Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤٠ على أَنَّ بعضهم (١) قال: روى الحديث دون ذكر القصة عن ابن السني: ١) العباس بن فرج الرياشي. ٢) والحسين بن يحيى الثوري. ورواه الحاکم وعنه البيهقي من طريق: ٣) محمد بن علي بن زيد الصائغ .. ثلاثتهم عن أحمد بن شبيب، ولم يذكروا القصة. ولم يرو القصةَ عن أحمد إلا يعقوب بن سفيان الفسوي، فهو على ثقته لا يقابل من هو أكثر منه عدداً من الثقات. اهـ. قلت: إنْ صحَّ هذا الكلامُ فرحمةُ الله على العلمِ، والعقلِ، والبرهان، وخذٍ الآتي: ١- هؤلاء الثلاثة الذين قال عنهم ثقات إذا أضيف إليهم مثلهم لم يرجحوا على الإمام الحافظ العلم يعقوب بن سفيان الفسوي، فهو ثقة، وفوق الثقة، وقد قال أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا رجلان من نبلاء الناس أحدهما وأرجلهما "يعقوب بن سفيان" يعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلاً. ومن المعروف أنَّ الشيوخ إذا خالفهم حافظ يرجح قول الحافظ على (١) هو صاحب كشف المتوارى (ص٤٤). ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٤١ الشيوخ، فالقول قول الحافظ وإن اجتمع الشيوخ عليه، ويعقوب الفسوي إمام حافظ، وفوق الحافظ. ٢- العباس بن فرج روى الوجهين فقد أسند القصة عن إسماعيل بن شبیب عن أبيه. أخرجها البيهقي في دلائل النبوة (١٦٨/٦) فوافق الحجة العلم يعقوب بن سفيان الفسوي. فبقى اثنان من الثلاثة، فهل ما زال يصرُ المعترض على مخالفتهما للفسوي ؟ اللّهم غفرانك. والاثنان الباقيان أحدهما: الحسين بن يحيى الثوري لم أجده بعد بحث! فما أسرع انهيار صرح التعصب ! ثم إِنْ تعجبْ فعجبٌ من محاولة تقديم رواية عون الضعيف لأنه لم يرو القصة على من رواها كشبيب وابنه أحمد وعبدالله بن وهب ويعقوب بن سفيان الفسوي وغيرهم من الثقات !. ٣- رواية الحديث على أي من الوجهين لا تُعِلّ الأخرى فكلاهما صحيحُ، وهذا مقرر ومعروف، ذلك أَنَّ الاختلاف الذي يوجد الشك والريبة في الرواية هو الاضطراب الذي لا يمكن توجيهه أَمَّا هنا فلا اختلاف ولا اضطراب ونسأل الله السلامة، والصون من التخبط، والتعصب. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٤٢ فصل أما الأمر الأخير الذي ضعف به الألبانى الحديث فهو قوله في توسّله (ص٨٨): ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث. اهـ. قلت: هذا تمحل ! فأنت ترى أَنَّ الزيادة هي أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسنادٍ واحد ومَتْنٍ واحدٍ، فيزيد بعضُ الرواةِ فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة. كذا لابن رجب في شرح علل الترمذي (ص ٣١٠). وقال الحافظ في نكته على ابن الصلاح (٦٩٢/٢): وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه كمالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها. اهـ. إذا علمت هذا فإنَّ شبيباً لم يخالف أحداً من الثقات في ذكره القصة الموقوفة وبيان ذلك في الوجهين الآتيين: الأول : غاية ما في الأمر أن مَخْرَجَ الحديث غير واحد فمرجعه إلى شيخين لأبي جعفر الخَطْمي. فلشعبة، وحماد طريق. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٤٣ ولروح، وهشام طريق آخر. وإذا لم يتحد المَخْرجُ فدعوى المخالفة غير واردة. فإن قيل: قد الحَّد المخرج بين روح بن القاسم، وهشام الدستوائي، وقد جاءت القصة الموقوفة من طريق روح بن القاسم. أجيب: بأن شبيب بن سعيد روى عن روح بن القاسم أمراً موقوفاً عن صحابي بعد سنوات عديدة من رواية الحديث المرفوع. فهذا مرفوع وذاك موقوف فأين هي المخالفة الواقعة في المتن؟ لا تجدها إلا في التوهم. وقد صرح المحدِّثون الذین صنفوا في قواعد الحديث بقبول زيادة الرواي إذا تعدد المجلس ولم يتحد، فكيف وبين المرفوع والموقوف بون شاسع من السنين، فأين المجلس الذي اتحد هنا ؟ !. هب أن المخرج واحدٌ فهو لا يضر أيضاً لما قد سبق بيانه. وغير واحد من أئمة الحديث قال بوجوب قبول زيادة الثقة ما لم تكن منافية منهم: الخطيب البغدادي، ومشى عليه النووي وانتصر له في کتبه. الثاني : قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه. اهـ. نقله عنه الحافظ في مقدمة الفتح (٣٦٣). وهذا يدل على شفوف نظر الإمام أحمد. فتدبر. فالحق الذي لا مرية فيه أَنَّ شبيباً ثقة يصحح حديثه كما فعل الأئمة، ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٤٤ فإنْ تعنّت غايةَ التعنت، فالرجل ليس بأقل ممن يحسِّن حديثُهُ الأئمة، ولو وهم هذا الوهم وخالف هذه المخالفة فنقلَ قصةً وقعت في زمان عثمان ابن عفان رضي الله عنه لسقطَ إلى درجة الضعفاء والمتروكين الذين لا يحتج بهم أو الوضَّاعين الذين لا ينظر في حديثهم ولا يظن أحدٌ بشبيب أن يفعل ذلك أو يقاربه ولم يختلط أو يصل وهمه إلى هذه الدرجة الدنيا. إن صح وهم عنه وما أراه يصح. والاختلاط لا يضر إذا أمكن الجمع أو الترجيح بين الروايات على قواعد المحدثين، هذا إذا وُجد الخلافُ وتصور حدوثه، أما هنا فلا خلافَ إلا في مُخيلة مَن يدفع بالصدر ، والله المستعان. وحاصل ما تقدم أن هذه الزيادة الموقوفة التي فيها قصة مجئ الرجل إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه صحيحة، ولذا فقد صححها الحفاظ أمثال الطبراني والحاكم والهيثمي، والحمد لله رب العالمين. *٠٠ * قال ابن أبي خيثمة في تاريخه (كما في قاعدة في التوسّل لابن تيمية ص١٠٦). حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا حماد بن سلمة، أنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حُنيف رضي الله عنه أن رجلاً أعمى أتى النبي # فقال: إني أصبت في بصري فادعُ الله لي، قال: (اذهب فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٤٥ بنَبِّي محمد نبيِّ الرحمة يا محمد إنني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللّهم فشفعني في نفسي وشفع نبيِّي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك). اهـ. قلت: هذا سند غاية في الصحة. وحماد بن سلمة، ثقة، حافظ علمٌ. ومع ذلك فقد أعل بوجود زيادة في المتن وهي: (وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك)، بتفرد حماد بن سلمة بها، وهي زيادة تفرد بها عن شعبة فتكون شاذة. زعموا ...! والجواب عن هذا: إنَّ زيادة الثقة مقبولة ما لم تقع منافية أو فيها نوع مخالفة لرواية الأوثق، وقوله: (وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك) لا تنافي أصل الحديث أو تخالفه بل توافقه تماماً، لأن الأصل العموم واستعمال الحديث في أي وقت. وكون حماد غلط ظنّ مجردٌ لا حجة فيه، وغاية ما في الأمر أنها زيادة ثقة ليس فيها نوع منافاة فهي مقبولة بلا ريب. ونقول تبكيتاً للمتشددين: وإن لم تصح هذه الزيادة فالأولى جعل زيادة الثقات من باب الحديث الشاذ ، وبالله التوفيق. وهذا الإمام الحافظ أبو حاتم ابن حبان يقول على زيادة تفرد بها حماد بن سلمة في الثقات (١/٨) ما نصُّه: هذه اللفظة ... تفرد بها حماد بن سلمة وهو ثقة مأمون، وزيادة الألفاظ ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٤٦ عندنا مقبولة عن الثقات، إذ جائز أن يحضر جماعة شيخاً في سماع شيء ثم يخفى على أحدهم بعض الشيء ويحفظه من هو مثله أو دونه في الإتقان. اهـ. وهو كلامٌ رصينٌ ينبغي تعقله. تنبيه: ثُمَّ لا ينبغي أيضاً هنا أن يخلى المقام من بيان أَنَّ الألباني الذي يسارع برد هذه الزيادة بدعوى مخالفة حماد بن سلمة لراوٍ واحد فقط هو شعبة، تجده يقبل مخالفة حماد بن سلمة لجماعة في موضع آخر فيقول في صحيحته (٢٠٣/١) ما نَصُّه: وخالف الجماعةَ(١) حماد بن سلمة ... فيحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه الجماعة. اهـ. نعوذ بالله من الهوى. وعليه فزيادة رواية حماد بن سلمة ثابتة حتى عند مَنْ صنفَ لإنكارها، وهو الألباني، والحمد لله رب العالمين. (١) قوله: (وخالف الجماعة) خطأ، بل تابعه الفزاري الإمام الثقة في عِشْرَةٍ النساء (ص ٩٠)، ثم ذكر أن حماداً يتأيد برواية ذكرها عن علي بن زيد وهذا أيضاً خطأ، فعلي بن زيد كأنه أخطأ فرواه بوجهين: وجه كرواية حماد، وآخر مخالف له في المسند (١٨٢/٦). وليس المقصود التنبيه على هذه الأخطاء، ولكن المقصود ذكر عبارة الألباني، وأن زيادة حماد بن سلمة أولى بالقبول في حدیث الأعمى. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٧ ١ الحديث الرابع قال الطبراني في المعجم الكبير (٣٥٢/٢٤ حديثة رقم (٨٧١): حدثنا أحمد بن حماد بن رغبة، ثنا روح ين صلاح، ثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب دخل عليها رسول الله لا فجلس عند رأسها فقال: (رحمكِ الله يا أمي كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتَشْبعينِي، وَتَغْرِينَ وتكسيني وتمنعين نفسك طيباً وتُطعميني، تُريدين بذلك وجه الله والدار الآخرةَ)، ثم أمر أن تُغْسل ثلاثاً، فلما بلغَ الماءَ الذي فيه الكافور سَكَبَه رسولُ الله :﴿ بيده، ثُمَّ خلعَ رسول الله :﴿ قَميصه فألبسها إياه وكفنها بُيُرد فوقه، ثم دعا رسولُ الله:﴿ أسامةً بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحدَ حفرَه رسولُ الله :﴿ بيده وأخرجَ ترابهَ بيدِهِ، فلما فَرَغَ دخلَ رسولُ اللهِ * فاضطجعَ فِيه ثُمَّ قَالَ: (الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولَقْنَها حجتها، ووسِّعْ عليها مُدْخَلها بحقَّ نبيِّك والأنبياء الذين من قَبلي فإنّك أرحم الراحمِينِ، وكيرَّ عليها أربعاً وأدخلوهاً اللحد هو والعباس، وأبو بكر الصدِّيق رضي الله عنهما. ورواه من هذا الوجه الطبراني في الأوسط (١٥٢/١)، ومن طريقه سهله أبو نعيم في الحلية (١٢١/٣)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٦٨/١). ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٤٨ وهو حديث حسن. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٥٧/٩): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان، والحاكم، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ . قلت: شيخ الطبراني أحمد بن حماد بن رغبة ثقة، من شيوخ النسائي، ولم يُخرج له في الصحيح. ٠٠ أما روح بن صلاح فقد اختلف فيه فوثقه قوم، وضعفه آخرون فمثله يحتاج لإعمال النظر لبيان حاله. فقال عنه الحاكم في سؤالات السجزي: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات (٢٤٤/٨). وروى عنه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٤٠٦/٣) فهو ثقة عنده، قال الفسوي (التهذيب: ٣٧٨/١١): كتبت عن ألف شیخ و کسر كلهم ثقات. اهـ. أما من جرّحه فلم یذکر سبب جرحه ولم يفسره. ففي المؤتلف والمختلف