Indexed OCR Text

Pages 121-140

مشتُول فقد أقمناك وكيلاً للفقراء، فقلت: يا رسول الله، بالكفاية، فقال:
بالكفاية، فلما أصبحت عبّرت ما رأيت على الشيخ أبي يعقوب، فقال
لي: يا أبا علي قد طُردتَ من بين الفقراء. فرجع إلى مُشتول، وفتح الله
عليه الدنيا، وكان وكيلاً للفقراء لا يقصده أحد فيمنعه من شيء يريده(١).
(١) ذكر هذه الحكاية مختصرة: السمعاني في الأنساب ٣٠٢/٥.
١٢٠
www.dorat-ghawas.com

١١ - ذكر سهل بن عبد الله التُسْتَري(١)
(١) هو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التُّسْتَري، الإِمام القدوة الزاهد، صحب
خاله محمد بن سوّار، ولقي بالحج ذا التُّون المصري وصحبه، وكانت له قدم
راسخة في التَّصوف، وله مواعظ حسنة، وكلمات نافعة، توفي سنة ٢٨٣ .
وكان سهل محبّاً للحديث وأهله، فقد روي أنه أتى الإِمام المحدث أبا داود
السِّجستاني، وقال له: أخرجْ لي لسانك هذا الذي حدَّثت به أحاديث
رسول الله وَل﴿ل حتى أُقبِّله، فأخرجه له. وكان يقول لأصحاب الحديث: اجتهدوا
أن لا تلقوا الله إلاَّ ومعكم المحابر. وقد نصح أصحابه يوماً فقال لهم: من أراد
الدُّنيا والآخرة فليكتب الحديث، فإن فيه منفعة الدنيا والآخرة.
وكان سهل رحمه الله تعالى على مذهب أهل السُّنة والجماعة في الاعتقاد، فقد
روى الإِمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السُّنة والجماعة ١٨٢/١ بإسناده إلى
سهل، أنه سئل: متى يُعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ فقال: إذا عرف من
نفسه عشْرَ خصال: لا يترك الجماعة، ولا يسبّ أصحاب النبي ◌َّ، ولا يخرج
على هذا الأمة بالسيف، ولا يكذّب بالقدر، ولا يشكّ في الإِيمان، ولا يماري
في الدين، ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القِبلة بالذنب، ولا يترك
المسح على الخفين، ولا يترك الجماعة خلف كل والٍ جارٍ أو عدل.
وقد رد على القدرية المكذبين للقدر، والزاعمين بأن الله تعالى لا يعلم الأشياء
قبل وجودها، روى اللالكائي ٧١٠/٤ - ٧١١ عنه، وقد سئل عن القدر،
فقال: الإِيمان بالقدر فرض، والتكذيب به كفر، والكلام فيه بدعة، والسكوت
عنه سُنة. وقال أيضاً: من قال: إنّ الله لا يعلم الشيء حتى يكون فهو كافر، =
١٢١
www.dorat-ghawas.com

=
ومن قال: أنا مستغني عن الله عزّ وجلّ فهو كافر، ومن قال: إنّ الله ظالم للعباد
فهو كافر .
وسئل سهل عن القرآن، فقال: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر بالربوبية
لا كافر بالنعمة. اللالكائي ٢٦٨/٢ .
وقد أشاد شيخ الإِسلام ابن تيمية بسهل وأمثالة في الاعتقاد، فقال في كتاب
الاستقامة ١٥٨/١: كلام سهل بن عبد الله في السُّنة وأصول الاعتقاد أسدّ
وأصوب من كلام غيره، وكذلك الفضيل بن عياض ونحوه، فإن الذين كانوا من
المشايخ أعلم بالحديث والسُّنة وأتبع لذلك هم أعظم علماً وإيماناً وأجلّ قدراً
في ذلك من غيرهم.
مصادر ترجمته: طبقات الصوفية ص ٢٠٦، والحلية ١٨٩/١٠، والسير
٣٣٠/١٣.
والتُّسْتَري، نسبة إلى تُسْتَر - بالتاء المضمومة وسكون السين وفتح التاء الثانية -
وهي بلدة في خُوزستان، أو ما يسمّى اليوم بإقليم عربستان، في إيران.
شذرات من حِكم هذا الإمام القدوة:
- أصولنا سبعة: التَّمسك بالقرآن، والاقتداء بالسُّنة، وأكل الحلال، وكفتُّ
الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق.
- علامة حُبّ الله حبُّ القرآن، وعلامة حبّ النبيِ وَّهُ حبُّ سنّته، وعلامة حبها
حبّ الآخرة، وعلامة حبها بغض الدنيا، وعلامة بغضها أن لا يتناول منها إلاّ
البلغة .
- أركان الدين: النصيحة، والرحمة، والصدق، والإِنصاف، والتَّفضل،
والاقتداء بالنبي ◌َّ، والاستعانة بالله على ذلك إلى الممات.
- إذا جنَّك الليل فلا تأمل النهار حتى تسلَم ليلتك لك، وتؤدي حق الله فيها،
وتنصح فيها لنفسك، فإذا أصبحت فكذلك.
- الأنفاس معدودة، فكل نَفَس يخرج بغير ذكر الله فهي ميتة، وكل نفَس يخرج =
١٢٢
www.dorat-ghawas.com

