Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠٠ به في الأحكام، وتخريجهم له في الأبواب. فالرجل قد وثقه وعدله وقبل حديثه جماعة والصواب معهم، فمن هؤلاء ابن سعد حيث قال في "الطبقات الكبرى" (٣٠٤/٦): وكان ثقة إن شاء الله، وله أحادیث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به. اهـ. وقد حاول صاحب (الکشف والتبیین) ردًّ هذا التوثيق، فقال في رسالته المذكورة (ص٣٩) ما نصُّه: ومثل هذا التوثيق لا يعارض تضافر الأئمة على تضعيفه كما سبق تفصيله، وبخاصة أنَّ ابن سعد مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي لیس معتمد كما قال الحافظ ابن جحر في هدي الساري (ص٤١٧)، وانظر (ص٤٤٣، ٤٤٧) منه. اهـ. قلت: لو قُبلَ كلُ جرح صدر عن إمام أو غيره لانسدَّ بابُ الروايةٍ تماماً، فلا تجد راوياً قد خلا من الجرح إلا النادر، ولكن الحاذق هو الذي يعرف ما ينبغي أن يُعد جرحاً حقيقياً فيقبله وإلاَّ فلا، والذين جَرَّحوا عطية جرحُهم راجع إلى التدليس أو التشيع أو إنكار بعض ما روى، وقد علمت أن الأولى لا تعتمد إلا على محمد بن السائب الكلي التالف المتهم بالكذب، والتشيع لا يعد جرحاً، وما أنكر عليه تقدم أن الصواب مع عطية والقول قوله. أما عن اعتماد ابن سعد على الواقدي غالباً فهو ما صرح به الحافظ، لكن هذا ليس على إطلاقه، فإذا رأيت ابن سعد ترجم للرجل ترجمة ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢٠١ عارف بأحواله وبحديثه وبكلام الناس فيه فلا مدخل عند ذلك للواقدي، هذه واحدة. والثانية: إنَّ کلام این سعد هو کلام مدني في عراقي وقد كان بينهما ما كان، وهو ما علل به الحافظ في مقدمة الفتح (ص ٤٤٣) سبب عدم قبول كلام ابن سعد فقال: ابن سعد يقلد الواقدي، والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق فاعلم ذلك ترشد إن شاء الله تعالى. اهـ. وعليه فإذا وجدت لابن سعد جرحاً في عراقي فلا بد من الحذر والتأني في قبوله، أما إذا وثق ابن سعد عراقياً كوفياً فلا بد من العض عليه بالنواجذ فإن شهادة الخصم هي من أقوى الشهادات. ثم قول ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به. اهـ. يفيد أشياء: ١- توثيقه لعطية العوفي. ٢- إنَّ عِطِية العوفي له أحاديث صالحة مقبولة. ٣- إنَّ مما يؤكد توثيقه وسبره لحاله أنَّه رأى بعضهم لم يحتج به فأعرض عنهم ورجح توثيقه مما يبين لك أنه لم يقنع بقولهم - وهو المتحامل على أهل الكوفة - ولم يقف عنده لما ظهر له من أنّه ليس جرحاً في الحقيقة، ولو کان جرحاً لرد حديثه وصرح بعدم توثيقه. والحاصل أنَّ توثيق ابن سعد لعطية العوفي مقبول ولا بد، والله أعلم. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢٠٢ ٨ فصل أمَّا إمامُ الجرح والتعديل یحیی بن معین، فقد وثقه ونقل عنه ذلك . . عدة مرات، ففي سؤالات الدوري (٤٠٧/٢): قيل ليحيى: كيف حديث عطية؟ قال: صالح(١). . وفيه أيضاً سألت عن عطية وعن أبي نضرة فقال: أبو نضرة أحبُّ إلي. اهـ (١) قال صاحب الكشف والتبيين (ص٣٨) عن قول ابن معين في عطية العوفي ما نصُّه: وأمَّا قوله في تاريخ الدوري (صالح) فهذا تمريض منه للقول فيه كما صرح بمثله الحافظ في الهدي (ص٤١٧). اهـ. قلت: قائل هذه العبارة هو ابن حيان، وليس الحافظ، وهذا ظاهر لمن نظر في هدي الساري (ص٤١٧) في ترجمة عبدالرحمن بن سليمان المعروف بابن الغسيل، وأصرح من هذا أنك تجد هذا النصَّ في المجروحين لابن حبان (٥٧/٢) هذه واحدة. والثانية: تقرر في قواعد الحديث أنَّ الناقد إذا سُئل عن حال حديث الرجل فقال: صالح، هذا. يعتبر من باب التعديل، فيكون الرجل موثقاً بهذا القول لأنه صالح الحديث، لكن هذا لا يعني أُنّه في المرتبة العليا من التوثیق فمثله یحسن حديثه. فإذا قلتَ: إنَّها عبارة تحريض فيمكن قبول هذا على أنه ليس من الجرح ولكنه تمريض بالنسبة للدرجة العليا من التوثيق، فإنك قد مرضت هذا بالنسبة للآخر فهو كلام نسي، أما إذا اعتبرت أنَّ هذا من الجرح فهذا فهم سقيم لا يجسيد عليه صاحبه. والثالثة: فهم إمام من الأئمة الحذاق وهو الحافظ ابن القطان السجلماسي الفهم الصحيح لكلمة ابن معين فقال: (كما في نصب الراية: ٦٨/٤): عطية العوفي مضعف، وقال ابن معين فيه: صالح. فالحديث به حسن. اهـ. فانظر إلى تحسينه لحديث عطية العوفي اعتمادا على قول ابن معين: صالح. وهذا حافظ آخر من المتأخرين هو الهيثمي إذ اعتمد توثيق ابن معين في مجمع الزوائد (٣١٤/٧)، كما حسَّن لعطية العوفي في المجمع في موضع آخر انظره في (٣٧١/١٠). ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٢٠٣ وهذا النصُّ توثيق منه لعطية، لأنَّ أبا نضرة ثقة عند يحيى بن معين كما في (التهذيب) فهو في حقيقته مقارنة بين ثقتين. وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: عطية مثل أبي الوداك ؟ قال: لا، قيل: فمثل أبي هارون قال: أبو الوداك ثقة ما له ولأبي هارون. اهـ . كذا في التهذيب (٦٠/٢). فانظر إلى ارتضاء ابن معين لمقارنته بأبي الوداك الثقة، فهو توثيق منه لعطية العوفي. ونظائره كثيرة جداً في كتب الجرح والتعديل في المقارنة بين الثقات، فیحیی بن معین یحب عطية العوفي، وأبو نضرة احب إلیه، فتدبر. وقال يحيى بن معين في رواية أبي خالد الدقاق (ص٢٧): عطية العوفي ليس به بأس. اهـ. قلت: هذا توثيق من إمام الجرح والتعديل لعطية العوفي، وقد صرح یحیی بن معین اُنَّ من قال فيه: لا بأس به فهو ثقة، وهذه حكاية عن نفسه ونصٌّ من عنده ولا اجتهاد مع وجود النصِّ. وتجد هذا النصَّ عن ابن معين في كتب شتى منها ثقات ابن شاهين (ص ٢٧٠)، ومقدمة ابن الصلاح، وفي مقدمة اللسان (١٣/١). وقال ابن الجنید عن ابن معين: هو وعمرو بن أبي قیس لا بأس بهما قلت: ثقتان، قال: ثقتان. اهــ كذا في التهذيب (٢٠٧/٦) وهو ظاهر في ترادف اللفظين. فهو اصطلاح خاص بيحيى بن معين ولا مشاحة فيه. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢٠٤ فصل قال صاحب "الكشف والتبيين" (ص٣٨): قال ابن معين: "ليس به بأس"، أو "لابأس به" لا يفهم منه - مجرداً .. التوثيق أو التجريح إذ غالب من قال فيهم مثل ذلك هم ثقات، لكن الأمر لیس علی إطلاقه، فقد وردت عنه قوله: (لا بأس به)، أو ليس به بأس، في أناس ضعفاء. وانظر أمثلة على ذلك في ميزان الاعتدال (٤٣٥،٣٤١/١)، والجرح والتعديل (١١/٣)، وتهذيب التهذيب (٩٣/١). اهـ. قلت: هذا الكلام فيه نظر من وجوه: الأول: إنَّ ابن معين قد صرَّح كما تقدم بأن "لا بأس