Indexed OCR Text

Pages 321-340

فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٢١ %
أولًاً
(١)
سعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ)
سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، الوالبي مولاهم، أبو عبد الله الكوفي،
((الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر)) (٢)، من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين.
روى عن: ابن عباس - فأكثر وجوَّد - وعن ابن عمر، وابن الزبير، وأنس بن
مالك، وأبي سعيد الخدري. وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
قرأ القرآن على: ابن عباس.
وقرأ عليه: أبو عمرو بن العلاء، والمنهال بن عمرو، وغيرهم (٣).
وحدث عنه: أيوب السختياني، وجعفر بن أبي المغيرة، وأبو بشر جعفر بن أبي
وحشية، وسليمان الأعمش، وعطاء بن السائب، وغيرهم.
: مكانته في التفسير وآثاره:
لازم سعيد بن جبير شيخه ابن عباس فأخذ عنه التفسير، وروى عنه حتى فاق
أقرانه، قال علي بن المديني: ((ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير.
قيل: ولا طاووس؟ قال: ولا طاووس، ولا أحد)). ومن شدة تعلقه بابن عباس كان
يتردد عليه من الكوفة إلى مكة كل سنة، حتى أنه ربما رحل إليه لأجل مسألة
واحدة(٤). وقد ظهر أثر تلك الملازمة في كثرة رواياته تفسير ابن عباس، حتى كان
أكثر أصحابه الملازمين له رواية عنه (٥).
(١) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ٣٦٤/١٠، تاريخ الإسلام ١١٠٠/٢، سير أعلام النبلاء ٤٢٣/٤،
غاية النهاية في طبقات القراء ٣٠٥/١، تفسير التابعين: ١/ ١٣٧.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤٢٣/٤.
(٣) غاية النهاية في طبقات القراء ٣٠٥/١.
(٤) ينظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ ١٨٢/٥. صحيح مسلم
٢٣١٧/٤.
(٥) ينظر: تفسير التابعين ١٤٨/١.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٢٢ :-
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُون
أما تفسيره الاجتهادي فيُعَدُّ من أكثر تلاميذ ابن عباس تفسيرًا بعد مجاهد، وقد
بلغت آثاره في الموسوعة (١٧٣٥) أثرًا، ولعل من أهم أسباب ذلك ما يلي(١):
١ - ملازمته لابن عباس وكثرة أخذه عنه، كما تقدم.
٢ - كتابته للتفسير سواء أثناء الطلب عن ابن عباس، أو بعد ذلك، كما في
الصحيفة التي كتبها لعبد الملك بن مروان بطلب منه، وهذه الصحيفة تُعَدّ من أقدم
مدونات التفسير التي تدل على أن التفسير دوِّن في وقت مبكر(٢).
٣ - تصدره للناس وتصديه للتفسير وحرصه على نشر علمه، فقد رُوي عنه قوله:
((وددت أن الناس أخذوا ما عندي، فإنه مما يهمني)). وقال أيضًا: ((لأن أنشر علمي،
أحب إليَّ من أن أذهب به إلى قبري)»(٣).
٤ - اعتناؤه بتفسير آيات الأحكام، بخلاف أقرانه المكثرين من تلاميذ ابن عباس
كمجاهد وعكرمة .
٥ - كثرة روايته للإسرائيليات، أيضًا بخلاف أقرانه من تلاميذ ابن عباس، ويظهر
أنه تأثر بشيخه في ذلك.
٦ - تميزه بالتفسير التحليلي للآية (٤). وهو منهج مخالف لطريقة المتقدمين في
التفسير التي كانت تقتصر على تفسير ما يحتاج إلى تفسير دون باقي الألفاظ وسائر
الآيات.
وفي المقابل هناك أسباب أخرى كان لها الأثر في قصور آثاره التفسيرية عن بلوغ
مرتبة الطبقة الأولى والثانية من المكثرين في التفسير، وتقدم بعض مفسري السلف
عليه، لعل من أبرزها :
(١) ينظر: تفسير التابعين ١٤٨/١.
(٢) يراجع: مبحث مراحل تدوين التفسير، وكذلك الحاشية بعد التالية.
(٣) ينظر: تهذيب الكمال ٣٦٧/١٠، سير أعلام النبلاء ٣٢٦/٤.
(٤) وهذا بارز في النسخة التي يرويها عنه عطاء بن دينار، وعطاء لم يسمع من سعيد مباشرة، وإنما وجد
في الديوان بدمشق صحيفة التفسير التي كتبها سعيد بن جبير لعبد الملك بن مروان بطلب منه، فروى منها .
ينظر: الجرح والتعديل ٣٣١/٣. وقد اعتنى ابن أبي حاتم برواية عطاء عن سعيد، ويظهر أن ما يرويه هو
من تلك الصحيفة، ولو وصلنا تفسير ابن أبي حاتم كاملًا لأمكن جمع هذه الصحيفة كلها أو جلها! وقد
أورد ابن أبي حاتم عشرات الروايات من هذه الطريق - كما سترى في الموسوعة -، بينما لم يورد ابن جرير
منها إلا في ثلاثة مواضع فقط! ولعل هذا كان سببًا في كون آثار سعيد بن جبير التفسيرية عند ابن أبي حاتم
أكثر منها عند ابن جرير. ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ٣٢٠.

المدخل إلى مُؤْسُوكَة التَّقْسِيرُ الْمَاتُوز
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٢٣ %=
١ - عدم استفراغ علمه للتفسير كما كان مجاهد وعكرمة ومقاتل بن سليمان، بل
كان تَخْدَتُهُ مشاركًا في القراءات والفقه والحديث رأسًا في كل منها. لذا وصفه
الذهبي بأنه، ((الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر)) (١).
٢ - كثرة اشتغاله برواية تفسير شيخه ابن عباس، وهذا بخلاف مجاهد دتَّتُهُ.
