقدسية والصحيحة والضعيفة والموضوعة والمسلسلة
والمعلَّة والمرسلة وروايات الأبناء عن الآباء والمشتهرة على الألسنة.
الفصل الخامس: الطريقة الخامسة: تخريج الحديث بمعرفة لفظة من ألفاظه
بيَّنت أنَّه يستخدم في هذه الطريقة المعجم المفهرس لألفاظ الحديث
النبوي، وكتب غريب الحديث. وذكرت بعض عيوب المعجم المفهرس. ثمَّ
ذكرت مفتاح المعجم المفهرس. وختمت الفصل ببيان فائدة كتب غريب
الحديث في التخريج.
ثمَّ ختمتُ الباب بتتمَّات التخريج. وألحقتُ بالكتاب قائمة المصادر
والمراجع وفهرسًا للموضوعات.
وبهذا ينتهي الجزء الأوَّل من كتابي ((مناهج المحدِّثين في التخريج
ودراسة الأسانيد والصناعة الحديثيّة))، وهو جزء تخريج الحديث الشَّريف.
وأرجو اللَّهَ عزَّ وجلّ أن يمدّني بالعون في إكمال الجزأين الباقيين من الكتاب
١١

وطبعهما في وقتٍ قريب. وأسأله سبحانه وتعالى أن ينفعني وجميع المسلمين
به، وأن يجعل عملي مقبولاً عنده إنَّه أكرم مسؤول. وإنِّي سائلٌ أخًا نظر في
كتابي هذا أن يغضّ الطرف عن عیبٍ وجده، فلله الكمال وحده، وأن يدعو
لي ولجميع المسلمين بالمغفرة والتوفيق والرَّشاد، وله مثل ذلك من ربِّ
العباد.
ربَّنا آتنا من لدنك رحمةً وهيٍّء لنا من أمرنا رشداً.
سبحان ربك ربّ العزَّة عمَّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله
ربّ العالمين.
وكتبه الفقير إلى رحمة ربِّه الغنيّ
علي نايف بقاعي
بيروت في ٢٠ ربيع الأول ١٤٢١ هـ
الموافق ٢٢ حزيران ٢٠٠٠م
١٢

البَابُالأوَّل
مبادىء التخريج
١٣

…

الفصل الأوّل
التَّخريج: تعريفه وفوائده وصياغته وتاريخه
التخريج لغةً :
التخريج: تفعيل مِن ((خَرَجَ)) ضد دخل. قال أحمد بن فارس(١): (خرج)
الخاء والراء والجيم أصلان، وقد يمكن الجمع بينهما، إلاّ أنّا سلكنا الطريق
الواضح.
فالأوّل: النفاذ عن الشيء. والثاني: اختلاف لونين.
فأمّا الأوّل فقولنا: خرج يخرج خروجًا. والخُراج بالجسد.
والخَراجِ والخَرْج: الإِتاوة، لأنّه مالٌ يخرجه المعطي.
والخارجيّ: الرجل المسوَّد بنفسه ...
وأمّا الأصل الآخر: فالخَرَجَ: لونان بين سواد وبياض ...
وقال ابن منظور(٢): خارج كلّ شيء ظاهره ... وخرجتْ خوارج فلان:
إذا ظهرت نجابته ... وخراج: اسم لعبة، وهو أن يمسك أحدهم شيئًا بيده
(١) معجم مقاييس اللغة (خرج)، ١٧٥/٢. تحقيق وضبط عبد السلام هارون، الطبعة
الأولى بالقاهرة ١٣٦٦ هـ. دار إحياء الكتب العربية.
(٢) لسان العرب (خرج)، ٢٤٩/٢ - ٢٥٤.
١٥

ويقول لسائرهم: أخرجوا ما في يدي ... والخُروج: الألف التي بعد الصلة في
القافية. والفرق بين الخُروج والوصل أنَّ الخروجَ أشدّ بروزًا عن حرف الرويّ
واكتنافًا من الوصل لأنّه بعده. وسمّي خُروجًا لأنّه برز وخرج عن حرف
الرويّ.
وفي التفسير(١): ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَتَهَا﴾: أي أبرز وأظهر نهارها ونورها.
فمادّة خرج كما ترى يدور أحد معانيها على النفاذ عن الشيء الذي يلزم
منه الظهور والبروز. ومن هنا تتّضح مناسبة المعنى اللغوي للمعنى الاصطلاحي
الذي يأتي.
التخريج اصطلاحًا :
لم يعرّج كثيرٌ من الذين ألّفوا في التخريج كالزيلعي والعراقي وابن حجر
وغيرهم على تعريفه، بيد أنّه يمكن الاسترشاد بصنيعهم في التخريج، وتعريفه
كالآتي :
هو إظهار مواضع الأحاديث من مصادرها المسندة.
وقصدتُ بالمصادر المسندة الكتب التي روت الأحاديث بالأسانيد، سواء
أكانت كتبًا حديثيّة كصحيح البخاري وغيره، أم كانت غير حديثية مثل بعض
كتب الأصول والفقه والتفسير والتاريخ وغير ذلك، كالرسالة للإِمام الشافعيّ في
الأصول، والأمّ له في الفقه، وجامع البيان للطبري في التفسير، وتاريخ الأمم
والملوك له في التاريخ.
ولا يَرِدُ على تعريفي هذا أنَّ بعض كتب التخريج فيها زياداتٌ على مجرّد
(١) البغوي، تفسير البغوي المسمّى معالم التنزيل: تفسير الآية (٢٩) من سورة
النازعات، ٤٤٥/٤.
١٦

