Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤٠
بحق فلان أو بحرمة فلان، وأما إحضار الصالحين في مقام الاستسقاء أو
طلب الدعاء منهم فهو ليس من المكروه في شئ بل هو ثابت بالسُنَّة
الصحيحة)). اهـ.
وقال في موضع آخر (ص٢٧٤): ((وإذا كان حضورُ الصحابة
والتابعين وتابعي التابعين والضعفاء سبباً للنصر والفتح فما ظنك بحضور
سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم)). اهـ.
ثم قال في(ص٢٧٥): ((فالمراد بوجهه في قول أبي طالب: ((يستسقى
بو جھہ)) بیر کة حضور ذاته أو بدعائه)). اهـ.
قلت وبالله التوفيق: صرفُ السهسواني هذا التوسّل إلى التبرك
بالذات أو الدعاء فيه نظر، أما الدعاء فظاهر أما كون المراد يستسقى
بوجهه ببركة حضوره فيمكن أن يكون كذلك إن كان التبرك والتوسّل
عنده مترادفان، وهو الصواب.
وهو ما صرح به العلامة البدر العيني فقال في عمدة القاري
(٧:٣٠):
((معنى قول أبي طالب هذا في الحقيقة توسل إلى الله عزَّ وجَلَّ بنبيه
لأنه حضر استسقاء عبد المطلب والنبي 8# معه، فيكون استسقاء الناس
الغمام في ذلك الوقت بیر کة وجھہ الکریم)). اهـ.
وإن لم يكن فلفظة ((يستسقى الغمام بوجهه)) هو عين التوسّل
بالذات))، ولابد من حمل النصِّ على ظاهره ولا يصرفُ إلا بدليل
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٤١
ولاصارف له هنا. والله أعلم.
وللعلامة محمد بن علي الشوكاني كلمة في جواز التوسّل بالأنبياء
وغيرهم من الصالحين رَدَّ فيها على من منعه وفَتْدَ إيراداته ، فقال
رحمه الله تعالى في رسالته ((الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد))(١)
(١) وقد تقدم النقل عن الشوكاني ص(٢٥) من كتابه (تحفة الذاكرين) في جواز التوسّل
بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما كان كلام الشوكاني في تجويزه التوسّل والردِّ
على المانعين شحی في حلوق المخالفین، سعوا للتصرف فيه إما بادعاء أنه مدسوس علیه كما
قال خالد عبداللطيف العلمي نقلاً عن بعض من لا يعرف ، انظر تعليقاته على الرسائل السلفية
للشوكانى (ص١٤٣)، طبعة دار الكتاب العربي، وأكثر من هذا أن بعضهم طبع رسالة
الشوكاني المذكورة، وحذف منها ما يخالف هواه، على عادتهم في التحريف، وهو ما صرح به
المعلق المتقدم ذكره في (ص١٤٣).
وأحبُ ألا أخليّ المقام من بيان حال القاضي الشوكاني - على التحقيق - عند مدعي السلفية.
ففي أطروحة الدكتوراه بعنوان ((منهج الإمام الشوكاني في العقيدة)) والتي نوقشت في
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في يوم الثلاثاء ٢٩ من ذي الحجة سنة ١٤١٢، ثم طبعت
مؤسسة الرسالة ...!
انفصل الباحث عبدالله نومسوك على نتائج من أهمها:
١- أجاز الشوكاني التوسّل بالذات والجاه، وجعله كالتوسل بالعمل الصالح.
٢- ذهب إلى جواز تسمية الله عَزَّ وجلَّ بما ثبت من صفاته، سواء ورد التوقيف بها أو لم يرد.
٣- في صفات الله تعالى يقول الباحث المتقدم ما نصُّه (٨٥٦/٢ - ٨٥٧):
في صفات الله تعالى:
١) أوَّل بعض الصفات الإلهية في تفسيره: فتح القدير. تأويلاً أشعريا، والصفات التي أوّلها هي :-
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٤٢
ما نصه:
أما التوسّل إلى الله سبحانه وتعالى بأحدٍ من خلقه في مطلب يطلبه
العبد من ربه، فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنه لا يجوزُ
=الوجه، والعين، واليد، والعلوّ، والمجئ، والإتيان، والمحبة، والغضب، على التفصيل الذي ذكرته
في الرسالة. وهذا التأويل مناقض لمنهجه في رسالته (التحف) في إثبات الصفات على ظاهرها من
غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو مذهب السلف رضوان الله عليهم.
