Indexed OCR Text

Pages 421-440

ضَوْسُوعَةُ التَّفْسِِّي الْجَاتُور
المدخل إلى
=& ٤٢١ ٥
خاتمة الدراسة
خاتمة الدراسة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
فبعد هذه التطواف الماتع مع أعلام التفسير من السلف، يحسن أن نرصد بعض
النتائج والتوصيات فيما يلي :
أولًا: بلغت آثار التفسير المأثور المباشر في الموسوعة (٦٤٣٨٤) أثرًا تفسيريًّا،
منها (٢٤٧٥) من التفسير النبوي(١)، و(١١٧٣٩) أثرًا مرويًّا عن الصحابة،
و(٣٠١٨٩) أثرًا مرويًّا عن التابعين، و(١٩٩٧٦) أثرًا مرويًّا عن أتباع التابعين. وفيما
يلي رسم بياني لنسبة تفسير كل طبقة منهم:
نسب تفسير طبقات السلف
التفسير النبوي
٤٪
تفسير الصحابة
١٨٪
تفسير أتباع التابعين
٣١٪
تفسير التابعين
٤٧٪
(١) وهو عدد يشمل التفسير النبوي بكل أنواعه؛ المباشر وشبه المباشر، المكرر منه بحسب الرواة وغير
المكرر، والصحيح والضعيف والمنكر والمرسل والمقطوع، بل والموضوع.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٤٢٢ :-
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيَةُ الْمَاتُور
عدد آثار تفسير طبقات السلف
35000
30000
25000
20000
15000
١٩٩٧٦
٣٠١٨٩
10000
١١٧٣٩
5000
٢٤٧٥
0
التفسير النبوي
تفسير الصحابة
تفسير التابعين
تفسير أتباع التابعين
وهنا ثمة تساؤلات ترد على هذه الأرقام، من ذلك:
١ - أن آثار الموسوعة بلغت (٨٥٧٣١)، فلِم هذا الفارق؟
الجواب: ما تقدم في أول الدراسة أن هذا الإحصاء خاص بالتفسير المباشر،
وبالتالي خرج عن الإحصاء آثار النزول والقراءات والأحكام والنسخ، والمتعلقة بالآية
من وجوه أخرى، وعليه فنسبة التفسير المباشرة ٧٥٪ من مجموع آثار الموسوعة.
٢ - المعروف في كتب التفسير أن تفسير أتباع التابعين هو أقل طبقات السلف
تفسيرًا، فكيف جاء هنا في المرتبة الثانية؟
الجواب: أن كتب نقلة التفسير المتقدمة لم تعتن بتفسير مقاتل بن سليمان
ويحيى بن سلام، وهما أكثر أتباع التابعين تفسيرًا في الموسوعة، ومن هنا لو أسقطنا
آثار تفسيريهما لتحصل لدينا حدود (٧١٢٣) أثرًا فقط لأتباع التابعين، وعلى هذا
الحساب هم أقل السلف تفسيرًا .
ثانيًا: تم تقسيم من ورد لهم تفسير مباشر لآيات القرآن من السلف في هذه
الموسوعة إلى ثلاثة طبقات :
الطبقة الأولى: المكثرون في التفسير: وهم الذين بلغت آثارهم التفسيرية فوق
٥٠٠ أثر، وعددهم (١٩) مفسرًا: (٢) من الصحابة، و(١٠) من التابعين، و(٧) من
أتباعهم، وقد جاء ترتيبهم مع بيان عدد آثار كل منهم كما في الرسم البياني التالي:

المدخل إلى مُؤْسُوعَةِ التَّقْنِيَّةُ المَاتُورُ
=
٥ ٤٢٣ .
خاتمة الدراسة
ترتيب المكثرين في التفسير من السلف
12000
١٠٢٢٨
10000
٨٩٢٢
8000
٥٧٢٦
6000
٤٧٤٤
٣١٧٨ ٣٢٧٢
٢٦٢٨
٢١٤٣ ٢٢٠٩
١٧٣٥
١٣٨٢
2000
0
عطاء بن أبي رباح
الطبقة الثانية: المُقِلَّون في التفسير، وهم الذين تجاوزت آثارهم التفسيرية ١٠٠
أثر دون أن تبلغ ٥٠٠ أثر، وعددهم (٢١) مفسرًا: منهم (٦) من الصحابة، و(١٢)
9
٠
٠
من التابعين، و(٣) من أتباعهم، جاء ترتيبهم مع بيان عدد آثار كل منهم كما في
الرسم البياني التالي :
ترتيب المقلين في التفسير من السلف
500
٤٦٧
٤٤٨
٤١٩
٤١١
٤١٠
400
٣٥٠
٢٨٩
٢٨٠
300
١٩٧
١٦٩ ١٧٢
200
100
0
أبي بن كعب
عمر بن الخطاب
مالك بن أنس
طاووس بن كيسان
عائشة بنت الصديق
سعيد بن المسيب
أبو هريرة
كعب الأحبار
سفيان بن عيينة
أبو صالح باذام
محمد ابن شهاب الزهري
وهب بن منبه
زيد بن أسلم
أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي
عبد الله بن عمر
عطاء الخراساني
عامر الشعبي
سفيان الثوري
محمد بن كعب القرظي
علي بن أبي طالب
عبد الله بن عباس
مقاتل بن سليمان
أبو العالية
مقاتل بن حيان
عبد الله بن مسعود
محمد بن إسحاق
الربيع بن أنس
محمد بن السائب الكلبي
عبد الملك ابن جريج
عكرمة مولى ابن عباس
سعيد بن جبير
الضحاك بن مزاحم
عبد الرحمن بن زيد
يحيى بن سلام
إسماعيل السدي
الحسن البصري
مجاهد بن جبر
قتادة بن دعامة
4000
٤٨١ ١٥٨٩ ٦٠١ ٧٦١ ٨٠٦ ٨٧٨ ٩٠٥ ١٠١٥
٢٤٣ ٢٤٢ ٢٥٩ ٢٦١ ٢٧٢
١٠٥ ١٠٦ ١١٣ ١٢٤ ١٢٤
إبراهيم النخعي

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٤٢٤ ٥
المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقَسَِّيُ المَاتُور
الطبقة الثالثة: المشاركون في التفسير من السلف، ممن لم تبلغ آثار أحدهم ١٠٠
أثر، وعددهم: (٩٨) (١) صحابيًّا، و(٣٣٧) (٢) تابعيًّا، و(٢٠٢) (٣) من أتباع
التابعين .