٣ - دخوله في فتنة ابن الأشعث الذي خرج على الحجاج بن يوسف عام ٨٢هـ،
ثم بعد انكسارهم ظل سعيد متخفيًا من الحجاج متواريًا عنه، ومتنقلًا في مختلف
البلاد قال الذهبي: ((خرَج مع ابن الأشعَث على الحجّاجِ، ثُمَّ إنَّه اختَفَى وتَنَقَّل في
النَّوَاحِي اثنَتَيْ عَشْرة سنةً))(٢). ولا شك أن لذلك تأثيرًا كبيرًا في قلة تصديه لنشر
العلم والتصدر للناس.
٤ - قِصر عمره مقارنة بأقرانه من تلاميذ ابن عباس، حيث قبض الحجاج عليه
وقتله صبرًا وظلمًا عام ٩٥ هـ(٣).
٥ - عدم وجود تلاميذ اختصوا بنقل آثاره ورواياتها، وإن كان عطاء بن السائب
من أكثرهم، لكن لا تبلغ عنايته بمرويات شيخه كعناية ابن أبي نجيح بتفسير مجاهد،
أو سعيد بن أبي عروبة بتفسير قتادة، والله أعلم.
(١) سير أعلام النبلاء ٤٢٣/٤. وينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ٣٦٤/١٠، تاريخ الإسلام ١١٠٠/٢.
(٢) تاريخ الإسلام ٢/ ١١٠١.
(٣) اشتهر أن عُمر سعيد حين قتل كان ٤٩ عامًا - ينظر: طبقات ابن سعد ٢٧٥/٦، وغيرها - ولكن هذا
أمر مستبعد! لأنه على هذا القول سيكون مولده عام ٤٦هـ، وسيكون عمره عند وفاة ابن عباس (ت: ٦٨هـ)
٢٢ سنة! فأين طول ملازمته لابن عباس وكثرة ترحله إليه وإفتاؤه بين يديه، وتوجيه ابن عباس الناس لسؤاله
في مثل هذه السن؟ !! أيضًا على هذه السن إذا ما قورن سعيد بأصحاب ابن عباس الآخرين يكون أصغر
منهم بما يقارب العقدين! فكيف يُقرن بهم؟ وهو دونهم بكثير !! ومن هنا لما ذكر الذهبي هذا القول ردَّه
فقال: (( ... ومن زعم أنه عاش تسعًا وأربعين سنة لم يصنع شيئًا، وقد مر قوله لابنه: ما بقاء أبيك بعد
سبع وخمسين. فعلى هذا يكون مولده في خلافة أبي الحسن علي بن أبي طالب ظُّه)). ينظر: سير أعلام
النبلاء ٣٤١/٤، تاريخ الإسلام ١١٠٢/٢؛ أي: أنه ولد في حدود عام ٣٨هـ، والله أعلم.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٢ ٣٢٤ :
مُؤَسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
المدخل إلى
ثانيًا
عكرمة مولى ابن عباس (ت:١٠٥هـ)(١)
القرشي الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله المكي ثم المدني، مولى عبد الله بن
عباس ◌ًّا، أصله من بربر المغرب، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن
عباس لما ولي البصرة لعلي بن أبي طالب بتعظ اته(٢).
روى عن عائشة، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن
عمر، وأبي سعيد الخدري رضيه، ولازم مولاه ابن عباس الذي حرص على تعليمه
لما رأى فيه من ملامح النجابة والذكاء والحفظ، حتى كان يضع في رجله الكبل
على تعليم القرآن والفقه والسنن، كما قال عكرمة. وقد كان لتلك الملازمة أثر كبير
في بناء الشخصية العلمية لعكرمة، فورث عنه علمًا كثيرًا؛ خصوصًا في التفسير،
قال رَخْتُهُ: ((طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب وابن عباس في الدار))(٣).
مكانته في التفسير وآثاره:
تبوأ عكرمة مكانة عظيمة في التفسير حتى شهد بذلك أقرانه، وأثنى عليه
مترجموه، قال جابر بن زيد: ((هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس)).
وقال الشعبي: ((ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة))، وسئل سعيد بن جبير:
تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: ((نعم، عكرمة))، وقال قتادة: ((أعلم الناس بالتفسير
عكرمة))، وقال سفيان الثوري: ((خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير وعكرمة
ومجاهد والضحاك)). وقال ابن أبي حاتم: ((سئل أبي عن عكرمة، وسعيد بن جبير:
أيهما أعلم بالتفسير؟ فقال: أصحاب ابن عباس عيال على عكرمة)).
(١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٢٨٨/٥، تهذيب الكمال ٢٦٤/٢٠، تاريخ الإسلام ١٠٧/٣، سير
أعلام النبلاء ١٤/٥، تفسير التابعين: ١٥٦/١.
(٢) وعليه - كما قال الذهبي -: ((فلا يبعد سماعه من علي))، تاريخ الإسلام ١٠٧/٣.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٤/٥.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ الخَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٢٥ %
ومما يدل على سعة علمه وتفوقه على أقرانه ما رواه حبيب بن أبي ثابت، قال:
((اجتمع عندي خمسة لا يجتمع مثلهم أبدًا: عطاء، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن
جبير، وعكرمة، فأقبل مجاهد وسعيد يلقيان على عكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية
إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما، جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وآية كذا
في كذا)).
وهكذا كان عكرمة إذا تُرجم له وُصف بالمفسر وصاحب التفسير، ونحو ذلك،
قال الذهبي: ((العلّامة، الحافظ، المُفَسِّر))، وقال الحافظ ابن حجر: ((ثقة ثبت، عالم
بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة)» (١). فهو بحق من أشهر
مفسري التابعين وأعلمهم، ويمكننا إجمال أسباب سبقه وتقدمه فيما يلي (٢):
١ - طول ملازمته لابن عباس، كما تقدم.
٢ - قدرته على الاستنباط والاجتهاد في التفسير.
٣ - تفرغه لعلم التفسير رواية ودراية، حتى كان يُعرف به إذا ذكر، كما تقدم.
٤ - معرفته بلغات العرب وأشعارها، وإعمال ذلك في التفسير، وقد ورث ذلك
المنهج من شيخه ابن عباس.