٢) نهج منهج أهل التفويض في صفة المعية في رسالته التحف، فلم يفسرها بمعية العلم، بل زعم
أنّ هذا التفسير شعبة من شعب التأويل المخالف لمذهب السلف. وهذا مخالف لما ذهب إليه في
تفسيره وفي كتابه (تحفة الذاكرين) من أنّ هذه المعية معيّة العلم، وفسرها هنا تفسير السلف.
٣) ذهب مذهب الواقفية في مسألة خلق القرآن، فلم يجزم برأي هل هو مخلوق أو غير مخلوق.
في نواقض التوحيد:
١) أجاز تحري الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين باعتبارها أماكن مباركة يستجاب الدعاء
فيها. وهذا مخالف لما قرره ودعا إليه في عدد من كتبه من سد الذرائع إلى الشرك في الأموات.
٢) جعل الحلف بالقرآن كالحلف بمخلوق من مخلوقات الله.
في النبوات:
یری في مسألة التفضيل بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. انتھی.
ولك أن تخلص مما تقدم أن الشوكاني - وهو المدعو إماماً عندهم، هو وفق قواعدهم، وما قرروه
بأنفسهم، وما ابتدعوه من قواعد باطلة، حكموا بها على المسلمين وأئمتهم بالكفر والضلال،
فيكون الشوكاني في نظرهم، وشهد شاهد من أهلها - ميتدع، ضال، قبوري، جهمي، معطل
للصفات، متوقف في مسألة خلق القرآن، مناقض للتوحيد ... الخ. وإذا كان هذا حال
الشوكاني، وفق قواعدهم، فقل لي بربك، من هو السني، وأين هم أهل السنة والجماعة في نظر
مشايخ ... ؟
وفي رسالتي "ابن تيمية وأصحابه" ما تنحل منه جبوتك، وتعرف مدى تطرف فكر الخوارج.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٤٣
التوسّل إلى الله تعالى إلا بالنبي ﴿ إن صح الحديث فيه. ولعلّه يشير إلى
الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه، والترمذي وصححهُ، وابن ماجه،
وغيرهم أنَّ أعمى أتى النبي # فذكر الحديث . ..
قال وللنّاس في معنى هذا قولان:
٠
أحداهما: أن التوسّل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: كنا
إذا أجدبنا نتوسّل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسّل بعمِّ نبينا هو في صحيح
البخاري وغيره، فقد ذكر عمر رضي الله عنه إنهم كانوا يتوسلون بالني
* في حياته في الاستسقاء، ثُمَّ توسّلَ بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم هو
استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى،
والنبي # كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم.
والقول الثاني: إنَّ التوسّل به صلى الله عليه وسلم يكون في حياته
وبعد موته وفي حضرته ومغيبه، ولا يخفاك أنّه قد ثبت التوسّل به صلى
الله عليه وسلم في حياته وثبت التوسّل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة
إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحدٍ منهم على عمر رضي الله عنه في توسله
بالعباس رضي الله عنه.
وعندي أنه لا وَجْهَ لتخصيص جواز التوسّل بالتي 8/ كما زعمه
الشيخ عز الدين بن عبدالسلام لأمرين: الأول: مَا عَّرْفَناك به من إجماع
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والثاني: إنَّ التوسّل إلى الله بأهل
الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٤٤
الفاضلة إذ لا يكون الفاضلُ فاضلاً إلا بأعماله(١)، فإذا قال القائل:
اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، أَنَّ النبي # حكى عن الثلاثةِ
الذين انطبقت عليهم الصخرةُ أنَّ كلَّ واحد منهم توسَّلَ إلَى اللهَ بأعظم
عملٍ عمله، فارتفعت الصخرةُ. فلو كان التوسّل بالأعمال الفاضلة غيرَ
جائز أو كان شركاً كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن
عبدالسلام(٢)، ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة من الله لهم ولا
(١) فرجع الأمر إلى تصويب القول بالتوسَّل، وأن المانعَ يمنعُ أمراً لا وجود له في الحقيقة.
