Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠٠
فأقول: الرجل وإن قال عنه أبو داود: ليس بثقة. لكن صححَّ له ابنُ
السکن، ومقتضى ذلك أن یکون ثقة عنده، فمع توثيق ابن السكن و کلام
أبي داود، فالرجل يصلح للمتابعات ولا ريب.
فصل
وقد تقعقع ابن عبدالهادي رحمه الله تعالى فأخذ يضعف هذه المتابعة
فقال:
إنه حديث ضعيف الإسناد، منکر المتن، لا يصلح الاحتجاج به، ولا
يجوز الاعتماد على مثله، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب الستة، ولا
رواه الإمام أحمد في مسنده، ولا أحدٌ من الأئمة المعتمد على ما أطلقوه في
روايتهم ولا صححه إمام يعتمد على تصحيحه، وقد تفرد به هذا
الشيخ(١) الذي لم يعرف بنقل العلم ولم يشتهر بحمله ولم يعرف من حاله
ما يوجب قبول خبره، وهو مسلمة بن سالم الجهني الذي لم يشتهر إلا
برواية هذا الحديث المنكر، وحديث آخر موضوع ذكره الطبراني بالإسناد
المتقدم ومتنه: "الحجامة في الرأس أمان من الجنون، والجذام، والبرص
والنعاس، والضرس". وروى عنه حديث آخر منكر من رواية آخر غير
العبادي، وإذا تفرد مثل هذا الشيخ المجهول الحال القليل الرواية بمثل هذين
الحديثين المنكرين عن عبيدالله بن عمر أثبت آل عمر بن الخطاب في زمانه
(١) وأغرب ابن عبد الهادي فقال: إنه مجهول الحال (الصارم المنكي ص٦٩).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٠١
وأحفظهم عن نافع عن سالم عن أبيه عبدالله بن عمر من بين سائر
أصحاب عبيد الله الثقات المشهورين والأثبات المتقنين علم أنّه شيخ لا يحل
الاحتجاج بخبره ولا يجوز الاعتماد على روايته. اهـ.
قلت: أما كونه ضعيف الإسناد منكر المتن، فهو معارض بتصحيح
من هو أعلم، وأقدم، وأقعد بهذا الفن منه، أعني الحافظ أبا عليّ ابن
السكن(١) الذي صحَّح هذا الطريق بمفرده. فما بالك وهذا الطريق متابع
لموسى بن هلال البصري فهو مقبول حسب القواعد.
أما كونه (منكر المتن)، فهي دعوى لا يسندها إلا الدفع بالصدر
فقط، فلا دليل أتى به ابنُ عبدالهادي ليقيم به صلب هذه الدعوى
المتهاوية!
أما قوله: ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتاب الستة ولا رواه الإمام
أحمد في مسنده ... إلخ، فهذا اعتراض لا يليق بعارف بالحديث کابن
عبدالهادي، وعندما عرف العلماء الحديث الصحيح لم يشترطوا أَنْ يكون
مروياً في الكتب ما خلا الكتب التي ذكرها ابن عبدالهادي وغيرها، لأن
العبرة بالسند لا بالكتاب ما خلا الكتب التي لها شروط معينة،إذ
الكتاب لا يفيد الحديث قوة أو ضعفاً، وكذلك صاحب الكتاب لا
يفيد الحديث شيئاً إذا كان السند الذي ذكره في كتابه ضعيفاً.
(١) وعندما رتب ابنُ حزم كتب السُّنة جعل صحيح ابن السكن ثالث الكتب بعد
الصحيحين، راجع تذكرة الحفاظ للذهبي (١١٥٣/٣)
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٠٢
وقد يكون الكتاب مشحوناً بالمنكرات، والواهيات، والموضوعات
ويسند صاحبه في أحاديث صحيحة وحسنة ومتابعات مقبولة فيحكم لها
بالصحة أو الحسن حسب حال السند، وبغض النظر عن الكتاب وهكذا
الأمر في جميع كتب السُنّة إلا من اشترط شرطاً لكتابه كأصحاب
الصحاح والمستخرجات.
والحاصل: أنَّ كلام ابن عبدالهادي مخالفٌ لأدنى قواعد علم الحديث
الشريف وهي تعريف الحديث الصحيح الذي لم يشترط أن يكون مروياً
في کتاب کذا وليس في كتاب كذا. والله المستعان.