وقد أوردت عدد آثار كل منهم في المبحث الأخير إضافة إلى المكثرين والمقلين.
ومجموع أصحاب الآثار (٦٧٨): (١٠٦) من الصحابة، و(٣٥٩) من التابعين،
و(٢١٢) من أتباع التابعين. والمجهولون ونحوهم (٢٦)؛ فيكون عدد السلف الذين
أوردت الموسوعة تفسيرهم المباشر (٧٠٣). والرسم البياني التالي يوضح نسبة كل
طبقة :
نسبة عدد المفسرين لكل طبقة من طبقات السلف
الصحابة
١٦٪
أتباع التابعين
٣١٪
التابعون
٥٣٪
(١) منهم ٥٣ صحابي لم يرو عنهم سوى أثر أو أثرين فقط.
(٢) منهم ١٩٩ تابعي لم يرو عنهم سوى أثر أو أثرين فقط.
(٣) منهم ١٦٤ لم يرو عنهم سوى أثر أو أثرين فقط.

المدخل إلى مُؤْسُوَ التَّقْسِيُ المَاتُور
خاتمة الدراسة
ثالثًا: جاء ترتيب أكثر عشرة في آثار التفسير لكل طبقة من طبقات السلف كما في
الرسوم البيانية التالية :
أكثر عشرة من الصحابة آثارا في التفسير
٨٩٢٢
9000
8000
7000
6000
5000
4000
3000
2000
٧٦١
1000
٤٤٨
٢٨٩
١٧٢
١٢٤
عائشة بنت أبي بكر
عمر بن الخطاب
أبي بن كعب
العاص
عبد الله بن عمرو بن
أنس بن مالك
أكثر عشرة من التابعين آثارًا في التفسير
٥٧٢٦
6000
٤٧٤٤
5000
٣٢٧٢
4000
٣١٧٨
3000
١٧٣٥
١٣٨٢
2000
٨٧٨
٥٨٩
٤٨١
1000
0
قتادة بن مجاهدبن الحسن إسماعيل الضحاك سعيد بن عكرمة الربيع بن أبو عطاء بن
البصري السدي بن مزاحم جبير مولى ابن أنس العالية أبي رباح
دعامة جبر
عباس
0
عبد الله بن عباس
عبد الله بن مسعود
علي بن أبي طالب
عبد الله بن عمر
أبو هريرة
١٠٦
١٠٥
٩٥
٧٨
٢١٤٣
٤٢٥ %

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
=
& ٤٢٦
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْمَاتُور
أكثر عشرة من أتباع التابعين آثارًا في التفسير
12000
١٠٢٢٨
10000
8000
6000
٢٦٢٨
4000
٢٢٠٩
١٠١٥
٨٠٦
٦٠١
٤١١
١١٣
0
مقاتل بن يحيى بن عبد عبد الملك محمدبن محمد بن مقاتل بن سفيان سفيان بن مالك بن
سليمان سلام الرحمن ابن جريج السائب إسحاق حيان الثوري عيينة أنس
الكلبي
بن زید
رابعًا: قد يرد بعض التباين والتعارض بين هذه النتائج وبين ما ذكره بعض
المتقدمين، ولعلنا نعرض فيما يلي مثالين شهيرين من ذلك، أولهما متعلق بتفسير
بعض الصحابة، والآخر متعلق بتفسير بعض التابعين:
١ - ما أورده السيوطي بقوله: ((اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء
الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى
الأشعري، وعبد الله بن الزبير)) (١)، فماذا قصد السيوطي بشهرة هؤلاء العشرة من
الصحابة في التفسير مع أنه لم يرد عنهم إلا النزر اليسير؛ سوى ما جاء عن ابن
عباس، ثم ابن مسعود، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين؟
الجواب: ما صدر عن السيوطي من حديث حول المشتهرين بالتفسير من الصحابة
شاع كثيرًا بين المؤلفين بعده، خصوصًا المعاصرين، والسيوطي - كما هو معلوم -
رجل موسوعي مستقرئ ومطلع، بل له مؤلف ضخم في تفسير النبي ◌ّ والصحابة
سماه ((ترجمان القرآن)»(٢)، وبين أيدينا مختصره - مع زيادات - وهو كتاب ((الدر
(١) الإتقان، ط. المجمع ٢٣٢٥/٦.