٥ - كثرة رحلاته، وبالتالي تعدد مصادره، فقد رحل إلى العراق وخراسان،
واليمن والشام ومصر والمغرب، واستقر في آخر حياته بالمدينة حتى توفي بها .
٦ - حرصه على نشر علمه بين تلاميذه حتى كان يطلب أن يُسأل، كذلك كان
يعقد مجالس العلم والتفسير في البلاد التي زارها، ومشهورة قصة زيارته للبصرة وأن
الحسن البصري أمسك عن التفسير والفتيا ما دام عكرمة بالبصرة (٣).
عدد آثاره في الموسوعة:
من خلال كل ما سبق يُتوقع أن لا يضاهي أحدٌ عكرمة في كثرة المنقول من
تفسيره، لكن الواقع عكس ذلك! فقد بلغ عدد آثاره في الموسوعة (١٣٨٢) أثرًا،
وهذا أقل بكثير من أقرانه المكثرين - خصوصًا مجاهد الذي كان مع عكرمة أكثر
(١) تقريب التهذيب، ص ٣٩٧.
(٢) ينظر ذلك بتوسع: تفسير التابعين ١٦٩/١ - ١٧٩.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٨/٥.

المدخل إلى مُؤْسُوَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُورُ
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٢٦ %
أصحاب ابن عباس ملازمة له - وهنا يأتي السؤال عن سبب ذلك مع إمامة عكرمة
في التفسير وشهرته وتقدمه فيه، نجمل أسباب ذلك في سببين اثنين :
١ - اتهامه بالكذب على ابن عباس.
٢ - ما اشتهر من انتحاله لمذهب الخوارج.
وهما من أبرز الأسباب التي زهّدت معاصري عكرمة ومَن بَعده في مروياته
وتفسيره، واتخاذهم موقفًا ضده، فقد ذمّه سعيد بن المسيب، ولم يرو عنه ابن سيرين
إلا مبهمًا (١)، وتكلم فيه الإمام مالك. حتى رُوِي أنه مات بالمدينة وأتي بجنازته فما
أحد من أهل المسجد حلّ حبوته إليها، بل قيل: إنه لم يحمله أحد، اكتروا له
أربعة. وعقّب الذهبي على ذلك فقال: ((ما تركوا عكرمة - مع علمه - إلا عن بلية
كبيرة في نفوسهم له تَل ◌ُبه)) (٢).
وقد تباينت آراء النقاد في ثبوت هذه التهم - خصوصًا انتحاله بعض آراء الخوارج -
ما بين مثبت ومنكر، قال الذهبي بعد ما أورد بعض كلام الفريقين: ((فالذين أهدروه
كبار، والذين احتجوا به كبار، والله أعلم بالصواب)) (٣). وقال ابن حجر مُعقِّبًا على
تلك الآراء المتضاربة: ((والذي أنكر عليه مالك إنما هو بسبب رأيه، على أنه لم
يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك، وإنما كان يوافق في بعض المسائل
فنسبوه إليهم، وقد برَّأه أحمد والعجلي من ذلك، فقال في كتاب ((الثقات)) له:
عكرمة مولى ابن عباس رضيها؛ مكي تابعي ثقة برئ مما يرميه الناس به من
الحرورية)) (٤).
وقد أنصف ابن منده في تلك القضية فقال: ((وأما حال عكرمة في نفسه، فقد
عدّله أمَّةٌ من نبلاء التابعين فمن بعدهم، وحدَّثوا عنه، واحتجّوا بمفاريده في الصفات
والسنن والأحكام، روى عنه زهاء ثلاثمائة رجل من البلدان، منهم زيادة على سبعين
رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير من التابعين، على
أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه، وكان
(١) فقد روى ابن سعد في طبقاته ١٩٤/٧، عن خالد الحذاء أنه قال: ((كل شيء قال محمد: نبئت عن ابن
عباس، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة)).
(٢) سير أعلام النبلاء ٣٤/٥.
(٣) سير أعلام النبلاء ٣٤/٥.
(٤) هدي الساري ((مقدمة فتح الباري)) ص٤٢٨.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ الخَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٢٧ %
يُتلقى حديثه بالقبول، ويُحتج به قرنًا بعد قرن، وإمامًا بعد إمام إلى وقت الأئمة
الأربعة الذين أخرجوا الصحيح، وميّزوا ثابته من سقيمه، وخطأه من صوابه،
وأخرجوا روايته، وهم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، فأجمعوا على
إخراج حديثه، واحتجّوا به، على أن مسلمًا كان أسوأهم رأيًا فيه، وقد أخرج عنه
مقرونًا وعدَّله بعدما جرَّحه))(١).
ولا شك أن مثل تلك التهم تُقلل من اعتناء الرواة والنقلة برواية علمه وتفسيره،
ولهذا جاء عن سعيد بن جبير قوله: ((لو كفّ عنهم عكرمة من حديثه لشُدَّت إليه
المطايا)) (٢)، وعن طاووس: ((لو أن مولى ابن عباس اتقى الله وكفّ من حديثه لشُدَّت
إليه المطايا))(٣).
٣ - كثرة اشتغاله بالرواية عن شيخه ابن عباس، فقد كان من أكثر أصحاب ابن
عباس نقلًا لتفسيره ونشرًا لعلمه، بل جاء عنه قوله: ((كل شيء أحدثكم في القرآن
فهو عن ابن عباس)) (٤)، ومما يلاحظ هنا مخالفة عكرمة لقرينه مجاهد في هذه
السمة .
٤ - عدم وجود من تخصص لنقل تفسيره وانقطع لذلك كما كان لقرينه مجاهد،
بل تعدد الرواة عنه، ولعل لكثرة تنقله وكثرة رحلاته دور في عدم تفرد أحد تلاميذه
بنقل جل علمه.
وفاته:
توفي عكرمة بالمدينة عام ١٠٤ هـ، وقيل: ١٠٥هـ، وقيل: ١٠٧ هـ(٥)، وقد تجاوز
الثمانين من عمره.