علی أنَّ هذه المتابعة صححها ابنُ السكن یایراده إياها في صحيحه،
وأخرجها الطبراني في معجميه الكبير، والأوسط وهما من أهم أصول
الإسلام المعتنى بها.
وقد قال ابن تيمية في المنهاج (١٢٢/٢):
من المعلوم أنَّ الأحاديث المنقولة لا يميز بين صدقها وكذبها إلا
بالطرق الدالة على ذلك. اهـ
فانظر إلى قوله "بالطرق"، ولم يقل بالكتب. والله المستعان.
وأما قول ابن عبدالهادي: (وقد تفرد به هذا الشيخ ... ) إلخ.
قلت : قد مرَّ أنَّ الشيخ هو مسلمة بن سالم الجهني لم ينفرد به، بل
تابعه بلدیه موسى بن هلال البصري، وكذا تقدم الكلام على صلاحية
مسلمة بن سالم الجهني للمتابعات، ثم أراد ابن عبد الهادي أن يجهز على
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٠٣
الرجل ويطيح به أرضاً، فحكم على حديثين أخرجهما له الطبراني
بالوضع والنكارة.
أما الأول: وهو حديث: ( الحجامة في الرأس أمان من الجنون،
والجذام، والبرص، والنعاس، والضرس) فلم يُسبق ابن عبدالهادي من أحدٍ
- والله أعلم - في الحكم على هذا الحدیث بالوضع.
٦٠
و کیف یحکم عليه بالوضع وله شاهد عن ابن عباس أخرجه العقيلي
(٨٣/١)، وابن عدي (٢٠٧٤/٦)، وفيه إسماعيل بن شيبة الطائفي، وهو
وإن كان ضعيفاً لكنه لم يتهم بالكذب، فإذا ضَمَمْنَا هذا الشاهد لحديث
مسلمة بن سالم الجهني كان الحكم علي الحديث المذكور بالوضع بعيداً
جداً عن قواعد الحديث. والله المستعان.
وأما الحديث الآخر: فالخطب فيه هَيِّنّ، والأمر فيه ليس بعظيم ولا
يخرج الرجل عن الاستشهاد به، واقتصر الهيثمي في المجمع (٢١١/٣) على
تضعيف الحديث بمسلمة بن سالم فقط، وهو يعني اعتباره في المتابعات
والشواهد، وهو قول حافظ، ناقد، ثاقب الرأي، ليس متشدد أو جَرَّاح.
قوله: وإذا تفرد مثل هذا الشيخ المجهول الحال القليل الرواية بمثل
هذين المنكرين عن عبيد الله بن عمر ... إلخ.
قلت: دعوى لم يسبق إليها، فليس الرجل بمجهول الحال ولم يصرح
أحد بذلك.
فقد روى عنه جماعة، وصحّح له ابنُ السکن، وقال عنه أبو داود:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٠٤
ليس بثقة، وكان إماماً لمسجد بني حرام بالبصرة، فكيف يكون مجهولاً
بعد ذلك ؟
على أن تفرده عن عبيد الله العُمري لا يضره.
فقد تابعه بلديه موسى بن هلال البصري، وقد مرَّ الكلامُ على مثل
هذه الشبهة. والله المستعان.
أما عن الأمر الثالث فهو خاص ببيان حال عبدالله بن عمر
العمري
فقد قال ابنُ عبدالهادي ما نصُّه:
وقد تكلم في عبدالله العُمري جماعة من أئمة الجرح والتعديل ونسبوه
إلى سوء الحفظ، والمخالفة للثقات في الروايات.
قال أبو حاتم محمد بن حبان البُستيّ في كتاب " المجروحين من
المحدثين": عبدالله بن عمر بن محمد بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب العُمري أخو عبيد الله بن عمر من أهل المدينة، يروي عن نافع،
· روى عنه العراقيون وأهل المدينة، كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة
حتى غفل عن حفظ الأخبار وجودة الحفظ للآثار فوقع المناكيرُ في روايته،
:
فَلمَّا فَحُشَ خطؤه استحق التركِ، ومات سنة ثلاث وسبعين ومائة.