(٢) قال رَّتُهُ في الإتقان ٢٢٢/٤: ((وقد جمعت كتابًا مسندًا فيه تفاسير النبي ◌َّر والصحابة فيه بضعة عشر
ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف، وقد تم ولله الحمد في أربع مجلدات وسميته: ((ترجمان القرآن)). وقال
في موضع آخر ٢٤٠/٤: ((وكتابنا الذي أشرنا إليه جامع لجميع ما ورد عن الصحابة من ذلك))، وكذلك =
٩٠۵
2000
٢٤٣

فَوْسُعَبْ التَّفْسِيَةُ الْخَلْتُون
المدخل إلى
خاتمة الدراسة
٥ ٤٢٧ %
المنثور)) الذي هو أوسع كتاب للمتقدمين في تفسير السلف مما وصلنا .
لكن الناظر في كتابه الدر المنثور يرى أن آثار أغلب هؤلاء العشرة قليلة جدًّا
مقابل ما يُروى عن ابن عباس ثم ابن مسعود ثم علي بن أبي طالب رضيه - وهم
كذلك في الموسوعة كما مر معنا - فيا ترى ماذا قصد السيوطي بقوله: ((اشتهر
بالتفسير من الصحابة عشرة)) مع وقوفه على قلة ما رُوي عن أكثرهم في كتابيه
السابقين؟
لا أظن أن السيوطي غاب عنه ذلك، بل صرَّح بشيء من ذلك بعد تعداد العشرة
فقال: ((أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة
نزرة جدًّا، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم، كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية
أبي بكر ظُه للحديث، ولا أحفظ عن أبي بكر رَظُّه في التفسير إلا آثارًا قليلة جدًّا
لا تكاد تجاوز العشرة))، وهذا كلام صريح في هذه المسألة، مما يدل أن السيوطي
لم يُرِد بمسألة الاشتهار بالتفسير كثرة المروي عنهم، الذي من لازمه تصديهم للتفسير
وإلقائه، ولو حصل ذلك لُرُوي عنهم، لما لهم من المكانة العظيمة، والمرتبة الجليلة
في الأمة.
وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في مراد السيوطي بمصطلح الاشتهار بالتفسير، فقد
يكون مراده كونهم أعلم الأمة بعد النبي ◌َّه بالتفسير؛ ((لما شاهدوه من القرآن،
والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل
الصالح)(١)، حيث كانوا يتلقون القرآن غضًّا طريًّا كما أُنزل، ولا يتجاوزون آياته
المنزلة حتى يعلموا حدودها وفروضها ويعملوا بها، كما قال أبو عبد الرحمن
السلمي: ((حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود
وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي وَلّ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما
فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا))(٢). فهذا يدل
على علمهم بكل ما نزل من القرآن إلا ما أشكل عليهم فإنهم يرجعون فيه إلى
النبيِ وَّر، ومن ثَمَّ فهم أعلم الأمة بما نزل على النبي ◌َّ.
= كتابه الذي بين أيدينا ((الدر المنثور في التفسير بالمأثور))، وهو يعدّ هذين الكتابين - وغيرهما - مما تفرد
فيهما! نظرًا لما يحتاج إليه من سعة النظر وكثرة الاطلاع وملازمة التعب والكد، على حد قوله في كتابه:
((التحدث بنعمة الله)) ص ١٠٥.
(١) مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية ص ٤٠.
(٢) مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية ص٩.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُوز
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٤٢٨ :
وخُصَّ هؤلاء العشرة لأنهم كانوا ألصق بالنبي ◌َّ (عدا ابن عباس وابن الزبير
فعدادهما في صغار الصحابة) من غيرهم، وهم من أعلم الصحابة
وهذا التعليل قد يكون وجيهًا وأقرب للواقع؛ غير أنه يكدره ما عقّب به السيوطي
بعد ذكره لترجمة بعض هؤلاء العشرة حيث قال: ((وقد ورد عن جماعة من الصحابة
غير هؤلاء اليسير من التفسير، كأنس وأبي هريرة وابن عمر وجابر وأبي موسى
الأشعري، وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار
الفتن والآخرة))(١)! إذ إن ظاهر معنى قوله ((ورد))؛ أي: ما نقل من تفسيرهم ووصل
إلينا، ومفهوم هذا الكلام - فيما يظهر - أن هؤلاء العشرة ورد عنهم الكثير من
التفسير، وهو ما أشكل علينا ابتداء!
جواب آخر: ربما رأى السيوطي أن هؤلاء العشرة هم أقرأ الصحابة للقرآن،
وأغلبهم ممن تصدى لإقرائه، وأسانيد القراء من بعدهم تدور عليهم فرأى في ذلك
صلة بتفسير القرآن كونهم تصدوا لإقرائه، والغالب على من كان هذا شأنه أن يفسر
ما أشكل من معاني القرآن لطلابه، وهم من هم في الحرص على الدعوة والتعليم،
خصوصًا إذا علمنا أن مصطلح القراء في عهد الصحابة والتابعين يُراد به أكثر من
مجرد إقراء القرآن فيما يظهر، والله أعلم.
من جانب آخر يحتمل أن يكون كلام السيوطي على ظاهره، باعتبار أن كثيرًا من
تفسير هؤلاء الصحابة فُقد فيما فُقد من تراث الأمة، لكن هذا يحتاج إلى مستند من
كلام السيوطي يوضح أنه يعني ذلك؛ لأن ظاهر كلامه أنه تقرير ناتج من استقراء
جميع تفسير الصحابة الذي وصله! وانظر إلى تعبيره بـ ((ورد)) فهو يوضح ذلك
ويعضده، والله أعلم.