(٢) العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى لم يتشدد البتة، ولكنَّ عذر الشوكاني أنه نقل كلام العز
ابن عبدالسلام بواسطة، كما وضحه شيخنا العلامة المحقق السيد عبدالله بن الصديق الغماري
رحمه الله تعالى ونَورَّ مرقده في الرد المحكم المتين (ص ٥٥)، فإنه قال: هذا غلط في النقل عن ابن
عبدالسلام، لأن فتواه في الإقسام على الله بخلقه لا في سؤاله بجاه فلان، ونحن ننقل كلامه في
ذلك ليتضح المراد، فقد جاء في الفتاوي الموصلية ما نصُّه: أمَّا مسألة الدعاء فقد جاء في بعض
الأحاديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ بعضَ الناس الدعاء فقال في أوله: (قل اللهم
إني أقسمُ عليكَ بنبيك محمد نبي الرحمة) وهذا الحديث إن صحَّ فينبغي أن يكون مقصوراً على
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء
والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مماً خُص به نبينا على علو درجته
ومر تبته .اهـ
ثم قال السيد عبدالله بن الصديق رحمه الله تعالى ونوَّر ضريحه: هذا كلام عز الدين حروفه نقلناه
من الفتاوي الموصلية، وهكذا نقله أصحابُ الخصائص كالحافظ السيوطي والقسطلاني
وغيرهما مستدلين به على أن الإقسام على الله تعالى بالنبي # من خصوصياته وهذا غير ما نحن
فيه، وهو سؤال الله بجاه فلان من غير إقسام عليه، وبين المسألتين بونٌ كبير كما لا يخفى،
فاشتبه الحال على ابن تيمية ودخلت عليه مسألة في أخرى والكمالُ الله تعالى)). انتهى كلام=
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥
سکت النبي څ عن إنكار ما فعلوه بعد حکایته عنهم.
وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسّل بالأنبياء والصلحاء من
نحو قوله تعالى: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، ونحو قوله
تعالى: ﴿فلا تدعوا مع الله أحداً﴾، ونحو قوله تعالى: ﴿له دعوة الحق
والذين يدعون من دونه لا يستجيبون هم بشئ﴾ ليس بوارد بل هو من
الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه، فإن قولهم: (ما نعبدهم إلا
ليقربونا إلى الله زلفى) مصرح بأنهم عبدوهم لذلك والمتوسّل بالعالم مثلاً
لم يعبده بل علم أن له مزيةً عند الله بحمله العلم، فتوسّل به لذلك.
وكذلك قوله: ﴿فلا تدعوا مع الله أحداً﴾ فإنّه نهى عن أن يدعو
مع الله غيره كأن يقول يا الله ويافلان، والمتوسّلُ بالعالم مثلاً لم يدعُ إلا
الله فإنّما وقع منه التوسّل إليه بعمل صالح عمله بعض عباده، كما توسل
الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، وكذلك قوله:
﴿والذين يدعون من دونه﴾ الآية، فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم
ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم.
والمتوسّل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله، ولم يدع غيره دونه ولا دعا
غيره معه.
فإذا عرفت هذا لم يخفَ عليك دفع ما يورده المانعون للتوسّل من
= شيخنا رحمه الله تعالى ونور قبره. وانظر الرد المحكم المتين (٥٥،٥٤)، وحاشية (ص٢٢٢) منه.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٤٦
الأدلة الخارجة عن محل النزاع، خروجاً زائداً على ما ذكرناه، كاستدلالهم
بقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يوم
لا تملك نفس لنفس شيئاً، والأمر يومئذٍ لله﴾، فإنَّ هذه الآية الشريفة
ليس فيها دلالة إلا أنّه تعالى هو المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنّه ليس لغيره
من الأمر شيء، والمتوسل بني من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد
أن لمن توسَّل به مشاركة الله جل جلاله في أمر يوم الدين.
ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير ني فهو في ضلال
مبين.
وهكذا الاستدلال على منع التوسّل بقوله تعالى: ﴿ليس لك من
الأمر شئ﴾، ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضَرا﴾، فإن هاتين الآيتين
مصرحتان بأنه ليس لرسول الله ﴿ من أمر الله شيء، وأنّه لا يملك لنفسه
نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره، وليس فيهما منع التوسّل به أو بغيره من
الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسول الله:﴿ المقام المحمود
مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه،
وقال له: سلْ تُعطَّ واشفْع تشفع، وقَيِّد ذلك في كتابه العزيز بأنَّ الشفاعة
لا تكون إلا یاذنه ولا تکون إلا لمن ارتضی . .
وهكذا الاستدلال على منع التوسّل بقوله صلى الله عليه وسلم لما
نزل قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾: يا فلان ابن فلان لا أملك
لك من الله شيئاً، يا فلانة بنت فلان لا أملك لكٍ من الله شيئاً.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧
فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لا يستطيع
نفع من أراد الله ضره، ولا ضرَّ من أراد الله تعالى نفعه، وأنه لا يملك
لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله، وهذا معلوم لكل مسلم
وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله، فإن ذلك هو طلب الأمر مِمَّن له الأمر
والنهي، وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة
ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين)). انتهى كلام
الشوكاني رحمه الله تعالى.