للدارقطني (١٣٧٧/٣) قال: روح بن صلاح ابن سيابه يروي عن ابن لهيعة وعن الثوري وغيرهما كان ضعيفاً في الحدیث سکن مصر. اهـ . ومثله لابن ماكولاً في الإكمال (١٥/٥) وابن عدي في الكامل (١٠٠٥/٣). وهذا جرح مبهم، غير مفسر، فُرَدُّ في مقابل التعديل المذكور قبله ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٤٩ كما هو مقرر. مثاله قول الحافظ في مقدمة الفتح (ص ٤٣٧) في ترجمة "محمد بن بشار بن بندار" ضعفه عمرو بن علي الفلاس، ولم يذكر سبب ذلك، فما عرجوا علی تجريحه. اهـ. وادعى الألباني(١) أن الجرح مفسر في روح بن صلاح بقول ابن يونس: رويت عنه مناکیر، وبقول ابن عدي في الكامل: في بعض حديثه نكرة. قلت: كلام الألباني فيه نظر يظهر في الوجهين الآتيين: الأول : عبارتي ابن يونس، وابن عدي لا تدلان على الجرح. قال: ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" كما في "نصب الراية" (١٧٩/١)، "وفتح المغيث" (٣٤٧/١): قولهم "روى مناكير" لا تقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته وينتهي أن يقال فيه "منكر الحديث"، لأن منكر الحديث وصفٌ في الرجل يستحق به الترك لحديثه. اهـ. :مر الثاني: قولهم: "روى المناكير"، أو "رويت عنه المناكير" ليس أيضاً من الجرح في شيء ، فقد تكون تلك المنكرات من شيوخه أو من الرواة عنه وهو روى شيئاً تحمَّله فقط. قال الحاكم للدارقطني (السؤالات ص٢١٧ - ٢١٨): سليمان ابن بنت شرحبيل، قال: ثقة، قلت: أليس عنده مناكير، قال: يحدِّث بها عن (١) ضعيفته (٣٢/١ -٣٣). ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٥٠ قوم ضعفاء. اهـ. فما كلُ من روى المناكير ضعيفٌ عندهم. وعندما ترجم ابن عدي لروح بن صلاح في کامله (١٠٠٥/٣۔ ١٠٠٦) روى عنه حديثين، الآفة والحمل فيهما من الراوي عن روح بن صلاح. وعادة ابن عدي في كامله كما يقول الحافظ في مقدمة الفتح (ص٤٢٩): أن يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة أو على غير الثقة فلو وجدَ ابنُ عدي شيئاً أَنْكِرَ على روح بن صلاح لأتي به في ترجمته ولكنه خرج ما حدَّث به وكان منكراً، ولكن الحمل فيه على غيره. فتدبر. فائدة أراد الألباني تضعيف الحديث المذكور، فاعتبر قول ابن يونس في روح بن صلاح: "رويت عنه مناكير" من الجرح المفسر الذي يضعف به الراوي، بينما تَنَاقَضَ فاعتبر قولهم في راوٍ آخر "له مناكير" ليس بجرح مطلقاً، وذلك في ثنايا رده على الشيخ البوطي (ص٦٦-٦٧). وأكثر من هذا أنه اعتبر "منكر الحديث" جرح مردود، لأنه غير مفسر كذا في صحيحته (٧٦٩/١). وأنت ترى ألاَّ فارق بين القولين، ولكنك ترى فارقاً بين صنيعي الألباني، فعندما يريد أن ينتصر لما يراه صواباً يبتعد عن قواعد الحديث، ويسير حسبما يرى، فالله المستعان. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١١٥١ فصل قال الألباني في ردِّ توثيق ابن حبان وتلميذه الحاكم لروح بن صلاح ما نَصُّه (ضعيفته ٣٢/١): إنَّ ابن حبان متساهل في التوثيق، فإنه كثيراً ما يوثق المجهولين ... ومثله في التساهل الحاكم كما لا يخفى على المتضلع بعلم التراجم والرجال فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى ولو كان الجرح مبهماً لم يذكر له سبب. اهـ . قلت: هذا كلام من لم يفهم - رغم اشتغاله - توثيق ابن حبان، ولم يمعن النظر في ثقاته، فسارع برد توثيقه والأَوْلَى التفصيل. فتوثيق ابن حبان على قسمين نَصَّ عليهما في مقدمة ثقاته (١٣/١): فالأول : من اختلف فيه علماء الجرح والتعديل، فإذا ثبت عنده أنه ثقة