على العموم هذه بعض التفسيرات التي يمكن أن تحل هذا الإشكال، وعليها
مآخذ كما رأينا، ومن هنا فالمسألة تحتاج لبحث وتحرير، أما مجرد نقل كلام
السيوطي واعتماده في تحديد المفسرين من الصحابة - كما هو واقع من المعاصرين
عند الحديث عن تفسير الصحابة والتابعين(٢) - دون بيان وتوضيح لمقصوده فهو
قصور في البحث العلمي.
(١) الإتقان ٤ /٢٤٠.
(٢) تناقل كلام السيوطي أغلب من كتب في تاريخ التفسير، ولعل من أوائل من نقله من المعاصرين د. محمد =

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَسِيرُ الْخَاتُور
خاتمة الدراسة
& ٤٢٩ %
٢ - ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: ((وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل
مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن
عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن
جبير، وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا
به على غيرهم))(١)، والناظر في آثار أصحاب ابن مسعود يجد أنه لم يُرو عنهم إلا
النزر القليل، وأكثرهم آثارًا في الموسوعة؛ مسروق بـ (٥٩) أثرًا أغلبها في
الأحكام، يليه أبو رزين الأسدي بـ (٥٣) أثرًا، يليه الربيع بن خثيم بـ (٣٤) أثرًا،
وهي مقادير قليلة جدًّا! حتى إنه لم يرد أحد منهم ضمن العشرة المكثرين من
التابعين، بل لم يُسلك أحد منهم في طبقة المقلين التي اعتمدناها! وكذلك ذكَر أهل
المدينة ولم يبرز فيهم من المكثرين سوى عبد الرحمن بن زيد، وفي المقابل لم يذكر
أهل البصرة مع بروز أربعة منهم ضمن طبقة المكثرين؛ وهم: قتادة والحسن وأبو
العالية والربيع، وابن تيمية كَّتُهُ مستقرئ! ولا يشك في أنه وقف على مقدار
تفسيرهم، فماذا قصد بذلك، ثم لِم لَمْ يذكر أهل البصرة مع أنهم أكثر التابعين
تفسيرًا بعد أهل مكة(٢)؟
فقد يكون مراده أعلم الناس بالتفسير رواية ودراية، لكن هذا لا يحل الإشكال
= حسين الذهبي تَخّْتُهُ في كتابه الماتع التفسير والمفسرون ٤٩/١، وقد تبين له قلة ما ورد من تفسير عمن
سوى الأربعة (ابن عباس وابن مسعود وعلي وأبي بن كعب) لكن قال: ((فهم وإن اشتهروا بالتفسير إلا أنهم
قلَّت عنهم الرواية ولم يصلوا في التفسير إلى ما وصل إليه هؤلاء الأربعة المكثرون، لهذا نرى الإمساك عن
الكلام في شأن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير،
ونتكلم عن علي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب، نظرًا لكثرة الرواية عنهم في التفسير، كثرة
غذّت مدارس الأمصار على اختلافهم وكثرتها)). التفسير والمفسرون ١/ ٥٠، ولم يبين المراد باشتهارهم في
التفسير، كذلك لم يعلل سبب قلة الرواية عنهم مع اشتهارهم بالتفسير! مع ملاحظة أن تفسير أبي بن كعب
المنقول إلينا نزر قليل كالباقين، وليس كما ذكر.
(١) تحدث أيضًا د.الذهبي: التفسير والمفسرون ٨٩/١، ٩٤، عن التابعين ومدارسهم التفسيرية بناء على
كلام ابن تيمية فيما يظهر، ومن ثم أورد عددًا من المقلين في التفسير على أنهم من مشاهير مفسري التابعين
كعلقمة بن قيس، ومسروق، والأسود بن يزيد، ومُرَّة الهمداني . - وتبعه بعض من كتب في تاريخ التفسير
على بعض ذلك - دون توضيح وبيان لمقدار ما روي عنه من آثار التفسير، أو إثبات أنه مفسر معروف
بالتفسير من خلال وصفه لنفسه أو وصف أقرانه أو تلاميذه أو من خلال وصف مترجميه في كتب التراجم،
وعندها يُبحث عن الأسباب التي أدت إلى قلة إنتاجه التفسيري.
(٢) بل فاق المكثرون منهم ما روي عن المكثرين من المكيين، فبلغ مجموع تفسير قتادة والحسن والربيع
وأبو العالية ١٠٤٦٧ أثرًا، بينما بلغ مجموع تفسير مجاهد وسعيد وعكرمة وعطاء ٨٣٤٢ أثرًا .

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَسَّةُ الْجَاتُور
: ٤٣٠ %=
لأن أهل الكوفة وأهل المدينة أيضًا مقلين في باب رواية التفسير، بخلاف أهل مكة
الذين رووا مئات الآثار من تفسير شيخهم ابن عباس، وكذلك أهل البصرة.
وقد يكون مراده أنهم أكثر الناس فهمًا للقرآن لأنهم من التابعين المخضرمين أقران
الصحابة، ومن العرب صَلِيبةً الذين لم يخالطهم اللحن، ولم تفسد ألسنتهم
بالعجمة، فلا يشك في فهمهم للقرآن أكثر من الجيل الذي بعدهم، وهو تعليل له
وجه؛ لأن ابن تيمية ذكر أعلم الناس بالتفسير ولا يلزم منه كثرة الرواية عنهم.
عمومًا هذه مجرد تعليلات ترد على الخاطر، والمسألة تحتاج إلى دراسة وتحرير!
والله أعلم.