حدثنا الهمداني، حدثنا عمرو بن عليّ قال: كان يحيى بن سعيد لا
يحدث عن عبد الله بن عمر، قال أبو حاتم: وهو الذي روى عن نافع عن
عمر (أن النبي ﴿ كان إذا توضأ خَلْلَ لحيته)، وروى عن نافع عن ابن
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٠٥
عمر أن النبي # قال: (من أتى عرافاً فسأله لم تُقْبل له صلاةُ أربعين
يوماً)، وروى عن نافع عن ابن عمر أنَّ النبي ﴾ (أسهم للفارس سهمين
وللراجل سهماً) فيما يشبه هذا من المقلوبات والملزوقات التي يُنكرها من
أمعن في العلم وطلبه من مظانه.
وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: وعبدالله بن عمر ضعفه يحيى
ابن سعيد من قبل حفظه، وقال البخاري في تاريخه: عبد الله بن عمر بن
حفص العُمري المدني قرشي كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال النسائي في
كتاب "الكني": أبو عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن
عمر "ضعيف"، وقال العقيلي: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال:
سألت يحيى ابن معين عن عبدالله بن عمر العُمري فقال: "ضعيف"، حدثنا
عبدالله، قال: سألت أبي عن عبدالله بن عمر فقال: كذا وكذا، وقال أبو
زرعة الدمشقي: قيل لأحمد بن حنبل: كيف حديث عبدالله بن عمر ؟
فقال: كان يزيد في الأسانيد ويخالف وكان رجلاً صالحاً، وقد ذكر
العقيلي هذا القول عن الإِمام أحمد بن حنبل من رواية أبي بكر الأثرم
عنه، وروى إسحق بن منصور عن يحيى بن معين قال عبدالله بن عمر
صويلح، وقال عبدالله بن عليّ بن المديني عن أبيه: "ضعيف"، وقال أبو
حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق
في حديثه اضطراب، وقال صالح بن محمد البغدادي: لين مختلط الحديث،
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. انتهى من الصارم المنكي
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٠٦
(ص٣٦-٣٨).
قلت: أسرفَ ابنُ عبدالهادي - رحمه الله تعالى - بذكر الجرح وقنع
بالقليل من التعديل.
فالذي يقف على ما ذكره ابنُ عبدالهادي يجزم بضعف الرجل، أما
الواقع ونفس الأمر فشيء آخر، وعلى ذلك يجب الالتفات لأمور أذكرها
في فصول بعون الله تعالى.
فصل
الأول: صَدَّر ابن عبد الهادي كلامه بنقل جرح ابن حبان للعمري
"المجروحين" مِن (٦/٢).
وتعنَّتُ ابن حبان ومبالغته في الجرح استفاضت واشتهرت.
وقد نصَّ على تعنته ومبالغته في الجرح عدد من الحفاظ منهم الذهبي،
وابن حجر، کما تقدم في أماكن سابقة.
"وقد بين ابن حبان مستنده في جرحه للعُمري فأتى بثلاثة أحاديث
ادعى خطأ عبدالله العُمري فيها.
أما الحديث الأول: فقال أبو حاتم ابن حبان: وهو الذي روی عن
نافع عن ابن عمر أن التي ®ے کان إذا توضأ خلل لحيته. اهـ.
قلت: إن كان للحديث علة فمن الراوي عن عبدالله العُمري.
قال الطبراني في المعجم الأوسط (٣٩/١ مجمع البحرين): لم يروه
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٠٧
عن العُمري إلا مؤمل بن إسماعيل. اهـ.
ومؤمل وإن وثق لكن ضعفه جمعٌ، وقال فيه البخاري: منکر
الحدیث.
فالأولى الحمل على مؤمل بن إسماعيل، بل هو الواجب.
وأما الحديث الثاني: فقال أبو حاتم بن حبان: وروى عن نافع عن
ابن عمر أن النبي # قال: (من أتى عَرَّافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين
يوماً). اهـ.
أخرجه ابن وهب في "الجامع" (ص١١٤)، سمعت عبدالله بن عمر
يحدث عن نافع، عن ابن عمر به مرفوعاً.
قلت: أراد ابن حبان أن عبدالله خالف أخاه الذي رواه من حديث
نافع عن صفية عن بعض أزواج النبي # به مرفوعاً.