بذكر الله فهي موصولة بذكر الله .
=
- تربة المعاصي الأمل، وبذرها الحرص، وماؤها الجهل، وصاحِبُها الإِصرار،
وتربة الطاعة المعرفة، وبذرها اليقين، وماؤها العلم، وصاحبها السعيد المفوّض
أموره إلى الله تعالى.
- أصل الدنيا الجهل، وفرعها الأكل والشرب واللِّباس والطِّيب والنساء والمال
والتفاخر والتكاثر، وثمرتها المعاصي، وعقوبة المعاصي الإِصرار، وثمرة
الإِصرار الغفلة، وثمرة الغفلة الاستجراء على الله .
- أيُّما عبد لم يتورع ولم يستعمل الورع في عمله انتشرت جوارحه في
المعاصي، وصار قلبه بيد الشيطان ومَلَكه، فإذا عمل بالعلم دلّه على الورع،
فإذا تورّع صار القلب مع الله.
- من نظر في مطعمه دخل الزهد عليه من غير دعوى، ولا يشمّ طريق الصدق
عبد داهن نفسه أو داهن غيره.
- من أكل الحرام عصت جوارحه، شاء أم أبى، أو لم يعلم، ومن أكل طعمته
حلالاً أطاعت جوارحه ووفّق للخيرات.
- لا مُعين إلاَّ الله، ولا دليل إلّ رسول الله، ولا زاد إلاّ التقوى، ولا عمل إلاَّ
الصبر عليه .
- شكر العلم العمل، وشكر العمل زيادة العلم.
- أعمال البرِّ يعملها البَرُّ والفاجر، ولا يجتنب المعاصي إلاَّ صدِّيق.
- من خلا قلبه من ذكر الآخرة تعرَّض لوساوس الشيطان.
- الأعمال بالتوفيق، والتوفيق من الله، ومفتاحها الدُّعاء والتَّضرّع.
- لا تفتش عن مساوىء الناس ورداءة أخلاقهم، ولكن فتّش وابحث في أخلاق
الإِسلام ما حالك فيه .
- الدنيا كلها جهل إلاَّ العلم فيها، والعلم كلّه وبال إلاَّ العمل به، والعمل كلّه
هباء منثور إلاّ الإِخلاص فيه، والإِخلاص فيه أنت منه على وَجَلٍ، حتى تعلم =
١٢٣
www.dorat-ghawas.com

أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور، حدثنا عبيد الله بن
لؤلؤ الصُّوفي(١)، أخبرني عمر بن واصل(٢)، قال: سمعت سهل بن
عبد الله يقول: أخبرني محمد بن سوَّار(٣)، أخبرني مالك بن دينار
ومعروف بن علي(٤)، عن الحسن، عن مُحَارِب بن دِثَار، عن جابر بن
عبد الله قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لمَّا نزلتْ سورةُ
=
هل قُبِل أم لا .
- وسئل: إلى من تأمرني أن أجلس؟ فقال: إلى من تكلِّمك جوارحه، لا من
يكلَّمك لسانه.
(١) ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه ٣٥٦/١٠، قال: ويعرف بالسَّاجي.
(٢) بصري، سكن بغداد، روى بها عن سهل، وغيره، تاريخ بغداد ١١/ ٢٢١.
(٣) هو خال سهل، وهو الذي علّمه السلوك، فقد قال سهل: قال لي خالي يوماً:
ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره ؟ فقال لي: قل بقلبك عند تقلُبكَ
في ثيابك ثلاث مرّات، من غير أن تحرّك به لسانك: الله معي، الله ناظر إليّ،
الله شاهد عليّ. فقلت ذلك ثلاث ليال، ثم أعلمته، فقال لي: قل في كل ليلة
سبع مرات، فقلت ذلك، ثم أعلمته، فقال: قل في كل ليلة إحدى عشرة مرَّة،
فقلت ذلك، فوقع في قلبي له حلاوة. فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ
ما علَّمتك، ودُم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة. فلم
أزل على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سرِّي. ثم قال لي خالي يوماً:
يا سهل، من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهده، أيعصيه؟! إيّاك والمعصيةَ.
رواه القشيري في الرسالة ١/ ٩٣.
(٤) معروف بن علي لم يتبيَّن لي أمره. وأما مالك بن دينار فهو أحد الأئمة الأعلام،
علماً وزهداً وورعاً، وحديثه في الكتب الأربعة وغيرها، مات سنة ١٣٠، انظر
سير أعلام النبلاء ٣٦٢/٥.
١٢٤
www.dorat-ghawas.com

