Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥ ٠١
الفصل الأول
جهات النظر في التعامل مع الخبر
ويتضمن ثلاثة مباحث :
المبحث الأول: جهة الثبوت.
المبحث الثاني: جهة المعنى.
المبحث الثالث: جهة أغراض المصنفين.

المدخل إلى فُؤَسُوعَة التَّفْسَيُ المَاتُون
٢ ٥٠٣
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
المبحث الأول
جهة الثبوت
ويتضمن مدخلا تأسيسيًّا وأربعة مطالب:
المطلب الأول: المعيار الذي عليه المدار في نقد الأخبار.
المطلب الثاني: ارتباط أركان المنهج النقدي بمعيار نقد الأخبار.
المطلب الثالث: ارتباط أركان المنهج النقدي بإجراءات وآليات القبول والرد.
المطلب الرابع: الإسناد وماهية علاقته بالمرويات من حيث الثبوت وعدمه؛
ويتضمن مدخلًا وثلاثة فروع:
مدخل: إطلالة على تاريخ الإسناد.
الفرع الأول: نشأة الإسناد واعتماده.
الفرع الثاني: تفاوت درجات وزمان اعتماد الإسناد في العلوم الشرعية.
الفرع الثالث: المنقطع السند الذي له حكم المتصل الإسناد وشرط الصحة.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٥٠٤ %
فَوْسُوعَة التَّفْسِي المَاتُوز
المدخل إلى
مدخل تأسيسي
قضية ثبوت الخبر أو عدم ثبوته هي القضية التي عليها مدار المنهج النقدي لدى
المحدِّثين، ولذا سيتناول هذا المبحث الكلام عن ذلك المنهج وأركانه وآلياته
المعتمدة لإصدار الحكم بثبوت الخبر أو عدم ثبوته؛ فالمنهج النقدي عند المحدثين
له معالمه وكلياته الكبرى التي تضبط إطاره العام، وهذه المعالم والكليات استندت
إلى كثير من الأسس في تكوينها وقيامها، وانتظمت بداخلها كثيرًا من الجزئيات
المكونة لصورتها، وارتبطت في علاقاتها وامتداداتها بمجموعة من الفنون المتنوعة
والتطبيقات المتعددة، واعتمدت على كثير من الجزئيات والقرائن المختلفة باختلاف
المقامات والأحوال وغير ذلك مما كان له أكبر الأثر في استواء منهج نقد الأخبار
لدى المحدِّثين على سوقه، وإثباتِه قدرته التامة ودقته البالغة ومرونته الفائقة في
التعامل مع كافة المرويات الداخلة تحت نطاقه، وتحرير الصواب فيها من الخطأ؛
الإخراج الروايات المقبولة من بين فرث ودم الروايات المردودة، فالحكم بالثبوت أو
عدم الثبوت مرتبط في ذلك المنهج بشبكة متداخلة من الأركان والآليات والقرائن
والامتدادات، لا بد للمتصدي لنقد الأخبار من الإمساك بخيوطها وجمع معاقدها .
إن التكاملية في منهج التعامل مع المرويات والأخبار عند المحدثين لا ينبغي أن
تظل دعوى تتردد أصداؤها دون فهم مضمونها، ولا معرفة أركانها، ولا إدراك
منطلقاتها؛ بل ينبغي تصور الأسس الكبرى والمعاقد الكلية التي قامت عليها تكاملية
المنهج. ومن هنا فإن انطلاق البحث عن منهجية المحدثين في التعامل مع مرويات
التفسير أو المغازي أو الأحكام أو غيرها دون وضوح التصور لأسس المنهج
ومعاقده ودون تقدير لاختلاف آلياته ودرجات تنزيله وتطبيقه خطأ منهجي، يؤدي إلى
الاضطراب والتناقض والتخبط في الطرح، وعدم التحرير في التناول.
ومن هنا أراد البحث بيان المرتكزات الأساسية والمعاقد الكلية التي شكلت
التكامل لمنهج المحدِّثين في التعامل مع الأخبار قبولًا وردًّا قبل بيان درجات تنزيله
ومستويات تطبيقه مع مرويات التفسير؛ لأنه لا يسلم تحرير الفرع قبل تحرير الأصل،
ولا يستقيم فهم الجزء وعلاقته بالكل قبل فهم الكل.

المدخل إلى مُؤْسُوَ التَّفْسِي المَاتُوز
٥٠٥ :
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
وإنّ أساس الأسس ومرتكز المرتكزات ومنطلق المنطلقات لفهم المنهج النقدي
عند المحدثين وإدراك تكامله هو :
١ - تحديد أركانه الكلية.
٢ - تحرير هدفه وغايته.
٣ - تحرير المعيار الضابط لتلك الغاية وما يرتبط بمجموع ذلك.
فأما الأركان الكلية التي قام عليها منهج نقد الأخبار عند المحدثين؛ فهي ثلاثة،
وهذه الثلاثة آخذة بمجامع أي خبر من أي جهة من جهاته، وممسكة بزمامه،
وضابطة لآليات التعامل معه، وتلك الأركان الثلاثة هي أركان الخبر ذاته؛ إذ كل
خبر من الأخبار ينحصر في أركان ثلاثة:
الأول: مضمون الخبر ونصّه.
والثاني: قائل الخبر.
والثالث: ناقل الخبر وراويه.