وقال الآلوسي(١) مؤيداً التوسّل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم:
((أنا لا أرى بأساً في التوسّل إلى الله تعالى بجاه الني ﴿ عند الله
١١٠٠
تعالى حياً وميتاً، ويراد بالجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى مثل أن
يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته، فيكون معنى قول
القائل: إلهي أتوسل بجاه نبيك صلى الله تعالى عليه وسلم أن تقضي لي
حاجتي، إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي، ولا فرق بين هذا
وقولك: إلهي أتوسل إليك برحمتك أن تفعل كذا، إذ معناه أيضاً إلهي
اجعل رحمتك وسيلةً في فعل كذا)). انتهى من جلاء العيني بمحاكمة
الأحمدين (ص٥٧٢).
(١) وهو ممن يشايع ابن تيمية.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٤٨
التوسّل ليس من مباحث الاعتقاد
التوسّلُ من موضوعات الفروع، لأن حقيقته اتخاذ وسيلة، أي قربة
إلى الله تعالى، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وابتغوا
إليه الوسيلة﴾
والتوسّل على أنواعٍ، وأمره يدور بين الجواز، والندب، والحرمة، وما
* كان أمره كذلك فهو من الأحكام الشرعية التي موضوعها علمُ الفقه،
وإقحام موضوعات الفقه في التوحيد والعقائد خطأ يجب بجانبته.
وهذا الإمام أبو حنيفة يقول: ((ويُكره أن يقول الرجل في دعائه:
أسألك بمعقد العزِّ مِن عرشك)). اهـ (الجامع الصغير للإمام محمد
ص ٣٩٥ مع النافع الكبير).
فعبر الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بقوله: ((يُكْرَهُ))، فدار الأمر
بين الكراهية التنزيهية أو التحريمية، كما قرره أصحابه في كتاب
((الكراهية)) أو ((الحظر والإباحة)) من مصنفاتهم الفقهية.
والسادة الفقهاء يذكرون استحباب التوسّل أو جوازه، في باب
الاستسقاء في كتاب الصلاة وعند زيارة قبر النبي # ، في كتاب الحج.
أما سَلكُ بحث التوسّل في العقائد، وجعله وسيلة من وسائل الشرك،
فبدعةٌ قد حَلَّت بالمسلمين، ومسلكاً قد زرع العداوةَ بينهم ونفخ في بوق
الخلاف بين الأخ وأخيه، والأب وابنه.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٩
ومن قلّب النظر في عشرات الكتب والرسائل التي يصنفها بعض
المعاصرين التي تتحدث عن ((منهج أهل السُنة والجماعة))، و((أصول
أهل السُّنة))، و((عقيدة الفرقة الناجية))، و((العقيدة الصحيحة))،
و((مجمل أصول أهل السُنّة والجماعة)). وخصائص ... ، ومميزات
... ، وبلايا ... ، لرأى الهولَ، والجهلَ معاً، ووقف على أنواع من التشددَّ
کادت أن تأتي على الأخضر واليابس.
وينبغي على العقلاء كشف أوضار وأخطار هؤلاء الجهلة ومن على
شاكلتهم، من المتاجرين بالخلاف بين المسلمين.
وإنَّ المرء لا يعجب ممن يأخذ بأحد الرأين، ولكن لا ينقضى عجبه
ممن يتبع أحد هذين الرأين، ثُمَّ يجعل ما اتبعه هو الحق الذي يجب المصير
إليه، ويجعل من اختيار الآخرين للرأي الآخر برهان كونهم مبتدعة يجب
مفارقتهم ويجب ... ويجب ... ، فقل لي بربك أي عالم من علماء الأمة
يقر هذا المسلك المتخلف العجيب، ولطالما اتهم كثير من عباد الله
الصالحين بالابتداع وغيره، وعند المحقاقة تجد الحقَّ معهم، والجهل مع
غيرهم، فإلى الله المشتكى مما آل إليه أمر المسلمين.