به" عنده معناه أن الرجل ثقة، فلا ينبغي بعد ذلك تقويله ما لم يقله. الثاني: إذا قال ابن معين في الرجل "لا بأس به" وكان ضعيفاً عند غيره فهذا لا يعني إهدار توثيق ابن معين. فكم انفرد ابن معين بتوثيق رجال ضعفهم غيره، وهذا ليس شأن يحيى بن معين فقط، ولكنه شأن سائر أئمة الجرح والتعديل تجد في ترجمة الراوي المضعف توثيقاً لأحدهم وانفراداً منهم بهذا التوثيق. وإذا كان تصريح الناقد بالتوثيق لا يعني معناه ، فمعنى ذلك أن علم ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ : : ٢٠٥ الجرح والتعديل قد سقط كلية وأصبحت نصوصه جوفاء لا تنطبق على أفرادها، وأنَّ الألفاظ لا تعتبر قوالب للمعاني !!. الثالث: قوله: (قد ورد عنه قوله لا بأس به أو ليس به بأس في أناس ضعفاء). قلت: ضعفاء عند غيره ولكنهم ثقات عنده فکان ماذا ؟، ولآخر أن يعارضه بقوله: ورد عنه قوله ثقة في أناس ضعفاء وهذا کثیر، فكان ماذا أيضاً ؟ فكل ناقد مجتهد له نظره وقوله. الرابع: ثم ذكر أربعة أمثلة لتأييد مقولته المردودة، فهاك الكلام عليها: المثال الأول: بكار بن محمد بن عبدالله بن محمد بن سيرين السيريني (الميزان ٣٤/١) قال عنه یحیی بن معین: کتبت عنه، ليس به بأس، وضعفه غيره. قلت: وهذا المثال لا يفيد الدعوى شيئاً ولا يفيد تضعيف ابن معين للرجل، کیف وهو يقول كتبت عنه، فهو من شيوخه، وكونه ضعيفاً عند غيره لا يلزم منه أن يكون ضعيفاً عنده أو ضعيفاً في نفس الأمر فاللازم باطل، والرجل أدری بشيوخه. المثال الثاني: الحارث بن عبد الله الأعور الشيعي الكوفي وهذا المثال یهدم الدعوى من أساسها، فقد قال عنه يحيى بن معين في رواية الدوري: ليس به بأس. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢٠٦ وقال عثمان الدارمي: سألت يحيى بن معين عن الحارث الأعور فقال: ثقة. فانظر إلى توافق هذا الإمام وإتقانه، وقد نقل هذا التوثيق عن ابن معين غير واحد منهم ابن شاهين في الجزء المطبوع بنهاية تاريخ جرجان . (ص٦٥٥ - ٦٥٦). فإن قيل: قال عثمان بن سعيد الدارمي بعد حکایته عن ابن معين ما نصُّه: لیس یتابع یحیی علی هذا. اهـ. قلت: هذا مبلغ علم الدارمي، فقد وثقه أحمد بن صالح المصري، وقال ابن معين: مازال المحدثون يقبلون حديثه، وهذا من يحيى بن معين الإمام في هذا الشأن زيادة لقبول حديث الحارث وثقته كما قال ابن شاهین (ص٦٥٥-٦٥٦). المثال الثالث: لم أجد راوياً يقول عنه ابن معين: "لا بأس به" في الموضع المشار إليه (الجرح والتعديل ١١/٣). المثال الرابع: أبان بن إسحاق الأسدي الكوفي، هذا المثال أيضاً من أكبر الأدلة على وهن كلامه، فإنَّ أبان بن إسحاق فيه أربعة أقوال في التهذيب: قول ابن معين ليس به بأس، وتوثيق العجلي، وابن حبان، وقول الأزدي متروك الحديث. فالرجل ليس بضعيف فهو خارج عن موضوع الدعوى. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٢٠٧ وقد اعتمد الحافظ قولَ ابن معين في "أبان بن إسحاق" على أنّه توثيق للرجل فقال في التقريب (ص١٣٥): ثقة تكلم فيه الأزدي بلا حجة. اهـ. وقد قال الحافظ العراقي في ألفية الحديث: وابن معین قال: من أقول لا . بأس به فثقة والحاصل أنَّ كلام صاحب "الكشف والتبين" أبان عن محاولته ردًّ توثيق ابن معين دفعاً بالصدر فيلوي عنق النصِّ، ثُمَّ هو يستخف بالقراء، ويضحك عليهم بإيراد أمثلة لاطائل تحتها، بل لك أن تقول: إنّها عليه لا له، والله تعالى أعلم بالصواب. وبعد أنَّ تبين لك أن يحيى بن معين قد وثق عطية العوفي، فإنك قد تقف على أقوال ليحيى بن معين ظاهرها قد يشير إلى غير ذلك. كرواية موسى بن أبي الجارود، فهي وجادة منقطعة. ورواية ابن أبي مريم وهو مصري وأصحاب يحيى بن معين البغداديين ولاسيما عباس الدوري أكثر ملازمة والتصاقاً بيحيى بن معين، فروايتهم مقدمة على رواية غيرهم ، والله أعلم. بقى الكلام على ما جاء في المطبوع باسم (التاريخ الصغير) للبخاري (ص١٣٣) عن علي بن المديني عن يحيى بن معين: عطية، وهارون العبدي،و بشر بن حرب عندي سواء. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢٠٨ فمعناه - والله أعلم - أنّهم سواء في الطبقة والمذهب، فهم من شيعة التابعين، ويشتركون في الرواية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه و كيف يسوي يحيى بن معين بين أبي هارون العبدي، وعطية العوفي وقد قال عن أولهما: غیر ثقة و کان یکذب، بينما وثق الثاني ورفع شأنه. وقد تلقفَ الشيخ بشير السهسواني في "صيانة الإنسان" (ص ١٠٠) هذه الكلمة عن يحيى بن معين فنسب لعطية العوفي الألفاظ الشديدة جداً. التي قيلت في أبي هارون العبدي ثُمَّ تناقض فقال: المختار عندي قول أبي حاتم: "ضعیف یکتب حديثه" فإنه أعدل الأقوال وأصوبها. اهـ. وما درى السهسواني رحمة الله تعالى أنَّ لأبي حاتم الرازي قولاً آخر يفيد توثيق عطية العوفي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ومنهم ابن شاهين: وقد أدخل عطية العوفي في الثقات (ص١٧٢) فهو من موثقيه فإن قيل: قد ذكره أيضاً في الضعفاء فقال: ضعفه أحمد ويحيى. قلت: التوثيق هو الراجح لما قد علمت مما سبق من اعتماد أحمد على رواية محمد بن السائب الكلبي، وهي رواية تالفة لا يعتمد عليها في جرح عطية العوفي، وأن يحيى بن معين من موثقيه كما تقدم. ومنهم أبو بكر البزار: فإنّه قال كما في "التهذيب" (٢٢٦/٧): كان يعده في التشيع، روى ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٢٠٩ عنه جلّة الناس. اهـ، وهذه صيغة تعديل تعادل قولهم: صالح الحديث، ٠ مقارب الحديث، ونحو ذلك كما يعلم من قواعد الحديث. ورغم وضوح هذا القول من البزار و کونه موجوداً في كتاب متداول مشهور كالتهذيب، فلم أجد أحداً مِمَّن سعى في تضعيف هذا الحديث تعرض لذكر قول أبي بكر البزار المفيد تعديل عطية العوفي، فالحمد لله تعالى على توفيقه. ومنهم أبو حاتم الرازي: فقد قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة وعطية، فقال: أبو نضرة أحب إلي. وهذا في حقيقته مقارنة بين ثقتين، فإن أبانضرة المنذر بن مالك العبدي: ثقة. ومنهم يحيى بن سعيد القطان: فقد قال عن جبر بن نوف أبي الوداك كما في "التهذيب" (٦٠/٢) هو أحب إليَّ من عطية. اهـ. قلت: هذا أيضاً مقارنة بين ثقتين. ومنهم ابن خزيمة: فإنَّه أخرج الحديث في صحيحه: قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٩٨/١): رواه ابن خزيمة في صحيحه من طرق فضیل بن مرزوق فهو صحيح عنده. اهـ. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٢١٠ قلت: فمقتضى تصحيح الحديث توثيق رجاله ومنهم عطية العوفي. وهذا لم يرق لصاحب "الكشف والتبيين" (ص ٦٤، ٦٥) فوجه سهامه لصحيح ابن خزيمة، فنقل عن الحافظ ابن حجر في النكت كلاماً (٢٧٠/١)، (٢٩٠/١ -٢٩١) حاصله في الآتي: ١- أنَّ ابن خزيمة کان لا یفرق بین الصحيح والحسن، فلیس کل ما عنده صحيحاً، بل فيه الحسن المدرج في الصحيح. ٢- قال الحافظ: حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة .... صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة. اهـ. قلت: يؤخذ من كلام الحافظ أنَّ أحاديث ابن خزيمة على قسمين: ١- صحیح أو حسن. ٢- ما ظهر فيه علة قادحة وهو قليل جداً. ولكن هذا في نظر غيره وليس في نظر إمام الأئمة ابن خزيمة الذي سمى كتابه (المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ولا جرح في النقلة). وإذا كانت الأنظار تتفاوت في الحكم على الرجال، فالمقصود هو إثبات أن تصحيح ابن خزيمة لهذا الحديث هو توثيق لرجاله، ومنهم عطية : العوفي فهو ثقة عند ابن خزيمة ، والله أعلم. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢١١ ومنهم الإمام أبو عيسى الترمذي: فإنه حسَّن له عدة أحاديث من أفراده، بل حسَّن له عدة أحاديث انفرد بها فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي - كما في الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه - انظرها في "تحفة الأشراف". ومقتضى ذلك التحسين أَنَّ يكون صدوقاً عند الترمذي كما صرح بذلك الحافظ في (تعجيل المنفعة) (ص١٥٣). وعليه: فعطية العوفي "صدوق" عند الترمذي، وهو شرط الحسن لذاته والتشغيب هنا برمي الترمذي بالتساهل خطأ جسيم، لأنَّ الترمذي لم ينفرد بتعديل عطية العوفي فقد مرَّ تعديله عن ابن سعد، وابن معين، والبزار، وأبي حاتم الرازي، وابن شاهين، ويحيى بن سعيد القطان. ثم الترمذي إمام حافظ ثقة كان يقول له إمام أهل الصناعة محمد بن إسماعيل البخاري: استفدنا منك أكثر مما استفدت منا. وقول الترمذي معتمد عندهم في الجرح والتعديل وحكمه على الأحاديث كذلك، وإن ظهر شيء انفرد به في قوله وحكمه، فهو كغيره من الأئمة ولا يخدش ذلك في الأخذ بقوله وحكمه فليس هو معصوم. وكم حسَّن الترمذىُ أحاديث في الصحيحين، فهل يعد متشدداً من هذه الجهة ؟ ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢١٢ وقد تلقف هذا أو ذاك كلمة ابن دحية الكلي(١) في الكلام على جامع الترمذي وبنى عليها أحكاماً وأوهاماً أو نظر في جامع الترمذي نظرة متأخر متبع لقواعد سقيمة متروكة فاستخلص منها تساهل الترمذي بسقیم فهمه. والكلام يحتاج لبسط ليس هذا محله لكن ينبغي ألا يخلى المقام من المثال الذي ذكره صاحب "الكشف والتبيين" (ص ٤٥) ليستدل به على تساهل الترمذي فقال: ومن أقرب ما يذكر حديث سمرة "صلّى بنا رسول الله 8# في كسوف لا نسمع له صوتاً" فقد رواه الترمذي وصححه ونقل الحافظ ابن حجر تصحيحه في "التلخيص الحبير"، ولكن تعقبه بإعلال ابن حزم له بجهالة ثعلبة بن عباد وأنَّ ابن المدين قال فيه: مجهول. اهـ. قلت: هذا الكاتب إما أنه لا يفهم أو يضحك على القراء، وأحلاهما مُرٍّ. فالصواب مع الترمذي والقول فيه قوله ، وهاك