فكل خبر منقول قوامه هذه الأركان الثلاثة؛ وعلى هذه الأركان شيّد المنهج
النقدي، ورفعت معالمه، وركبت أجزاؤه، ووضعت معاييره في القبول والرد،
وحددت درجاته في التعامل مع الأخبار تشددًا وتساهلًا، وحُرِّرت طبقات الرواة
وأوصافهم ... إلخ؛ مما قام على هذه الأركان دون إغفال أو تغليب لركن منها على
حساب آخر، وهذه الأركان آخذ بعضها برقاب بعض، ومتداخل بعضها في بعض؛
بحيث لا يمكن اكتمال المنهج النقدي بركنين منها دون الثالث لشدة ما بينها من
تلاحم وارتباط، ولشدة التأثير الساري بينها، وذلك هو أساس تكاملية المنهج لمن
أراد فهمها دون الاكتفاء بترديدها أو نقل عبارات الأئمة لإثباتها دون فهم مرادهم
بها، وسيأتي لاحقًا تفصيل الكلام عليها .
وأما هدف المنهج وغايته التي يدور عليها منهج المحدثين في التعامل مع الأخبار
والمرويات المتعددة؛ فهي بيان ثبوت هذه المرويات عمّن نُسِبَتْ إليه أو بيان عدم
ثبوتها عنه .
وأما المعيار الضابط لتلك الغاية؛ فهو غلبة الظن بصواب الرواية أو خطئها،
وفيما يأتي من مطالب بيان ذلك:

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٢ ٠٦
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْخَاتُون
المطلب الأول
المعيار الذي عليه المدار في نقد الأخبار
الغاية التي يسعى منهج نقد المحدثين لتحقيقها مؤسّسة على معيار واحد عليه
المدار في منهج النقد الحديثي؛ وهو غلبة الظن بصواب الرواية أو غلبة الظن
بخطئها، فالمقبول ما غلب على الظن صوابه، والمردود ما غلب على الظن خطؤه.
والتعبير بغلبة الظن صريح في أن مسألة القبول والرد في مجملها ومعظمها اجتهادية
لا يقين فيها ولا قطع؛ يقول الدارمي في ردّه على بشر المريسي مقررًا أن المدار
على غلبة الظن وأنه ليس ثم قطعيات يقينية: ((ويلك! إن العلماء لم يزالوا يختارون
هذه الآثار ويستعملونها، وهم يعلمون أنه لا يجوز لأحد منهم أن يحلف على
أصحها: أن النبي وَّر قاله البتة، وعلى أضعفها: أن النبي وَّ لم يقله البتة. ولكنهم
كانوا لا يألون الجهد في اختيار الأحفظ منها، والأمثل فالأمثل من رواتها في
أنفسهم)) (١) .
وقال العراقي: ((فإِنَّ باب الرِّواية مبنيٌّ على غلبة الظن))(٢).
وقال ابن حجر: ((تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن؛ فإذا قالوا : أخطأ
فلان في كذا. لم يتعين خطؤه في نفس الأمر؛ بل هو راجح الاحتمال فيعتمد،
ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ؛ وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في
حد الصحيح)) (٣).
ويقول السيوطي: ((إذا قيل هذا حديث صحيح؛ فالمراد بحسب الظاهر وما اقتضاه
إسناده، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر؛ لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وكذا إذا
قيل: حديث ضعيف؛ فالمراد أنه لم يصح إسناده فحكم بضعفه، عملًا بظاهر الإسناد
(١) نقض الدارمي على بشر المريسي ٦٤٤/٢، ٦٤٥.
(٢) طرح التثريب في شرح التقريب ١٠٥/٢.
(٣) فتح الباري، لابن حجر ١/ ٥٨٥، وينظر: شرح النووي على مسلم ١٢٨/١.

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسَِّةُ الْخَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥ ٥٠٧ %
لا أنه كذب في نفس الأمر، لجواز صدق الكاذب، وإصابة من هو كثير الخطأ)) (١).
وهذا تقرير لحقيقة غابت عن كثير من التطبيقات المعاصرة؛ وهي أن أبواب
الإعلال ونقد الروايات - وإن كان لها أصول تجري عليها وأطر تضبطها - إلا أنها لا
تجري على سَنَنٍ واحد؛ بل تتفاوت درجات إعمالها وآليات توظيفها تفاوتًا بَيِّنَا
بحسب كل رواية؛ لكون منهج نقد الأخبار متشعب المسالك مترامي الأطراف معقد
التفاصيل بعيد الغور دقيق المسلك، إذ يبلغ من قمة الظهور أحيانًا ما يحسب معه
الناظر أن ليس هناك خفاء، ويبلغ من قمة الوعورة والدقة والخفاء أحيانًا ما يظن معه
أن ليس معه ظهور؛ وإنما مرد ذلك إلى كون النقاد يتعاملون مع كل رواية بحسبها
وحسب قدرها وأثرها ومضمونها وما احتف بها، وقد عبّر عن هذا المعنى عدد من
العلماء؛ فقد نقل الزركشي عن ابن دقيق العيد قوله: (( ... وأما أهل الحديث؛
فإنهم قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من
الحكم بصحته كمخالفة جمع كثير له أو من هو أحفظ منه، أو قيام قرينة تؤثر في
أنفسهم غلبة الظن بغلطِهِ، ولم يجر ذلك على قانون واحد يستعمل في جميع
الأحاديث))(٢)، وقال ابن تيمية: ((ولكل حديث ذوق، ويختص بنظر ليس للآخر))(٣)،
وقال ابن رجب: ((ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط
يضبطه))(٤) .