براءة بُعثتُ بمُداراةِ النَّاسِ(١).
حدثنا أحمد بن محمد بن يعقوب البغدادي، قال : سمعت أبا بكر
محمد بن المنذر الهُجيمي يقول: سمعتُ سهل بن عبد الله يقول: ما أُعْطِىَ
أَحدٌ شيئاً أفضلَ من علمٍ يستزيد(٢) به افتقاراً إلى الله عزَّ وجَلَّ(٣).
أخبرنا أبو الفتح المظفر بن أحمد بن برهان، أخبرنا محمد بن
الحسن الأصبهانيَّ(٤)، قال: سمعت سهلَ بن عبدِ الله يقولُ: الجَاهِلُ
(١) إسناده ضعيف .
لأن فيه الحسن البصري، وهو مدلس، وقد عنعن في روايته.
رواه البيهقي في شعب الإيمان ٣٥١/٦ (طبعة دار الكتب العلمية) عن شيخه
أبي سعد الماليني به. وقال: غريب بهذا الإِسناد وذكره السيوطي في الدر
المنثور ١٢٢/٤، وعزاه للبيهقي في الشُّعب.
نقل البيهقي عن سهل تعليقه على الحديث فقال: فمن خالطهم داراهم ولم
يمارهم، فإن مداراتهم صدقة، ومداراة الوالد فريضة، ومداراة ذوي الأرحام
سنة، ومداراة السلطان طاعة، ومداراة أهل البدع مداهنة، ومداراة الأحمق
شرف، والشرف التغافل، والسلامة للجميع التقرب لله عز وجل.
(٢) في ب: يستزيده.
(٣) رواه البيهقي في شعب الإيمان ٤٣٤/٤ - ٤٣٥ عن شيخه أبي سعد الماليني
به .
ورواه أبو نعيم في الحلية ١٠/ ١٩٥، من طريق أحمد بن محمد بن مقسم، عن
أبي بكر الهُجيمي به .
(٤) كذا جاء اسمه: محمد بن الحسن، وفي مصادر ترجمته: محمد بن الحسين،
وهو ابن إبراهيم الأبهري الأصبهاني، ثم البغدادي، ثقة، توفي سنة ٢٨٦ .
انظر: أخبار أصبهان ٢٢٧/٢، وتاريخ بغداد ٢٢٦/٢ .
١٢٥
www.dorat-ghawas.com

مَيِّتٌ، والنَّاسي نائمٌ، والعَاصِي سَكْرانٌ، والمُصِرُّ هالِكٌ(١).
سمعت أبا الحسن علي بن عثمان بن نَصْرِ القَرَافي يقول: سمعتُ
عليَّ بن حيَّان أبا الحسن الدِّينوريَّ (٢) يقول: جاء رجلٌ إلى سهل وأنا
حاضرٌ والنَّاس مجتمعون عليه، فقال له: يا أبا محمد، انظر أيش عُمِلَ بك
وأيش رُفِعَ(٣) لك، قال: فلم يؤثِّرْ ذلك على سهل، وقال: هو المقصودُ
هو المقصودُ.
أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن هارون قال: سمعتُ
العباس بن عبد الله يقول: سمعت سهل بن عبد الله يقول: ما من ساعةٍ إلاّ
واللَّهُ تعالى يطَّلِعُ في القلوبِ، فأيّ قلبٍ رأى فيه غيرَه سلَّطَ عليه
العدو (٤).
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الرحمن الفِهْريَّ، ثنا
أبو بشر عيسى بن إبراهيم(٥) قال: قال سهل بن عبد الله: اطلبوا من السِّرِّ
النِّيّةَ بالإِخلاص، ومن العَلَانيةَ الفعل بالاقتداءِ، وغير ذلك مغاليطٌ (٦).
أخبرنا أبو بكر عبد الله بن بكر الطبراني، حدثنا عبد الجبار بن
(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان ١٢ /٥٠٥ - ٥٠٦، عن شيخه أبي سعد الماليني
به. وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣١ .
(٢) في حاشية الأصل: حيّان، بالحاء المهملة، والياء المعجمة باثنين من تحتها.
قلت: بحثتُ كثيراً عن هذا الراوي فلم أجده.
(٣) في ب: دفع.
(٤) رواه ابن الجوزي في كتاب ذم الهوى ص ٦٩ بإسناده إلى عباس بن عبد الله به.
(٥) هو أبو بشر الصَّيدلاني، روى عن ابن جُميع، وذكره في معجمه ص ٣٥٠ .
(٦) رواه البيهقي في شعب الإيمان ٢٣٨/١٢، عن أبي سعد الماليني به .
١٢٦
www.dorat-ghawas.com

شيران(١)، قال: سمعت سهلَ بن عبد الله يقول: التَّائبُ هو الذي يتوبُ
عن غفلتِهِ في كل لمحةٍ ولفظةٍ .
سمعت أبا نصر أحمد بن عمران الإِسْبِيْجَابي يقول: سمعت
أبا عبد الله محمد بن غالب التُسْتَري يقول: سمعت سهل بن عبد الله
يقول: الجُوعُ سِرُ اللَّهِ في أرضِهِ، لا يُودِعُهُ عندَ من يُذِيْعُهُ(٢).
حدثنا أحمد بن محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن المنذر قال:
سمعتُ سهلَ بن عبد الله يقول وقد سُئل عن معنى قول الله عزَّ وجَلَّ:
﴿وَأَجْعَل لِ مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ قال: لساناً ينطقُ عنك ولا ينطقُ عن
غيرك(٣).
(١) في ب: عبد الجبار بن بشران، ولم أجد له ذكراً في المراجع التي بين يديّ.
(٢) جاء في حاشية أ: لعله يُضَيّعه، والخبر ذكره الذهبي في سير النبلاء ٣٣١/١٣.
(٣) رواه أبو نعيم في الحلية ١٩٥/١٠، من طريق أحمد بن محمد بن مقسم، عن
أبي بكر محمد بن المنذر الهُجيمي به.
١٢٧
www.dorat-ghawas.com