إظهار مواضع الحديث، كالحكم عليه صحّةً أو ضعفًا، لأنَّني لاحظت جوهر
التعريف دون الزيادات، إذ إنّ هذه الزيادات لم يطرد وجودها في كتب التخريج
كافّة.
اعتراضٌ ودَفْعُه :
تحت عنوان تعريف المعاصرين للتخريج أورد بعض المعاصرين تعريف
الدكتور محمود الطحّان للتخريج الذي نصّه: «هو الدلالة على موضع الحديث
في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده ثمّ بيان مرتبته عند الحاجة)). ثمّ اعترض
قائلاً: ((وعندما ننظر إلى حقيقة التخريج وأبعاده العلمية فإنّنا نجد في هذه
التعاريف بعض الخلل الذي أدّى إلى تهميش دور التخريج وتجريده من قيمته
نظريًّا وعمليًّ)). ثمّ وضع تعريفًا للتخريج العلمي بأنّه ((كشف مظانّ الحديث من
المصادر الأصلية التي تعتمد في نقله على الرواية المباشرة، لمعرفة حالة روايته
من حيث التفرّد أو الموافقة أو المخالفة)).
قلت: لا أرى وجهًا لهذا الاعتراض، لأنّ قوله: ((لمعرفة حالة روايته من
حيث التفرّد أو الموافقة أو المخالفة))، مندرجٌ في قول الدكتور الطحّان: ((ثمّ
بيان مرتبته عند الحاجة))، وأرى ذلك أمرًا زائدًا على جوهر التعريف.
كما أرى أنَّ معرفة أحوال الرواية من حيث التفرّد، أو التعدد في حالتي
الموافقة والمخالفة داخلة في استخراج علل الحديث، لا في مجرّد تخريجه
الذي هو إظهار مواضعه من المصادر المسندة .
ثمّ إذا أدخلنا معرفة أحوال الرواية من حيث التفرّد أو التعدد في حالتي
الموافقة والمخالفة في مسمّى التخريج، فما الذي ندخله تحت مسمَّی دراسة
الأسانيد بعد ذلك؟!
١٧

هذا، ولقد أغرب معاصر آخر حين قال: ((ويعرف تخريج الحديث في
علوم الحديث بالاعتبار))، لأنّ الاعتبار هو البحث عن وجود متابعات وشواهد
لحديث معيّن، وذلك لا يبدأ إلاَّ بعد معرفة موضع الحديث في بعض
مصادره .
وهذه نقولٌ عن بعض الأئمّة تؤكّد صواب ما ذهبت إليه في تعريف
التخريج :
قال السيوطي في مقدّمة مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا: ((هذا
كتابٌ نفيسٌ ألّفته، وتأليف شريف رصفته خرّجت فيه أحاديث الشفا للقاضي
عیاض تخريجًا محرّرًا، سالكًا فيه طريقًا موجزًا مختصرًا)).
هذا ما قاله السيوطي، ولم يزد بعد ذلك على عزو الحديث إلى مصادره
شيئًا، أفلا يكون ما صنعه السيوطي تخريجًا!
وقال زين الدين المُناوي في مقدمة كتابه فيض القدير شرح الجامع
الصغير، شارحًا لقول السيوطي: ((وبالغت في تحرير التخريج))، قال: ((بمعنى
اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمّة الحديث من الجوامع
والسنن والمسانيد)).
قلت: وهذا نصٌّ في تعريف التخريج.
وقال صدر الدين المُناوي في مقدمة كتابه تخريج أحاديث كتاب
((أربعون حديثًا في اصطناع المعروف للمنذري))، قال: ((غير أنَّ الشيخ رضي الله
عنه لم يبيّن فيها مَن خرّجها، ولا مِن أيّ الكتب استحسنها وانتخبها، فأردت
تخريجها للطلّب، طلبًا لمشاركته في الثواب، وتقرّبًا إلى ربّ الأرباب، من
غير أن أتعرّض إلى تضعيف حديثٍ ولا تصحيحه، ولا تقوية سنده ولا
تر جیحه)) .
١٨