Indexed OCR Text
Pages 601-620
فَوْسُنَبْ التَّفْسَِّةُ الْحَاتُوز
٥ ٦٠١ °-
سُورَةُ البَقَرَة (١٠٢)
٣٠٩٩ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قال: ذُكِرَ لنا - والله أعلم -: أنَّ
الشياطين ابتدعت كتابًا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أَفْشَوْه في الناس، وعلموهم إياه،
فلما سمع بذلك سليمان نبي الله تَتَبَّع تلك الكتب، فأتى بها، فدفنها تحت كرسيه
كراهيةً أن يتعلمها الناس، فلما قبض الله نبيه سليمان عمدت الشياطين فاستخرجوها
من مكانها الذي كانت فيه، فعلَّموها الناس، فأخبروهم أن هذا علم كان يكتمه
سليمان ويستأثر به، فعذر الله نبيه سليمان، وبَرَّأه من ذلك، فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ﴾، يقول: ما كان عن مشورته ولا عن رِضًا منه،
ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه(١). (ز)
٣١٠٠ - عن قتادة بن دعامة - من طريق معمر - قال: كتبت الشياطين كتبًا فيها سحر
وشرك، ثم دفنت(٢) تلك الكتب تحت كرسي سليمان، فلما مات سليمان استخرج
الناس تلك الكتب، فقالوا: هذا علمٍ كَتَمَنَاه سليمانُ. فقال الله - جل وعز -:
﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّبَطِينَ كَفَرُواْ
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٣)٣٩٥]. (ز)
٣١٠١ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط - ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ
سُلَيْمَنَّ﴾: على عهد سليمان. قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها
مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غَيْث
أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فتُحَدِّثُ الكهنةُ الناسَ، فيجدونه كما قالوا، حتى
إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، فأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة،
فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أنَّ الجن تَعْلَم
الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ثم دفنها
٣٩٥] قال ابن جرير (٣٢٨/٢) مُستندًا إلى أقوال السَّلَف: ((معنى الكلام: واتبعوا ما تتلو
الشياطين من السحر على ملك سليمان، فتضيفه إلى سليمان، وما كفر سليمان فيعمل
بالسحر، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. وقد كان قتادة يتأول قوله: ﴿وَمَا
كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ﴾ على ما قلنا)).
(١) أخرجه ابن جرير ٣٢٦/٢، ٣٢٩، وابن أبي حاتم ١/ ١٨٧ مختصرًا من طريق سعيد بن بشير.
(٢) في المطبوع من تفسير عبد الرزاق: دفعت.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٥٣/١، وابن جرير ٣٢٦/٢.
سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٠٢)
٥ ٦٠٢
فَوْسُكَة التَّفْسِيةُ الْحَانُور
تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق،
وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات
سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف بعد ذلك خَلْفٌ؛
تَمَثَّل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على
كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم،
فأراهم المكان، فقام ناحية، فقالوا له: فادْنُ. قال: لا، ولكني هاهنا في أيديكم،
فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال
الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار،
فذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب،
فلما جاءهم محمد ◌َّ خاصموه بها، فذلك حين يقول: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ
الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾(١). (ز)
٣١٠٢ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر - في قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ
الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾، قال: إن اليهود سألوا محمدًا فَ له زمانًا عن أمور من
التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيَخْصِمَهُم،
فلما رَأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أُنزل إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر،
وخاصموه به، فأنزل الله - جل وعَزَّ -: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَخْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا
كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّبَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحَرَ﴾، وإنَّ الشياطين عَمَدُوا
إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس
سليمان - وكان سليمان لا يعلم الغيب -، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك
السحر، وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علمٌ كان سليمان يكتمه، ويحسد الناس
عليه. فأخبرهم النبي ﴿ه بهذا الحديث، فرجعوا من عنده، وقد خَزُوا، وأَدْحَضَ الله
حجتهم(٢). (ز)
٣١٠٣ - عن خُصَيْفٍ - من طريق عَتَّاب بن بشير - قال: كان سليمان إذا نبتت
الشجرة قال: لأي داء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا. فلما نبتت الشجرة الخُرْنُوبة قال:
لأي شيء أنت؟ قالت: لمسجدك أُخَرِّبه. فلم يلبث أن توفي، فكتب الشياطين كتابًا،
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ٣١٣، وابن أبي حاتم ١٨٦/١، والواحدي (ت: الفحل) ص١٣٨.
(٢) أخرجه ابن جرير ٣١٥/٢ مرسلًا .
سُورَةُ البَقَرَة (١٠٢)
فَوْسُوعَة التَّفْسِيةُ المَاتُور
٥ ٦٠٣ %
فجعلوه في مُصَلَّى سليمان، فقالوا: نحن نَدُلُّكم على ما كان سليمان يُدَاوِي به،
فانطلقوا، فاستخرجوا ذلك الكتاب، فإذا فيه سحر ورُقَّى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا
تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ - وذُكِرَ أنها في قراءة أُبَيّ: (وَمَا
يُتْلَى عَلَى الْمَلَكَيْنِ) - ﴿بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَّ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ
فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، سبع مرار، فإن أبى إلَّا أن يكفر عَلَّمَاه، فيخرج منه نور حتى
يسطع في السماء. قال: المعرفة التي كان يعرف(١). (٥٠٢/١)
٣١٠٤ - قال محمد بن السائب الكلبي: إنَّ الشياطين كتبوا السحر والنِّيرَنجِيَّاتِ(٢)
على لسان آصَفَ: هذا ما عَلَّم آصَفُ بن بَرْخِيَا سليمانَ الملكَ، ثم دفنوها تحت
مُصَلَّاه حين نَزَع اللهُ ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان، فلما مات سليمان استخرجوها
من تحت مُصَلَّاه، وقالوا للناس: إنما مَلَكَكم سليمانُ بهذا؛ فتعلَّمُوه. فأما علماء بني
إسرائيل فقالوا: معاذَ الله أن يكون هذا علمُ سليمان. وأما السَّفِلة، فقالوا: هذا علم
سليمان. وأقبلوا على تعلمه، ورَفَضُوا كتبَ أنبيائهم، وفَشَتِ المَلَامة لسليمان، فلم
تزل هذا حالهم حتى بعث الله محمدًاً مَّ، فأنزل عذرَ سليمان على لسانه، وأظهر
براءته مما رُمِي به، فقال: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَطِينُ﴾(٣). (ز)
٣١٠٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾، يعني: ما تلت
الشياطين على عهد سليمان وفي سلطانه، وذلك أنَّ طائفة من الشياطين كتبوا كتابًا
فيه سحر، فدفنوه في مُصَلَّى سليمان حين خرج من مُلْكه، ووضعوه تحت كرسيه،
فلما توفي سليمان استخرجوا الكتاب، فقالوا: إن سليمان تَمَلَّكَكم بهذا الكتاب، به
كانت تجيء الريح، وبه سخرت الشياطين. فعَلَّموه الناسَ، فَأَبْرَأ الله رَّ منه
سليمان: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحَرَ﴾، فتركت
اليهودُ كتاب الأنبياء، واتبعوا ما قالت من السحر (٤). (ز)
٣١٠٦ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - قال: عَمَدَت الشياطين حين عرفت
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٢٠٤) بزيادة عما هنا .