ومقصود هذه العبارات: أن المعيار الذي عليه مدار قبول الرواية أو ردِّها لا
يجري على نسق واحد، ولا ينحصر في قالب بعينه، ولا يتشكل على هيئة واحدة؛
ذلك أن هذا المعيار يتفاوت صعودًا ونزولا تشددًا وتساهلًا قبولًا وردًّا بحسب كل
حالة ورواية، وتكمن مهارة الناقد وحذقه ونفوذ بصره في قدرته على استخدام هذا
المعيار مع كل رواية بحسبها؛ فهو كالطبيب الحاذق يقلب جسد الرواية، ويستكشف
أعراضها وينظر في مساراتها وارتباطاتها، وعلاقاتها ومسبباتها حتى يحسن تشخيص
حال الرواية؛ بل حال كل أجزائها ومكوناتها، فيميز صحيحها من سقيمها، ويعرف
مقدار تفاوتها في الصحة أو السقم، ويحدد حجم السقم ونوعه وأثره وسببه؛ فيعطي
(١) البحر الذي زخر شرح ألفية الأثر ١/ ٢٩٧.
(٢) النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي ١/ ١٠٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٨ / ٤٧.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُور
جهات النظر في التعامل مع الخبر
& ٥٠٨ %
كل رواية ما تستحق، ويحكم على الراوي الواحد ساعة بقبول روايته، وساعة أخرى
بردِّها؛ لا عن هوى بل عن بصرٍ وعلم، فليس ثَمَّ - في الغالب - أمور قاطعة، أو
قواعد صارمة، أو أحكام عامة شاملة يصلح إجراؤها على كافة الرواة والمرويات
والفنون والمضامين، بحيث تصير أشبه بالمعادلات الرياضية التي لا بد أن تُنْتِجَ
مقدماتُها نتائجها، وهذا سر جلالة هذا المنهج ورقيّه، وسر عمقه وتشعبه.
ولا يعني ما سبق أن هذا المعيار متروك في بحر الرواية يسبح به كل ناقد كيف
شاء في أي اتجاه وفي أي طريق بلا ضابط ولا رابط، كلا؛ بل ذلك المعيار له
محددات كبرى تضبط اتجاهه، وأطر كلية تؤطر حركته، ومعالم عامة توجه مساره،
ومن رحم تلك المحددات تتولد غلبة الظن، وهذه المحددات هي أركان الخبر
الثلاثة السابق ذكرها، وهذا يؤكد ما سلف من إمساك المحدثين بمعاقد أركان الخبر
وتأسيسهم منهجهم النقدي عليها، وذلك يستدعي منا إلماحًا إلى أركان الخبر، وبيان
الارتباط الوثيق بينها وبين معيار القبول والرد، وما يتعلق به من إجراءات وآليات.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَسَّسِيرُ الْخَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥ ٥٠٩ :
المطلب الثاني
ارتباط أركان المنهج النقدي بمعيار نقد الأخبار
سَلَفَ القولُ بأن معيار القبول والرد يتحرك في فضاء واسع، وأنه مع ذلك له
محددات تضبط حركته وتوجه سيره؛ وهذه المحددات هي ذاتها أركان الخبر،
وسنبين تلك المحددات فيما يأتي :
المحدد الأول: مضمون الخبر وقدْرُه وأثرُه:
وهو أكبر أركان الخبر؛ بل هو الخبر ذاته، وهو المحدد الأكبر لمعيار القبول
والرد، والركنان الآخران مرتبطان به ومترتبان عليه في كثير من تفاصيلهما .
ذلك أن الأخبار تتفاوت مضامينها وموضوعاتها، ويختلف تبعًا لذلك - في
الشريعة - قدْرُها وأثرُها؛ فالخبر الذي موضوعه أسماء الله وصفاته وما يختص به لا
يساويه غيره، والخبر المتعلق بالغيب غير مضمون الخبر المتعلق بالشاهد، ومضمون
الخبر المتعلق بالدماء غير مضمون الخبر المتعلق بالأموال، ومضمون الخبر المتعلق
بالتشريع ليس كمضمون الخبر المتعلق بغير التشريع، ومضمون الخبر المتعلق بالتاريخ
ليس كمضمون الخبر المتعلق بالتفسير أو الأنساب.
ولما كان مقتضى الحكمة والعقل عدم التسوية بين كل هذه المضامين، واعتبار
التفاوت القائم بينها، ومراعاة اختلاف الآثار والغايات المرتبطة بكل منها جاء منهج
نقد الأخبار لدى المحدثين مؤسسًا على مقتضى تلك الحكمة وذلك العقل، ولذا كان
من أولويات هذا المنهج التي استند إليها في قبول الأخبار وردها مراعاة مضامين
الأخبار وموضوعاتها، وعدم إجرائها على نسق واحد، ولا معاملتها بمقياس واحد؛
بل لكل مضمون من درجات التشدد أو التساهل في القبول أو الرد ما يناسبه، ويلائم
قدره، ويوائم غايته وأثره. وهذا الاختلاف في شروط القبول والرد بحسب المضامين
يؤول في النهاية إلى تحقيق المعيار الذي عليه المدار في كل تلك الأخبار؛ وهو
الوصول إلى غَلَبَةِ الظن المقتضية لقبولها أو ردها، والتي تتفاوت هي ذاتها في عسر

جهات النظر في التعامل مع الخبر
= ٥١٠ %=
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُورُ
حصولها لدى الناقد أو يسره بحسب اختلاف مضامينها، في ضوء إجراءات وآليات
التعامل معها، فالاختلاف في الإجراءات والآليات والوسائل في كل تلك المضامين
اختلاف وسائل لتحقيق الغاية .