(١) تهذيب التهذيب ٧/ ٢٧٢، نقلًا عن ابن منده في صحيحه.
(٢) طبقات ابن سعد ٣٨٥/٢.
(٣) تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٨٧. وينظر مبحث مستفيض عن ذلك في: تفسير التابعين: ١٦٩/١ - ١٧٩.
(٤) الإتقان ٤ /٢٤١.
(٥) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٠٥ هـ.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
& ٣٢٨ %
فَوْسُوعَة التَّفْسِي الْجَاتُور
المدخل إلى
ثالثًا
عبد الملك ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠هـ)(١)
عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج الأموي مولاهم، رومي الأصل(٢)، ولد بمكة
عام ٨٠هـ، وتوفي بها عام ١٥٠ هـ (٣).
قال عنه الذهبي: ((الإمام، العلامة، الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد، وأبو الوليد
القرشي الأموي، المكي، صاحب التصانيف، وأول من دوَّن العلم بمكة)) (٤).
وقد روى عن عشرات التابعين، ولازم عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤هـ) سبع عشرة
سنة، فأكثر عنه حتى حفظ لنا علمه من كثرة سؤالاته له، وحدّث عن مجاهد(٥)،
وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، والقاسم بن أبي بزة، وغيرهم(٦). وعنه
الأوزاعي، والليث، والسفيانان؛ الثوري وابن عيينة، والحمادان؛ ابن سلمة وابن
زيد، ووكيع بن الجراح، وعبد الرزاق الصنعاني، وغيرهم(٧).
وهو من أوائل من صنَّف العلم(٨)، وقد كتب في التفسير والسنن وغيرهما، وأثنى
عليه جمع من العلماء، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: ((كان من أوعية العلم)). غير
أنه اتهم بالتدليس، حتى حذّروا من عنعنته، قال الذهبي: ((الرجل في نفسه ثقة،
(١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٤٩١/٥، تهذيب الكمال ٣٣٨/١٨، تاريخ الإسلام ٩١٩/٣، سير
أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٥، تفسير أتباع التابعين ص٩٦.
(٢) تهذيب الكمال ٣٣٨/١٨.
(٣) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣٣٤/٦: ((عاش سبعين سنة، فسنَّه وسنُّ أبي حنيفة واحد، ومولدهما
وموتهما واحد)».
(٤) سير أعلام النبلاء ٣٢٤/٦.
(٥) وقيل: إنه لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا. ينظر: تهذيب الكمال ٤٣٦/٣٠.
(٦) ينظر مسرد لمشايخه في: تهذيب الكمال ٣٣٨/١٨، وسير أعلام النبلاء ٣٢٥/٦ - ٣٢٦.
(٧) ينظر: سير أعلام النبلاء ٣٢٦/٦.
(٨) قيل: إنه أول من صنف مطلقًا، وقيل: إنه أول من صنف بمكة. ينظر: الجرح والتعديل ٣٥٧/٥،
تدريب الراوي ٨٩/١. والمراد بالتصنيف الجمع والتبويب والترتيب، وليس مجرد التدوين.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
فَوْسُعَبْ التَّقْسِيَةُ المَاتُور
المدخل إلى
=
& ٣٢٩ %
حافظ، لكنه يدلس بلفظة (عن)، و(قال)، وقد كان صاحب تعبد وتهجد، وما زال
يطلب العلم حتى كبر وشاخ))(١).
مكانته في العلم والتفسير وآثاره:
كان ابن جريج من بحور العلم وأوعيته، تفرد بالإمامة في الحرم بعد عطاء،
ومجاهد، وخلَفَهما (٢)، ويُعدّ أول من صنَّف في التفسير، قال ابن تيمية: ((فأول من
صنف ابن جريج شيئًا في التفسير)) (٣)، وهو عَلَم من أعلام التفسير بنوعيه الرواية
والدراية، وذكرت له كتبُ التراجم أجزاء في التفسير(٤)، لكن لم يصلنا ذلك
التفسير، وإنما وصلتنا عنه آثار روائية لتفسير غيره، واجتهادية من قوله؛ منثورة في
كتب التفسير المأثور، وهي مرويات كثيرة، خصوصًا ما رواه عن شيخه عطاء بن أبي
رباح (ت: ١١٤هـ)، وعن مجاهد (ت: ١٠٢هـ) الذي بلغت مروياته عنه ما يقارب ثلث مروياته
في التفسير، أما ما روي من تفسيره الاجتهادي فهو أقل، حاول جمعه بعض
.(٥)
المعاصرين(٥) .
وقد اعتنى بإيراد تفسيره روايةً ودرايةً جمع من نقلة التفسير المأثور، كتلميذه
عبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١هـ)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأكثر من أخرج
تفسيره روايةً ودرايةً ابن المنذر، يظهر ذلك جليًّا فيما طبع من تفسيره، وما عزاه
السيوطي إليه في الدر المنثور(٦).
وكل ما روته المصادر السابقة من تفسير ابن جريج - وغيرها - ضمته موسوعة
التفسير المأثور، وقد أحصيت التفسير الاجتهادي لابن جريج فيها فبلغت (١٠١٥)
قولًا تفسيريًّا .
ولعل من أبرز أسباب كثرة تفسير ابن جريج بنوعيه الروائي والاجتهادي ما يلي :
١ - ملازمته لشيخه عطاء بن أبي رباح، واعتناؤه بتفسير مجاهد كما تقدم.
(١) ينظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٣٢.
(٢) المرجع السابق ٣٣٢/٦.
(٣) مجموع الفتاوى ٣٢٢/٢٠.
(٤) ينظر: الإرشاد ٣٩٢/١. وقد أورد الثعلبي تفسيره في مصادره، ينظر: مقدمة تفسير الثعلبي، تحقيق:
خالد العنزي ص٧٩.
(٥) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص ١٠٠.
(٦) ينظر تفصيل ذلك في: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص١٠١ - ١٠٣.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
المدخل إلى مُؤْسُوعَةِ التَّقْسِي الْمَانُونْ
: ٣٣٠ %=
٢ - تدوينه للعلم وتصنيفه في التفسير، كما تقدم.