والنصيحة لإخواني المتشددين في هذا الباب توجب عليَّ أن أذكر
بعض النصوص التي تؤيد الحق الذي ذكرته، وعنيت بأن تكون للمانعين
من التوسّل:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥٠
١) قال الشيخ حسين بن غنام الإحسائي(١) في ((روضة الأفكار
والإفهام لمرتاد حال الإمام)):
(( (العاشرة) قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسّل بالصالحين، وقول
أحمد يتوسَّل بالتي ﴿ خاصة مع قولهم إنّه لا يستغاث بمخلوق، فالفرق
ظاهر جداً وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعضهم يرخص بالتوسّل
بالصالحين وبعضهم يخصه بالني #، و((وأكثر العلماء ينهى عن ذلك
ويكرهه))(٢)، هذه المسألة من مسائل الفقه، ولو کان الصواب عندنا
قول الجمهور أنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل
الاجتهاد)). انتهى من كتاب ((السهسواني)) (ص١٨٣).
(٢) قال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق النجدي:
((مسألة التوسّل بالنبي # وهو أن يقول القائل: اللّهم إني أتوسل
إليك بنبيك محمد#، فهي مسألة مشهورة، والكلام فيها معروف عند
أهل العلم.
فطائفة من العلماء منعوا من ذلك سواء توسّل بالني # أو بغيره.
(١) من أصحاب محمد بن عبدالوهاب، وكتابه المذكور مطبوع. انظرروضة الناظرين: (٧٨/١).
(٢) قوله: ((وأكثر العلماء)) ربما يعني الشيخ ((علماءً مخصوصين عنده))، والصواب أن جماهير
علماء الأمة على جوازه، والشيخ مالكي، وأهل مذهبه متفقون على جواز التوسل بالنبي 18 ولا
يحفظ عن أحد من المالكية قول بكراهية التوسّل بالني # كما حققه شيخنا العلامة المحقق
السيد عبدالله بن الصديق الغماري قدس الله سره في الردِّ المحكم المتين (ص٨٩ -٩١).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥١
وطائفة جوزوا ذلك بالبي 8# لا بغيره(١)، واستدل هؤلاء بما روى
الترمذي والنسائي أن النبي 18 علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول:
((اللّهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله
إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه في))، فاستدلوا
بهذا الحديث على جواز التوسّل به صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد
مماته.
وقالوا: ليس في التوسّل به صلى الله عليه وسلم دعاء للمخلوق
والاستغاثة به، وإنما هو دعاء ولکن فيه مجاهه صلی الله عليه وسلم.
قالوا: وهذه مثل قوله فيما رواه ابن ماجه في دعاء الخارج إلى
الصلاة: ((اللَّهم إني اسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني
لم أخرج إشراً ولا بطراً خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك
أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا
أنت)).
هذا حاصل ما استدل به المجوزون للتوسّل به 18 . .
وأما المانعون من ذلك فيقولون: إنَّ صحَّ الحديثُ فليس فيه دليل على
جواز التوسّل به صلى الله عليه وآله وسلم بعد مماته، وإنمافيه جواز ذلك
في حياته بحضوره.
(١) لم يذكر الشيخ من حوَّز التوسّل بالني 18 وبغيره من الأنبياء والأولياء، وهم الجماهير
فتدبر.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥٢
قالوا: والدليل على صحة ما قلناه أنَّ عمر بن الخطاب استسقى
بالعباس رضي الله عنهما، فقال: اللّهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك
بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل بعم نبيك فاسقنا فيسقون.
ولو كان التوسّل به صلى الله عليه وسلم بعد مماته مشروعاً لما عدل
عمر عن النبي # إلى العباس، وهذا ما ذكره العلماء في هذه المسألة(١).
ونحنُ وإن قلنا بالمنع من التوسّل به# بهذا اللفظ أو نحوه لما نعتقده
من أصحية المنع، فنحن مع ذلك لا نشدد في ذلك على من فعله مستدلاً
بالحديث فضلاً عن أن نكفره)). اهـ (ص٣٣ - ٣٤).
٣) وسُئل محمد بن عبدالوهاب: عن قولهم في الاستسقاء: (لا بأس
بالتوسّل بالصالحين) وقول أحمد: يتوسل بالني # خاصة مع قولهم: ((إنّه
لا یستغاث مخلوق)).
فأجاب بكلام منه قوله: فهذه المسألة من مسائل الفقه، وإن كان
الصواب عندنا قول الجمهور(٢): إنه مكروه، فلا ننكر على من فعله، ولا
(١) قد تقدم أن غاية استدلاله هو استدلال بالترك، وأجيب بأن الترك يدل على جواز ترك
المتروك فقط، على أن الصحابة توسّلوا بالنى 8 بعد انتقاله كما في آثار عن بلال بن الحارث،
وابن عمر، وعائشة، والتوسّل بالعباس توسّل بذاته کما تقدم، ما لا یمکن ردہ إلا من مکابر.