وقراءة (وَمَا يُتْلَى) شاذة.
(٢) النِّرَنجِيَّاتِ، جمع النيرنج - بالكسر -: أُخَذ - بضم ففتح - كالسحر، وليس بحقيقته، إنما هو تشبيه
وتلبيس. تاج العروس (نرج).
(٣) أخرجه الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص١٣٧. وذكره البغوي ١/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١٢٦/١ - ١٢٨.
سُورَةُ الْبَقَرَة (١٠٢)
٥ ٦٠٤ %
فَوْسُوَةُ التَّقْسَِّةُ الْمَاتُور
موت سليمان بن داود تُلَّلاَ، فكتبوا أصناف السحر: مَن كان يُحْبُّ أن يَبْلُغَ كذا وكذا
فلْيَقُل كذا وكذا. حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموا عليه
بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصَفُ بن بَرْخِيا
الصِّديق للملك سليمان بن داود من ذَخَائِر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه،
فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أَحْدَثُوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا :
والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فَأَفْشَوُا السحر في الناس، وتَعَلَّمُوه، وعَلَّمُوه،
فليس في أحد أكثر منه في يهود، فلَمَّا ذَكَرَ رسول الله وَ له ـ فيما نزل عليه من الله -
سليمانَ بن داودَ، وعَدَّه فيمن عَدَّه من المرسلين؛ قال من كان بالمدينة من يهود: ألا
تَعْجَبُون لمحمد، يزعم أنَّ سليمان بن داود كان نبيًّا! والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله
في ذلك من قولهم على محمد رَّ: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَبْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: باتِّباعهم السحر، وعملهم به(١). (ز)
٣١٠٧ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ
سُلَيْمَنَّ﴾ أي: في ملك سليمان، يعني: اليهود الذين قالوا ما قالوا، ﴿وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ﴾ أي: ما علم بالسحر، والسحرُ كفرٌ لِمَن عَمِل به، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ
كَفَرُوا﴾ أي: هم الذين صنعوا ما صنعوا(٢). (ز)
﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾
٣١٠٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي بن أبي طلحة - في قوله: ﴿وَمَا أُنزِلَ
عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، قال: التفريق بين المرء وزوجه (٣). (١ / ٥٠٤)
٣١٠٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العوفي - في قوله: ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى
اٌلْمَلَكَيْنِ﴾، قال: لم يُنزِلِ اللهُ السحرَ(٤). (٥٠٤/١)
٣١١٠ - عن عبد الله بن عباس - من طريق القاسم بن مسلم اليَشْكُرِيّ - ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى
اُلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ﴾، قال: يُعَلِّمان الناس السحر(٥). (٥٠٥/١)
(١) أخرجه ابن جرير ٣١٦/٢ - ٣١٧.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٦/١ - ١٨٧.
(٣) أخرجه ابن جرير ٣٣٣/٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٣١، وابن أبي حاتم ١٨٨/١.
(٥) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ١٦٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
فَوْسُورَة التَّفَسِيرُ الْمَاتُور
=& ٦٠٥ %=
سُورَةُ البَقَرَّة (١٠٢)
٣١١١ - عن أبي العالية - من طريق الربيع بن أنس - قال: قال الله: ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى
اٌلْمَلَكَيْنِ﴾ قال: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما الإيمان والكفر، فالسحر من
الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي (١). (ز)
٣١١٢ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نَجِيح - قال: أما السحر فإنَّما تُعَلِّمه
الشياطين، وأما الذي يُعَلِّمُه المَلَكَان فالتفريق بين المرء وزوجه (٢) ٣٩٦). (٥٠٣/١)
٣١١٣ - عن القاسم بن محمد - من طريق يحيى بن سعيد - وسأله رجل عن قول الله:
﴿يُعَلِمُونَ النَّاسَ السِّحَرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ﴾؟ فقال الرجل:
يُعَلِّمانِ الناسَ ما أُنزِل عليهما، أم يُعَلِّمان الناسَ ما لم يُنزَل عليهما؟ قال القاسم: ما
أُبَالِي أيتهما كانت(٣). (ز)
٣١١٤ - عن عطية العوفي - من طريق فُضَيْل بن مرزوق - ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾،
قال: ما أُنزِل على جبريل وميكائيل السِّحرَ (٤). (٥٠٥/١)
٣١١٥ - عن قتادة بن دِعامة - من طريق مَعْمَر - في قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَآ
أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، قال: فالسحر سِحْرَان؛ سحر تُعَلِّمه الشياطين، وسحر يُعَلِّمه
هاروت وماروت(٥). (٥٠٣/١)
علَّقَ ابن جرير (٣٣٥/٢) على قول مجاهد، فقال: «فتأويل الآية على هذا القول:
٣٩٦
واتبعوا السحر الذي تتلو الشياطين في ملك سليمان، والتفريق الذي بين المرء وزوجه الذي
أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت)).
وذكر ابن عطية (٢٩٩/١ - ٣٠٠) أن ﴿مَا﴾ عطف على السحر فهي مفعولة، ثم قال:
((وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن
من تركه، أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق
به بين المرء وزوجه دون السحر، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على
جهة التحذير منه والنهي عنه)). وعلّق على القول الأخير، بقوله: ((والتعليم على هذا القول
إنما هو تعريف يسير بمبادئه)).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٨٨.
(٢) أخرجه ابن جرير ٣٣٦/٢.
(٣) أخرجه ابن جرير ٣٣٦/٢، كما أخرج عبد الله بن وهب في الجامع ٥٩/٣ - ٦٠ (١٣٦) نحوه من طريق
أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: قيل له: أُنزل أو لم يُنزل؟ قال: ما أبالي أي ذلك كان، إلا أنَّ آمنت به .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٨٨.
(٥) أخرجه ابن جرير ٣٣٣/٢. وذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ١٦٥/١ -.
سُورَةُ البَقَرَّة (١٠٢)
٦٠٦ %=
فَوَسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُورِ
٣١١٦ - قال خالد بن أبي عمران - من طريق خلاد بن سليمان -: وذَكَر هاروتُ
وماروتُ أَنَّهما يُعَلِّمان السحر، فقال خالد: نحن نُنَزِّههما عن هذا. فقرأ بعض
القوم: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، قال خالد: لم يُنزَل عليهما(١). (ز)
٣١١٧ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط - في قوله: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى
اٌلْمَلَكَيْنِ﴾، قال: هذا سِحْر خاصموه به؛ فإنَّ كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته
الإنس فصُنِعِ وعُمِل به كان سحرًا(٢)٣٩٧). (٥٠٣/١)
٣١١٨ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر - ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، قال:
-(٣)٣٩٨
ما أنزل الله عليهما السحرَ (٣٩٨٢٣). (ز)
٣٩٧ بيَّن ابن جرير (٣٣٤/٢) أن معنى (ما) في قوله: ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ - على قول
السّدّيّ - بمعنى: الذي. ثم قال مُعَلِّقًا على هذا القول: ((فمعنى الآية على تأويل هذا
القول: واتبعت اليهود الذي تلت الشياطينُ في ملك سليمان الذي أُنزِل على الملكين ببابل
هَاروت وماروت. وقال قائلو هذه المقالة: إن الله أنزل السحرَ على هاروت وماروت
ببابل، وهما مَلَكَان من ملائكة الله)).