٣ - اعتناء تلاميذه بالرواية عنه، خصوصًا محمد بن ثور الصنعاني (ت: ١٩٠هـ)،
وحجاج بن محمد المصيصي (ت: ٢٠٦هـ) (١). قال أبو يعلى الخليلي: ((وعن ابن جريج
في التفسير، جماعة رووا عنه، وأطولها ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي، عن
عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج، وفيه نظر، وروى
محمد بن ثور، عن ابن جريج نحو ثلاثة أجزاء كبار، وذلك صححوه، وروى
الحجاج بن محمد، عن ابن جريج نحو جزء، وذلك صحيح، متفق عليه))(٢).
٤ - اعتناء نقلة التفسير بنقل تفسيره: يأتي على رأسهم ابن المنذر كما تقدم.
ومع تقدم ابن جريج في التفسير لكن لم تبلغ آثار تفسيره الاجتهادي في الموسوعة
مبلغ الطبقة الأولى والثانية في المرويات، ولعل لذلك أسبابًا من أبرزها:
١ - كثرة اشتغاله بالرواية خصوصًا عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح، كما تقدم.
٢ - اشتغاله بالفتوى والفقه والحديث، وعدم تفرغه للتفسير، فقد كان تَخْذَّتُهُ إمامًا
في الفقه (٣) والحديث(٤)، ولا شك أن من كان كذلك كان إنتاجه التفسيري أقل.
٣ - فقدان أكبر مصدر لتفسير ابن جريج وهو تفسير ابن المنذر الذي لم يطبع منه
إلا قطعة يسيرة.
(١) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص١٠٣.
(٢) الإرشاد ١/ ٣٩٢.
(٣) قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣٣٢/٦: ((وعليه تفقه مسلم بن خالد الزنجي، وتفقه بالزنجي
الإمام أبو عبد الله الشافعي، وكان الشافعي بصيرًا بعلم ابن جريج، عالمًا بدقائقه)).
(٤) فقد قال علي بن المديني: ((نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة))، فذكرهم، ثم قال: ((صار علمهم إلى
أصحاب الأصناف ممن صنَّف العلم، منهم من أهل مكة ابن جريج)). ينظر: سير أعلام النبلاء ٣٢٨/٦ -
٣٣٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْنِيُ المَاتُوز
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
& ٣٣١
الطبقة الرابعة من المكثرين في التفسير من السلف
(من تجاوزت آثارهم التفسيرية ٥٠٠ أثر دون أن تبلغ ١٠٠٠)
وقد تحصل لدينا من خلال إحصاءات الموسوعة اندراج سبعة من مفسري السلف
في هذه الطبقة :
فمن الصحابة: عبد الله بن مسعود نظّته (ت: ٣٢هـ).
ومن التابعين :
من كبارهم: أبو العالية (ت: ٩٣).
ومن أواسطهم: عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤هـ).
ومن صغارهم: الربيع بن أنس (ت: ١٣٩هـ).
ومن أتباع التابعين:
من كبارهم: محمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦هـ)، ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠ هـ)،
ومحمد بن إسحاق (ت: ١٥٣هـ).
وهذه ترجمة موجزة لكل منهم تبين مكانته في التفسير وأسباب كثرة تفسيره، وفي
المقابل أسباب عدم بلوغه مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين، مرتبين بحسب
وفياتهم :

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٠٣٣٢
مُؤْسُكَبِ التَّقْسِي الْخَاتُور
المدخل إلى
أولًا
عبد الله بن مسعود رضيعنه (ت: ٣٢ هـ) (١)
عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمن الهذلي، وأُمه أُم عبد بنت
عبد ود، من هذيل أيضًا، وكان يُنسب إليها أحيانًا فيقال: ابن أم عبد.
من السابقين الأولين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين (إلى الحبشة، ثم إلى
المدينة)، وصلى إلى القِبْلتين، وشهد بدرًا، وسائر المشاهد مع رسول الله وَّل،
ولازم النبي ◌ّ* حتى كان يدخل عليه ويخدمه ويلزمه، وكان صاحب وساده،
وسواكه، ونعليه، وطهوره (٢)، لذا كان من أشبه الناس بالنبي وَّر في هديه ودلّه
و سمته .
وبعد وفاة رسول الله ◌َّ أرسله عمر بن الخطاب ابتداء إلى الشام، وشهد
اليرموك، ثم سيَّره إلى الكوفة، معلمًا وواليًا على بيت المال، وكتب إلى أهلها: ((أما
بعد، فإني بعثت إليكم عمارًا [أي: ابن ياسر] أميرًا، وعبد الله [أي: ابن مسعود]
معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله وَّ فاسمعوا لهما واقتدوا
بهما، وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة))(٣)، فأقام بالكوفة معلمًا وقاضيًا،
يعلمهم الحديث والتفسير والفقه، حتى تخرج على يديه أغلب أعلام كبار التابعين
كعلقمة النخعي (ت: ٦٢هـ)، والربيع بن خثيم (ت: ٦٢هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣هـ)،
وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل (ت: ٦٣هـ)، وعَبيدة السلماني الكوفي (ت: ٧٢هـ)، ومرة بن
شراحيل (ت: ٧٦هـ)، وعمرو بن مَيْمُون (ت: ٧٤هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت: ٧٥هـ)،
وشُرَيْح القاضي (ت: ٧٨هـ)، وغيرهم ممن اشتهر بالعلم والعمل والورع والعبادة، حتى
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ١٥٠/٣، تهذيب الكمال ١٢١/١٦، تاريخ الإسلام ٢٠٥/٢، سير
أعلام النبلاء ١/ ٤٦١، الإصابة في تمييز الصحابة ١٩٨/٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦٩.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٦/ ٧.

المدخل إلى فُؤَسُوعَة التَّفْسِِّيُ المَاتُوز
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٣٣ %
قال عنهم علي بن أبي طالب حين رآهم: ((أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية))(١).
