Indexed OCR Text

Pages 261-280

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْنِسَةُ الْخَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢٦١ %
يسألوهم، فعن أبي الطفيل، قال: قال علي: ((سلوني عن كتاب الله؛ فإنه ليس من
آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل))(١).
وعن ابن أبي حسين قال: قام علي بن أبي طالب رَبُّه فقال: ((ألا أحد يسألني
عن القرآن فو الله لو أعلم اليوم أحدًا أعلم مني به، وإن كان من وراء البحار،
لأتيته)). فقام عبد الله بن الكواء فقال: من الذين بدلوا نعمت الله كفرًا وأحلوا قومهم
دار البوار؟ فقال: ((مشركو قريش))(٢).
وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: ((إني أصبحت طيب
النفس فسلوني عن أشياء من سورة البقرة وسورة يوسف)). يخصهما من بين
السور(٣) .
وهكذا الحال أيضًا مع التابعين رحمهم الله، فعن سعيد بن جبير أنه كان يقول:
((سلوني يا معشر الشباب فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم)) (٤).
وعن سعيد بن يزيد، قال: كنا عند عكرمة فقال: ((ما لكم أفلستم؟ يعني: لا
أراكم تسألوني)) (٥) .
وكذا أيضًا روي عن بعض أتباع التابعين خصوصًا مقاتل بن سليمان (٦).
٤ - تصدي الطلاب لسؤال شيوخ العلم واستخراج علمهم من ذلك الطريق:
رأينا في الطريق السابق كيف تصدى بعض السلف للتفسير من خلال التعرض
السؤال التلاميذ وطلب ذلك منهم، لكن في المقابل وُجد من المفسرين من تحرج من
القول في التفسير وآثر عدم الخوض فيه، فكان لا يبتدئ التفسير حتى يُسأل،
فقيَّض الله من التلاميذ النجباء من يجلس إليه ويسأله ويستخرج تفسيره، فمن هؤلاء
سعيد بن المسيب الذي عرف عنه التهيب من التفسير، حتى أنه كان يُسأل عن الآية
من القرآن فيقول: ((لا أقول في القرآن شيئًا))(٧)، كما أنه كان رجلًا شديدًا مهابًا(٨)،
وقد رحل إليه قتادة فعكف عليه بضعة أيام يسأله، فاستخرج كثيرًا من علمه ومن ذلك
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٣٣٨/٢.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٤٧.
(٣) المعرفة والتاريخ ١/ ٤٩٤.
(٤) المعرفة والتاريخ ٧١٣/١. وينظر أيضًا: ابن جرير ١٣ / ٦٩٤.
(٥) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٣٨٦/٢.
(٦) ينظر: تهذيب الكمال ٤٤٦/٢٨.
(٧) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٨١، وابن جرير في تفسيره ٧٩/١.
(٨) المعرفة والتاريخ ٥٤٩/٤.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ الخَاتُور
٥ ٢٦٢ :
التفسير(١)، فعن معمر، عن قتادة: أنه أقام عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال
له في اليوم الثامن: ((ارتحل يا أعمى، فقد نزفتني)) (٢).
وكذلك عطاء بن أبي رباح الذي كان لا يتكلم حتى يُسأل(٣)، لكن لازمه تلميذه
ابن جريج فكان يسأله حتى استخرج أغلب تفسيره المروي عنه (٤).
(١) لذا كان قتادة من أكثر من روى تفسير سعيد بن المسيب. ينظر: تفسير التابعين ٣٥٢/١.
(٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٧/ ٢٣٠.
(٣) ذكر ذلك عنه أبو بكر بن عياش، ينظر: الطبقات الكبرى ٢٧٥/٦.
(٤) لذا نجد أغلب مرويات ابن جريج عن عطاء مُصدَّرة بقوله: سألت عطاء عن كذا، ونحو ذلك، أما ما
كان عن غير عطاء فيصدُّرها بلفظ سمعت فلانًا، وقال فلان، ينظر: تفسير التابعين ١٨٥/١ - ١٨٦، ١٩٤.