٣٩٨ بَيَّن ابن جرير (٣٣١/٢ بتصرف) أنَّ (ما) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ -
على هذا القول - معناها الجحد، وهي بمعنى: لم. ثم قال مُعَلِّقًا عليه: ((فتأويل الآية على
هذا المعنى: واتبعوا الذي تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان،
ولا أنزل الله السحرَ على المَلَكَيْن، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحَرَ﴾ ببابل
هاروت وماروت، فيكون حينئذ قوله: ﴿بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ﴾ من المُؤَخَّرِ الذي معناه
التقديم. فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما
تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون
الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون مَعْنِيًّ بالمَلَكَيْن: جبريل وميكائيل؛ لأن سحرة
اليهود فيما ذكر كانت تزعم أنَّ الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن
داود، فأكذبها الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا وَ﴿و أن جبريل وميكائيل لم يَنزِلا بسحر قَطّ،
وبَرَّأَ سليمانَ مِمَّا نَحَلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تُعَلِّم
الناس ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت؛ ==
(١) أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع ٩٦/١ - ٩٧ (٢٢٠). وعلّقه ابن أبي حاتم ١/ ١٨٨.
(٢) أخرجه ابن جرير ٣٣٣/٢، وابن أبي حاتم ١٩٣/١ عند قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ،
بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه٤ًِ﴾.
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٣١، وابن أبي حاتم ١/ ١٨٨.
سُورَةُ البَقَرَة (١٠٢)
مُؤْسُعبة التَّفْسِيَة المَانُون
٥ ٦٠٧ %=
٣١١٩ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ﴾، أي:
واتبعوا ما أُنزِل على الملكين(١). (ز)
٣١٢٠ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ
كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحَرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿فَلَا تَكْفُرْ ﴾،
قال: الشياطين والمَلَكَان يُعَلِّمون الناس السحرَ (٣٩٩٢٢). (ز)
﴿عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَّ﴾
قراءات :
٣١٢١ - قرأ عبد الله بن عباس =
٣١٢٢ - والحسن البصري =
٣١٢٣ - ويحيى بن أبي كثير: (الْمَلِكَيْنِ) بكسر اللام. وقالوا: هما رجلان ساحران
كانا ببابل. وقال الحسن: عِلْجان؛ لأنَ الملائكة لا يُعَلِّمون السحر (٣)٤٠٠]. (ز)
== فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة على الناس، وردًا عليهم)).
٣٩٩ اختلف أهل التأويل في (ما) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، أهي اسم
موصول بمعنى: الذي، و﴿هَرُوتَ وَمَرُونَ﴾ ملكان؟ أم هي نافية، و﴿هَرُوتَ وَمَرُوتَّ﴾ ليسا
مِنَ الملائكة؟ .
رجَّحَ ابن جرير (٣٣٧/٢ - ٣٤٠) القولَ الأولَ، وانتَقَد القولَ الثاني، مستندًا إلى السياق،
والنّظائرٍ، ودلالة العقل، فقال: ((إياهم به، بل عبد بعضهم والمعبود عنه ناهٍ، فكذلك
الملكان غير ضائرهما سِحْر من سَحَر مِمَّن تعلم ذلك منهما، بعد نهيهما إياه عنه، وعِظَتهما
له بقولهما: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، إذ كانا قد أَدَّيَا ما أُمِرَ به بقيلهما ذلك)).
واسْتَدْرَكَ ابن كثير (٥٢١/٢) على الكلام الأخير لابن جرير قائلًا: ((وهذا الذي سلكه
غريب جدًّا)).
انتَقَدَ ابن جرير (٣٤٩/٢ - ٣٥٠) القراءة بكسر لام (ملكين)؛ لإجماع الحجة من ==
٤٠٠
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١٢٦/١ - ١٢٨.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٣٣.
(٣) تفسير الثعلبي ١/ ٢٤٥، وتفسير البغوي ١٢٩/١ بنحوه.
(الْمَلِكَيْنِ) بكسر اللام قراءة شاذة، وتروى أيضًا عن عبد الرحمن بن أبزى، والضحاك. انظر: المحتسب
٠١٠٠/١
سُورَةُ البَقَرّة (١٠٢)
فَوْسُوعَة التَّفْسَِّةُ الْجَاتُور
٥ ٦٠٨ %
=
٣١٢٤ - عن عبد الرحمن بن أَبْزَى - من طريق الحسن بن أبي جعفر - أنَّه كان
يقرؤها: (وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ)(١). (٥٠٤/١)
٣١٢٥ - عن الضحاك بن مُزَاحِم - من طريق ثابت - أنَّه قرأ: (وَمَآ أُنزِلَ عَلَى
الْمَلِكَيْنِ)، وقال: هما عِلْجَان من أهل بابل (٢) . (١ /٥٠٤)
تفسير الآية:
٣١٢٦ - عن علي بن أبي طالب مرفوعًا، قال: ((هما مَلَكَان من ملائكة
السماء)) (٣). (١ / ٥٠٤)
== القراء على خطأ القراءة بها، فقال: ((وحكي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: (وَمَآ أُنزِلَ عَلَى
الْمَلِكَيْنِ)، يعني به: رجلين من بني آدم، وقد دَلَّلْنا على خطأ القراءة بذلك من جهة
الاستدلال، فأما من جهة النقل فإجماع الحجة على خطأ القراءة بها من الصحابة والتابعين
وقراء الأمصار، وكفى بذلك شاهدًا على خَطَئِها)).
٤٠١
علَّقَ ابن عطية (٣٠٠/١ - ٣٠١ بتصرف) على القراءتين، وبيَّن ما يترتب عليهما،
فقال: ((وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى (الملكين) بكسر اللام، قال ابن
أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضا فـ(ما) نافية، وقال الحسن: هما عِلْجَان
كانا ببابل ملكين، فـ(ما) على هذا القول غير نافية. وهارُوتَ وَمَارُوتَ بدل من ﴿اٌلْمَلَكَيْنِ﴾
على قول من قال: هما ملَكان، ومن قرأ (ملِكين) بكسر اللام وجعلهما داود وسليمان أو
جعل المَلَكين جبريل وميكائل، جعل هارُوتَ وَمَارُوتَ بدلًا من ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ في قوله:
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ﴾، وقال: هما شيطانان، ويجيء ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ إما على أن الاثنين
جمع، وإما على تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس، ومن قال كانا عِلْجَيْن
قال: ﴿هَرُوتَ وَمَرُونَ﴾ بدل من قوله: ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾، وقيل: هما بدل من ﴿النَّاسَ﴾ في
قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ﴾﴾)).