قدم ابن مسعود المدينة في آخر عمره في عهد عثمان رَظُنّه، ومات بها عام ٣٢هـ،
ودُفُن بالبقيع، وله ثلاث وستون سنة(٢).
منزلته في العلم والتفسير:
كان ابن مسعود من أقرأ الصحابة لكتاب الله، وقد أثنى عليه النبي وَّل فقال: ((من
سَرَّه أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزِل، فليقرأه على قراءة ابن أُم عبد))(٣). وقال عبد الله بن
عمرو: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد - فبدأ
به - ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة))(٤). وقد كان من علماء
الصحابة وأجلائهم، وذلك لملازمته النبي ◌َّ، قال عمر بن الخطاب حين رآه نحيفًا
قصيرًا لا يكاد يُرى بين الناس: (كُنَيِّف ملئ علمًا))، وقيل لعليّ بن أبي طالب:
أخبرنا عن ابن مسعود، قال: ((علم القرآن والسُّنَّة ثم انتهى))، وعن مسروق أنه قال:
((انتهى علم أصحاب رسول الله وَ ل إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود،
وأُبَيِّ بن كعب، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى
رجلين: علي، وعبد الله))(٥).
أما في التفسير فقد كان ابن مسعود من أعلم الصحابة به، حتى قال عن نفسه:
((والله لقد أخذت من فيّ رسول الله وَله بضعًا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب
النبي ( 18 أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم)) (٦). وفي رواية: ((والذي لا
إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم
فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني، تبلغه الإبل، لركبت إليه))،
قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادًّا يقول غير
ذلك (٧).
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٦/ ١٠.
(٢) تاريخ الإسلام ٢١٠/٢.
(٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٤٦٩، (٩٧٥٤).
(٤) أخرجه مسلم ٤/ ١٩١٣، ١١٦ (٢٤٦٤).
(٥) تاريخ الإسلام ٢٠٩/٢.
(٦) أخرجه البخاري ١٨٦/٦ (٥٠٠٠)، ومسلم (٢٤٦٢) (١١٤).
(٧) أخرجه مسلم (٢٤٦٣) (١١٥).

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٣٤ %
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيةُ المَاتُور
وقد أثنى عليه أقرانه من الصحابة، فعن أبي الأحوص قال: كنا في دار أبي
موسى مع نفر من أصحاب عبد الله، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد الله، فقال
أبو مسعود [الأنصاري]: ((ما أعلم رسول الله وَل ترك بعده أعلم بما أنزل الله من
هذا القائم))، فقال أبو موسى: ((أما لئن قلت ذاك، لقد كان يشهد إذا غِبنا، ويُؤذن له
إذا حُجبنا))(١)، وجاء نعي ابن مسعود إلى أبي الدرداء، فقال: ((ما ترك بعده
مثله))(٢).
وقد ترك ظه آثارًا تفسيرية عديدة، فكان أكثر الصحابة تفسيرًا بعد ابن عباس (٣)،
بلغت في الموسوعة (٧٦١) أثرًا، تدل على سعة علمه بكتاب الله.
أسباب عدم بلوغ آثار تفسير ابن مسعود طبقة المكثرين:
عند النظر في مقدار ما أحصيناه في الموسوعة من تفسير ابن مسعود نجد أنه نزر
قليل لا يبلغ المكانة التي تُعرف لابن مسعود في علم القرآن، ولعلنا نستشف أبرز
أسباب ذلك فيما يلي:
١ - تقدم وفاته، فقد توفي عام ٣٢هـ، بينما توفي ابن عباس عام ٦٨هـ، قال ابن
تيمية: ((وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمّر بعده ابن
عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟)) (٤).
٢ - عدم بث كل ما عنده من تفسير نظرًا لوجوده بين تلاميذ عرب أقحاح لا
يحتاجون إلى السؤال عن كثير من الآيات كحال الصحابة(٥).
٣ - اشتغاله بالإقراء والفقه والإفتاء أكثر من التفسير، لذا تجد مرويات تلاميذه
وتلاميذهم عنه في الفقه أكثر منها في التفسير (٦).
(١) أخرجه مسلم (٢٤٦١) (١١٣).
(٢) تاريخ الإسلام ٢٠٩/٢.
(٣) ينظر: الإتقان ٢٣٤/٤، وقد بلغت آثاره في تفسير ابن جرير (٩٨٦) رواية بحسب إحصاء د.محمد
عبد الله الخضيري، ينظر. التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم ص٩٦.
(٤) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ٤١.
(٥) يلاحظ أن أغلب تلاميذه ـ وكذلك طبقتهم - من التابعين المخضرمين الذين هم أقران كثير من
الصحابة، لكن فاتهم رؤية النبي صل*، بخلاف تلاميذ ابن عباس فأغلبهم من الموالي غير العرب.
(٦) أما في الإقراء فمعلوم مكانة ابن مسعود فيها حتى إن كثيرًا من أسانيد القُرّاء تعود إليه، بل تجد كثيرًا
من آثاره في كتب التفسير إنما هي في حكاية قراءاته.
=

فَوْسُورَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُور
المدخل إلى
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٣٥ :
ثانيًا
أبو العالية (ت:٩٣هـ)(١)
رُفَيع بن مهران الرياحي التميمي مولاهم، من كبار التابعين المخضرمين، أدرك
زمان النبي ◌ّ - وهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ورحل إلى المدينة،
فلازم أُبيّ بن كعب وأخذ عنه القراءة والتفسير، كما قرأ على عمر بن الخطاب،
وزيد بن ثابت، وابن عباس رضيّ أجمعين، وسمع من: عمر، وعلي، وأُبي، وأبي
ذر، وابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وأبي أيوب، وابن عباس، وزيد بن
ثابت، وعدة. روى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، والربيع بن أنس، وثابت البناني،
وغيرهم .