المدخل إلى ضُوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْحَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٦٣ .
المبحث الثاني
مرحلة الكتابة والتدوين
هذا الموضوع متشعب الأطراف؛ ومختلف الجوانب؛ لذا يصعب الخوض فيه،
نظرًا لتناوله مرحلة زمنية معتمة من حيث الرصد والتتبع التاريخي، وطويلة - نسبيًّا -
ذات مراحل مختلفة ومتباينة، إضافة إلى كونها متداخلة إن أردت تحديدها بدقة، وقد
اشتهر لدى المعاصرين ما كتبه د. محمد حسين الذهبي (ت: ١٣٩٧هـ) كَّتُهُ، بأن التفسير
المأثور مر بأربع خطوات، حاصلها فيما يلي(١):
الأولى: الرواية بالمشافهة، وذلك في عصر الصحابة والتابعين.
الثانية: تدوين الحديث النبوي، حيث كان التفسير بابًا من أبوابه، ثم أورد عددًا
من المحدثين - وكلهم من أتباع التابعين - الذين صنفوا كتبًا في الحديث، وذكر أن
((جمعهم للتفسير جمعًا لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعًا للتفسير على
استقلال وانفراد))(٢).
الثالثة: انفصال علم التفسير عن علم الحديث، حتى أصبح علمًا قائمًا بنفسه،
وذكر أن ذلك تم على أيدى طائفة من العلماء أورد بعضًا منهم، وكلهم ممن جاء
بعد أتباع التابعين.
الرابعة: مرحلة اختصار الأسانيد.
وتبعه على ذلك كثير ممن ألّف في تاريخ التفسير ومناهج المفسرين دون تمحيص
وتحرير للمسألة، وهو تقرير غير دقيق، ومجرد فرضيات ينقضها الواقع التاريخي
للتفسير، حيث رويت آثار عديدة تدل على استقلال علم التفسير والتدوين فيه مبكرًا
منذ عهد الصحابة كما سيأتي بيانه(٣)، بل إن قوله تناقض عندما استطرد وذكر شيئًا
(١) ينظر: التفسير والمفسرون ١٠٤/١ - ١٠٧.
(٢) التفسير والمفسرون ١٠٤/١.
(٣) ينظر في مناقشة ذلك: مقال ((التنكيت على مراحل التفسير عند الذهبي في التفسير والمفسرون))، للدكتور =

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّعَنِيَةُ الْخَاتُورُ
٥ ٢٦٤ :
من تلك الروايات الدالة على قِدم علم التفسير وتقدم التدوين فيه (١).
ولعلنا نحاول تحرير المسألة وطرحها بصورة أخرى أحسب أنها أدق مما تقدم،
مع التركيز والاختصار قدر المستطاع، فنقول بأن التفسير مر بمرحلتين أساسيتين:
الأولى: مرحلة الروايات الشفهية: وتقدم الحديث عنها في المبحث السابق .
الثانية: مرحلة الكتابة والتدوين: وهذه المرحلة مرت بأربعة مراحل متداخلة في
كثير منها، بحيث يصعب تحديد كل منها زمنيًّا، خصوصًا الثلاثة الأخيرة منها، وهذه
المراحل هي:
المرحلة الأولى: مرحلة الكتابة المبدئية للتفسير.
المرحلة الثانية: مرحلة النسخ التفسيرية.
المرحلة الثالثة: مرحلة التدوين الشامل للتفسير.
المرحلة الرابعة: مرحلة حذف الأسانيد.
وإليك تفصيل تلك المراحل، وبالله التوفيق.