وعلَّقَ ابن كثير (٥٢٢/١) على هذا القول مُبَيِّنًا ما استندوا إليه من نظائر القرآن والسنّة،
فقال: ((ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله:
﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ اٌلْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾ [الزمر: ٦]،
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسُ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣].
وفي الحديث: ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء)). وكما يقال: أنزل الله الخير والشر)).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٨٨.
(٣) أخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ٣٥٥/١ -.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٩/١.
=
فَوْسُعَبْ التَّقَسَّةُ المَاتُوز
سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٠٢)
٦٠٩
٣١٢٧ - عن علي بن أبي طالب - من طريق عمير بن سعيد - في الآية، قال: هما
مَلَكَان من ملائكة السماء(١). (١ / ٥٠٤)
٣١٢٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق القاسم بن مسلم اليَشْكُرِيّ - ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى
اٌلْمَلَكَيْنِ﴾ يعني: جبريل وميكائيل، ﴿بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ﴾ يُعَلِّمان الناس
السحر (٢). (٥٠٥/١)
٣١٢٩ - عن عطية العوفي - من طريق فُضَيْل بن مرزوق - ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾،
قال: ما أُنزِل على جبريل وميكائيل السحر(٣). (٥٠٥/١)
٣١٣٠ - عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر - من طريق معروف المكي، عَمَّن سمع
أبا جعفر - قال: السِّجِلُّ مَلَكٌ، وكان هاروت وماروت أعوانَه (٤). (٣٩٦/١٠)
٣١٣١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ﴾، أي:
واتَّبعوا ما أُنزِل على المَلَكين، يعني: هاروت وماروت، وكانا من الملائكة،
مكانهما في السماء واحد(٥). (ز)
﴿يِبَابِلَ﴾
٣١٣٢ - قال عبد الله بن مسعود: بابل أرض الكوفة(٦). (ز)
٣١٣٣ - قال الحسن البصري: إنَّ المَلَكين ببابل إلى يوم القيامة، وإنَّ مَن عَزَم على
تَعَلُّم السحر ثم أتاهما سمع كلامهما من غير أن يراهما(٧). (ز)
= قال ابن كثير: ((رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد،
عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعًا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه)).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٨٨ (١٠٠١).
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ١٦٨/٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٨/١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٩/١. والأثر أورده السيوطي مطولًا في الدر المنثور عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
نَطَوِى السَّمَآءَ كَطَيِّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وتقدم أيضا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا
مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠].
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ١٢٦/١ - ١٢٨.
(٦) تفسير البغوي ١/ ١٢٩.
(٧) ذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ١٦٥/١ -.
سُورَةُ البَقَرَّة (١٠٢)
فَوْسُعَبْ التَّفْسِيَةُ المَاتُون
اولاد
& ٦١٠ %=
٣١٣٤ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط - في سياق حديثه عن قصة هاروت
وماروت: فَنَزَلا ببابل دُنْبَاوَند(١)٤٠٢]. (ز)
٣١٣٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿بِبَابِلَ﴾، أي: وهما ببابل، وإنما سُمِّيَت بابل لأن
الألسن تَبَلْبَلَت بها حين أُلْقِي إبراهيم وَّ في النار(٢) ٤٠٣]. (ز
﴿هَرُوتَ وَمَرُوتَّ﴾
٣١٣٦ - عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله وَّه: ((لعن الله الزُّهْرَة؛ فإنها
هي التي فتنت المَلَكَيْن هاروت وماروت)) (٣). (٥١٣/١)
٣١٣٧ - عن عبد الله بن عمر - من طريق موسى بن جُبَير عن نافع -، أنَّه سمع
رسول الله وَ﴿ يقول: ((إنَّ آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي ربِّ،
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك! قال: إني
أعلم ما لا تعلمون. قالوا: ربَّنا، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله للملائكة:
هَلُمُّوا مَلَكَيْن من الملائكة حتى نُهْبِطَهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان. فقالوا:
رَبَّنا، هاروت وماروت. قال: فأُهبِطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزُّهْرَة، امرأةٌ من
أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تَكَلَّما بهذه الكلمة
من الإشراك. قالا: لا، واللهِ، لا نشرك بالله أبدًا. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبيٍّ
٤٠٢
علَّقَ ابن كثير (٥٣٣/١ - ٥٣٤) بعد أن ساق أثر عائشة مؤيّنا في قصة المرأة التي أتت
هاروت وماروت - الآتي في الآثار المتعلقة بالآية - بقوله: ((واستُدِلَّ به على أن بابلَ
المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دنباوند (من بلاد فارس) كما قاله السدي
وغيره)) .
٤٠٣] ذكر ابن عطية (١/ ٣٠٠) قولين آخرين: الأول: أن بابل هي من نصيبين إلى رأس
العين، ونسبه لقتادة. الثاني: أنها بالمغرب. وانتقده بقوله: ((وهذا ضعيف)).
(١) أخرجه ابن جرير ٣٤٤/٢.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١٢٦/١ - ١٢٨.
(٣) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٥٤)، وعزاه ابن حجر في المطالب ١٤ / ٤٥٨ (٣٥٢٣) إلى
ابن راهويه .
قال ابن كثير في التفسير ٣٥٥/١: ((لا يصح، وهو منكر جدًّا)). قال الألباني في الضعيفة ٣١٥/٢ (٩١٣):
((موضوع)).
سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٠٢)
مَوْسُكَبْ التَّفْسِيَةُ الْحَاتُون
& ٦١١ %
تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تقتلا هذا الصبي. قالا: لا، والله، لا
نقتله أبدًا. فذهبت، ثم رجعت بقَدَح من خمر تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا،
والله، حتى تشربا هذا الخمر. فشَرِبا، فسَكِرًا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلَمَّا أفاقا
قالت المرأة: والله، ما تركتما شيئًا أبيتماه إلّا قد فعلتماه حين سَكِرْتُما. فخُيِّرا عند
ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا)) (١). (٢٤٩/١)
٣١٣٨ - عن ابن عمر - من طريق موسى بن جُبير عن موسى بن عقبة، عن سالم -،
قال: قال رسول الله وَله: ((أَشْرَفَتِ الملائكةُ على الدنيا، فرأت بني آدم يعصون،
فقالت: يا رب، ما أجهل هؤلاء، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك. فقال الله: لو كنتم في
مِسْلاخِهم لَعَصَيْتُموني. قالوا: كيف يكون هذا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟!
قال: فاختاروا منكم ملكين. فاختاروا هاروت وماروت، ثم أُهْبِطا إلى الأرض، ورُكِّبَت
فيهما شهواتُ بني آدم، ومُثِّلَتْ لهما امرأة، فما عُصِمَا حتى واقَعا المعصية، فقال الله :
اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فنظر أحدهما إلى صاحبه، قال: ما تقول فاختر.
قال: أقول: إن عذاب الدنيا ينقطع، وإن عذاب الآخرة لا ينقطع. فاختارا عذاب
الدنيا، فهما اللذان ذكر الله في كتابه: ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾)) الآية (٢). (٥١٠/١)
(١) أخرجه أحمد ٣١٧/١٠ (٦١٧٨)، وابن حبان ٦٣/١٤ (٦١٨٦).