وهذا النظر العقلي الدقيق هو أحد الدعائم الكبرى التي تأسس عليها منهج
المحدثين في نقد الأخبار المروية عن رسول الله وَ لّه بَلْهَ بقية الأخبار، وصوَّرَتْه بدقة
عباراتهم المشهورة من نحو قول ابن مهدي في العبارة المشهورة: ((إذا روينا في
الثواب والعقاب وفضائل الأعمال؛ تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال،
وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام؛ تشدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا
الرجال)) (١)، ومن نحو ما نقله عبدة بن سليمان عن ابن المبارك لما قيل له - وقد
روى عن رجل حديثًا -: هذا رجل ضعيف، فقال: ((يحتمل أن يروى عنه هذا القدر،
أو مثل هذه الأشياء)). قال أبو حاتم الرازي: قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال:
((في أدب، في موعظة، في زهد، أو نحو هذا))(٢)، ومن نحو قول سفيان: ((لا
تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين
يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ))(٣)، وقوله: ((بما
سوى ذلك))؛ يعني: بما سوى الحلال والحرام(٤)، وقول الخطيب البغدادي:
((وينبغي للمحدِّث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي يفصل بها بين الحلال
والحرام؛ فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الإتقان والضبط، وأما
الأحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل روايتها عن عامة
(٥)
الشيوخ))(٥) .
فظاهر جدًّا من هذه النّقول أن المدار على مضمون الخبر وموضوعه (الحلال
والحرام، الأحكام، فضائل الأعمال، موعظة، أدب)؛ ولذا فالتفاوت الحاصل في
معاملة المرويات تشددًا وتساهلًا، وكذا التفاوت الحاصل في النظر للرواة بتمرير
(١) رواه الحاكم في المستدرك ٦٦٦/١.
(٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣٠/٢، ٣١.
(٣) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ١٣٤/١.
(٤) وهذا ظاهر جدًّا من عبارته، وأوضحته بجلاء روايات أخرى؛ منها ما أخرجه الرامهرمزي في المحدث
الفاصل ص٤٠٦ بلفظ: ((خذ الحلال والحرام من المشهورين في العلم، وما سوى ذلك فمن المشيخة)).
(٥) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢ / ٩١.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسَسِيرُ المَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
روايات بعضهم في أحوال وردها في أحوال أخرى من أعظم أسبابه تفاوت مضمون
الخبر ذاته .
المحدد الثاني: معرفة قائل الخبر:
من ضمن المحدّدات التي يتجه إليها نظر الناقد لتكوين دائرة غلبة الظن عنده
بقبول الخبر أو ردِّه = النظر لقائل الخبر نفسه؛ إذ الأخبار الشرعية عامة لا يخلو
قائلها من أحد وجهين: إما أن يكون معصومًا من الخطأ، وإما أن يكون غير
معصوم؛ فينظر النقاد إلى قائل الخبر من حيث عصمته من الخطأ أو عدم عصمته،
ومن حيث كون الكلام الصادر عنه تشريعًا أو لا، وكذا من حيث طبقته مع مضمون
روايته للحكم بكون خبره له حكم الرفع أو لا؛ وإنما قصدت تعديد بعض أحوال
القائل تنبيهًا على كون تلك الأحوال وما شابهها من ضمن المؤثرات في حكم الناقد
على الخبر، سواء من حيث قبوله وردّه أو من حيث ارتفاع منزلة الخبر من موقوف
إلى مرفوع ... إلخ؛ إذ تختلف بناء على اختلاف القائل أحوالُ تعامل الناقد مع
الرواية تشددًا وتساهلا قبولًا وردًّا، ولما كانت أجلّ الأقوال منزلة وأرفعها درجة
وأعظمها مكانة أحاديث رسول الله وَله؛ حظيت من الاحتياط في قبولها، والتشديد
في رواتها، والتدقيق في شروطها بما لم يحظ به غيرها؛ لكون الخبر الصادر عنه وليه
في مقام التشريع وحيًا معصومًا من الخطأ، وهذا التشدد والاحتياط إنما كان حتى
قبل ظهور الإسناد واعتماده؛ فقد كان الصحابة يحتاطون في رواية حديث
رسول الله وَ﴿ ويشددون في ذلك جدًّا، ويصور ابن قتيبة شيئًا من ذلك بقوله: ( ...
وكان عمر أيضًا شديدًا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له
عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك: أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها
الشوب؛ ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلّة
الصحابة، وأهل الخاصة برسول الله وَ ل﴿ كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة،
والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا
كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل)(١) .
وهذا التشدد والاحتياط التام ورثه نقاد الحديث، فأسسوا عليه طريقة تعاملهم مع
(١) تأويل مختلف الحديث ص٨٩، ٩٠.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٥ ٥١٢ %=
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ الخَاتُونْ
ما يروى عن رسول الله وَل؛ بل اختلف تعاملهم حتى مع نفس المروي عن
رسول الله وم18 بحسب مضمونه كما سلف.
ولا شك أن منطق الفطرة والعقل يقتضي أن يكون احتياطهم وتشددهم في المروي
عن رسول الله وَير وما يجري مجراه مما له حكم الرفع أكثر وأشد مما سوى ذلك
من الأخبار؛ إذ الثابت عنه تشريع معصوم، والمروي عن غيره رأي غير معصوم،
وإذا كانت درجات التشدد والتساهل تختلف صعودًا ونزولًا حتى في المروي عن
رسول الله وَلّ فبالأحرى ستختلف درجاتها عمن سواه، ولهذا كان تحصيل غلبة الظن
بقبول الخبر عن غير رسول الله وَ﴾ أيسر من تحصيلها فيما يروى عنه وَل.