توصيات:
وبعد؛ فهذه دراسة مقتضبة وإحصاء سريع متعلق بالتفسير المباشر لأفراد السلف،
وهناك قضايا عديدة يمكن دراستها والخروج بنتائج نفيسة من خلال إحصاءاتها في
الموسوعة، من ذلك على سبيل المثال :
١ - دراسة آثار نزول الآية، وكذلك الناسخ والمنسوخ(١)، وتحليل كل منها
للخروج بنتائج مهمة متعلقة بمسارها لدى كل طبقة من طبقات السلف، ومدى
توسّعهم فيها، وما يترتب على ذلك من أحوال وأحكام(٢).
٢ - إحصاء طرق كل مفسر ودراستها لنستنتج أسباب القلة والكثرة في هذه
الطرق، وما يترتب عليه من المعاني المتعارضة المروية عن المفسر الواحد.
٣ - الدراسة الموضوعية لآثار كل طبقة من هذه الطبقات - أو أهل مصر معين،
أو أفرادهم - للتعرف على موضوع التفسير الغالب على كل منهم، ومن خلال ذلك
يمكننا تحديد من هو المفسر للقرآن بالمعنى الدقيق، ففي رأيي القاصر أن إطلاق
مصطلح ((مفسر)) على مَن اقتصرت آثاره على تفسير آيات السيرة أو القصص أو
الأحكام غير دقيق وفيه تَجوُّز؛ لأنه ربما ذكر ما يتعلق بهذه الآيات في فنّه
وتخصصه، ولم يتطرق إلى ما لا يتعلق بتخصصه من المعاني، وقد مر معنا أمثلة
(١) وهما من الموضوعات التي استقصتها الموسوعة من المصادر المتوفرة، وهذا بخلاف القراءات
والأحكام.
(٢) على سبيل المثال ينظر دراسة عن أسباب النزول والنسخ عند أتباع التابعين في كتاب: أتباع التابعين:
عرض ودراسة لمُقَيِّدِه ص٣٢٤ - ٣٣٦.

مُؤْسُبَة التَّفْسِيرُ الْحَاتُور
المدخل إلى جوبسيو
خاتمة الدراسة
٥ ٤٣١ :
صريحة في ذلك من مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه ومحمد بن إسحاق، وكذلك
بعض الفقهاء الذين اعتنوا بتفسير بعض آيات الأحكام خاصة(١)، ومن هنا أرى أن
((المفسر)) بالمعنى الدقيق هو من تناول تفسير جميع آيات القرآن بمختلف
موضوعاتها: الأحكام والقصص والعقيدة والسلوك والوعظ والتربية، وغيرها من
الموضوعات ... والله أعلم.
هذا ما أردت بيانه، فإن أصبت فبفضل الله وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي
المقصرة والشيطان .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
(١) ولعله من هذا الباب لم يُصنَّف اللغويون المتقدمون المفسرون للقرآن ضمن مفسري السلف؛ لأن نظرهم
كان من الجانب اللغوي فحسب.

: ٤٣٣
التعريف بأئمة التفسير الخمسة
وطريقة تعاملهم مع آثار السلف
إعداد
د. نايف بن سعيد الزهراني

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسَِّةُ الْخَاتُور
التعريف بأئمة التفسير الخمسة ...
٤٣٥٢ :
أولاً
تراجم أئمة التفسير الخمسة
١ - ابن جرير الطبري
هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر الطبري، ولد بآمل
بطبرستان(١) سنة (٢٢٤هـ)، ونشأ بها، وكان أسمر، أعين، مليح الوجه، مديد
القامة، فصيح اللسان، لم يتزوج أو يتسرى.
حفظ القرآن وله سبع سنين، وأَمَّ الناس وهو ابن ثمان سنين، وكتب الحديث وله
تسع سنين، ورحل عن بلده لطلب العلم وله ست عشرة سنةً. أخذ العلم عن كبار
علماء عصره، فأخذ عن علماء بلده طبرستان، ثم رحل إلى العراق والشام ومصر
مرات، وسافر أثناء ذلك للحج سنة (٢٤٠هـ)، ثم رجع إلى بلده طبرستان، وعاد بعد
ذلك إلى بغداد سنة (٢٩٠هـ)، إلى أن توفاه الله رَجَّك بها .
كان من أئمة أهل السُّنَّة، وعلى اعتقاد السلف من الصحابة والتابعين والأئمة،
ولم يثبت ما نسب إليه من التشيع، وكتبه وسيرة حياته شاهدة ببطلان ذلك(٢). وكان
يقرأ في أول أمره بحرف حمزة (ت: ١٥٦هـ)، ثم اختار لنفسه قراءةً بعد ذلك؛ فصلها في
كتابه ((القراءات وتنزيل القرآن))، وفي مواضع كثيرة من تفسيره(٣). وتفقه في أول طلبه
على مذهب الشافعي (ت: ٢٠٤هـ)، وأفتى به في بغداد عشر سنين، ثم اختار لنفسه ما
(١) بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم، وتسمى بمازندران، وتقع جنوب بحر الخزر (قزوين)، وشمال
طهران عاصمة إيران اليوم. ينظر: معجم البلدان ٢٤٤/٣، وأطلس عمر بن الخطاب رضيُله ص ١٤٢.
(٢) قال ياقوت (ت: ٦٢٦هـ) عمن نسب ابن جرير للرفض: ((وكذب؛ لم يكن أبو جعفر رافضيًّا))، وكذا
أبطل ذلك ابن حجر (ت: ٨٥٢هـ)، وغيرهما. ينظر: معجم البلدان ٥٧/١، ولسان الميزان ١٠٠/٥.