(٢) بل العكس هو الصحيح فالجمهور على الجواز أو الندب وفي الفروع لابن مفلح الحنبلي
(٥٩٥/١) ما نصُّه: ((ويجوزُ التوسل بصالح وقيل يُستحب، قال أحمد في منسكه الذي كتبه
للمروزي إنه يتوسّل بالني #: في دعائه، وحزم به في المستوعب وغيره)). اهـ.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥٣
إنكار في مسائل الاجتهاد ... الخ، انظر فتاوى ابن عبدالوهاب (٣:٦٨).
٤) وقال القنوجي في باب آداب الدعاء من كتب ((نزل الأبرار))
(ص٣٧) ما نصه:
((ومنها التوسّل إلى الله سبحانه بالأنبياء، ويدلُ عليه ما أخرجه
الترمذي من حديث عثمان بن حُنَیف - وذكر حديث توسل الضرير - ثم
قال: ومنها التوسّل بالصالحين ويدل له ما ثبت في الصحيح أن الصحابة
استسقوا بالعباس عمِّ الرسول #، ثم قال: ومسألة التوسّل بالأنبياء
والصالحين مما اختلف فيه أهل العلم اختلافاً شديداً بلغت النوبة إلى أن
كفر بعضهم بعضاً أو بدع وضلل. والأمر أيسر من ذلك وأهون مما هنا
لك، وقد قضى الوطر منها صاحب كتاب (الدين الخالص)، والعلامة
الشوكاني في ((الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد)).
وحاصلها: جواز التوسّل بهم على ما ورد من الهيئات وعلى القصر
على ما في الروايات، ولا يقاس عليه ولا يزاد عليه شئ، ولا نشك أنَّ من
لا يرى التوسّل إخلاصاً لله ليس عليه إثم ولا وزر.
ومن توسّل فما أساء، بل جاء بما هو جائز في الجملة، وكذلك
ثبت التوسّل بالأعمال الصالحة كما سبقت الإشارة إليه فيما تقدم،
وبالجملة ليست المسألة مستحقة لمثل تلك الزلازل والقلاقل، ولكن
مفاسدَ الجهل، والتعصب، ومساوئ التقليد والتعسف لا تحصى)). اهـ.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٥٤
ولا بأس أن أُلفت نظر القارئ الكريم لنوع من رسائل الجهل
والتهويل والتضليل، والتعدي على المسلمين - وما أكثرها - من هذه
الرسائل رسالة باسم (وقفات مع كتاب للدعاة فقط) يعيب المؤلفُ فيها
على صاحب كتاب للدعاة فقط مسائل منها قول الإمام حسن البنا رحمه
الله تعالى: ((والدعاء إذا قرن بالتوسّل إلى الله تعالى بأحدٍ من خلقه
خلافٌ فرعي في كيفية الدعاء، وليس من مسائل العقيدة)). اهـ
(ص٢٥).
وهذا حق لا مرية فيه، ومنكره منكر للمحسوس، ومكابر في
الضروريات، ولأن صاحب الرسالة المذكورة وقف على بعض الرسائل
التي ترشح بالتهويل، والتضليل، وتعميق الخلاف بين المسلمين، جرى
المسكينُ في فلك هذه الرسائل فأبرق لمن يفتيه وفق مراده، فأفاده
بعضهم (١) بقوله المضحك المبكي:
((التوسّل في الدعاء بذوات الصالحين أو حقهم أم جاههم يعتبر أمراً
مبتدعاً، ووسيلة من وسائل الشرك، والخلاف فيه يعتبر خلافاً في مسائل
العقيدة لا في مسائل الفروع، لأن الدعاء فيه أعظم أنواع العبادة ولا يجوز
فيه إلا ما ورد في الكتاب والسُنّة ... إلخ (ص٣١- ٣٢).
قلت: لا يخفى أن الأحاديث والآثارَ الصحيحة والحسنة تردُ قولَه،
(١) هو صالح الفوزان.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥٥
ولو استحضر هذا المجيب حديثاً واحداً منها، وليكن حديث توسل
الأعمى بالنبي / واستعمال عثمان بن حنيف له وزيادة حماد بن سلمة
الصحیحة، و کان مع استحضاره منصفاً وترك تقليد غيره لأعرض عما
تفوه به، فإن أبى ترك التقليد فأولى به تقليد إمامه في توسله بالنبي 8# بل
وجماعة من السلف كما نقله ابن تيمية في التوسّل والوسيلة (ص ٩٨،٦٥)
فإذا كان أحمدُ وجماعة من السلف لا يعرفون الشرك ووسائله وعرفه هذا
المستدرك عليهم فليكن ما عرفه هو سبُّ السلف وأئمة الدين ورميهم
بالعظائم لا غير.