ولذا؛ نقل عن سعد بن إبراهيم قوله: ((ليس يحدث عن رسول الله وَليلةٍ إلا
الثقات)) (١)، ونقل عن أحمد قوله في جويبر بن سعيد: ((ما كَانَ عن الضحاك فهو
على ذاك أيسر، وما كَانَ بسند عن النبيِ نَّ فهو منكر))(٢).
وكذا تختلف قيمة الأخبار الثابتة عن الصحابة وترتفع درجتها عن أخبار من
بعدهم في بعض الأبواب والأحوال، وتختلف تبعًا لذلك درجات التشدد والتساهل
المؤثرة في القبول والرد ... إلخ.
المحدد الثالث: إصابة ناقل الخبر أو خطؤه:
الحكم الذي يصدره الناقد بقبول الرواية أو ردِّها عبر هذا المحدد مداره على
إصابة الراوي أو خطئه؛ فالعلة التي يؤسس الناقد عليها حكمه بقبول الرواية أو ردِّها
هي وقوع الخطأ في الرواية أو عدم وقوعه، فالخطأ خطأ ولو رواه الثقة، والصواب
صواب ولو رواه الضعيف، ولا ينقلب الخطأ صوابًا برواية الثقة له، ولا ينقلب
الصواب خطأ برواية الضعيف له(٣)؛ لأنه ليس ثمَّ توثيق مطلق أو تضعيف مطلق
للرواة بحيث يكون القبول ملازمًا لكل مرويات مَنْ وُصِف بالثقة، أو الرد ملازمًا
لكل مرويات من وصف بالضعف؛ ولذا فليس من الصواب اعتماد مجرد الأوصاف
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣١/٢.
(٢) تهذيب الكمال في أسماء الرجال ١٦٨/٥.
(٣) وليس معنى ذلك قبول كل ما أصاب فيه الضعيف مطلقًا؛ لكون إصابته في بعض الروايات مفتقرة إلى
قرائن أخرى تؤهلها لاعتماد الناقد لها وقبولها .

فَوْسُعَبْ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
المدخل إلى
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
& ٥١٣ %=
النقدية للأئمة في كل رواية دون تحقيق مناطات تلك الأوصاف وتنقحيها والخبرة
بكيفيات تطبيقها!
قال الخليلي: ((وإذا أُسنِدَ لك الحديث عن الزهري وعن غيره من الأئمة فلا
تحكم بصحته بمجرد الإسناد؛ فقد يخطئ الثقة))(١).
وقال أبو الوليد الباجي: ((وقد يكون الحديث يرويه الثقة عن الثقة ولا يكون
صحيحًا؛ لعلة دخلته من جهة غلط الثقة فيه، وهذه الوجوه كلها لا يعرفها إلا من
كان من أهل العلم بهذا الشأن وتتبع طرق الحديث واختلاف الرواة فيه، وعرف
(٢)
الأسماء والكنى
فكلامهم ظاهر جدًّا في أن نظر الناقد متجه للخطأ من حيث تسربه للخبر أو انتفائه
عنه لا لذات الثقة ولا لذات الضعيف؛ لكون الحكم النقدي لا بد أن يكون مؤسسًا
على شيء ثابت؛ وهو الجزم بانتفاء الخطأ أو الجزم بوقوعه، وهذا لا يكفي فيه
مجرد كون الراوي من حيث الأصل ثقة أو ضعيفًا لما يلي:
أ - أن التوثيق لا يعني العصمة من الخطأ، والتضعيف لا يمنع من إصابة
الصواب.
ب - أن الرواة بَشَرٌ تعتريهم مجموعة من العوامل والعوارض الزمانية والمكانية
والعلمية وغيرها، التي تجعل رواياتهم تتفاوت صعودًا ونزولًا، قوة وضعفًا، ضبطًا
ووهمًا؛ فمنهم من يعتريه الخطأ لكِبَر سنّه أو لمرضٍ لحقه أو لاختلاط عقله أو
لضياع كتبه أو لتميزه في حديث بلدٍ دون بلدٍ أو شيخ دون شيخ أو لروايته عن شيخ
في وقَتٍ أو حالٍ لم يقبل أهل العلم فيه رواية شيّخه، أو لغير ذلك من العوامل
والعوارض.
ولما كان الحكم على الرواة يكتنفه جَانِبًا العدالة والضبط؛ نظر النقاد إلى جانب
العدالة فردوا أحاديث كل من سقطت عدالته؛ وكان على رأس هؤلاء:
■ من عُرِفَ بالكذب في روايته؛ فردوا روايته ولم يعتبروها في شيء من أمور
الدين، قال البيهقي في معرض تصنيفه للرواة مقررًا ذلك: (( ... وَضَرْبٌ رواه من
كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه؛ فهذا الضّرب لا يكون مستعملًا في شيء
(١) الإرشاد للخليلي ١/ ٢٠١.
(٢) التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح ١/ ٢٩٧.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
المدخل إلى مُؤْسُوَكَةُ التَّقَنِيمُ الْحَاتُوز
٥ ٥١٤ %
من أمور الدين إلا على وجه التّليين))(١).
■ المتمادي في غلطه الذي نَبَّهَهُ النُّقَّاد على خطئه فلم يرجع؛ فقد «قِيلَ لشُعبة:
من الذي يترك الرواية عنه؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين ما لم يعرف من المعروفين
من الرواية، أو أكثر الغلط، أو تمادى في غلط مجتمع عليه؛ فلم يتهم نفسه عند
اجتماعهم على خلافه، أو يتهم بكذب. أما سوى من وصفت فأروي عنهم)) (٢)،
وقال حمزة بن يوسف السهمي في سؤالاته للدارقطني: ((وسألته عمّن يكون كثير
الخطأ؟ قال: إن نبّهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط))(٣).