رواه من هذا الوجه مسلم في صحيحه (١٧٥١/٤)، وأحمد في
المسند (٦٨/٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤٠٧/١٠)، وتاريخ أصبهان،
والبيهقي في السنن الكبرى (١٣٨/٨).
فابن حبان يرى أن الصَوابَ عنّ نافع عن صفيةً.
لكن أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٤٦/٨) من حديث أبي إسحاق
السبيعي، عن سعيد بن وهب، عن ابن عمر مرفوعاً نحوه.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣٠٨
قلت: أبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن وهب ثقتان معروفان، وهذه
المتابعة تظهر أنَّ الحديث صحيح من مسند عبدالله بن عمر رضي الله
عنهما فلم يخطئ فيه عبدالله العُمري، كما تظهر مدى التسرع في تخطئة
عبدالله العُمري.
أما الحديث الثالث: فقال ابن حبان: وروی عن نافع عن ابن عمر
أنَّ النِي ◌َ﴾ : (أَسْهَمَ للفارسِ سهمينٍ وللراجلِ سهماً).
قلت: غرض ابن حبان بيان أن عبدالله العُمري خالف أخاه
عبيد الله الذي رواه باختلاف في اللفظ عن نافع عن ابن عمر رضي الله
عنهما أنَّ النبي ﴾ (جعل للفرسِ سهمين، ولصاحبه سهماً) ..
والإجابة على ذلك هي ما قاله الحافظ في (الفتح) (٦٨/٦) قال:
المعنى أسهم للفارس بسبب فرسه غير سهمه المختص به. اهـ.
وإن سُلِّم بخطأ عبد الله العُمري في هذا الحدیث فلا يضره بجانب ما
روی، والرجل مکثر، وقد أخطأ في حديث فكان ماذا ؟
فإن قيل: قد ذكر معنى الترك غيرُ ابن خبان، وهوابنُ عَمَّار الموصلي،
فقال كما في التهذيب (٣٢٨/٥): لم يتركه أحد إلا يحيى بن سعيد. اهـ.
قلت: قال عمرو بن عليّ الفلاس: کان یحیی بن سعید لا يحدث عنه.
وابن عَمَّار أو الفلاّس لم يذكرا مستندَ يحيى بن سعيد في عدم الرواية
عنه.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٠٩
والحاذق يعلم أنَّ ابن عمَّار لم يقصد الترك بالمعنى الاصطلاحي،
ولكنه قصد الترك بمعنى عدم الرواية، وبَوْنٌ شاسع بين المعنيين فلزم التنبيه.
ويوضحه ويقويه قول أبي عيسى الترمذي الحافظ (العلل مع شرحه
ص١٢):
ذُكِرَ عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث من حفظه
مرة هكذا، ومرة هكذا لا يثبت على رواية واحدة تركه، وقد حدَّث عن
هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبدُ الله بن المبارك، ووكيع
بن الجراح، وعبدالرحمن ابن مهدي، وغيرهم من الأئمة. اهـ.
وهذا ابنُ عبدالهادي الذي شَنّع على عبدالله العُمري يقول عن أحد
الرواة:
وكون يحيى بن سعيد كان لا يرضاه غير قادح فيه، فإن يحيى شَرْطُه
شديدٌ في الرجال، ولذلك قال: لو لم أروِ إلا عَمَّن أرضى ما رويت إلا
عن خمسة. اهـ.
وكونه لا يرضاه أي لا يرضى الرواية عنه، فهو كعبدالله العُمري
فتأمل.
وقد قال الحافظ في "مقدمة الفتح" (ص ٤٠٢) في ترجمة الزبير
البصري:
وحكى الباجي في رجال البخاري عن عليّ بن المديني أنه قال: لم
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣١٠
برزٍ عنه شعبة، وبين اللفظین فرقان. اهـ.
وترك الرواية قد يكون لشبهة لا توجب الجرح.
ومما يدل على أنَّ قول ابن حبان في العُمري غير معمول به، ولم
يُلتفت إليه أنَّ المحدثين انقسموا في العُمري لقسمين: منهم من قبل حديثه،
والثاني من ضعفه.