١٢ - ذكر فُضيلٍ بن عِياض(١)
(١) هو أبو علي التميمي اليربوعي الخُراساني، شيخ الإِسلام، الإِمام القدوة الثَّت،
ولد بخُراسان، وقدم الكوفة، ثم انتقل إلى مكة، ونزلها إلى أن مات في أول
سنة ١٨٧، وكان محدِّثاً ثقة، سيِّداً فاضلاً، عابداً ورعاً. أسند الحديث عن
جماعة من التابعين وغيرهم، منهم: الأعمش، ومنصور بن المعتَمِر،
وحُصَين بن عبد الرحمن وآخرون، وأخذ عنه خلق كثير، ومن أعيانهم: سفيان
الثوري، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وحسين بن علي
الجُعْفي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى النيسابوري ونظرائهم.
روی له أصحاب الكتب الستة سوی ابن ماجه.
وقال الذهبي في السير ٤٤٨/٨: وقول ابن مهدي: لم يكن بالحافظ، فمعناه:
لم يكن في علم الحديث كهؤلاء الحفاظ البحور، كشعبة ومالك وسفيان وحماد
وابن المبارك ونظرائهم، لكنه ثبت قيِّم بما نقل، ما أُخذ عليه في حديث فيما
علمت، وهل يُراد من العلم إلا ما انتهى إليه الفُضيل رحمة الله عليه؟
وكان الفُضيل معنياً بأهل الحديث، ناصحاً لهم، فقد رأى مرة قوماً من أصحاب
الحديث يمزحون ويضحكون بصورة تتنافى مع حالهم، فناداهم: مهلاً، يا ورثة
الأنبياء، مهلاً، ثلاثاً، إنكم أئمة يُقتدى بكم.
وكان يحثّهم على العمل، ويقول لهم: هذا الحديث لا يسمعه الرجل خير له من
أن يسمعه ولا يعمل به. رواه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل
ص ٦٠.
وكان يقول عن أصحاب رسول الله وَّيه: إن الله عزَّ وجلّ قد حجز التوبة عن كل =
١٢٨
www.dorat-ghawas.com

صاحب بدعة، وشرّ أهل البدع: المبغِضون لأصحاب رسول الله وَّ، ثم قال:
اجعل أوثق عملك عند الله حُبُّك أصحاب نبيِّه، فإنك لو قدِمتَ الموقف بمثل
قُراب الأرض ذنوباً غفر الله لك، ولو جئت الموقف وفي قلبك مثقال ذرة بغضاً
لهم لما نفعك مع ذلك عمل. رواه ابن قدامة المقدسي في كتاب المُحبين
ص ٢٨.
وقال أيضاً: أوثق عملي في نفسي حبّ أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح،
وحبّي أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام جميعاً. رواه الخلَّل في السنة
(٦٧١).
وكان هذا الإِمام على مذهب أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، وكان يشيد بأهل
السُّنَّة، ويؤيد مواقفهم، ويقول: إن لله عباداً يحيي بهم البلاد وهم أصحاب
السنَّة. وقد ذكر له الإِمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بعض
أقواله في الاعتقاد، انظر: ١٣٩/١، و٢٣٨/٢، و٩٦١/٥.
من مصادر ترجمته: الحلية ٨٤/٨، والسير ٤٢١/٨، وقد كتب عنه
ابن الجوزي کتاباً خاصاً به، ولکنه لم يصلنا .
شذرات من أقوال هذا الإمام الجليل :
- اللهم زهّدنا في الدنيا، فإنه صلاح قلوبنا وأعمالنا وجميع طلباتنا ونجاح
حاجاتنا .
- لا تستوحش طرق الهدى لقلّة أهلها، وتغترّ بكثرة الناس.
- من كان يعقل ما يدخل جوفه من حِلّه كان من حزب الله.
- من خاف الله لم يضرّه أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.
- والله ما يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق، فكيف تؤذي مسلماً.
- احفظ لسانك، واقبل على شأنك، واعرف زمانك، واخف مكانك.
- من واقى خمساً فقد وقي شر الدنيا والآخرة: العُجْبُ، والرِّياء، والكِبَر،
والإِزراء، والشهوة.
=
١٢٩
www.dorat-ghawas.com

- ثلاث خصال تُقَسِّي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام.
=
- إنما أتي الناس من خصلتين: حُبّ الدنيا، وطول الألم، وما أطال عبد الأمل
إلّ أساء العمل.
- المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل، كلام
المؤمن حِكَمٌ، وصمته تفكّر، ونظره عبرة، وعمله برّ، وإذا كنت كذا لم تزل في
عبادة .
- ليس في الدنيا شيء أشد من ترك الشَّهوة.
- رجل لا يُخالط هؤلاء - يعني الأمراء والسلطان - ، ولا يزيد على المكتوبة،
أفضل عندنا من رجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ويحج، ويعتمر، ويجاهد في
سبيل الله ويخالطهم .
- لا ينبغي لحامل القرآن أن يكون له إلى خَلْق حاجة، لا إلى الخُلفاء فمن
دونهم، ينبغي أن تكون حوائج الخلق كلهم إليه .
- كنا نتعلم اجتناب السلطان كما نتعلم سورةً من القرآن. (رواه البيهقي في
الشعب ٧/ ٥٠).
- من أظهر الودّ والصفاء بلسانه، وأضمر له العداوة والبغضاء، لعنه الله وأصمّه
وأعمى بصيرة قلبه .
- لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة، وإنما أدرك بسخاء الأنفس،
وسلامة الصدر، والنُّصح للأمة .
- صبر قليل، ونعيم طويل، وعجلة قليلة، وندامة طويلة، رحِم الله عبداً أحمد
ذكره، وبكى على خطيئته قبل أن يرتهن بعمله.
- إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم، مُكبّل، كبَّلتك
خطيئتك .
- كفى بالله محبّاً، وبالقرآن مؤنساً، وبالموت واعظاً، وكفى بخشية الله علماً،
والاغترار بالله جهلاً. (من الزهد للبيهقي ص ٢١٦).
١٣٠
www.dorat-ghawas.com
=

حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد، أخبرنا أبو عمرو يوسف بن
يعقوب النَّيسابوري(١)، أخبرنا أحمد بن عبدة(٢)، حدثنا فُضيل بن عياض،
حدثنا مالك، عن الزُّهري، عن أنس: أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسَلَّم دَخَلَ
مَكََّ يَوْمَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَر(٣) .
- الدخول في أمر الدنياهيّن، ولكن التخلص منها شديد. (المصدر السابق ص ١٤٠).
- دائق حلال أفضل من عبادة سبعين سنة (المصدر السابق ص ٣٤٣).
- وسُئِل عن قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؟ قال: أخلصه
وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً
ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون
خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
(١) نزيل بغداد، ضعيف متّهم في الرواية، مات سنة ٣٢٠. السير ٢٢٠/١٥، ولسان
الميزان ٣٢٩/٦.
(٢) هو أبو عبد الله الضبّي البصري، ثقة، روى عنه مسلم وغيره.
(٣) الحديث صحيح من طرق أخرى كثيرة.
رواه أبو القاسم الرافعي في التدوين في أخبار قزوين ٤/ ٣٣ بإسناده إلى الماليني به .
ورواه أبو نعيم في الحلية ١٣٩/٨، من حديث أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن
سعيد العسكري به. ثم قال: ثابت صحيح من حديث مالك، رواه عنه الجم الغفير،
وحديث الفُضيل لم نكتبه إلا من حديث أحمد بن عبدة.
ورواه مالك (٢٨٣)، ومن طريقه: البخاري ٢١/٣، ومسلم (١٣٥٧)، وأبو داود
(٢٦٨٥)، والترمذي (١٦٩٣)، والنسائي ٥/ ٢٠٠، وابن ماجه (٢٨٠٥)، وأحمد
١٠٩/٣، والدارمي (١٩٤٤).
قال ابن عبد البر في التمهيد ١٥٩/٦: هذا حديث انفرد به مالك، ولا يحفظ عن
غيره، ولم يروه أحد عن الزهري سواه من طريق صحيح ... ولا يثبت أهل العلم
بالنقل فيه إسناداً غير حديث مالك، وقد رواه عن مالك واحتاج إليه فيه جماعة من
الأئمة يطول ذكرهم.
١٣١
www.dorat-ghawas.com

أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن جعفر بن أبي زكَّار، حدَّثنا
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن الحسن بن أبي الوَرد الحديثي، أخبرنا
أبو بكر محمد بن إبراهيم، أخبرنا إسماعيل بن موسى بن المبارك البَلْخي،
أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا
الفُضَيل بن عياض قال: مكثتُ في جامع الكوفة ثلاثة أيام لم أَطْعَم طعاماً
ولم أشربْ شراباً، فلمَّا أن كان في اليوم الرابع هزَّني الجوع، فبينما أنا
جالسٌ إذ دخل عليَّ من باب المسجد رجلٌ مجنونٌ وبيده حجر كبيرٌ، وفي
عنقه غُلٌّ ثقيلٌ، والصِّبيانُ من وراءه، فجعل يَجُولُ في المسجد، حتى إذا
حاذاني جَعَلَ يتفرَّس فيَّ فجَزَعتُ على نفسي منه، فقلتُ: إلهي وسيِّدي
أَجَعتني وسلَّطتَ عليَّ من يقتلني، فالتفتَ إليَّ وقال:
محَلُّ بياتِ الصَّبرِ فيكَ عَزِيزةٌ
فيا ليتَ شعري هل لِصَبرِك آخرُ
قال فُضيلٌ: فزالَ عِنِّي جَزَعي، وطارَ عَنِّي هَلَعي، وقلتُ: يا سيِّدي،
لولا الرَّجالم أصبر، قال: وأين مستقرُّ الرَّجا منك؟ قلت: بحيثُ مستقرُّ هِمَمٍ
العارِفين، قال: أحسنت واللَّهِ يا فُضيلُ، إنَّها لقلوبٌ الهموم عمرانها والأحزان
أوطانها، عَرَفَتْهُ فاستأنستْ به وارتحلتْ إليه، فعقولهم صحيحةٌ وقلوبهم ثابتة
وأرواحهم بالملكوت الأعلى معلقةٌ، ثم ولَّى وأنشأ يقول:
وحُطَّت على سير القدوم رَوَاحِلُه
فهامَ وَلِيُّ اللَّهِ في الفَقْرِ سابحاً
تَذُوبُ به أعضاؤُهُ وَمَفَاصِلُه
فَعَاد لخيرٍ قد جرى في ضميرِهِ
قال الفضيل: واللَّهِ، لقد بقيتُ عشرة أيامٍ لم أطعمْ طعاماً ولم
أشربْ شراباً وَجْداً لكلامه.
١٣٢
www.dorat-ghawas.com