قال أبو حاتم كما في العلل ٦٤١/٤: ((هذا حديث منكر)). وذكر البيهقي في السنن ٤/١٠ - ٥ أن رواية
هذا الحديث من طريق ابن عمر عن كعب الأحبار قولَه أشبه. وقال ابن كثير ٥٢٤/١ - ٥٢٥ بتصرف:
((وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا فهو
مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر عن النبي {ق98َ. وروي له متابع من وجه
آخر عن نافع)). فذكر الحديث من رواية ابن مردويه من طريق موسى بن سَرْجَسٍ، عن نافع، ومن رواية ابن
جرير من طريق معاوية بن صالح، عن نافع، ثم قال: ((وهذان أيضًا غريبان جدًّا. وأقرب ما يكون في هذا
أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي وَّ*، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن
الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، ورواه ابن جرير من طريقين، عن
عبد الرزاق، به. ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مؤمل، عن سفيان الثوري، به. ورواه ابن
جرير أيضًا: حدثني المثنى، حدثنا المعلى - وهو ابن أسد -، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن
عقبة، حدثني سالم: أنَّه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار، فذكره. فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن
عمر من الإسنادين المتقدمين [يعنى: ما رواه نافع عن ابن عمر، من طريق معاوية بن صالح، ومن طريق
موسى بن سرجس]، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن
كتب بني إسرائيل)). ومال ابن حجر في القول المسدد ٣٩/١ إلى ثبوت القصة، وقال الألباني في الضعيفة
٣١٤/١ - ٣١٥ (١٧٠): ((باطل مرفوعًا)).
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب ٣٢١/١ (١٦١).
قال البيهقي: ((ورويناه من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا عليه، وهو أصح؛ فإن ابن عمر =
سُورَةُ البَقَرّة (١٠٢)
٥ ٦١٢ %
فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُون
٣١٣٩ - عن نافع - من طريق معاوية بن صالح - قال: سافرت مع ابن عمر، فلما
كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا. مرتين أو
ثلاثًا، ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا. قلت: سبحان الله! نجم
مُسَخَّر سامع مطيع! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله وَّل، قال: ((إنَّ
الملائكة قالت: يا رب، كيف صبرُك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني
ابتليتهم وعافَيْتُكُم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عَصَيْنَاك. قال: فاختاروا مَلَكَيْن منكمٍ. فلم
يَأْلُوا جُهْدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فنزلا، فألقى الله عليهم الشَّبَق -
قلت: وما الشَّبَق؟ قال: الشهوة -، فجاءت امرأة يقال لها: الزُّهْرَة، فوقعت في
قلوبهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما
للآخَرِ: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم. فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا
أُمَكِّنُكُما حتى تُعَلَّمَاني الاسمَ الذي تَعْرُجَان به إلى السماء وتَهْبِطَانٍ. فَأَبَيَا، ثم سألاها
أيضًا، فأبت، ففَعَلًا، فلما اسْتُطِيرَت طَمَسَها الله كوكبًا، وقَطَع أجنحتهما، ثم سألا
التوبةَ من ربهما، فخَيَّرهما، فقال: إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه، فإذا كان يوم
القيامة عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما
كنتما عليه. فقال أحدهما لصاحبه: إنَّ عذاب الدنيا ينقطع ويزول. فاختارا عذاب
الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى الله إليهما: أنِ اثْتِيًا بابل. فانطلقا إلى بابل، فخُسِف
بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض، مُعَذَّبان إلى يوم القيامة))(١). (٥٠٨/١)
٣١٤٠ - عن علي بن أبي طالب - من طريق عُمَيْر بن سعيد - قال: إنَّ هذه الزُّهْرَة
تُسَمِّيها العرب الزُّهَرة، والعجم: أنَاهِيذ، وكان المَلَكان يحكمان بين الناس،
فأتتهما، فأرادها كل واحد منهما عن غير علم صاحبه، فقال أحدهما: يا أخي، إن
في نفسي بعض الأمر أريد أن أذكره لك. قال: اذكره، لعلَّ الذي في نفسي مثل
الذي في نفسك. فاتفقا على أمرٍ في ذلك، فقالت لهما المرأة: ألا تُخْبِرَاني بما
تصعدان به إلى السماء، وبما تهبطان به إلى الأرض! فقالا: باسم الله الأعظم.
= إنما أخذه عن كعب)). وقال الألباني في الضعيفة ٣٧٣/١٤ (٦٦٥٦): ((منكر)).
(١) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ١٨٧، والخطيب في تاريخه ٥٧٣/٨ (٢٥٨٦) من طريق
سنيد بن داود، وابن جرير ٣٤٧/٢ - ٣٤٨ من طريق معاوية بن صالح. وعزاه السيوطي إلى سُنَيد.
قال ابن الجوزي: ((هذا حديث لا يصح)). وقال السيوطي في اللآلئ ١٤٥/١: ((لا يصح)). وقال الألباني
في الضعيفة ٣١٣/٢ - ٣١٤ (٩١٢): ((باطل مرفوعًا)).
سُورَةُ البَقَرَة (١٠٢)
فَوَسُعَبْ التَّفْسَِّةُ المَاتُور
٥ ٦١٣ %=
قالت: ما أنا بمُؤَاتِيتُكُمَا حتى تُعَلِّمَانِيهِ. فقال أحدهما لصاحبه: علمها إياه. فقال:
كيف لنا بشدة عذاب الله؟! قال الآخر: إنا نرجو سعة رحمة الله. فعلمها إياه،
فتكلمت به، فطارت إلى السماء، ففزع مَلَك في السماء لصعودها؛ فطَأُطَأ رأسه، فلم
يجلس بعد، ومسخها الله فكانت كوكبًا (١) ٤٠٤]. (١ / ٥١٢)
٣١٤١ - عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر في سفر، فقال لي: ارْمُق الكوكبة، فإذا
طلعت أَيْقِظْني. فلما طلعت أَيْقَظْتُه، فاستوى جالسًا، فجعل ينظر إليها ويسبها سبًّا
شديدًا، فقلت: يرحمك الله، أبا عبد الرحمن، نجم سامع مطيع، ما لَه يُسَبُّ؟! فقال:
ها، إنَّ هذه كانت بَغِيًّا في بني إسرائيل، فلقي المَلَكَان منها ما لقيا (٢) ٤٠٥). (١ /٥٠٩)
٣١٤٢ - عن مجاهد، قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان
ذات ليلة قال لغلامه: انظر، طلعت الحمراء؟ لا مرحبًا بها، ولا أهلًا، ولا
حَيَّاها الله، هي صاحبة المَلَكَيْن؛ قالت الملائكة: رب، كيف تَدَعُ عُصَاة بني آدم
وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟! قال: إني
قد ابتليتهم، فلعلِّي إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا :
لا. قال: فاختاروا مِن خياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني
مُهْبِطُكما إلى الأرض، وعاهد إليكما: ألَّا تُشْرِكا، ولا تَزْنِيا، ولا تَخُونا. فأُهْبِطَا إلى
الأرض، وأُلْقِي عليهما الشَّبَق، وأُهْبِطَت لهما الزُّهْرَة في أحسن صورة امرأة،
فتعرضت لهما؛ فأراداها عن نفسها، فقالت: إني على دين لا يصلح لأحد أن يأتيني
إلا من كان على مثله. قالا: وما دينك؟ قالت: المجوسية. قالا: الشرك! هذا شيء
لا نقربه. فمكثت عنهما ما شاء الله، ثم تعرضت لهما، فأراداها عن نفسها، فقالت:
ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يَطّلع على هذا مِنِّي فأفتضح، فإن أقررتما
علَّقَ ابن كثير (٥٢٥/١) على أثر عليّ هذا بقوله: «هذا الإسناد رجاله ثقات، وهو
٤٠٤
غريب جدًّا)).