وهذا الأخير قبل حديثه في باب المتابعات والشواهد، والمعلوم والمقرر
أن المتروك لا يُقْبل حديثه في المتابعات والشواهد، فَعُلِمَّ أن ضعفه عندهم
من الضعف الخفيف الذي يزول بمجيء متابع له أو شاهد فيرتقي حديثه
إلى الحسن لغيره. والله أعلم.
ويعضده أنَّ الرجل قد أخرج له مسلم في صحيحه مقروناً بأخيه
عبيدالله.
فکیف یکون من أخرج له مسلم في صحيحه - ولو مقروناً بغيره -
حاله كما ذكر ابن حبان، واعتمده ابن عبدالهادي ؟ !!.
فصْل.
ثم نقل ابن عبدالهادي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: كذا وكذا،
وقوله: کان یزید في الأسانید ويخالف، و کان رجلاً صالحاً.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣١١
قلت: أما عن الأولى فلك في النظر إليها وجهان: " . ..
الوجه الأول: قال الذهبي في الميزان (٤٨٣/٤) في ترجمة يونس بن
أبي إسحاق السبيعي هذه العبارة - أي قول أحمد: كذا وكذا - يستعملها
عبدالله بن أحمد كثيراً فيما يجيبه به والده، وهي بالاستقراء كناية عمن فيه
لین. اهـ.
واللين أقل الضعف.
ولكن لم يذكر ابن عبد الهادي - سامحه الله - ما يدل على توثيق أحمد
لعبد الله بن عمر العُمري، حيث قال كما في الجرح والتعديل
(١٠٩/٥-١١٠)
(صالح، لابأس به، قد روی عنه الناس) اهـ.
الوجه الثاني: قال ابن عدي في "الكامل" (١٤٦٠/٤):
ثنا ابن حماد، ثنا عبدالله بن أحمد عن أبيه قال: عبدالله بن عمر بن
حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو أخو عبيدالله بن عمر: كذا
وكذا، ثنا ابن أبي عصمة، ثنا طالِب سألت أحمد بن حنبل عن عبدالله بن
عمر العُمري قال:
(صالح، قد روى عنه، لا بأس به، ولكن ليس مثل أخيه
عبيد الله) اهـ.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣١٢
قلت: المدقق في أقوال الإمام أحمد رحمه الله تعالى يجد أنَّ كلامه هو
توثيق نسبي أو تليين نسبي لايُرادُ به المعنى المتعين من اللفظ الثاني فإنه نزل
به بالنسبة لأخيه عبيد الله الثقة الحافظ المتفق عليه.
وقد نَبَّه الحافظُ السخاوي على الجرح والتعديلِ النسبي فقال (فتح
المغيث: ٣٤٨/١):
ينبغي أن نتأمل أقوالَ المزكين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو
ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه ولا ممن يرد، وإنما ذلك
بالنسبة لمن قرن معه وفق ما وجه إلى القائل من السؤال كان يُسأل عن
الفاضل المتوسط في حديثه ويقرن بالضعفاء، فيقال ما تقول في فلان
وفلان ؟ فيقول: فلان ثقة يريد أنه ليس من نمط قُورن به، فإذا سُئل عنه
بمفرده بين حاله في المتوسط. وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بها. اهـ.
ويؤيد ذلك ما سيأتي عن ابن عدي إن شاء الله تعالى.
فصل
ونقل ابنُ عبدالهادي عن يحيى بن معين قولين:
الأول: تضعيفه.
والثاني: قوله: صويلح.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣١٣
فلم يستوفِ ابنُ عبد الهادي ما قاله ابنُ معين في الرجل.
فقد روى ابن أبي مريم عن يحيى بن معين أنه قال: ليس به بأس
یکتب، حديثه. اهـ.
ومن المعلوم أن قول ابن معين في الرجل ليس به بأس معناه أنَّه: ثقةٌ.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت لابن معين: كيف حاله في
نافع ؟ قال: صالح ثقة. (الكامل: ١٤٥٩/٤).
فالأول: توثيق مطلق من ابن معين للعُمري.
والثاني: توثيقه له في خصوص روايته عن نافع كما في حديثنا هذا،
وهو نصٌّ من إمام الجرح والتعديل قاطع النزاع.
والدارمي الذي روى عنه هذا النصُّ من أخصٌّ وأشهر أصحاب ابن
معين، والله المستعان.