ويقال: إن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي، وإليه ينسب القول بجواز مسح القدمين في الوضوء، وجمع
أحاديث غدير خم وطرق حديث الطير .. ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير ١٤/ ٨٤٩.
(٣) ينظر: ٥٦١/١، ٢١٤/٢، ١٨١/٣، ٦٧٨، ٧٣٢، ٥١/٥، ١٢٣، ٣٩٨/٦، ٩٥/٩.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَنِيُ الْخَاتُور
التعريف بأئمة التفسير الخمسة ...
٤٣٦ %
أداه إليه اجتهاده مما دوَّنه في كتبه، وفصله بأحسن بيان في كتابه «لطيف القول في
أحكام شرائع الإسلام))، حتى قيل: ((ما عمل كتاب في مذهب أجود من كتاب أبي
جعفر ((اللطيف)) لمذهبه)) (١)، وعرف مذهبه بـ (الجريري)، وتفقه به جماعة، قال
الذهبي (ت: ٧٤٨هـ): ((وبقي مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربعمائة)»(٢).
وله تصانيف كثيرة فائقة الجودة والتحرير؛ حتى وصف غير واحد منها بأنه: لم
يصنف مثله. قال تلميذه الفرغاني (ت: ٣٦٢هـ): ((إن قومًا من تلاميذ ابن جرير حصلوا
أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ست وثمانين، ثم قسموا عليها
أوراق مصنفاته، فصار منها في كل يوم أربع عشرة ورقةً، وهذا شيء لا يتهيأ
المخلوق إلا بحسن عناية الخالق))، ونقل الخطيب (ت: ٤٦٣هـ): ((أن ابن جرير مكث
أربعين سنةً يكتب في كل يوم منها أربعين ورقةً))، وقال الجياني (ت: ٤٩٨هـ): ((هو أكثر
أهل الإسلام تصنيفًا))، وعن جودة تأليفه وحسن بيانه يقول الذهبي (ت: ٧٤٨هـ): ((ولأبي
جعفر في تآليفه عبارة وبلاغة)). ومن أشهر تلك المصنفات:
١ - ((جامع البيان عن تأويل آي القرآن))، وقد سماه بذلك ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) في
تاريخه(٣)، وهو كذلك في بعض إجازاته به (٤). وقد بدأت فكرة تأليفه منذ صباه،
حيث قال: ((حدثتني به نفسي وأنا صبي))(٥)، ويقول عن نفسه: ((استخرت الله تعالى
في عمل كتاب التفسير، وسألته العون على ما نويته ثلاث سنين قبل أن أعمله،
فأعانني)) (٦)، وقد شرع في إملاءه سنة (٢٧٠هـ) ببغداد، وكان عزم أول أمره على
البسط والاستيعاب، ثم عدل عن ذلك لما رأى من ضعف همة الطلاب، فقد روى
الخطيب (ت: ٤٦٣هـ): ((أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟
قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل
تمامه. فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: تنشطون لتاريخ العالم من آدم
إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل
ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم. فاختصره في نحو مما اختصر التفسير)) (٧)، وقد
أشار إلى قصد الاختصار في مقدمته حيث قال في منهج تأليفه: ((بأوجز ما أمكن من
(١) معجم الأدباء ٢٤٥٨/٦.
(٣) ١/ ٨٩.
(٥) معجم الأدباء ٦/ ٢٤٥٣.
(٧) تاريخ بغداد ٢/ ٥٥٠.
(٢) سير أعلام النبلاء ٨/ ٩٢.
(٤) ينظر: معجم الأدباء ٢٤٤٤/٦.
(٦) المرجع السابق.

فَوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
المدخل إلى
التعريف بأئمة التفسير الخمسة ...
٥ ٤٣٧ :
الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه)) (١).
وانتشر عنه الكتاب بعد ذلك واشتهر، وأملاه مرات؛ منها ما أملاه من سنة
(٢٨٣ هـ) إلى سنة (٢٩٠هـ)، وقرئ عليه أيضًا في أواخر حياته سنة (٣٠٦هـ) (٢). وقد
طبع مرات عديدةً واختصر، وكتبت فيه الأبحاث الوافرة.
وقد اجتهد ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) في تحرير تفسيره غاية التحرير، قال عبد العزيز بن
محمد الطبري: ((قال أبو عمر الزاهد - غلام ثعلب - وكان معروفًا زمنًا طويلًا بمقابلة
الكتب: سألت أبا جعفر عن تفسير آية، فقال: قابل بهذا الكتاب من أوله إلى آخره.
قلت: فقابلت، فما وجدت فيه حرفًا واحدًا خطأً في نحو ولا لغة))(٣). وما إن فرغ
ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) من تدوين تفسيره وإقرائه حتى انتشر عنه شرقًا وغربًا، وتنافس
الناس في نسخه وتحصيله، واشتهر به مؤلفه غاية الاشتهار، وعرف به فضله في
العلم وإمامته، قال ابن كامل (ت: ٣٥٠هـ): ((حمل هذا الكتاب مشرقًا ومغربًا، وقرأه كل
من كان في وقته من العلماء، وكل فضله وقدمه)) (٤)، بل صار هذا التفسير معيارًا
توزن به التفاسير، قال ابن حزم (ت: ٤٥٦هـ): ((من مصنفات بقي بن مخلد كتاب (تفسير
القرآن)، وهو الكتاب الذي أقطع قطعًا لا أستثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام مثله،
ولا تصنيف محمد بن جرير الطبري، ولا غيره))(٥).