نعم الدعاء من أعظم أنواع العبادة، كلمة حق أريد بها باطل، لكنَّ
المتوسلَ لا يدعو إلا الله جَلَّ وعَزَّ، ولكنه اتباعاً لقول بقول الله تعالى:
﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ توسل في دعائه. وهذه الوسيلة مختلف في بعض
أنواعها منها ما يجوز، ومنها ما لا يجوز فالأمر فيه خلاف وهو ضعيف،
ومحل هذا الخلاف موضوع علم الفقه، أما علم العقيدة أو التوحيد فيتكلم
في الآلهيات والنبويات والسمعيات، فلا معنى لإدخال بحث التوسّل في
العقيدة، وبون كبير بين العلمين.
ومن جملة ما استدل به في جوابه قول الله تعالى: ﴿وقال ربكم
ادعوني أستجب لكم﴾، ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾.
وهذا استدلال عجيب لأنه استدل بخارج عن النزاع أجنبي عنه،
وتقدم جوابٌ مسكتٌ لأمثال هؤلاء عن العلامة الشوكاني.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥٦
والآية الأولى فيها طلب دعاء الله تعالى، والثانية فيها حث على
الدعاء مع الإخلاص، أما التوسّل فهو اتخاذ قربة لله رغبة في إجابة
الدعاء، وهذه القربة على أنواع كما هو معلوم فلا تنافي بأي وجه مع
الآيتين، بل التوسّل يوافقهما من حيث أن يدعو الله تعالى ولا يدعو غيره.
ثم رأيت المجيب عن السؤال أعني صالحاً الفوزان يقول في رسالة له
مطبوعة باسم ((تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً)) عن
التوسّل: ((إنها لمسألة خطيرة تمس العقيدة، وتجر إلى الشرك، فكيف
تکون ھیئة)).اهـ.
قلت: هون على نفسك يا شيخ، فإذا كان التوسّل يجر إلى الشرك
فقل لي بربك هؤلاء الأئمة الذين توسلوا بالنبي # أحمدبن حنبل وغيره
من السّلَف، ومن بعدهم هل علمت أنهم انجروا إلى الشرك ؟! حاشهم
من ذلك، وهم أئمة الدين.
وكلامَك يعني أن التوسّل يسلتزم بالضرورة الإنجرار للشرك، وهو
لازم باطل لا ینکره إلا مکابر.
وهذا الرجل(١) الذي يتشدد هنا التشدد الممقوت - ويخالف مذهبه -
(١) هو صالح الفوزان، ودعوى البدعة والشرك عنده سهلة جداً، حتى أنني رأيت منسكا له
عَدَّ فيه الدعاء عند القبر الشريف من الأخطاء العظيمة لأنه (وإن كان الداعى لا يدعو إلا الله)
بدعة ووسيلة إلى الشرك. كذا في منسكه (ص ٥٢) وغير خفي أن الدعاء عند القبر الشريف
تضافرت النقول عليه عن السلف والخلف، وابن تيمية نقل الدعاء عند القبر الشريف .....=
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥٧
= عن جماعاتٍ في رده على العلامة الأخنائي (ص٣٧-٣٨) فانظره.
ثم رأيت أن اتحف القارئ الكريم بهذه الفائدة من معجم الشيوخ للحافظ الذهبي الذي قال
في (٧٣/١-٧٤) ما نصُّه: عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: (( أنه كان يكره مسَّ قبر النبي
(*)) قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب.
وقد سُئِل أحمدُ بن حنبل عن مسِّ القبر النبوي وتقبيله فلم يرَ بذلك إساءة أدب.
وقد سُئل أحمدبن حنبل عن مسِّ القبر النبوي وتقبيله فلم يربذلك بأساً، رواه عنه ولده عبدالله
بن أحمد.
فإن قيل:فھلاً فعل ذلك الصحابةُ قیل:لأنهم عاینوه حیاً،وتملوا به، وقبوا يده، و كادوا
يقتتلون على وضوئه واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته
تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه
ونحن فلما لم يصح لنا مثلُ هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبرهٍ بالالتزام والتبجيل
والاستسلام والتقبيل.