ومما سبق يعلم أن الراجح من أقوال الإمام أحمد، وإمام الجرح
والتعديل يحيى بن معين هو قبول حديث عبدالله بن عمر العُمري،
واعتماد حديثه ما لم يخالف غيره ، شأنه في ذلك شأن جمهرة الثقات فإن
حديث الثقة مقبول ما لم يخالف. والله أعلم.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣١٤
فصل
وإذا تبين للقارئ الكريم حقيقة أقوال يحيى بن معين، وأحمد، وابن
حبان في العُمري فليعلم المستفيد أن الرجل قد وثقه جمع من الأئمة،
واعتمده عدد من حفاظ الأمة، وهذا معروف ومسطور في كتب الجرح
والتعديل.
ولكن الغريب ألا یذ کره ابن عبد الهادي، و لله في خلقه شئون ..!
فَمِمَّنْ وثق العُمري ممن لم يذكره ابن عبد الهادي في الصارم: الإمام
العلم أحمد بن صالح المصري (ثقات ابن شاهين ص ١٥١).
وقال أبو حاتم الرازي (الجرح: ١١٠/٥): رأيت أحمد بن صالح (١)
يحسن الثناء على عبد الله العُمري.
وقال العجلي: لا بأس به (الثقات ص ٢٣٩).
ووثقه ابن شاهین بإيراده له في ثقاته (ص ١٥١).
وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه. اهـ ، وقوله
(الحفاظ لم يرضوا حفظه) أي سعة محفوظه، انظر نظير ذلك في مقدمة
الفتح (ص ٤٢٠).
ولعلّهم لم يرضوا حفظه بالنسبة لحفظ أخيه عبيد الله العُمري، فإنَّ
كثيراً من أقوالهم فيه ترجع للمقارنة مع أخيه، كما سيأتي تصريح ابن
(١) وقع في التهذيب (٣٢٧/٥) أحمد بن حنبل وهو خطأ، والصواب ما في الجرح والتعديل.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣١٥
عدي بذلك، والمقصود بيان أنَّ الرجل: ثقة عند أبي يعلى الخليلي.
وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه.
وحَسَّن له أبو يعلى الموصلي.
وحَسَّن له أيضاً يعقوبُ بنُ شيبة وقال (تاريخ بغداد ٢٠/١٠): ثقة
صدوق في حديثه اضطراب. اهـ.
وهو يعني أن الاضطراب الذي في حديثه لا يخرجه عن حدِّ الثقة
الصدوق.
وقد صحّح له ابنُ السكن، وهو يعني توثيقه.
وحَسَّن له الترمذي (تحفة ٣٩١/٩ - ٣٩٢) في باب ما يقول إذا
رأى مبتلى، وفي أبواب الحج (تحفة ٥٩٠/٣)(١) في باب دخول مكة
نهاراً، وحوَّز البخاريُ تصحیح حديثه کما تشير عبارته في جزء رفع
اليدين (ص٢٥)، وذكره في صحيحه في كتاب العلم، باب المناولة (الفتح
١٥٤/١) فجزم الكرماني أنه العُمري، ومال إليه البدر العيني (٤٠٧/١)
وخالفهما الحافظ (الفتح ١٥٤/١)، وحَسَّن له ابن كثير في التفسير في
أوائل سورة القصص، وحسنَّ له المنذري في الترغيب لكن لا يحضرني
الآن أماكنه.
(١) ووهم المباركفوري رحمة الله تعالى في تحفة الأحوذي (٩٥٠/٣) فذكر أنه عبيد الله بن
عمر فرهم، والصواب أنه: عبد الله العُمري، وانظر تحفة الأشراف (١٠٧/٦).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣١٦
وقال ابن عدي في الكامل" (١٨٦٩/٥): وثقه الناس. اهـ
وهو يعني قبول الناس حديثه.
وقال في "الكامل" أيضاً (١٤٦١/٤): ولعبد الله بن عمر حديث
صالح وأروى من رأيت عنه ابن وهب ووكيع وغيرهما من ثقات
المسلمين وهو لا بأس في رواياته، وإنما قالوا فيه لا يلحق أخاه عبيد الله،
وإلا فهو في نفسه صدوق لا بأس به. اهـ.