الآتي: ثعلبة بن عباد لم ينفرد الترمذي بتصحیح حديثه، بل وافقه على هذا . التصحيح ابن خزيمة (١٣٩٧)، وابن حبان (٢٨٥٢،٢٨٥١)، والحاكم (٣٣٠/١) وابن السكن، والحافظ في الإصابة (٤٧،١١). (١) ابن دحية الكلي الأندلسي رغم كونه حافظاً متفنناً إلا أنّه كما قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (١٤٢١/٤): كان معروفاً على كثرة علمه، وفضائله بالمجازفة، والدعاوي العريضة. اهـ وترجمته تحوی غرائب، رحمه الله. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢١٣ والحديث أيضاً أخرجه النسائي (١٤٠/٣)، وأبو داود (٧٠٠/١)، وابن ماجه (٤٠٢/١)، وأحمد في المسند (١٦/٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣٢٩/١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣٣٥/٣) كلهم من طريق ثعلبة. فمقتضى تصحيح الترمذي وابن خزيمة، وابن السكن، وابن حبان، والحاكم للحديث أنَّ رجاله ثقات عندهم. وقد ذكر ابن حبان ثعلبة بن عباد في ثقاته (٩٨/٤)، فالرجل ثقة ولا بد. وقَوَّى حاله إخراج حديثه في السنن المذكورة. فإن قيل قد جهله ابن المديني وابن القطان قلت: من علم حجة على من لم يعلم. وقد أجاب الحافظ ابن الملقن في (البدر المنير)(١/٢١٣/٣) عن دعوى الجهالة فقال: وتصحيح الأئمة الماضيين لحديثه يرفع الجهالة عنه. اهـ. وقد شَنّع الإمام تقي الدين بن دقيق العيد على من يَرُدُّ تصحيح الترمذي بدعوى الحكم بجهالة أحد الرواة، فقال رحمه الله تعالى (نصب الراية: ١٤٩/١) ما نصُّه: ومن العجب كون ابن القطان لم يكتفِ بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان مع تفرده بالحديث وهو قد نقل كلامه: هذا حديث حسن صحيح وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة، أو يصحح له حديثاً انفرد ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٢١٤ به؟ وإن کان توقف عن ذلك لکونه لم یرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحالة، فذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راوٍ واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله وهو تصحیح الترمذي. اهـ. وقال الحافظ الذهبي في "الموقظة" (ص٨١): ومن الثقات من لم يخرج لهم في الصحيحين خلق منهم من صحح لهم الترمذي وابن خزيمة ثم من روی لهم النسائي وابن حبان. اهـ. فانظر إلى توثيقه لمن صحح لهم الترمذي، ومن روى له النسائي وابن حبان . . فلا بد إن أردت أن تسلك سبيل أهل الحديث وتتبع قواعدهم، وتقف عند كلام أئمتهم أن تقول بقولهم وتحذو حذوهم، فلا تنفك عند ذلك عن توثيق ثعلبة ابن عباد اتباعاً لتصحيح الترمذي له، فضلاً عن تصحیح الحاکم وابن حبان وإخراج النسائي حديثه. فَللَّهِ دَرّ الترمذي الإمام الحافظ العَلَمٍ، وبذا يكون الانتقاد قد انقلب على صاحبه المنتقِد بدون روية، والمنازل بدون آلة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وإن وفق الله عَزَّ وجَلَّ ففي النية إشباع هذا البحث في جزء خاص به، يسر الله ربي على ذلك وأعان. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية. ٢١٥ فصل. وخلاصة ما تقدم أنَّ عطية العوفي قد عَدَّلَهُ(١) يحيى بن سعيد القطان وابن سعد وابن معين والترمذي والبزار وابن شاهين وتبعهم بعض من تأخر عنهم فقال ابن القطان (كما في نصب الراية ٦٨/٤): وعطية العوفي مضعف، قال ابن معين فيه: صالح، فالحديث حسن. اهـ. والحاصل أنَّ مَنْ تكلم فيه فلأجل ما رُمِي به من التدليس - وهو لم يصح البتة - أو التشيع، أو روايته شيئاً تُكُلّمَ فيه، وقد تبين لك أَنَّ هذه الأمور الثلاثة التي تُكُلّمَ فيه بسببها ليست قادحة. فالصواب قبول حديثه واعتباره من الحسن لذاته. وقد قال شيخ الفن، وطبيب عِلَّلِه، الحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي(٢) الأذكار (٢١٧/١): (١) فمن الخطأ البِيِّن والظلم لهذا الرجل قول ابن الجوزي في الموضوعات: ضعفه الكل. وقول الذهبي في الديوان: مجمع على ضعفه. وقوله في مختصر المستدرك (٢٢٢/٤): واهٍ. وقول البوصيري في (مصباح الزجاجة): متفق على ضعفه. وهذه أقوال مخالفة للواقع فلا يلتفت إليها فليس الرجل بواهٍ أو أجمعوا على ضعفه، وكتب الرجال إن لم ينظر الناظر فيها بعين الناقد البصير الصيرفي زَّلَّ وضَلَّ، والله المستعان. (٢) ولما كان كلام الحافظ قاطعاً وساداً لباب الكلام في عطية العوفي لم يرق ذلك لصاحب الكشف والتبيين (ص٤٢) فبدلاً من الاعتراف بقصوره والتسليم للحافظ رحمه الله تعالى أغمض عن هذا وأخذ يغمز أمالي الحافظ على الأذكار، وذلك كسعيهم دائماً لنقد الكتب عند المخالفة، فإذا أرادوا رَدَّ تصحيح أو تحسين لحافظ اتهموه بالتساهل وبأن كتابه فيه كذا۔ ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢١٦ ضَعْفُ عطية إنما جاء من قبل التشيع، ومن قبل التدليس وهو في نفسه صدوق. اهـ. وإذا تبين لك أن دعوى التدليس ليست بصحيحة والتشيع لا دخل له في روايته، فالرجل صدوق. وقد أصرَّ الحافظُ علی کون عطية العوفي صدوقاً، فعندما سرد أسامي المدلّسين في النكت على ابن الصلاح (٦٤٤/٢) قسم المدلسين لقسمين: أحدهما: من وصف بالتدليس مع صدقه، وثانيهما: من ضعف بأمر آخر غير التدليس، ثم ذكر عطية العوني في القسم الأول (٦٤٦/٢)، وهم من وصفوا بالتدليس مع صدقهم فهو صدوق عنده. فإذا وجدت بعد هذا البيان تضعيفاً لعطية العوفي، فاعلم أنّه مخالف للصواب. وبعد فيمكن لك أن تسمي ما كتبته في الانتصار لعطية العوفي بـ (القول المستوفي في الانتصار لعطية العوفي) والله تعالى أعلم. = وكذا، وإذا وقفوا على حديث صحيح لا يوافق شذوذهم تراهم يقولون: لم يخرجه أحمد. وليس في الصحيحين ولا الموطأ ولا تجده في السنن الأربعة بل هو في الكتب التي تروي الضعاف كالدارقطني والبزار ... إلخ، وهو كلام ساقط بنفسه لا يحتاج لإسقاط. وها نحن نراهم اليوم يتكلمون ويغمزون أمالي الأذكار وهي حرأة قبيحة من منازل بغير آلة وتطاول على كتاب حاز القِدْحَ المعلى في بابه يحق أن يفاخر به كبار الحفاظ المتقدمين ، والله المستعان. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢١٧ فصل أما عن العلة الثالثة: فقد قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١٨٤/٢): سألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن صالح بن مسلم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد عن النبي # قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: اللهم بحق السائلین عليك، وبحق ممشاي" وذکر الحدیث، رواه أبو نعيم، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفاً قال أبي: موقوف أشبه. اهـ. وأيده الذهبي في "الميزان". قلت: لا تتسرع بإعلان الموافقة تقليداً كما فعل جماعة منهم: بشير السهسواني في صيانة الإنسان، والألباني في ضعيفته (٣٧/١)، وحماد الأنصاري في المفهوم الصحيح للتوسل، وغيرهم. فإِنَّ الحديث قد اختلف فيه عن فضيل بن مرزوق فروي مرفوعاً وموقوفاً . . فمِمَّن رواه مرفوعاً: ١- يحيى بن أبي بكير، أخرجه البغوي في حديث علي بن الجعد (ل٢٦٢ نسختي)، والبيهقي في الدعوات الكبير (ص٤٧). ٢- محمد بن فضيل بن غزوان، أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (ص١٧). ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٢١٨ ٣- سليمان بن حيان أبو خالد الأخمر، أخرجه ابن خزيمة في التوحید(ص١٨) ٤- عبدالله بن صالح العجلي، أخرجه الطبراني في الدعاء (٩٩٠/٢)، وابن السُّني (ص ٤٠). ٥- الفضل بن الموفق، أخرجه ابن ماجه (٢٥٦/١). ٦- يزيد بن هارون، فقد روى أحمد في مسنده (٢١/٣)، والبغوي في حديث علي بن الجعد (ل٢٦٢ نسختي)، وأحمد بن منيع كما في مصباح الزجاجة (٩٩/١) من طريق يزيد بن هارون أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري فقلت لفضيل: رفعه؟ أحسب قد رفعه ثم ذكر الحديث مرفوعاً. قلت: هذا ظنّ راجح تقوى (بقد) وهو حرف تحقيق هنا دخل على الماضي فقربه من الحال، وعليه فرواية يزيد بن هارون من قسم المرفوع ولا بد، وهو صنيع من تكلم على الحديث ممن تأخر من الحفاظ. ورواه عن فضيل بن مرزوق موقوفاً اثنان: ١- أبو نعيم الفضل بن دكين، أخرجه في كتاب (الصلاة)، كما في أمالي الأذكار (٢٧٣/١). ٢- وكيع بن الجراح، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢١١/١٠-٢١٢). ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ٢١٩ وللمحدثین في ذلك مسلكان كلاهما يقوي الرفع: فأولهما: إنَّ الرفع زيادةً ثقة وهي مقبولة، إذ أن الحكم لمن أتى بالزيادة وهو مذهب الخطيب البغدادي وجماعة من أئمة الفقه والحديث والأُصول. وثانيهما: الترجيح باعتبار القرائن وهو ما يقوي الحكم بالرفع أيضاً، فإنَّ من رفع الحديث أكثر عدداً (وهم ستة)، ممن وقفه (وهم اثنان فقط). نعم الفضل بين دكين ووكيع إمامان ثقتان، لكن في مقابلهما يزيد ابن هارون، ويحيى بن أبي بكير وهما كذلك ومعهما ابن غزوان ثقة احتج به الجماعة، وكذا سليمان بن حيان احتج به الجماعة، والعجلي ثقة من رجال البخاري، فهؤلاء القول قولهم وهو الرفع، والله تعالى أعلم. فلا تتهيب بعد مخالفة القائل بالوقف والمرجح له، فإنَّ قواعد الحديث التي إليها المرجع في هذا الشأن ترجح الرفع، وكم من حديث مرفوع حکم عليه أبو حاتم الرازي بالوقف، و کم من موصول حکم بإرساله، وكم من صحيح حكم بضعفه، والمرجح عند الخلاف هو الاحتكام لقواعد الحديث ، والله أعلم. ومن التلاعبِ البغيض نَصْبُ صاحب الكشف والتبيين (ص٢٣) للخلاف بين وكيع بن الجراح وفضيل بن غزوان من جهة أنهما وقفا الحديث، وبين عبدالله بن صالح العجلي والفضل بن الموفق من جهة أنهما رفعا الحديث. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