[٤٠٥] علَّقَ ابن عطية (٣٠٢/١) على الروايات الواردة في الزهرة، وما روي عن ابن عمر
من أنه كان يلعنها، فقال: ((وهذا كله ضعيف، وبعيد على ابن عمر)).
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٣)، وابن جرير ٣٤٣/٢، وأبو الشيخ في العظمة (٧٠٢)،
والحاكم ٢٦٥/٢، وابن راهويه - كما في المطالب (٣٨٩٢) -. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور التفسير ٥٨٣/٢ (٢٠٦).
سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٠٢)
: ٦١٤ %
مُؤَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْمَانُور
لي بديني، وشرطتما أن تصعدا بي إلى السماء، فعلت. فأقَرًّا لها بدينها، وأتياها
فيما يريان، ثم صعد بها إلى السماء، فلما انتهيا إلى السماء اخْتُطِفَت منهما،
وقُطعَت أجنحتهما، فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبيٌّ يدعو بين
الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب، فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه يطلب لنا
التوبة. فأتياه، فقال: رحمكما الله، كيف يطلب أهل الأرض لأهل السماء. قالا :
إنا قد ابتُلِينَا. قال: انْتِيَاني يوم الجمعة. فأتياه، فقال: ما أُجِبْتُ فيكما بشيء،
انْتِيَاني في الجمعة الثانية. فأتياه، فقال: اختارا، فقد خُيِّرْتُما؛ إن أحببتما معافاة
الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله.
فقال أحدهما: الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر: ويحك، إني قد أطعتك
في الأول، فأطعني الآن؛ إنَّ عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى، وإننا يوم القيامة على
حكم الله، فأخاف أن يعذبنا. قال: لا، إني أرجو إن علم الله أنَّا قد اخترنا عذاب
الدنيا مخافة عذاب الآخرة؛ لا يجمعهما علينا. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلًا
في بَكَرَاتٍ من حديد في قَلِيبٍ مملوءة من نار، أعاليهما أسافلُهما (١). (٥١٥/١)
٣١٤٣ - عن عبد الله بن عمر - من طريق سعيد بن جبير - أنَّه كان يقول: أطَلَعت
الحمراء بعد؟ فإذا رآها قال: لا مرحبًا. ثم قال: إن مَلَكَين من الملائكة - هاروت
وماروت - سألا الله أن يَهْبِطا إلى الأرض، فأُهْبِطا إلى الأرض، فكانا يقضيان بين
الناس، فإذا أمسيا تكلما بكلمات، فعرجا بها إلى السماء، فقيَّض الله لهما امرأةً
من أحسن الناس، وأُلْقِيَت عليهما الشهوة، فجعلا يُؤَخِّرَانها، وألقيت في أنفسهما،
فلم يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعادًا، فأتتهما للميعاد، فقالت: عَلِّمَاني الكلمةَ
التي تَعْرُجَان بها. فعَلَّماها الكلمة، فتَكَلَّمت بها، فعَرَجَت إلى السماء، فُمُسِخَتْ،
فجُعِلَتْ كما ترون، فلَمَّا أَمْسَيَا تكلما بالكلمة، فلم يَعْرُجا، فُبُعِث إليهما: إن شئتما
فعذاب الآخرة، وإن شئتما فعذاب الدنيا إلى أن تقوم الساعة. فنظر أحدهما
لصاحبه، فقال أحدهما لصاحبه: بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف، فهما
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٩٠ - ١٩١ (١٠٠٧).
قال ابن كثير ٥٢٨/١: ((وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر، وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث
معاوية ابن صالح عن نافع عنه رفعُه، وهذا أثبت وأصح إسنادًا. ثم هو - والله أعلم - من رواية ابن عمر
عن كعب، كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه، وقوله: إن الزُّهْرَة نزلت على صورة امرأة حسناء. وكذا
المروي عن عليّ، فيه غرابة جدًّا)). وقال ابن حجر في العجاب ٣٢٣/١ - ٣٢٥: ((أخرجه ابن أبي حاتم
بسند صحيح عن مجاهد ... وهذه متابعة قوية لرواية موسى بن جبير عن نافع لكنها موقوفة على ابن عمر)).
فَوْسُعَبْ التَّفْسَِّةُ المَاتُوز
سُورَةُ البَقَرَة (١٠٢)
& ٦١٥ %=
يعذبان إلى يوم القيامة(١). (٥١١/١)
٣١٤٤ - عن ابن عمر - من طريق الثوري، عن موسى بن عقبة عن سالم -، عن
كعب [الأحبار]، قال: ذَكَرَت الملائكةُ أعمالَ بني آدم، وما يأتون من الذنوب،
فقيل: لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل ما يأتون، فاختاروا منكم اثنين. فاختاروا هاروت
وماروت، فقيل لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلًا، فليس بيني وبينكما رسول،
أَنزِلا، لا تُشْرِكا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشرب الخمر. قال كعب: فو الله ما أَمْسَيَا
من يومهما الذي أَهْبِطا فيه حتى اسْتَكْمَلَا جميعَ ما نُهِيَا عنه (٢). (٥١٠/١)
٣١٤٥ - عن عبد الله بن مسعود =
٣١٤٦ - وعبد الله بن عباس - من طريق أبي عثمان النَّهْدِيّ ـ قالا: لَمَّا كَثُر بنو آدم
وَعَصَوا؛ دعت الملائكة عليهم، والأرض، والجبال: رَبَّنَا، لا تُمْهِلْهم. فأوحى الله
إلى الملائكة: إني أَزَلْتُ الشهوة والشيطانَ من قلوبكم، ولو تركتكم لفعلتم أيضًا .