ولما نظر النُّقّاد إلى جانب الضبط قسّموا الرواة إلى أصناف بحسب تفاوتهم في
الضبط؛ قال عبد الرحمن بن مهدي: ((المحدثون ثلاثة: رجل حافظ متقن؛ فهذا لا
يختلف فيه، وآخر يوهم والغالب على حديثه الصحة؛ فهذا لا يترك حديثه، والآخر
يوهم والغالب على حديثه الوهم؛ فهذا متروك الحديث)) (٤)، والنقاد وإن اعتمدوا
ذلك التصنيف في جملته إلا أنهم لم يجعلوه تصنيفًا مطردًا للرواة في كل رواية وفي
كل حال؛ بل عرفوا أن هذا الإجمال يكتنز بداخله كثيرًا من التفاصيل الدقيقة
والأحوال الجزئية والقرائن الخفية التي تفتقر إليها عملية قبول الحديث أو رده،
وذلك ما عبّر عنه ابن رجب بعبارته الرائقة التي أصابت المحز: ((ولهم في كل
حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه))(٥)؛ ولذا ردَّ أهل العلم ونقاد
الحديث بعض أحاديث الثقات وحكموا ببطلانها؛ لأنهم تيقنوا من وقوع الخطأ فيها
من قبل الثقات؛ فمن ذلك ما رواه الخطيب بسنده عن محمد بن علي بن حمزة
المروزي؛ أنه سأل ابن معين عن حديث رواه نعيم بن حماد، فقال ابن معين: ((ليس
له أصل. قلتُ: فنعيم بن حماد؟ قال: نعيم ثقة! قلتُ: كيف يحدِّث ثقةٌ بباطل؟!
قال: شُبِّه له))(٦)؛ فتوثيق ابن معين لنعيم بن حماد لم يمنعه من تضعيف الخبر، وهو
كاف وصريح فيما نحن بصدده والأمثلة على ذلك كثيرة(٧) .
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٣٤/١.
(٢) الضعفاء للعقيلي ١٣/١.
(٣) سؤالات حمزة للدارقطني ص ٧٢.
(٤) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي ص ٤٠٦.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٢.
(٦) تاريخ بغداد (١٣/ ٣٠٩.
(٧) ينظر: الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ص٨٢ - ١٠٢، فقد حشد كثيرًا من الأمثلة
على ذلك.

المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّفْسَسِيرُ المَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
وكما ردَّ النقاد بعض أحاديث الثقات قبلوا بعض أحاديث الضعفاء لاعتبارات
وقرائن قامت عندهم على صحتها؛ ولذا كان من أجوبة ابن حجر على من انتقدوا
على البخاري روايته لبعض الضعفاء قوله: وقد تقرر أن البخاري حيث يخرج لبعض
مَنْ فيه مقال لا يخرج شيئًا مما أنكر عليه))(١).
وقال ابن رشيد السَّبتي مخاطبًا الإمام مسلمًا: (( ... وكذلك أيضًا حَكَمَ أهل
الصناعة فيما أخرجتما من أحاديث الثقات الذين قد اختلطوا؛ فحملوا ذلك على أنه
مما رُوي عنهم قبل الاختلاط، أو مما سَلِموا فيه عند التحديث))(٢).
ونقل ابن القيم اعتراضًا على مسلم كذلك في إخراجه لبعض الضعفاء في
صحيحه، ثم أجاب بقوله: ((ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من
أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه
غلط فيه))(٣)؛ وإذًا ((فليس الخوف الذي يعتري الناقد من ذات الراوي؛ بل هو فيما
يمكن أن يكون الراوي فعله في الرواية فأفسدها، فإن غاية ما يمكن أن يصنعه
الراوي المتروك أو الضعيف جدًّا، بل والكذاب في الرواية، هو أن يقلب إسنادًا أو
يركب متنًا، وهذا قد يقع فيه هين الضعف، بل والثقة أحيانًا إذا ما أخطأ؛ فقد
يدخل عليه حديث في حديث، وقد يقلب فيبدل كذابًا كان في الإسناد، فيضع مكانه
ثقة، خطأ لا عمدًا، وقد يأتي إلى حديث معروف بإسناد ضعيف، فيبدل إسناده
بإسناد آخر صحيح، وقد يُسقط من الإسناد كذابًا أو متروكًا كان فيه، ويُسوِّي
الحديث ثقة عن ثقة، وَهْمًا لا عمدًا؛ غاية ما هنالك، أن الثقة قلّما يقع منه ذلك،
بخلاف الضعيف والمتروك؛ فإنه كثيرًا ما يقع منه ذلك، ولهذا ضعفوا الضعيف، ولم
يضعفوا الثقة، وإن كانوا لم يترددوا في الحكم على هذا القليل الذي أخطأ فيه الثقة
بالنكارة والبطلان))(٤).
(١) مقدمة الفتح ١/ ١٨٩.
(٢) السنن الأبين ص١٥٨.
(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد ٣٥٣/١.