وقد شهد العلماء من زمن ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) فمن بعده بجلالة هذا التفسير وتفرده
وسبقه، فقال ابن خزيمة (ت: ٣١١هـ): ((نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على
أديم الأرض أعلم من ابن جرير)) (٦)، وقال أبو حامد الإسفرائيني (ت: ٤٠٦هـ): ((لو سافر
رجل إلى الصين حتى يحصل كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا)) (٧)،
وقال الخطيب (ت: ٤٦٣هـ): ((كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله))(٨)، وقال
ابن العربي (ت: ٥٤٣هـ): ((ولم يؤلف في الباب - أي: أحكام القرآن - أحد كتابًا به
(١) جامع البيان ١/ ٧.
(٢) ينظر: جامع البيان ٣/١، وتاريخ بغداد ٥٥١/٢.
(٣) معجم الأدباء ٦/ ٢٤٥٣.
(٤) معجم الأدباء ٦/ ٢٤٥٢.
(٥) رسائل ابن حزم ١٧٨/٢، ومعجم الأدباء ٢/ ٧٤٧.
(٦) تاريخ بغداد ٢/ ٥٥١.
(٧) تاريخ بغداد ٢/ ٥٥٠.
(٨) المرجع السابق.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْجُدُورُ
التعريف بأئمة التفسير الخمسة ...
٥ ٤٣٨ %
احتفال إلا محمد بن جرير الطبري؛ شيخ الدين، فجاء بالعجب العجاب، ونشر فيه
الباب الألباب، وفتح فيه لكل من جاء بعده الباب، فكل أحد غرف منه على قدر
إنائه، وما نقصت قطرة من مائه))(١)، ووصف ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) هذا التفسير بأنه:
((من أجل التفاسير، وأعظمها قدرًا))(٢)، وقال: ((وأما التفاسير التي في أيدي الناس
فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة،
وليس فيه بدعة))(٣)، وقال السيوطي (ت: ٩١١هـ): ((وهو أجل التفاسير وأعظمها))(٤)،
وقال بعد أن عدد طبقات المفسرين ومناهجهم: ((فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه،
وتأمر الناظر أن يعول عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر ابن جرير الطبري؛ الذي
أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف في التفسير مثله))(٥) .
٢ - ((تاريخ الأمم والملوك))، ويسمى ((تاريخ الرسل والملوك))، المعروف بـ «تاريخ
الطبري))، قال عنه ابن المغلس (ت: ٣٢٣هـ): ((ما عمل أحد في تاريخ الزمان وحصر
الكلام فيه مثل ما عمله الطبري))، وقال القفطي (ت: ٦٢٤هـ): ((هو أجل كتاب في بابه))،
وقد بناه على كتاب ((المبتدأ والمغازي)) لابن إسحاق (ت: ١٥٢هـ) (٦).
٣ - ((تهذيب الآثار))، قال عنه الخطيب (ت: ٤٦٣هـ): ((لم أر سواه في معناه، إلا أنه
لم يتمه))، وقال القفطي (ت: ٦٢٤هـ): ((وهو كتاب أعيا العلماء إتمامه))، وقال ابن كثير
(ت: ٧٧٤هـ): ((هو من أحسن كتبه، ولو كمل لما احتيج معه إلى شيء)).
وهذه الثلاثة أجل كتبه، ومن أكبرها، وله غيرها كثير (٧).
أما مكانته عند العلماء فقد كانت بالمحل الأسمى؛ ومما وصف به ما قاله أبو
العباس ثعلب (ت: ٢٩١هـ): ((ذاك من حذاق مذهب الكوفيين))(٨)، قال ابن مجاهد
(ت: ٣٢٤هـ): ((وهذا كثير من أبي العباس ثعلب؛ لأنه كان شديد النفس، قليل الشهادة
(١) المسالك في شرح موطأ مالك ١/ ١٠٢. وينظر: أحكام القرآن ١٩/١.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦١.
(٣) مجموع الفتاوى ٣٨٥/١٣.
(٤) الإتقان في علوم القرآن ٦/ ٢٣٤٢.
(٥) المرجع السابق ٢٣٤٦/٦.
(٦) ينظر: معجم الأدباء ٢٤٤٦/٦.
(٧) ينظر: الفهرست ص ٢٨٧، وتاريخ بغداد ٥٤٨/٢، ومعجم الأدباء ٦/ ٢٤٥٧.
(٨) ولأبي جعفر (ت: ٣١٠هـ) كتاب في النحو على مذهب الكوفيين، كما في معجم الأدباء ١/ ١٩١.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ الجَاتُور
التعريف بأئمة التفسير الخمسة ...
: ٤٣٩
لأحد بالحذق في علمه))، وقال أبو العباس ابن سريج (ت: ٣٠٦هـ): ((محمد بن جرير
الطبري فقيه العالم))، وقال أبو بكر بن خزيمة (ت: ٣١١هـ): ((إني لا أعلم على أديم
الأرض أحدًا أعلم منه))، وقال الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣هـ): ((كان أحد أئمة العلماء،
يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم
يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا
بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها؛ صحيحها وسقيمها
وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين؛
في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم))، وأثنى عليه
ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) كثيرًا، وعدَّه من كبار أئمة الإسلام الذين ينقل الدين عنهم،
ويعتمد على قولهم، وقال السيوطي (ت: ٩١١هـ): ((رأس المفسرين على الإطلاق، أحد
الأئمة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره)).
توفي ببغداد سنة (٣١٠هـ)، عن ست وثمانين سنةً(١).