١٣ - ذكر علي بن الفُضَيل بن عياض(١)
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح، أخبرنا محمد بن
زهير (٢)، أخبرنا محمد بن الخطّاب(٣)، أخبرنا أحمد بن يونس (٤)، أخبرنا
(١) علي بن الفُضيل من كبار الأولياء، كان خاشعاً قانتاً لله ربانياً كبير الشأن، مات
قبل أبيه بمدة بسبب آية سمعها تُقرأ، فعُشي عليه، وتوفي في الحال.
قال سفيان بن عيينة: ما رأيت أحداً أخوف من الفُضيل وابنه .
وقال إبراهيم بن بشار: الآية التي مات فيها علي بن الفُضيل في سورة الأنعام:
﴿ وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُوْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيِّئَنَانُرَةُ﴾، مع هذا الموضع مات، وكنت فيمن صلّى
عليه .
وقال المزي: كان من سادات المسلمين علماً وزهداً وعبادة وخوفاً وورعاً،
وكان يُفضَّل على أبيه في العبادة والخوف.
ومن أقواله: وَيْحي من يوم ليس كالأيام، ثم قال: أوَّه، كم من قبيحة تكشفها
القيامة غداً.
ترجمته في: الحلية ٢٩٧/٨، وتهذيب الكمال ٩٦/٢١، والسير ٤٤٢/٨ .
(٢) هو محمد بن زهير بن الفضل أبو يعلى الأُبلّي، روى عنه الطبراني وغيره، مات
سنة ٣١٨. تاريخ جُرجان ص ١٣٨، وتاريخ الإِسلام ص ٥٧٠.
(٣) العدوي، مات سنة ٢٩٠، ذكره الخطيب البغدادي ٥/ ٢٥٢ .
(٤) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي الحافظ، مات سنة ٢٢٧، روى عنه
البخاري وغيره.
١٣٣
www.dorat-ghawas.com

علي بن فُضيل بن عياض، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي حازم،
عن سَهْلٍ بن سعد قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ اللَّه تعالى
يُحِبُّ مَعَالي الأخلاقِ، ويَكْرَهُ سِفْسَافَها(١).
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان، أخبرنا أحمد بن
علي بن المثنى (٢)، أخبرنا عبد الصمد بن يزيد(٣)، قال: سمعت علي بن
الفضيل بن عياض يقول: قال ابن
(١) الحديث صحيح.
ولكن لم أجده من حديث علي بن الفضيل، وإنما وجدته من حديث والده
الفضيل بن عياض به .
رواه ابن حبان في روضة العقلاء (١٦)، والطبراني في المعجم الكبير ٦/ ١٨١،
وفي المعجم الأوسط ٢٠٥/٥ (مجمع البحرين)، وأبو الشيخ ابن حيان في
حديثه الذي انتقاه ابن مردويه رقم (٦٨)، والحاكم في المستدرك ٤٨/١،
وأبو نعيم في الحلية ١٣٣/٨، والبيهقي في السنن ١٩١/١٠، وفي شعب
الإِيمان ٢٤١/٦، والسِّلفي في معجم السَّفر ص ٧٧. من طريق أحمد بن يونس
عن الفضيل به .
وله شاهد، من حديث طلحة بن عبد الله بن كَرِیز، رواه هنّاد في الزُّهد (٨٢٨)،
وعبد الرزاق في المصنف ١/ ١٤٣، والبُرجلاني في الجود والكرم (١١)، وابن
أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٧)، والخرائطي في مكارم الأخلاق ص ٦٥،
ورجال هذا الحدیث ثقات، ولكنه مرسل.
(٢) هو أبو يعلى الموصلي، الإِمام المحدث المشهور، صاحب المسند، توفي سنة
٣٠٧.
(٣) هو أبو عبد الله عبد الصمد بن يزيد الصائغ، يُعرف بمردويه، خَدَم الفضيل،
وروى عنه، وكان ثقة من أهل السُّنة والورع، مات سنة ٢٣٥، وذكره الخطيب
البغدادي في تاريخه ١١/ ٤٠ .
١٣٤
www.dorat-ghawas.com