منزلته في العلم والتفسير:
كان ◌َتُهُ إمامًا في القراءة، بل كان أقرأ التابعين وأعلاهم سندًا، حتى قال أبو
بكر بن أبي داود: ((ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية))(٢)، ولا
عجب في ذلك، إذا عُرف عمن تلقى القرآن، كما تقدم. وقد قرأ عليه أبو عمرو بن
العلاء والأعمش وغيرهما، ومن هنا نعته الذهبي فقال: ((الإمام، المقرئ، الحافظ،
= وأما الفقه فهو من أشهر فقهاء الصحابة، بل قال الشعبي عنه: ((ما كان أحد من أصحاب النبي ◌َّ أفقه من
صاحبنا عبد الله)) - طبقات ابن سعد ١٠/٦ -، وقد تخرج أشهر تلاميذه عليه في الفقه كمسروق وعلقمة
فكانوا نواة مذهب أهل الكوفة في الفقه، الذين أخذ عنهم إبراهيم النخعي (ت: ٩٦هـ) وعنه حماد بن أبي
سليمان (ت: ١٢٠ هـ) الذي كان أعظم تلاميذه أبا حنيفة النعمان (ت: ١٥٠ هـ) صاحب المذهب المعروف.
وهكذا جاء تلاميذ ابن مسعود من بعده أكثر اشتغالًا في الفقه والإقراء، قال إبراهيم النخعي: ((كان أصحاب
عبد الله الذين يقرؤون ويفتون ستة: علقمة والأسود ومسروق وعبيدة والحارث بن قيس وعمرو بن شرحبيل))
- طبقات ابن سعد ١٠/٦ -.
(١) ينظر في ترجمته: تاريخ دمشق ١٥٩/١٨، تهذيب الكمال ٢١٤/٩، معرفة القراء الكبار ١/ ٥٠، تاريخ
الإسلام ١٢٠٢/٢، سير أعلام النبلاء ٢٠٧/٤، تفسير التابعين ٢٨٨/١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٠٨/٤، غاية النهاية في طبقات القراء ٢٨٥/١.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٣٦ %
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
المفسر))(١).
أما التفسير فقد كان من أعلم التابعين به، أخذه مع القراءة عن أبي بن كعب،
كما روى عن أُبيّ تفسيره، بل كان عليه مدار مرويات تفسير أَبي ◌َظُه المنقولة
والمبثوثة في كتب التفسير المسندة(٢).
كذلك أخذ التفسير عن ابن عباس ها (٣)، الذي كان يدنيه ويقدِّره، قال أبو
العالية: كان ابن عباس يرفعني على السرير، وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي
قريش. فقال ابن عباس: ((هكذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويجلس المملوك على
الأسرة)) (٤).
فما ظنك بمن أخذ القراءة والتفسير عن هذين العلمين من أعلام الصحابة؟! نعم
لقد تخرج أبو العالية عليهما فكان علَمًا من أعلام كبار التابعين، بل هو أكثرهم
تفسيرًا، لا تجد منهم مفسرًا يضاهيه في آثار التفسير أو يدانيه، وقد بلغت في
موسوعة التفسير المأثور (٥٨٩) أثرًا، ولا شك أنها قليلة بجانب ما عُرف عن مكانة
أبي العالية في التفسير .
٤ أسباب قلة الآثار المروية عن أبي العالية في التفسير (٥):
هناك أسباب عديدة، يمكننا أن نستشفها من سيرة أبي العالية وترجمته، لعل من
أبرزها :
١ - قلة تصديه للفتوى ومجالس العامة وإيثاره للخفاء، وكراهيته لاجتماع الناس
عليه، حتى أنه كان إذا جلس إليه أكثر من أربعة، قام، فتركهم (٦).
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٠٧.
(٢) وهي نسخة تفسيرية مشهورة، قال السيوطي: ((وأما أُبي بن كعب فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر
الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم
منها كثيرًا، وكذا الحاكم في مستدركه، وأحمد في مسنده: الإتقان ٤/ ٢٤٠. وينظر: أسانيد نسخ التفسير
ص٨٣.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين، ٢٩١/١.
(٤) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢٠٧/٤، ثم عقب عليه بقوله: ((هذا كان سرير دار الإمرة، لما كان
ابن عباس متوليها لعلي ﴿يَا».
(٥) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص٢٩٦.
(٦) ينظر: تهذيب الكمال ٢١٧/٩، سير أعلام النبلاء ٢١٠/٤. وهذا بخلاف الحسن البصري تَخَّتُهُ، وينظر
مقارنة بين هذين الإمامين في: تفسير أتباع التابعين ١/ ٤٤٦ - ٤٤٨.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ الخَاتُوزِ
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
: ٣٣٧ :
٢ - قلة الرواة عنه: فعن أبي داود قال: ((ذهب علم أبي العالية، لم يكن له
رواة))(١)، ومن هنا نجد أن أغلب ما روي عن أبي العالية إنما هو من طريق الربيع بن
أنس، ولولا رواية الربيع عنه لما تبقى شيء يذكر من تفسير أبي العالية (٢).
٣ - تشدده في الرواية وكتابة العلم.
وفاته :
اختلف في وفاته، فقيل: توفي عام ٩٠هـ، وقيل: عام ٩٣هـ(٣)، وقيل غير ذلك.
(١) تهذيب الكمال ٩/ ٢١٧.
(٢) وفي المقابل يلاحظ أن هناك تشابهًا كبيرًا بين تفسير الربيع بن أنس المنسوب إليه وتفسير شيخه أبي
العالية، وفي الموسوعة شواهد ذلك، خصوصًا في تفسير سورة البقرة، وستأتي مناقشة ذلك في ترجمة
الربيع .
(٣) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ٩٣هـ.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٣٣٨ %
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُون
ثالثًا
عطاء بن أبي رباح (ت:١١٤هـ) (١)
عطاء بن أبي رباح، أبو محمد بن أسلم القرشي مولاهم، المكي، كان من
موَلَّدي الجَنَد من مخاليف اليمن، وذلك في خلافة عثمان. ونشأ بمكة.