٢ - ابن عطية
هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن ابن عطية، أبو محمد المحاربي، يرجع
نسبه إلى مضر، ولد بغرناطة (٢) سنة (٤٨١ هـ)، ونشأ بها في بيت علم وفضل، فأبوه
كان من أكابر علماء غرناطة وفقهائهم، وأجداده أيضًا مشهورون بالعلم والفضل
(٣)
والكرم(٣) .
كان مبتدأ طلبه للعلم على يدي علماء غرناطة، ومنهم والده الذي قرأ عليه علوم
الشريعة واللغة والتاريخ، واستمرت رعايته له؛ ففي الوقت الذي ألف فيه أبو محمد
((المحرر الوجيز)) كان والده ربما أيقظه في الليلة مرتين يقول له: ((قم يا بني اكتب
كذا وكذا في موضع كذا من تفسيرك)) (٤). ثم رحل إلى كبريات مدن الأندلس الزاخرة
(١) للتوسع في ترجمته ينظر: تاريخ بغداد ٥٤٨/٢، ومعجم الأدباء ٢٤٤١/٦ - وهما أوفى من ترجم له -،
والفهرست ص٢٨٧، وإنباه الرواة ٨٩/٣، وسير أعلام النبلاء ٢٦٧/١٤، وطبقات المفسرين ص ٩٥.
(٢) بلدة مشهورة من أقدم وأعظم وأحصن بلدان الأندلس، وتقع الآن جنوب إسبانيا. ينظر: معجم البلدان
١٩٥/٤، وأطلس التاريخ العربي ص٧٦.
(٣) ينظر: فهرس ابن عطية ص٩، وتاريخ قضاة الأندلس ص ١٠٩.
(٤) بغية الملتمس ص ٤٤١.

المدخل إلى مَوْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْخَاتُور
التعريف بأئمة التفسير الخمسة ...
٥ ٤٤٠ ٥
بالعلم والعلماء؛ كقرطبة، وإشبيلية، ومرسية، وبلنسية، وجيان، ولقي وجوه علمائها
وقرأ عليهم، وراسل جماعةً من العلماء فأجازوه(١).
تولى قضاء ((المرية)) (٢) سنة (٥٢٩هـ) زمن دولة ((المرابطين)) (٣) التي عاصرها ابن
عطية (ت: ٥٤١هـ) منذ توليها مقاليد حكم الأندلس من (٤٨٣ هـ) إلى (٥٤٠هـ) تقريبًا؛
وقال لسان الدين ابن الخطيب عن قيامه بذلك: ((توخى الحق، وعدل في الحكم،
وأعز الخطة))(٤).
وقد شارك في جهاد النصارى في نواحي الأندلس، حتى وصف بأنه ((كان يكثر
الغزوات في جيوش الملثمين))(٥)، وقال عن لقائه بأحد مشايخه: ((لقيته في ((جيان))(٦)،
في نهوضي إلى غزوة طلبيزة سنة ثلاث وخمسمئة))(٧)، وشارك في بعض معارك
((سرقسطة)) (٨) سنة (٥١١هـ) وكتب رسالةً إلى بعض مشايخه يصف له فيها هذه الغزوة(٩).
وكان أشعري الاعتقاد (١٠)، كما هو ظاهر في مواضع كثيرة من تفسيره(١١)، وله
موافقات لأقوال السلف، وللمعتزلة في مواضع، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية
(ت: ٧٢٨هـ)، وابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٤هـ)(١٢).
وقد كان من أعيان مذهب الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩هـ)، وهذا واضح في
(١) ينظر: فهرس ابن عطية ص٥٩، والصلة ٣٦٧/١، والديباج المذهب ٢/ ٥٧.
(٢) مدينة كبيرة تقع على البحر المتوسط، جنوب شرقي الأندلس. ينظر: معجم البلدان ١١٩/٥، والروض
المعطار ص٥٣٧.
(٣) ويقال لهم: الملثمون، وهم قوم من بربر المغرب، كان فيهم جد وصلابة في الدين، أقاموا دولةً
للإسلام والجهاد في المغرب والأندلس قرابة ستين سنة، وأميرهم يوسف بن تاشفين. ينظر: الكامل في
التاريخ ١٣٤/٨، ١٣٧، والمعجب في تلخيص أخبار المغرب ص١٢٢.
(٤) الإحاطة في أخبار غرناطة ٣/ ٤١٢. وينظر: الديباج المذهب ١/ ١٧٥.
(٥) المعجم، لابن الأبار ص٢٧١. والملثمون هم المرابطون.
(٦) مدينة كبيرة بالأندلس، تقع شرقي قرطبة. ينظر: معجم البلدان ١٩٥/٢، والروض المعطار ص ١٨٣.
(٧) فهرس ابن عطية ص ١٣٧.
(٨) مدينة مشهورة شرق الأندلس، تسمى: المدينة البيضاء؛ لكثرة جصها ورخامها. ينظر: معجم البلدان
٢١٢/٣، والروض المعطار ص٣١٧.
(٩) قلائد العقيان ص٢٢٤.
(١٠) نسبةً إلى أبي الحسن الأشعري، وهم فرقة خالفوا مذهب أهل السُّنَّة في مسائل في الإيمان والقدر
والصفات وغيرها. ينظر: الملل والنحل ٩٤/١، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢٢٩/١.
(١١) ينظر: المحرر الوجيز ٢٨/٢، ٦٩/٣، ٢١١ - ٢١٣، ٧٩/٦.
(١٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٣٦١/١٣، والفتاوى الحديثية ص٢٤٢.