المبارك (١): استعِدَّ للموتِ ولما بعد الموتِ، فَشَهَقَ عليٍّ شهقةً، فلم يزلْ
مغشِيّاً عليه عامَّة اللَّيلِ(٢).
(١) هو شيخ الإِسلام وعَلم الأعلام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي،
إمام عصره في الآفاق، كان فيه خصال مجتمعة لم تجتمع في أحد من أهل العلم
في زمانه، وحديثه في دواوين السنَّة محتجًّاً به، مات منصرفاً من الغزو سنة
١٨١، وقبره بهيت، وما زال بها ظاهراً إلى اليوم.
(٢) رواه البيهقي في الزهد ص ٢١١، عن شيخه أبي سعد الماليني به.
ورواه أبو نعيم في الحلية ١٦٨/٨، من طريق أبي الشيخ ابن حيّان عن
أبي يعلى الموصلي به.
وقد وقع لهذا العبد الصالح حالات أخرى مشابهة لما رواه الماليني، فقد قال
إسماعيل الطُوسي: بينما نحن ذات يوم عند الفُضيل، فقرأ رجل: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٢)﴾، فسقط عليّ بن الفُضيل مغشياً عليه.
ومن ذلك أيضاً: أن أبا بكر بن عيّاش قال: صلّيتُ خلف فُضيل بن عياض
المغرب، وإلى جانبي علي ابنه، فقرأ الفُضيل: ﴿أَلَهَنَكُمُ التَّاثُرُ (١)﴾، فلما
بلغ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٥)﴾، سقط عليّ مغشياً عليه.
ومنها: أنه كان يوماً عند سفيان بن عيينة، فحدَّث سفيان بحديث فيه ذكر النّار،
وفي يد عليّ قِرطاس في شيء مربوط، فشهق شهقة وقع ورمى القرطاس،
أو وقع من يده، فالتفت إليه سفيان، فقال: لو علمت أنك ها هنا ما حدّثتُ به،
فما أفاق إلاّ بعد ما شاء الله تعالى.
وروى البيهقي في الشعب ٢٥/٥، بسنده إلى بشر بن الحكم النيسابوري، قال:
كانت امرأة الفُضيل تقول: لا تقرأوا عند ابني القرآن، قال بشر: وكان إذا قُرىء
عنده القرآن غُشي عليه، وقال بشر: وكان ابن فُضيل لا يقدر على قراءة القرآن،
فقال لأبيه: يا أبةٍ، ادعُ الله لَعلِّي أستطيع أن أختم القرآن مرّة واحدة.
وللفائدة نشيرُ إلى أمثلة أخرى وقعت لبعض السّلف يرعد أحدهم عند سماعه =
١٣٥
www.dorat-ghawas.com

للقرآن، حتى يُغشى عليه من خشية الله تعالى:
فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف ٢٦٩/١٣ وابن قدامة المقدسي في كتاب
الرقة والبكاء ص ١٦٦ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يمرّ بالآية في
ورده، فيبكي، حتى يسقط، ثم يلزم بيته، حتى يُعاد، يحسبونه مريضاً.
وروى ابن قدامة في كتاب الرقة والبكاء ص ٣٣١، بسنده إلى الحارث قال: كنا عند
مالك بن دينار وعندنا قارىء يقرأ لنا: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (٥)﴾ فجعل مالك
ينتفض وأهل المجلس يبكون ويصرخون، حتى انتهى إلى هذه الآية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًايَرَؤُ (٢) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَؤُ هْ﴾﴾، قال: فجعل والله
مالك يبكي ويشهق حتى غُشي عليه، فحمل من بين القوم صريعاً.
وروى أبو عُبَيد في فضائل القرآن ص ٦٥، وابن قدامة في الرقة والبكاء
ص ٢٩٣، بسندهما إلى أبي وائل شقيق بن سَلَمةً قال: خرجنا مع عبد الله بن
مسعود ومعنا الربيع بن خُثَيم، فأتينا على شاطىء الفرات على أتون، فلما رآه
عبد الله والنار تلتهب في جوفه، قرأ هذه الآية: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا
تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (١٠) ... ) إلى قوله تعالى: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا (٢٦)﴾، قال: فصعق
الربيع، فاحتملناه، فجئنا به إلى أهله، قال: ورابطه عبد الله إلى الظهر، فلم
يُفق، فرابطه إلى المغرب، فأفاق ورجع عبد الله إلى أهله.
وروى ابن سعد في الطبقات ٧/ ١٥٠ بسنده إلى بهز بن حكيم قال: إن زرارة بن
أوفى أمّهم الفجر في مسجد بني قُشير، فقرأ، حتى إذا بلغ: ﴿ فَإِذَا يُقِرَ فِي النَّقُورِ (3)
فَذَلِكَ يَوْمَِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ (٥) عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (!)﴾ خرّ ميتاً، قال بهز: فكنت فيمن
حمله .
وذكر الذهبي في السير ٤٧/٨ في ترجمة العبد الصالح صالح المُرِّي واعظ أهل
البصرة: أن جماعة ماتوا من سماع قراءته .
قلت: ومع هذه الأمثلة التي ذكرناها في حال بعض السلف عند قراءتهم للقرآن، =
١٣٦
www.dorat-ghawas.com