المرحلة الأولى: مرحلة الكتابة المبدئية للتفسير:
بدأت هذه المرحلة في عصر الصحابة الممتد إلى عام ٧٣هـ كما تقدم، حيث
وردت روايات تؤكد أن كتابة التفسير بدأت في ذلك العهد، فعن ابن أبي مليكة،
قال: ((رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه فيقول له ابن
عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير، كله)) (٢)، وهذا الأثر يدل على فوائد
عديدة (٣) من أهمها :
١ - أن علم التفسير كان علمًا قائما بذاته في عهد الصحابة؛ لأن مجاهدًا ذهب
إلى ابن عباس ليسأله عن التفسير خاصة، فدل على أنه علم قائم بذاته .
٢ - أن تدوين التفسير كان في عصر صغار الصحابة رضيه، وهذه النسخة التي كان
يكتبها مجاهد من أكبر الأدلة على أن بدايات علم التفسير وتدوينه كانت متقدمة
= مساعد الطيار في كتاب مقالات في أصول التفسير وعلوم القرآن ١٣٠/٢.
(١) ينظر: التفسير اللغوي ص ١٤٧، حاشية ٤.
(٢) تفسير ابن جرير ١/ ٨٥.
(٣) ينظر: التعليق على تفسير ابن جرير الطبري، المجلس الرابع للدكتور مساعد الطيار، على موقعه:
www.attyyar.net/container.php?fun = artview&id =474

المدخل إلى مُؤْسُوكَةُ التَّفْسِيُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢٦٥ ٥
جدًّا، وأرى أن ذلك تدوين فردي خاص، بمعنى أن كتابته لأجل الحفظ والمراجعة
والاستذكار، كما كانت حال المحدثين يومئذ، ولم يكتبه لغيره كمصنف يؤثر عنه،
لذا فإن هذه المرحلة من التدوين تختلف عن المرحلة التالية من هذه الحيثية، والله
أعلم.
٣ - قوله: ((حتى سأله عن التفسير كله))، يدل ظاهره على عدم توقف ابن
عباس ◌ّا عن التفسير، ويؤكد هذه المعلومة مجاهد في قوله: ((عرضت المصحف
على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه،
وأسأله عنها)).
لكن هل يدل ذلك على أن ابن عباس فسر القرآن كاملًا آية آية؟ هذا ما يظهر من
عموم اللفظ، وعليه فإنه ينقض ما اشتهر من أن التفسير لم يكن متوسعًا في عهد
الصحابة، وأنهم لم يفسروا جميع آيات القرآن.
ويحتمل أن المراد بقوله: ((سأله عن التفسير كله))؛ أي: المشكل منه وما يحتاج
إلى إيضاح، إذ الواضح لا يحتاج إلى أن يُسأل عنه، خصوصًا في ذلك الوقت
المتقدم الذي لم تضعف فيه اللغة، ويفشو اللحن بصورة كبيرة، ويؤيد هذا الاحتمال
أن ما نُقل من مرويات تفسير ابن عباس التي بين أيدينا لم تصل إلى ذلك الحد،
والله أعلم .
ومن الآثار التي تعضد هذا الأثر في كون كتابة التفسير بدأت مبكرًا :
- ما رواه سعيد بن جبير حيث قال: ((كنت أكتب عند ابن عباس في ألواحي حتى
أملأها ثم أكتب في نعلي)) (١).
- ما جاء عن موسى بن عقبة قال: وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل بعير من
كتب ابن عباس. قال: فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه:
ابعث إلي بصحيفة كذا وكذا. قال: فينسخها، فيبعث إليه بإحداهما (٢).
حيث دل هذان الأثران أن تلاميذ ابن عباس كانوا يكتبون ما يلقيه إليهم من العلم
كثيرًا، والظاهر أن من ذلك علم التفسير، إذ هو أكثر علم استغرق جهد ابن
عباس ◌ًَّا كما هو معلوم.
(١) العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله ٢٣١/١.
(٢) الطبقات الكبرى ٢٩٣/٥.

المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُونْ
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
& ٢٦٦
والخلاصة: أن بداية تدوين التفسير كفَنِّ مستقلٍّ عن الحديث ظهر في عهد
الصحابة، لكن كان للحفظ والاستذكار والمراجعة والتحديث منها، ولم يكن
بالتدوين المنظم، والتأليف المرتب المراد به التصنيف للآخرين، وفي ذلك يقول
الحافظ ابن رجب: ((والذي كان يُكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا
مرتبًا مُبوَّبًا، وإنما كان يُكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين
صُنِّفت التصانيف، وجمع طائفة من أهل العلم كلام النبي ◌َّر، وبعضهم جمع كلام
الصحابة)) (١).
المرحلة الثانية: مرحلة النسخ التفسيرية:
النسخة والصحيفة مصطلحان مترادفان، والمقصود بهما عند المحدثين ((ما اشتمل
على حديث فأكثر ينتظمها إسناد واحد))(٢)، وهذا المعنى ينطبق على النسخ
التفسيرية (٣)، وعليه فالنسخة التفسيرية: هي ما اشتملت على آثار في تفسير القرآن
ينتظمها إسناد واحد.
وتدوين النسخ التفسيرية مرحلة تلت مرحلة مجرد الكتابة، وذلك في عصر
التابعين (٧٣ - ١٣٢ هـ) حيث اعتنى التابعون بإملاء التفسير على طلابهم من أتباع
التابعين الذين جمعوا تلك النسخ ورووها، وقد تنسب إليهم أو إلى مشايخهم، من
ذلك :
١ - تفسير مجاهد (ت: ١٠٢هـ): فقد روي أن مجاهدًا أملى التفسير على القاسم بن
أبي بزة (ت: ١١٥هـ)، وأخذ كتابه الحكم وليث وابن أبي نجيح. قال سفيان بن عيينة:
((لم يسمعه أحد من مجاهد إلا القاسم بن أبي بزة أملاه عليه)) (٤). ثم أخذ ورقاء
اليشكري (ت: ١٦٠ هـ ونيف) هذا التفسير حيث قال: كتاب ((التفسير)) قرأت نصفه عَلَى ابن
أَبي نجيح، وقرأ عَلَيَّ نصفه. وقال ابن أبي نجيح: هذا ((تفسير)) مجاهد(٥).
(١) شرح علل الترمذي ١/ ٣٧.
(٢) ينظر: معرفة النسخ والصحف الحديثية، لبكر بن عبد الله أبو زيد، دار الراية، ط. ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢م،
ص٢١ - ٢٣.
(٣) أسانيد نسخ التفسير ص٥٩.
(٤) المعرفة والتاريخ ١٥٤/٢.
(٥) تهذيب الكمال ٤٣٥/٣٠، ثم رواه عن ورقاء آدم بن أبي إياس (ت: ٢٢٠هـ)، وهو التفسير الموجود بين
أيدينا باسم تفسير مجاهد، ورجح بعض المعاصرين أنه تفسير آدم بن أبي إياس المشهور.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٦٧ %=
٢ - تفسير السدي (ت: ١٢٧هـ): وهي النسخة التي جمعها السدي من تفسير ابن
مسعود وناس من الصحابة من طريق مرة الهمداني، وتفسير ابن عباس من طريق أبي
صالح وأبي مالك (١)، واستقصاء هذا الباب واسع(٢).