(٤) الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ص١٠٢، ١٠٣، بتصرف.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٥ ٥١٦
فَوْسُوعَةُ التَّفْسِي المَاتُور
المدخل إلى
المطلب الثالث
ارتباط أركان المنهج النقدي بإجراءات وآليات القبول والرد
وسينصبُّ الحديث فيه على التساهل والتشدد اللذيْن يدوران في فلك منهج
المحدِّثين، ولا يصلح الادعاء بأن المنهج يقوم بأحدهما دون الآخر، بوصف منهج
المحدثين بالتشدد، ووصف منهج المفسرين والمؤرخين بالتساهل؛ بل منهج المحدثين
جامع بين التشدد والتساهل، فما المقصود بهما وما علاقتهما بالقبول والرد؟
: التساهل والتشدد وعلاقتهما بمعيار التصحيح والتضعيف ومحدداته:
ظهر مما سبق أن ثمة علاقة وطيدة وارتباطًا قويًّا بين معيار القبول والرد من جهة
وأركان المنهج النقدي من جهة ثانية؛ بحيث يصبح فهم التشدد والتساهل خارج تلك
العلاقة تخرصات وظنون، لا تستند إلى سياقات التشدد والتساهل ومساقاتها في
عبارات الأئمة.
ومن العجيب في جُلّ البحوث المعاصرة التي تناولت قضية مرويات التفسير
والتاريخ أنها تكرر ذكر هذين المصطلحين، ويتبنى كل طرف من الأطراف موقفًا
معينًا تجاه المرويات مدعيًا أن موقفه هو التشدد أو موقفه هو التساهل دون بيان
المرادات الأئمة بالتشدد والتساهل، ولذا كان لزامًا ذكر بعض عبارات الأئمة التي
ورد فيها التشدد والتساهل والتدقيق في دلالاتها وسياقاتها؛ لعله يظهر لنا مرادهم
بجلاء من التشدد والتساهل.
فمن ذلك :
قول ابن مهدي: ((إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال؛ تساهلنا في
الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام؛ تشدَّدنا
في الأسانيد، وانتقدنا الرجال))(١).
(١) ذكره الحاكم في المستدرك ١/ ٦٦٦.

المدخل إلى فُؤَسُوعُبِ التَّقْسِيَةُ الْخَاتُورُ
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥ ٥١٧ :
وقول سفيان الثوري: ((لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء
المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من
(١)
المشايخ))(١) .
وقوله: ((خذوا هذه الرغائب وهذه الفضائل من المشيخة؛ فأما الحلال والحرام
فلا تأخذوه إلا عمّن يعرف الزيادة فيه من النقص))(٢).
وقول ابن عيينة: ((لا تسمعوا من بقية ما كان في سُنَّة، واسمعوا منه ما كان في
ثواب وغيره)) (٣) .
وقول الإمام أحمد: ((إذا روينا عن رسول الله و لو في الحلال والحرام والسنن
والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ◌َّ # في فضائل الأعمال وما لا
يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد)) (٤).
وقوله في محمد بن إسحاق: ((أما في المغازي وأشباهه فيُكتَب، وأما في الحلال
والحرام فيُحتَاج إلى مثل هذا. ومدَّ يده وضمَّ أصابعه))(٥).
وقال ابن أبي حاتم بعد ذكره لأوصاف أهل العدالة من الرواة: (( ... هؤلاء أهل
العدالة؛ فيتمسك بالذي رووه، ويعتمد عليه، ويحكم به، وتجري أمور الدين عليه،
وليعرف أهل الكذب تخرصًا، وأهل الكذب وهمًا، وأهل الغفلة والنسيان والغلط
ورداءة الحفظ؛ فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها،
إن كذب فكذب، وإن وهم فوهم، وان غلط فغلط، وهؤلاء هم أهل الجرح، فيسقط
حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به ولا يعمل عليه، ويكتب حديث
من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة
والمواعظ الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه))(٦).
وقال أيضًا عند الكلام عن مراتب الرواة: ((فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن
الجهبذ الناقد للحديث؛ فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله،
(١) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ١/ ١٣٤.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٩١.
(٣) الجرح والتعديل ٤٣٥/٢.
(٤) الكفاية للخطيب البغدادي ١٣٤/١.
(٥) الجرح والتعديل ٧/ ١٩٣، وبنحوه الدوري في تاريخ ابن معين ٦٠/٣.
(٦) الجرح والتعديل ٦/١.

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُونْ
جهات النظر في التعامل مع الخبر
=
٥ ٥١٨ : =
ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال. ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته،
الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه؛ فذلك العدل الذي
يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه. ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا وقد
قَبِلَهُ الجهابذة النقاد؛ فهذا يحتج بحديثه. ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه
الوهم والخطأ والغلط والسهو؛ فهذا يُكْتَبُ من حديثه الترغيب والترهيب والزهد
والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام. وخامس قد ألصق نفسه بهم
ودلّسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء
بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب؛ فهذا يترك حديثه ويطرح روايته))(١).
وقال الخطيب البغدادي: ((وينبغي للمحدث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي
يفصل بها بين الحلال والحرام؛ فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي
الإتقان والضبط، وأما الأحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل
روايتها عن عامة الشيوخ))(٢).
وقال ابن عبد البر: ((وأهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيروونها عن
كل، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام)) (٣).
وقال أيضًا: ((والفضائل تُروى عن كل أحد، والحجة من جهة الإسناد؛ إنما
تتقصَّى في الأحكام وفي الحلال والحرام)) (٤).
وقال البيهقي: ((وأما النوع الثاني من الأخبار؛ فهي أحاديث اتفق أهل العلم
بالحديث على ضعف مخرجها، وهذا النوع على ضربين: (ضرب) رواه من كان
معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه؛ فهذا الضرب لا يكون مستعملاً في شيء من
أمور الدين إلا على وجه التَّلْيين ... ، وضرب لا يكون راويه متهمًا بالوضع، غير أنه
عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته، أو يكون مجهولًا لم يثبت من عدالته
وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول؛ فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا
في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكّام، وقد يستعمل
في الدعوات والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم))(٥).