فقد جاء عن آخرين كراهية فعل ذلك، روى الإِمام أبو عبيد في فضائل القرآن
=
ص ١١١ بسنده عن أبي حازم قال: مرّ عبد الله بن عمر برجل من أهل العراق
ساقط والناس حوله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: إذا قُرىء عليه القرآن، أو سمع الله
يُذكر، خرّ من خشية الله، فقال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله وما نسقط.
وروى أيضاً بسند إلى أم المؤمنين عائشة، وقد قيل لها: إن قوماً إذا سمعوا
القرآن صعقوا، فقالت: إن القرآن أكرم أن يُنزف عنه عقول الرجال، ولكن كما
قال الله عز وجل: ﴿نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ ثُمَّتَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى
ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وروى البيهقي في الشعب ٢٤/٥، بسنده إلى عبد الله بن عروة بن الزبير، قال:
قلت لجدتي أسماء: كيف كان أصحاب رسول الله وَ له إذا سمعوا القرآن؟ قالت:
تدمع أعينهم، وتقشعرّ جلودهم كما نعتهم الله، قال: قلت: فإن ناساً ههنا إذا
سمع القرآن خرّ مغشيّاً عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وروى أبو نعيم في الحلية ١٦٧/٣ - ١٦٨ بسنده إلى عامر بن عبد الله بن الزبير
قال، جئت أبي، فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدتُ أقواماً ما رأيت خيراً منهم
يذكرون الله تعالى فيرعد أحدهم حتى يُغشى عليه من خشية الله تعالى فقعدت
معهم، قال: لا تقعد معهم بعدها، رأيت رسول الله وَال يتلو القرآن ورأيت
أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يُصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله تعالى من
أبي بكر وعمر؟! فرأيتُ أن ذلك كذلك فتركتهم.
وروى عبد الرزاق الصنعاني في التفسير ١٧٢/٢ عن معمر قال: تلا قتادة:
﴿نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهَّ﴾ قال:
هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأنهم تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن
قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في
أهل البدع، وهذا من الشيطان.
١٣٧
www.dorat-ghawas.com

وروى أبو عبيد في الفضائل بسنده عن أنس بن مالك، وقد سئل عن القوم يُقرأ
عليهم القرآن فيُصعقون، فقال: ذلك فعل الخوارج.
وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ٢٥٢: اعلم وفقك الله، أن قلوب
الصحابة كانت أصغى القلوب، وما كانوا يزيدون عند الواجد على البكاء
والخشوع .. وهذا حديث العرباض بن سارية: (وعظنا رسول الله وَ ليل موعظة
ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب)، قال أبو بكر الآجري: ولم يقل:
صرخنا ولا ضربنا صدورنا، كما يفعل كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم
الشيطان.
وذهب الإِمام ابن تيمية إلى جواز ذلك إذا كان هذا الذي يفعله مغلوباً عليه
لا تصنعاً وتكلُّفاً، فقال في مجموع الفتاوى ٧/١١: ذُكر أن هناك عباداً من أهل
البصرة كانوا يُصعقون عند سماع القرآن .. ولم يكن في الصحابة مَنْ هذا حاله،
فلما ظهر ذلك أنكر طائفة من الصحابة والتابعين .. والمنكرون لهم مأخذان:
منهم، من ظن ذلك تكلفاً وتصنعاً .. ومنهم، من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة
مخالفاً لما عُرف من هدي الصحابة. والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من
هؤلاء إذا كان مغلوباً عليه لم ينكر عليه، وإن كان حال الثابت أكمل منه؛ ولهذا
لما سئل الإمام أحمد عن هذا، فقال: قرىء القرآن على يحيى بن سعيد القطان
فغشي عليه، ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، فما
رأيتُ أعقلَ منه، وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك، وعلي بن الفضيل بن
عياض قصته مشهورة، وبالجملة فهذا كثير ممن لا يستراب في صدقه، ولكن
الأحوال التي كانت في الصحابة هي المذكورة في القرآن، وهي وجْل القلوب،
ودموع العين، واقشعرار الجلود ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالی وهو نفیس،
وله بنحو ما تقدم في الفتاوى ٣٤٩/١٠، وانظر: تفسير القرطبي ٣٦٥/٧.
١٣٨
www.dorat-ghawas.com

١٤ - ذكر أبي العباس بن مسروق(١)
أخبرنا أبو علي مخلد بن جعفر الدَّقاق، حدثنا أبو العباس أحمد بن
(١) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق الصُّوفي البغدادي، صَحِبَ الحارث
المحاسبي ومحمد بن منصور الطُّوسي والسَّري السَّقَطي، وروى عن أحمد بن
حنبل وعلي بن المديني وعلي بن الجعد وغيرهم، وروى عنه: أبو بكر الشافعي
وأبو بكر الإسماعيلي وجعفر الخُلْدي وغيرهم .
وهو شيخ صوفي مشهور، قال الخطيب البغدادي: كان معروفاً بالخير مذكوراً
بالصلاح، وكان الجُنيد يحترمه، ويعتقد فيه. لكن قال الدار قطني: ليس بالقوي
يأتي بالمعضلات، مات سنة ٢٩٩ .
ترجمته في: سؤالات السهمي للدار قطني (١٥٨)، وطبقات الصوفية ص ٢٣٧،
وحلية الأولياء ٢١٣/١٠، والرسالة القُشيرية ١/ ١٤٢، وتاريخ بغداد ١٠٠/٥،
والسير ١٣/ ٤٩٤ .
من حِكم هذا الشيخ القدوة :
- كثرة النظر في الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب.
- من راقب الله تعالى في خَطَرات قلبه، عصمه الله في حركات جوارحه.
- تعظيم حُرمات المؤمنين من تعظيم حُرُمات الله تعالى، وبه يصل العبد إلى
محل حقيقة التقوى.
- التقوى ألاَّ تمُدَّ عينيك إلى زهرة الدنيا، ولا تتفكر بقلبك فيها .
- من كان مؤدبه ربه لا يغلبه أحد.
- سئل: ما التوكل؟ فقال: اعتماد القلب على الله .
١٣٩
www.dorat-ghawas.com