روى عن عائشة، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، وأم سلمة، وابن عباس، وابن
عمر، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم رضُه. وروى عنه: عبد الله بن أبي نجيح، وابن
إسحاق، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والليث بن سعد، وابن جريج، وهو من أخص
أصحابه به الذين رووا فقهه وتفسيره واستخرجوا علمه.
منزلته في العلم والتفسير:
أثنى على علمه شيخُه ابن عباس فقال: ((يا أهل مكة، تجتمعون عليّ وعندكم
عطاء))، وقال الأوزاعي: ((مات عطاء يوم مات، وهو أرضى أهل الأرض عند
الناس))، وعن قتادة قال: ((هؤلاء أئمة الأمصار: الحسن، وإبراهيم بالعراق،
وسعيد بن المسيب، وعطاء بالحجاز)). ونعته الذهبي فقال: ((كان إمامًا سيدًا أسود
مفلفل الشعر، من موَلَّدي الجنَد، فصيحًا، علّامةً، انتهت إليه الفتوى بمكة مع
مجاهد))(٢).
أما التفسير فقد كان من أكابر تلاميذ حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن
عباس ◌ًّا، ولكن كان من أقلهم آثارًا في التفسير، حيث بلغت في الموسوعة
(٤٨١) أثرًا(٣)، ولا شك أن لذلك أسبابًا أعاقته عن بلوغ مراتب أقرانه من أكابر
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٣٨٦/٢، تهذيب الكمال ٦٩/٢٠، تاريخ الإسلام ٢٧٧/٢، سير
أعلام النبلاء ٧٨/٥، تفسير التابعين ١٨٤/١.
(٢) تاريخ الإسلام ٢٧٨/٣.
(٣) وإذا أضيف إليها ما يحتمل كونه له من الآثار التي جاءت عن عطاء مهملاً دون وجود قرائن تدل على
أنه المراد، والتي بلغت في الموسوعة ٣٢٢ أثرًا فلا شك أنها ستتجاوز ٦٠٠ أثر بكثير، وذلك أن الأغلب =

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِِّيُ الخَاتُور
مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
٥ ٣٣٩ %
أصحاب ابن عباس كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير في التفسير رواية ودراية، من
ذلك (١):
١ - اشتغاله بالفقه والفتوى والحديث، أكثر من التفسير، خصوصًا ما يتعلق
بأحكام الحج والمناسك، وهذا ما شهد به أهل العلم، قال ربيعة الرأي: ((فاق عطاء
أهل مكة في الفتوى)» (٢)، وقال الأوزاعي وهو يعدِّد ما تميز به التابعون: ((ذهب عطاء
بالمناسك))(٣)، بل ورد عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قوله: ((ما بقي على ظهر
الأرض أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء)) (٤). والناظر في آثار تفسير عطاء يجد أن
أغلبها يدور حول آيات الأحكام، لا سيما المناسك.
٢ - تحرّجه من التفسير برأيه: من ذلك ما جاء عن أقرب تلاميذه إليه وهو ابن
جريج حيث قال: كنت أسال عطاء عن كل شيء يعجبني، فلما سألته عن البقرة
وآل عمران قال: ((أعفني عن هذا))(٥).
٣ - عدم تصدره لمجالس العلم وقلة تلاميذه: فعن أبي بكر بن عياش أن
عطاء كان لا يتكلم حتى يسأل(٦)، وعن إسماعيل بن أمية، قال: ((كان عطاء
يطيل الصمت، فإذا تكلم، يُخيَّل لنا أنه يُؤْيَّد))(٧). وعن الأوزاعي قال: ((كان
عطاء أرضى الناس عند الناس، وما كان يشهد مجلسه إلا سبعة أو ثمانية))(٨)،
= إذا أُطلق عطاء فإنما يُراد به ابن أبي رباح، لكن وجدنا بعض الآثار التي أطلق فيها عطاء وتبين أن المراد
عطاء الخراساني، مما حدا بنا إلى عزو هذه الآثار إلى عطاء مهملاً كما في الأصل. من ذلك: ما عزاه
السيوطي في الدر ٣٨٦/٨، إلى أبي الشيخ عن عطاء في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ﴾. قال: ((هم الكرامُ
الكاتبون؛ حفظةٌ من الله على بني آدم أمروا به)). وهو موجود بنصه في تفسير عطاء الخراساني الذي أخرجه
أبو جعفر الرملي في جزئه ص١١٢، وينظر أيضًا: الدر المنثور ١٧٣/١١، يقابله تفسير ابن أبي حاتم ٨/
٢٦٩١. كذلك أيضًا: الدر المنثور ١٨١/١١، يقابله تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٩٨/٨. ومثله في تفسير الثعلبي
١٠/ ١٣٥ يقابله في حلية الأولياء ٢٠٠/٥.
ومما يجدر ذكره أن ما تأكدنا منه أنه لأحدهما أثبتنا تمييزه بين معقوفين للدلالة على أنه ليس في المصدر.
(١) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص٢٩٦.
(٢) تهذيب الكمال ٧٨/٢٠.
(٣) تهذيب الكمال ٢٠/ ٧٨.
(٤) طبقات ابن سعد ٣٨٦/٢.
(٥) تهذيب الكمال ١١٦/٢٠.
(٦) طبقات ابن سعد ٣٧٥/٢.
(٧) تهذيب الكمال ٧٩/٢٠.
(٨) تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٩١/٤٠.

مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
& ٣٤٠ %
المدخل إلى مُؤْسُوَ التَّقَنَّةُ الْخَاتُور
ولو لم يلازمه ابن جريج ويستثير علمه بالسؤال(١) ويروي ذلك عنه لذهب أكثر
علم عطاء.
هذه أهم أسباب عدم بروز عطاء بن أبي رباح في التفسير مع أنه تَخْتُهُ طال عمره
حتى توفي عام ١١٤ هـ. والله أعلم.
(١) والناظر في آثار عطاء يجد أن أغلبها روي من طريق ابن جريج، خصوصًا في تفسير الآيات، وكثير
منها ورد مصرحًا بمبادرته لسؤال عطاء.