وهذا الذي ذكره ابنُ عدي هو أعدل الأقوال في عبد الله
العُمري.
فالرجل وإن تكلم فيه حديثه حسن إلا إذا تبین مخالفته شأنه شأن من
يحسن حديثهم، ومن قارن ترجمته بترجمة من يُحَسِّنُ الأئمة حديثهم.
كمحمد بن إسحاق وعبد الله بن محمد بن عقيل وأضرابهما لا ينفك إلا
عن تحسين حديث الرجل وهو ما ذهب إليه الحافظ الذهبي، فقال في المغني
(٣٤٨/١): صدوق حسن الحديث. اهـ.
واقتصر على عبارات التوثيق الواردة فيه في كتابيه "الكاشف"
(٩٩/٢)، و"الديوان" (ص١٧٣)، وأدخله في جزء "من تكلم فيه وهو
موثق" (ص١١٢).
وقال الحافظ السخاوي في "التحفة اللطيفة" (٣٦٦/٣): كان صالحاً
عالمً خيِّراً صالح الحديث اهـ.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣١٧
فصل
وإذا سلمنا بتضعيف عبد الله العُمري.
فقد قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: عبد الله العُمري
ما حاله في نافع ؟ قال: صالح ثقة. اهـ. كذا في "الكامل" (١٤٥٩/٤) ..
قلت: والرجل يروي هنا عن نافع.
فهذا نصٌّ قاطع للنزاع من إمام الجرح والتعديل، والله المستعان.
تنبيه:
حَمَل ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى في الصارم المنكي على عبد الله
العُمري ورفع راية تضعيفه، فإن تعجب فلك ذلك إذا وقفت على تقويته
لعبد الله العُمري في "التنقيح" ورده على من ضعفه، واحتجاجه بحديثه في
"الأحكام".
فلما ضعف المخالفُ عبدَ الله بن عمر العُمري قال ابن عبد الهادي
(١٢٢/١):
وأمَّا عبد الله بن عمر فقد قال يحيى في رواية: ليس به بأس. اهـ
وهي تعني توثيقه.
ثم لك أن تعجب ثانية إذا علمت أن هذه الرواية التى تفيد توثيق
ابن معين للعمري لم يذكرها ابن عبد الهادي نصًّاً أو حتى إشارة في
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣١٨
الصارم المنكي.
ونسأل الله العافية.
وحاصل ما تقدم أن حديث الزيارة "من زار قبري وجبت له
شفاعتي" حديث حسن ولا بد، وهذا ما تقتضيه قواعد الحديث، أما
من كابر فلا كلام لنا معه، وهو غير مقصود بالذات من الكلام المتقدم،
لكنه عرف مأخذ الأئمة وقوة حجتهم فلله درهم، والحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٣١٩
الحديث الثاني
(مَنْ زَارَنِي فِي مَمَاتِي كَانَ كَمَنْ زَارَني في حياتي، وَمَنْ زَارَنی حتی
ينتهي إلى قبري كنت له شَهِيداً يومَ القيامة).
أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤٥٧/٣): حدثنا سعيد بن محمد
الحضرمي، ثنا فضالة بن سعيد بن زميل المأربي، حدثنا محمد بن يحيى
المأربي، عن ابن جريح عن عطاء، عن ابن عباس به مرفوعاً.
ورواه تقي الدين السُّبكي في "شِفاء السِّقام" (ص ٣٨) بسنده إلى
ابن عساكر الذي أخرجه من طريق العقيلي المذكور ولفظه:
(من رآني في المنام كان كَمَنْ رآني في حياتي ... ) الحديث.
والصواب ما في ضعفاء العقيلي، وإنْ كانت رواية ابن عساكر هي
صواب أيضاً، فلا ضير في ذلك، فإن لفظ الزيارة ثابت في كلا الروايتين
في آخر الحديث.
وأُعل هذا الحديث بفضالة بن سعيد بن زميل المأربي، وبشيخه محمد
بن يحيى بن قيس المأربي.
أما فضالة بن سعيد بن زميل المأربي فقال العقيلي في "الضعفاء"
(٤٥٧/٣): حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلاّ به، ثم قال بعد أن ذكر
الحديث محل البحث بإسناده: " وهذا يروى بغير هذا الإسناد من طريق
أيضاً فيه لين". اهـ.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