أدخله في ثقاته، وإلا فأودعه كتابه الآخر. الثاني : من لم يعرف بجرح ولا تعديل، وكان كلٌ من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو ثقة عنده، ولم ينفرد ابن حبان بذلك المذهب، ولكن هذا النوع من الرواة عند الجمهور يكون مجهول الحال(١). وأَمَّا نسبة التساهل إليه فبالنظر للنوع الثاني فقط، فإهدار توثيق ابن حبان مطلقاً خطأ، ولا تصح نسبة التساهل إليه مطلقاً، إنما هو في نوع (١) وإذا كان الرجل ليس من المجهولين فتوثيق ابن حبان لروح بن صلاح مقبول شأنه شأن غيره من النقاد. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٥٢ معين من الرواة فقط وهو الثاني، أَمَّا النوع الأول فتوثيقه لا يقل عن توثيق غيره من الأئمة. إذا علم ذلك، فإنَّ ردًّ توثیق ابن حبان لروح بن صلاح بدعوى تساهله فيه نظر ظاهر. فروح بن صلاح روى عنه يعقوب بن سفيان الحافظ، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي الفقيه الحافظ، وأحمد بن حماد بن زغبة صاحب النسائي الثقة، وأحمد بن رشدين وابنه عبدالرحمن، وعيسى بن صالح المؤذن، وفيه جرح وتعدیل، وبعضُهم سبق ابن حبان في الكلام عليه کابن یونس. أما عن توثيق الحاكم فردُّه أيضاً بدعوى التساهل خطأ بيِّن، فما زال العلماء ينقلون توثيق الحاكم معتمدين له، وكتب الرجال طافحة بذلك، وهي بين أيدينا. وكان الحاكم إمامَ أهل زمانه في الحديث، وكانت له المعرفة التامةُ في الجرح والتعديل، والعلل، و کل فنون الحديث، و کان يراجع مشايخه في الكلام على الرجال، وكان الدارقطني - وهو من مشايخه - يقدمه على ابن منده. وقال الحافظ أبو حازم العبدوي: وسمعت مشيختنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق، وأبو الوليد النيسابوري يرجعان إلى أبي عبدالله الحاكم في السؤال عن الجرح والتعديل، وعلل الحديث، وصحیحه، و سقیمه. ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٥٣ قال (أي الحافظ العبدوي): وأقمت عند الشيخ أبي عبدالله العصمي قريباً من ثلاث سنين، ولم أرَ في جملة مشايخنا أتقى منه، ولا أكثر تنقيراً، فكان إذا أُشكل عليه شئ أمرني أن أكتب إلى الحاكم أبي عبدالله، وإذا ورد جوابه حكم به وقطع بقوله، وانتخب على المشايخ خمسين سنة. اهـ. كذا في طبقات الشافعية (١٥٨/٤). نعم .. ذكر الذهبي في جزء (ذكر من يعتمد قوله في الجسرح والتعديل) (ص١٧٢) الحاكم على أنه من المتساهلين كالترمذي. قلت: تساهل الحاكم خاص بالحكم على الأحاديث في المستدرك(١)، فإنه رحمه الله تعالى أدركته المنية قبل أن ينقحه كلّهُ كما هو معلوم في مكانه. وتوثيقه لروح بن صلاح خارج المستدرك في سؤالات السجزي. ومما قَوَّى دعوى تساهله أنه صحح أحاديث في فضل علي عليه السلام شُنْع عليه بسببها، وعند تطبيق القواعد القول فيها قوله، والحق فيها معه، ولبسط هذا مكان آخر. أما كلامُه في غير المستدرك فكغيره من الأئمة النقاد. بل تراه يظهر التشدد أحياناً فكذَّب ابن قتيبة كما في الميزان (١) وهذا ما ذُكر في التنكيل (٤٥٩/١)، والألباني قام على طبعه وخاصم فيه، فهو مطالب بما فيه، وينبغي أن يقيد التساهل في المستدرك بالقسم الذي لم يفتشه الحاكم بسبب انتهاء أحله رحمه الله تعالى . ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾ ١٥٤ (٥٠٣/٢). وفي ترجمة محمد بن الفرج الأزرق (٤/٤). قال الذهبي: تكلم فيه الحاكم لمجرد صحبته الحسین الكرابيسي، وهذا تعنت زائد. اهـ. وكم عاب الحاكم على الشيخين البخاري ومسلم إخراجَهما لحديث رجالٍ تُكلم فيهم. هب أَنَّ الحاكم متساهل كما يقولون، فإنه قال عن روح بن صلاح: "ثقة مأمون"، فالرجل عنده في أعلى درجات القبول والتوثيق، فليس من العدل الذي أمرنا الله أن نقوم به أن نسقط هذا القول بالكلية بل نقول هو: "ثقة"، وإذا تشددنا غاية التشدد فالرجل "صدوق" ولا بد. فإذا ضُم هذا التوثيق لتوثيق ابن حبان، وإذا كنت في أعلى درجات التعنت فلا يمكنك أن تنفك إلا عن توثيق الرجل. ويُقوِّي تَوْثیقي ابن حبان والحاكم توثيق ضمن من يعقوب بن سفيان الفسوي لأنه من مشايخه، فالرجل حديثه لا يقل عن الحسن، والله تعالى أعلم بالصواب. أما قول الألباني(١): فقوهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى لو (١) ونقل كلامه وأضافه لنفسه الشيخ حماد بن محمد الأنصاري في كتابه (ص٤٤)، ومما كنت أحب له ألا يكتبه قوله عن روح بن صلاح (ص٤٥) ما نصُّه: فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيفه. اهـ. فلا أدري هل يعقوب بن سفيان الفبسوي والحاكم وشيخه ابن حبان من طلبة الحديث أو أثمته أو من حملة الدكتوراه ؟ فلماذا هذه التعمية ؟ ولماذا هذا التهويل ؟ ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٥٥ کان الجرح مبهماً لم یذ کر له سبب. اهـ. ففيه إهدار لتوثيق هذين الإمامين بالكلية، وهو قول فيه نظر ولا يساوي سماعه لأنه مخالف للواقع وفيه جراءة لا تحمد. ثم زاد الطين بلة فقال: حتى لو كان الجرح مبهماً لم يذكر له سبب. قلت: زدت نكداً، وهذا مثال للكلام الساقط الذي نحل كل مشتغل بالحديث أن يهذى مثله، ونستحي له، فالله المستعان. وحاصل ما تقدم أنَّ روح بن صلاح (صدوق) والحديث حَسَن الإسناد ، والله أعلم. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٥٦ الحدیث الخامس حدیث: (حَیاتی خیرٌ لَکم تُحْدِقُون ويُحْدَثُ لکم، ووفاتي خيرٌ لكم تُعرضُ عليَّ أعْمَاُلُكُم، فَما رأيتُ من خيرٍ حمدتُ الله عليه، ومَاً رأيتُ من شرّ اسْتغفرتُ لَكم). قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (كشف الأستار: ٣٩٧/١): حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبدالمجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد عن سفيان عن عبدالله بن السائب، عن زاذان، عن عبدالله عن النبي 8# قال: (حَياتي خيرٌ لَكم تُحدِثُون ويُحْدَثُ لكم، ووفاتي خيرٌ لكم تُعرضُ عليَّ أعْمَالُكُم، فَما رأيتُ من خيرِ حمدتُ اللهُ عليه، ومَا رأيت من شرٍ اسْتغفرتُ لَكم ). قال الحافظ العراقي في (طرح التثريب) (٢٩٧/٣): إسناده جيد. وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢٤/٩): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. اهـ. وصحَّحه السيوطي في الخصائص (٢٨١/٢)، وفي تخريج الشفا وهو کما قال. ولشيخنا العلامة المحقق السيد عبدالله بن الصدِّيق الغماري الحسني ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٥٧ رحمه الله تعالى، ونوَّر مرقده في هذا الحديث جزء مفيد مطبوع، اسمه "نهاية الآمال، في شرح وتصحيح حديث عرض الأعمال". ورجال السند ثقات. وعبدالمجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد ثقة أيضاً احتج به مسلم، وسيأتي تفصيل الكلام عليه أن شاء الله تعالى. وللحديث طرق أخرى غير ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه، فجاء عن أنسٍ رضي الله عنه، وعن بكر بن عبدالله المزني مرسلاً، وهو غايةٌ في الصحة. وعن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام معضلاً. أما مرسل بكر بن عبدالله المزني فله عنه طريقان صحيحان، وثالث ضعيف. أما الصحيحان فأخرجهما القاضي إسماعيل في فضل الصلاة على النبي # (ص٣٨، ٣٩). وقد قال ابن عبد الهادي في الصارم بعد ذكره أحد الإسنادين (ص٢١٧): هذا إسناد صحيح إلى بكر المزني(١)، وبكر من ثقات التابعين وأئمتهم. اهـ . والثالث الضعيف هو ما رواه الحارث بن أسامة في مسنده: حدثنا (١) فهذا المرسل بمفرده حجة عند كثير من الأئمة كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وغيرهم. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٥٨ الحسن بن قتيبة، ثنا جسر بن فرقد، عن بكر بن عبدالله المزني به مرفوعاً. وانظر المطالب العالية (٢٣/٤). قلت: الحسن بن قتيبة، وشيخه ضعيفان. وأما حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال أبو طاهر المخلص في فوائده (من الاكتفاء بتخريج أحاديث الشفاء(١) ص١٧): حدثنا يحيى بن محمد ابن صاعد، ثنا يحيى بن خذام بالبصرة، ثنا محمد بن عبد الله بن زياد أبو سلمة الأنصاري، ثنا مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله( : (حَياتي خيرٌ لكم - ثلاثَ مراتٍ - ووفاتي خيرٌ لكم - ثلاث مرات - فسكت القومُ، فقال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه بأبي أنت وأمي كيفَ يكونُ هذا ؟ قلتَ: حياتي خيرٌ لكم ثلاث مراتٍ، ثم قلت: موتي خيرٌ لكم ثلاثَ مرات. قال: حياتي خير لكم ينزل علي الوحي من السماء فأخبركم بما يحلُ لكم وما يحرم عليكم، وموتي خير لكم ثلاث مرات تعرض علي أعمالكم كلَّ خميس، فما كان من حسن حمدتُ الله .. عليهِ وما كانَ من ذنبٍ أسَتوهبت لكم ذنوبكم). قلت: أبو سلمة الأنصاري كَذَّبه ابن طاهر، وتركه غيره. (١) هو لحافظ العصر السيد أحمد بن الصديق الغماري، وصل فيه إلى قريب ربع الكتاب، وهو أوسع تخريج الأحاديث الشفاء وقد شرعت في اختصار الاكتفاء ثم إكماله يسر الله تعالى إتمامه، ورزقنا الشفا يحب المصطفى صلى الله عليه وآله المستكملين الشرفاء، وسلم تسليما كثيرا. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ١٥٩ وله طريق آخر عن أنس أسقط منه، رواه ابن عدي (٩٤٥/٣)، والحارث ابن أبي أسامة (كما في المغني: ١٤٨/٤) وفيه خِراش بن عبدا لله. وأما حديث محمد بن عليّ بن الحسين أبي جعفر عليهم السلام فقال الحافظ السيد أحمد بن الصدِّيق رحمه الله تعالى في (الاكتفاء في تخريج أحاديث الشفا) (ص١٨): رواه أبو جعفر الطوسي في أماليه من طريق إبراهيم بن إسحاق النهاوندي الأحمري، حدثني محمد بن عبد الحميد وعبدالله بن الصلت عن حنان بن سدير، عن أبيه، قال إبراهيم حدثني عبدالله بن حماد، عن سدير، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله :﴿ وهو في نفر من أصحابه: (إنَّ مقامي بين أظهر كم خيرٌ لكم، وإن مفارقتي إياكم خيرٌ لكم)، فقام إليه جابر بن عبدالله، فقال: يا رسول الله أمَّا مقامك بين أظهرنا فهو خير لنا، فكيف تكون مفارقتك إيَّانا خيراً لنا، فقال: (أما مقامي بين أظهركم خيرٌ لكم فلأن الله عَزَّ وجَلَّ يقولُ: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيعذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتغفرُون﴾، يعني: تعذيبهم بالسيف، وأما مفارقتي إياكم، فهو خير لكم لأن أعمالكم تُعرضُ عليَّ كلَّ اثنين وخميس فَمَا كَانَ من حسن حمدتُ الله تعالى وما كَانَ من سيئةٍ استغفرتُ لَكُمْ). وهذا غير صحيح بل ملفقٍ مركب محرف، أخرجه إبراهيم الأحمري المذكور في مصنفاته وهو ضعيف، كما ذكره الطوسي ﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