ألا ترى كيف فعل ثابت البناني، كان يقبل يدَّ أنس بن مالك ويضعها على وجهه
ويقول: يدٌ مست يدَّ رسول الله ﴾.
وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرطُ حبِّه للنسِي 8#، إذ هو مأمور بأن يحب الله
ورسوله أشد من حبه لنفسه، وولده، والناس أجمعين، ومن أمواله ومن الجنة وحورها، بل خلقٌ
من المؤمنين يحبون أبابكر وعمر أكثر من حب أنفسهم.
حكى لنا جندار أنه كان يجبل البقاع فسمع رجلاً سبَّ أبا بكر فسلَّ سيفَه وضرب عنقه،
ولو كان سمعه يسبه أو يسب أباه لما استباح دمه.
ألا ترى الصحابة في فرطً حبهم للنبي # قالوا: ألا نسجد لك؟ فقال: لا ، فلو أذن لهم
لسجدوا سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة كما سجد إخوة يوسف - عليه السلام -
ليوسف.
وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي # على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلاً
بل يكون عاصياً فليعرف أن هذا منهي عنه، وكذلك الصلاة إلى القبر)) انتهى كلام الذهبي.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥٨
في أمر فرعي، تجده في مكان آخر يتساهل في محض الاعتقاد تساهلاً
مذموماً فتجده يقول في رسالته المذكورة تعقيباً على من نقل الإجماع على
بقاء النار فقال:
((و تعقیبنا عليه من وجهين:
(الوجه الأول): أنه لم يحصل إجماع على تخطئة القول بفناء النار
وعده من البدع كما زعم. فالمسألة خلافية، وإن كان الجمهور لا يرون
القول بذلك، لكنه لم يتم إجماع على إنكاره، وإنما هو من المسائل
الخلافية التي لا يدع فيها.
(الوجه الثاني): أن الذين قالوا بفنائها استدلوا بأدلة من القرآن
والسُنّة، وبقطع النظر عن صحة استدلالهم بها، أو عدم صحته، فإن هذا
القول لا يعتبر من البدع ما دام أن أصحابه يستدلون له، لأن البدع ما
ليس لها دليل أصلاً، وغاية ما يقال إنّه قول خطأ أو رأي غير صواب ولا
يقال بدعة، وليس قصدي الدفاع عن هذا القول، ولكن قصدي بيان أنه
ليس بدعة ولا ينطبق عليه ضابط البدعة، وهو من المسائل الخلافية. اهـ
(ص٣٩-٤٠).
قلت: وغير خفي على اللبيب والبليد أن كلامه نهاية في البطلان
والتعصب، وأن القول بفناء النار هو قولُ المبتدعةِ من جهمية المعتزلة، وأنَّ
من يعتد به في الإجماع من الأئمة فارق هذا القول وخالفه، وقد قال
الطحاوي في العقيدة المشهورة:
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾

٥٩
((والجنة والنار مخلوقتان أبداً لا تفنيان ولا تبيدان)).
اهـ(ص ٤٧٦ مع الشرح).
وبسطُ الردّ على هذه البدعة في كتاب (الاعتبار ببقاء الجنة والنار)
للتقي السبكي، (ورفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بقناء النار) للأمير
الصنعاني وقد طبعا وقد وفيا الكيل صاعاً بصاع خاصة أولهما.
وصفوة القول: أنه تشددَّ فيما هو سهل، وتساهل في أمر الاعتقاد،
وما أرى ذلك إلا بسبب اتباع الهوى والانتصار للأشخاص لا غير، وهذا
هو الغلو الذي قاموا، وقعدوا، ولفوا، وداروا حوله، ووقعوا في أئمة الدين
بسببه، فللَّه الأمر من قبل ومن بعد نعوذ بالله من الهوى والمناكدة، وإنَّ
كلَّ متمسك بالحق خلا قلبه من شوائب العصبيات والأهواء ليبرأ إلى الله
تعالی من التلاعب بالدین.
وإذا كان صاحب رسالة ((وقفات مع كتاب للدعاة فقط)) قد
اعتمد على غيره.
فإنَّ أبابكر الجزائري قد اعتمد على نفسِه، فزاد الطين بلة وكفرًّ
قسطاً وافِراً من المسلمين فقال ما نصُّه:
((إنَّ دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، والتوسّل بجاههم، لم يكن في
دين الله تعالى قربةٌ ولا عملاً صالحاً فيتوسّلُ به أبداً، وإنما كان شركاً في
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ﴾