قال: فحَدَّثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا. فأوحى الله إليهم: أنِ اختاروا مَلَكَيْن
من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وأُنزِلَت الزُّهْرَة إليهما
في صورة امرأة من أهل فارس، يسمونها: بَيْذَخَت، قال: فواقعا بالخطيئة، فكانت
الملائكة يستغفرون للذين آمنوا، فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض،
فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا(٣). (٥١٨/١)
٣١٤٧ - عن عبد الله بن عباس - من طريق قيس بن عُبَاد - قال: لَمَّا وقع الناس من
بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله؛ قالت الملائكة في السماء: رب،
هذا العالم الذي إِنَّما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد وقعوا فيما وقعوا فيه، ورَكِبوا
الكفرَ، وقتلَ النفس، وأكل مال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر! فجعلوا
يَدْعُون عليهم، ولا يعذرونهم. فقيل: إنهم في غيب. فلم يعذروهم، فقيل لهم:
اختاروا منكم، من أفضلكم مَلَكَيْن؛ آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت،
فأُهْبِطَا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما أن يعبداه ولا يشركا به
شيئًا، ونهاهما عن قتل النفس الحرام، وأكل مال الحرام، وعن الزنا، وشرب
(١) أخرجه الحاكم ٦٠٧/٤ - ٦٠٨.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٥٣، وابن أبي شيبة ١٨٦/١٣، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٤)، وابن
جرير ٣٤٣/٢، والبيهقي في الشعب (١٦٤). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٤٢.
سُورَةُ الْبَقَرَة (١٠٢)
: ٦١٦ %
تَوَسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
الخمر، فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس،
وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في النساء كحُسْنِ الزُّهْرَة في سائر الكواكب، وإنهما
أتيا عليها، فخضعا لها في القول، وأراداها عن نفسها، فأبَت إلّا أن يكونا على
أمرها ودينها، فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبده. فقالا :
لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا، فَغَبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها فأراداها عن
نفسها، ففعلت مثل ذلك، فذهبا، ثم أتيا عليها، فأراداها عن نفسها، فلما رأت
أنهما أَبَيَا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث؛ إما أن تعبدا هذا
الصنم، وإما أن تقتلا هذا النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر. فقالا: كل هذا لا
ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فشرب الخمر، فأخذت منهما، فواقعا المرأة،
فخشيا أن يُخْبِرِ الإنسانُ عنهما، فقتلاه، فلما ذهب عنهما السُّكْر وعلما ما وقعا فيه
من الخطيئة أرادا أن يصعد إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبَيْنَ ذلك،
وكُشِفَ الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه،
فعجبوا كل العَجَب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك
يستغفرون لِمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِمَن فِى الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]. فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة.
فقالا: أَمَّا عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له.
فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا ببابل، فهما يعذبان (١) ٤٠٦]. (١ /٥١٥)
٣١٤٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق يزيد الفارسي - قال: إنَّ أهل سماء الدنيا
أشرفوا على أهل الأرض، فرأوهم يعملون بالمعاصي، فقالوا: يا رب، أهل الأرض
يعملون بالمعاصي. فقال الله: أنتم معي، وهم غَيْبٌ عني. فقيل لهم: اختاروا منكم
ثلاثة. فاختاروا منهم ثلاثة، على أن يهبطوا إلى الأرض؛ يحكمون بين أهل
الأرض، وجُعِل فيهم شهوةُ الآدمِيِّين، فأُمِرُوا أن لا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا،
ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن، فاستقال منهم واحد، فأُقِيل، فأُهْبِط اثنان إلى
علَّقَ ابن كثير (٥٢٩/١) على أثر ابن عباس هذا بقوله: ((فهذا أقرب ما روي في شأن
٤٠٦
الزُّهْرَة)) .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٩/١ - ١٩٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في
الشعب .
سُورَةُ الْبَقَرَة (١٠٢)
فَوْسُونَبِ التَّفْسِيَةُ المَاتُور
٥ ٦١٧ %=
الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: أنَاهِيذ، فهَوِيَاها جميعًا، ثم أتيا
منزلها، فاجتمعا عندها، فأراداها، فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن
جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا،
فأشرف أهل السماء عليهما، وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طِرْتُما .
فأخبراها، فطارت، فمُسِخَت جَمْرَة، وهي هذه الزُّهْرَة. وأما هما فأرسَل إليهما
سليمان بن داود، فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا،
فهما مُنَاطَان(١) بين السماء والأرض (٢)٤٠٧]. (١ / ٥١٧)
٣١٤٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي شعبة العدوي - قال: إن الله أفرج
السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون بالخطايا قالوا :
يا رب، هؤلاء بنو آدم الذي خلقت بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل
شيء، يعملون بالخطايا؟! قال: أَمَا إنَّكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم.
قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. فأمروا أن يختاروا مَلَكَيْن ليهبطا إلى الأرض،
فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وأُحِلَّ لهما ما فيها من شيء، غير
أنهما لا يشرك بالله شيئًا، ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشرب الخمر، ولا يقتلا النفس
التي حرم الله إلا بالحق. فعَرَض لهما امرأةٌ قد قُسِم لها نصفُ الحُسْن، يقال لها :
بَيْذَخَت، فلما أبصراها أراداها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله، وتشرب الخمر،
وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. فقالا: ما كنا نشرك بالله شيئًا. فقال أحدهما
للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشرب الخمر. فشربا حتى ثَمِلًا، فدخل
عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقعا فيه أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا :
سبحانك، أنت أعلم. فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يُخَيِّرهما بين عذاب الدنيا
وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكُبِّلا من أَكْعُبِهِما إلى أعناقهما بمثل أَعْنَاقِ
البُخْت، وجُعِلا ببابل(٣). (١ /٥١٩)
٣١٥٠ - عن خُصَيْف، قال: كنت مع مجاهد، فمر بنا رجل من قريش، فقال له
٤٠٧
علَّقَ ابن كثير (١/ ٥٣٠) على أثر ابن عباس هذا بقوله: ((وهذا السياق فيه زيادات
كثيرة، وإغراب ونكارة)).
(١) مناطان: معلقان. لسان العرب (نوط).
(٣) أخرجه ابن جرير ٣٤١/٢.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٩٠/١ - ١٩١.
سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٠٢)
: ٦١٨ %
مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُور
مجاهد: حدثنا ما سمعت من أبيك؟ قال: حدثني أبي: أن الملائكة حين جعلوا
ينظرون إلى أعمال بني آدم وما يركبون من المعاصي الخبيثة، وليس يستر الناسَ من
الملائكة شيءٌ، فجعل بعضهم يقول لبعض: انظروا إلى بني آدم كيف يعملون كذا
وكذا! ما أجرأهم على الله! يَعِيبونهم بذلك. فقال الله لهم: قد سمعتُ الذي تقولون
في بني آدم، فاختاروا منكم مَلَكَيْن أُهْبِطُهما إلى الأرض، وأجعل فيهما شهوة بني آدم.
فاختاروا هاروت وماروت، فقالوا: يا رب، ليس فينا مثلهما. فأُهْبِطا إلى الأرض،
وجُعِلَت فيهما شهوة بني آدم، ومُثِّلَتْ لهما الزُّهْرَة في صورة امرأة، فلما نظرا إليها لم
يتمالكا أن تناولا ما الله أعلم به، وأخذت الشهوة بأسماعهما وأبصارهما، فلما أرادا
أن يطيرا إلى السماء لم يستطيعا، فأتاهما مَلَك، فقال: إنكما قد فعلتما ما فعلتما،
فاختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة. فقال أحدهما للآخر: ماذا ترى؟ قال: أرى
أن أُعَذَّبِ في الدنيا، ثم أُعَذَّب، أحب إلي من أن أُعَذَّب ساعة واحدة في الآخرة.