(١) مقدمة الجرح والتعديل ص ١٠.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٠٣.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي ٣٤/١.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٩٠.
(٤) جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٥٢.

المدخل إلى مَوْسُوعَةُ التَّقَنَّةُ الْخَاتُور
منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير
٥١٩ %
وقول يحيى بن سعيد: ((تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثّقونهم في
الحديث، ثم ذكر ليثَ بن أبي سُلَيْم، وجُوَيْبِرَ بن سعيدٍ، والضَّحَّاك، ومحمد بن
السائب. وقال: هؤلاء لا يُحْمَدُ أَمْرُهم، ويكتب التفسيرُ عنهم))(١).
وبتأمل نصوص تلك النقول السابقة يظهر ما يلي:
١ - أن مدار العبارات الواردة عنهم في التشدد والتساهل على الألفاظ التالية:
((خذوا هذه الرغائب عن ـ فيُكتَب - يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد
والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام - فيحتمل روايتها - فيلزم كتبه ويجب
حفظه - يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل - والفضائل تُروى عن كل أحد -
أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديمًا في روايتها عن كل)).
فأكثر العبارات الواردة عنهم اقترن التساهل فيها بألفاظ (الأخذ - الرواية - الكتابة
- الحفظ)؛ وكلها ألفاظ صريحة في دلالتها على مجرد الرواية، وليس في رواية منها
التصريح المطلق بقبول تلك الروايات وجعلها حجة؛ بل غاية ما هنالك تجويز
روايتها وكتابتها بالقدر الذي أشارت إليه ألفاظ الأئمة.
وقد بَيّن المعلمي اليماني ذلك بقوله: ((معنى التساهل في عبارة الأئمة هو التساهل
بالرواية؛ كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح، أو
قريب من الصحيح، أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده؛ فإذا كان دون ذلك لم
يروه البتة، ومنهم من إذا وجد الحديث غير شديد الضعيف وليس فيه حكم ولا سُنَّة،
إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك؛
لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عباراتهم))(٢)، وزاد ذلك إيضاحًا
فقال: ((والذي أراه أن تشديد ابن مهدي هو أنه كان يتأمل الحديث الذي قد سمعه؛
فإن كان في العقائد والأحكام بدأ فنظر في إسناده ومتنه، فإذا تبين له أن الحديث
شديد الضعف بحيث لا يصلح للحجة ولا للاعتبار لم يروه أصلًا، فإن اضطر لروايته
بيّن ضعفه، وإن كان الحديث في غير العقائد والأحكام؛ رواه ما لم يَعْلَمْ أنه
موضوع، فإذا علم أنه موضوع لم يروه أصلًا؛ فإن اضطر إلى روايته بيّن وضعه.
فهذا الصنيع هو الذي ينطبق على ما نجده في الكتب عن ابن مهدي والإمام أحمد
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٣٦/١.
(٢) الأنوار الكاشفة ص ٨٧، ٨٨.

جهات النظر في التعامل مع الخبر
٠ ٥٢٠ :-
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْحَاتُورِ
وأكثر الأئمة))(١)، وتجد ذلك جليًّا في مثل ما ذكره ابن حجر عن صنيع البخاري في
صحيحه مع مرويات فليح بن سليمان بقوله: ((ولم يخرج البخاري من حديثه في
الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من
أفراده))(٢).
٢ - أن التشدد والتساهل في عباراتهم مقيد بقيدين متلازمين:
الأول: مضمون الخبر: ذلك أن المرويات تتفاوت بحسب موضوعاتها
ومضامينها؛ فيعتمد التشدد في الأحكام العلمية والعملية (العقائد والحلال والحرام)،
ويعتمد التساهل في الأبواب المتعلقة بالترغيب والترهيب والفضائل والمواعظ
والآداب.
الثاني: مرتبة الرواة في الجرح: فيجوزون رواية وكتابة ما كان من قبيل الترغيب
والترهيب والفضائل والآداب والمواعظ عن الرواة الذين هم دون الثقات وفوق
المتروكين والكذّابين؛ وهم الرواة الذين وصفهم بعض الأئمة بـ((المشايخ))، ومَن تتبع
النص المتقدم عن ابن أبي حاتم في تمييز الرواة ومراتبهم سيظهر له أن ابن أبي
حاتم جعل مآل الرواة إلى ثلاثة أحوال:
أ - مَنْ يحتج بحديثه غالبًا .
ب - مَنْ يُكتَبُ حدیثُه.
ج - مَنْ يُترك حديثه جملة.
والتساهل يكون مع أهل الطبقة الثانية الذين لم تتحقق فيهم شروط الاحتجاج،
ولم يصلوا إلى درجة الترك؛ فالراوي من هذه الطبقة كما قال ابن أبي حاتم: ((يُكتَبُ
من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال
والحرام))، وهذا التلازم الظاهر في عبارات الأئمة بين مضمون الروايات ومراتب
الرواة يعني أن التساهل لا يحصل بمجرد كون الرواية متعلقة بأبواب الترغيب
والترهيب والفضائل، ولا بمجرد وجود الرواة المتساهل معهم؛ بل التساهل متخلق
من المزواجة بينهما .
٣ - أن تجويز رواية وكتابة هذه الطبقة من الرواة فيما سوى العقائد والأحكام
(١) أحكام الحديث الضعيف للمعلمي اليماني ضمن مجموع الرسائل الحديثية ص١٧٢، ١٧٣.
(٢) فتح الباري ١/ ١٤٢.