فهما مُعَلَّقان مُنَكَّسان في السلاسل، وجُعِلًا فتنة(١). (٥١٩/١)
٣١٥١ - عن عبيد الله بن عبد الله - من طريق الزهري - في هذه الآية: كانا مَلَكَيْن
من الملائكة، فأُهْبِطا ليحكما بين الناس؛ وذلك أن الملائكة سَخِروا من حُكّام بني
آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فَحَافًا لها (٢)، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين
ذلك، وخُيِّرًا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا (٣). (٥١٨/١)
٣١٥٢ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - قال: وأما شأن هاروت
وماروت؛ فإن الملائكة عَجِبت من ظُلْم بني آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب
والبينات، فقال لهم ربهم: اختاروا منكم مَلَكَيْن أَنزِلُهما في الأرض بين بني آدم.
فاختاروا - فلم يَأْلُوا - هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما : أَعَجِبْتُما من بني
آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم؟ وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراءَ وراءَ، وأنتما ليس
بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودَعًا كذا وكذا. فأمرهما بأمر، ونهاهما، ثم
نزلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ لله منهما، فحَكَما فعَدَلا، فكانا يحكمان النهار بين
بني آدم، فإذا أمسيا عَرَجًا وكانا مع الملائكة، وينزلان حين يُصْبِحان فيحكمان
فيعدلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهْرَةُ في أحسن صورة امرأة تُخَاصم، فقضيا عليها،
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٢٠٥).
(٢) حافا لها: مالا عن الحق وظلما في الحكم لأجلها. لسان العرب (حيف).
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٥٣/١، وابن جرير ٣٣٢/٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
سُورَةُ الْبَقَرَة (١٠٢)
مُؤْسُورَة التَّفْسِيرُ المَاتُور
٥ ٦١٩ %
فلما قامت وَجَد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدتَ مثل ما
وجدتُ؟ قال: نعم. فبعثا إليها: أن اثْتِينَا نَقْضِ لك. فلَمَّا رجعت قالا لها - وقَضَيَا
لَهَا -: اثْتِينَا. فأتتهما، فكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما،
ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولَذَّتها، فلما بلغا ذلك واسْتَحَلَّاه واقْتَتَنَا طارت
الزُّهْرَة، فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عَرَجا، فزُجِرًا، فلم يُؤْذَن لهما، ولم
تحملْهما أجنحتُهما، فاستغاثا برجل من بني آدم، فأتياه، فقالا: ادع لنا ربك. فقال:
كيف يشفع أهلُ الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء.
فوعدهما يومًا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب
الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقالا: نعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا
وكذا في الخُلْد، نعم، ومع الدنيا سبع مرات مثلها. فَأُمِرا أن يَنزِلا ببابل، فَثَمَّ
عذابُهما، وزعم أنهما مُعَلَّقان في الحديد، مَطْوِيَّان، يَصْطَفِقان بأجنحتهما(١). (٥٢٩/١)
٣١٥٣ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط -: أنَّه كان من أَمْرِ هاروت
وماروت أنهما طَعَنا على أهل الأرض في أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت ابن آدم
عشرًا من الشهوات، فبها يعصونني. قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك
الشهوات ثم نزلنا لَحَكَمْنا بالعدل. فقال لهما: انزلا، فقد أعطيتكما تلك الشهوات
العشر، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دُنبَاوَند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا
عَرَجَا، فإذا أصبحا هَبَطًا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها،
فأعجبهما حسنها، واسمها بالعربية: الزُّهَرة، وبالنبطية: بَيْذَخَت، واسمها بالفارسية:
أنَاهِيذ، فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني. فقال الآخر: قد أردت أن أذكر لك
فاستحييت منك. فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم، ولكن كيف
لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا نرجو رحمة الله. فلما جاءت تُخَاصِمُ زوجَها ذكرا
إليها نفسَها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم
واعدتهما خَرِبَةً مِنَ الْخِرَب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها
قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء؟ وبأي كلام
تنزلان منها؟ فأخبراها، فتكلمت فصعدت، فأنساها الله ما تَنزِل به، فبقيت مكانها،
(١) أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٤٨، وابن أبي حاتم ١٩٢/١ مختصرًا. وأورده ابن أبي زمنين ١/ ١٦٥ عن
يحيى بن سلام مختصرًا وقال: وقد ذكر يحيى عن غير مجاهد: أن المرأة التي افتتنا بها كانت من نساء أهل
الدنيا .
سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٠٢)
٤ ٦٢٠ %=
مُوَسُوعَة التَّفْسِي الْحَانُور
وجعلها الله كوكبًا - فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، وقال: هذه التي فتنت
هاروت وماروت -، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا، فلم يستطيعا، فعرفا الهَلَكَة،
فخُيِّرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا من عذاب الآخرة، فعُلِّقًا
ببابل، فجعلا يكلمان الناس كلامهما، وهو السحر(١). (ز)
٣١٥٤ - عن الربيع بن أنس - من طريق أبي جعفر - قال: لَمَّا وقع الناسُ من بعد
آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: أي ربِّ،
هذا العالَمُ إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد رَكِبوا الكفرَ، وقتلَ النفس الحرام،
وأكلَ المال الحرام، والسرقةَ، والزنا، وشربَ الخمر. فجعلوا يدعون عليهم ولا
يعذرونهم، فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم
مَلَكَيْن، آمرهما بأمري، وأنهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا
إلى الأرض، وجُعِلَ بهما شهوات بني آدم، وأُمِرَا أن يعبد الله، ولا يشركا به شيئًا،
ونُهِيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر،
فَبِثَا على ذلك في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس،
وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في سائر الناس كحُسْنِ الزُّهْرَة في سائر الكواكب،
وأنها أتت عليهما، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، وأنها أبت إلا أن
يكونا على أمرها ودينها، وأنهما سألاها عن دينها الذي هي عليه، فأخرجت لهما
صنمًا، فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فصبرا ما
شاء الله، ثم أتيا عليها، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، فقالت: لا، إلا
أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فلما رأت أنهما قد أبيا
أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث؛ إما أن تعبدا الصنم، أو
تقتلا النفس، أو تشربا هذه الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب
الخمر. فسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمرة فيهما وقعا بها، فمَرَّ إنسان وهما في
ذلك، فخشيا أن يُفْشِيَ عليهما فقَتَلَاه، فلما أن ذهب عنهما السُّكْرُ عرفا ما قد وقعا فيه
من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، وكُشِف الغطاء فيما بينهما
وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من
كان في غَيْبٍ فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا
(١) أخرجه ابن جرير ٣٤٤/٢.