وفي عهد التابعين صدر أمر التدوين المنظم للسُّنَّة من قبل الخليفة عمر بن
عبد العزيز (ت: ١٠١هـ) وتقرر بصورة رسمية، فاستجاب لذلك عدد من التابعين على
رأسهم محمد بن شهاب الزهري (ت: ١٢٤هـ) فجمع حديث أهل المدينة (٣)، ويظهر أن
هذه الكتابة الرسمية لم تكن الأولى، فقد سبق عمر بن عبد العزيز أبوه عبد العزيز بن
مروان (ت: ٨٥هـ) حين أمر كثير بن مرة الحضرمي (ت: ٨٠هـ) بكتابة ما سمعه من حديث
الرسول وَ﴾(٤)، لكن الكتابة التي كانت بأمر عمر بن عبد العزيز أشمل وأشهر، وقد
تبين من خلال بعض الروايات أن تلك النسخ المجموعة أُودعت في ديوان الخلفاء
بدمشق(٥)، والذي يهمنا أن هذا الأمر لم يكن حكرًا على تدوين أحاديث السُّنَّة
فحسب؛ بل يمكننا القول: إن للتفسير نصيبًا من التدوين الرسمي، فقد روى ابن أبي
حاتم أن أباه سُئل عن عطاء بن دينار، فقال: ((هو صالح الحديث، إلا أن التفسير
أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه
بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في
(١) ورجح الشيخ أحمد شاكر في تحقيق تفسير ابن جرير ١٥٦/١ أنه كتاب تفسير ألَّفه السُّدي وليس مَنْ
دونه، جمع التفسير من هذه الطرق الثلاث، واستدل بقول الإمام أحمد بن حنبل عن السُّدي: ((إنه ليحسن
الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به، قد جعل له إسنادًا، واستكلفه)). وقول الحافظ في التهذيب:
((قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما، في تفاسيرهم، تفسير السُّدي، مفرقًا في السور، من
طريق أسباط بن نصر عنه)). وله تحرير مطول نفيس في ذلك، وقد ذكر ابن النديم هذا التفسير في الفهرست
٠٨٨/١
(٢) من ذلك أيضًا ما رواه وقاء بن إياس، قال: ((رأيت عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في
كتاب ومعه الدواة يغير)). الطبقات الكبرى ٢٦٦/٦، المعرفة والتاريخ ٢١٣/٣، وما جاء أن الحسن
البصري أملى التفسير على تلاميذه. جامع بيان العلم وفضله ٣٢٣/٢. وكذلك صحيفة علي بن طلحة
المشهورة التي كتب فيها تفسير ابن عباس من طريق مجاهد أو سعيد بن جبير فيما ذُكر. الإتقان ٤/ ٢٣٧.
(٣) ينظر: فتح الباري ١/ ٢٠٤، بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص٢٩٩.
(٤) ينظر ذلك مفصلًا في: تاريخ تدوين السُّنَّة ص ٥٢ - ٥٤.
(٥) من ذلك ما ورد عن معمر أنه قال: ((كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد بن يزيد، فإذا
الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته؛ يعني: من علم الزهري)). الطبقات الكبرى ٣٨٩/٢، المعرفة
والتاريخ ٦٣٨/١، قال الذهبي معقبًا عليه: ((يعني: الكتب التي كتبت عنه لآل مروان)) تاريخ الإسلام ٥٪
١٤١. وينظر: بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص٢٩٨، تاريخ تدوين السُّنَّة ص٥٤ - ٥٨.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
فَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْجَاتُور
المدخل إلى
٥ ٢٦٨ :
الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير))(١).
في هذه الرواية العزيزة فوائد نفيسة متعلقة بتاريخ تدوين التفسير، منها :
١ - أن التدوين الرسمي المنظم للتفسير بدأ مبكرًا جدًّا مع تدوين الحديث وربما
قبله، وذلك في عهد عبد الملك بن مروان (ت: ٨٦هـ)، ولا بد أنه قبل عام ٨١هـ،
الذين بدأت فيه فتنة خروج ابن الأشعث على الحجاج والي العراق لعبد الملك،
والتي خرج معه فيها سعيد بن جبير، ويبعد أن يكاتبه عبد الملك بن مروان بذلك بعد
خروجه عليه .
٢ - أن تدوين التفسير المرتب المقصود به التصنيف للآخرين بدأ مبكرًا جدًّا، تدل
عليه هذه القصة، حيث طلب الخليفة من سعيد كتابة التفسير فكتبه بيده كما يظهر،
ولأنها كانت بطلب رسمي فلا بد أنها أكثر ترتيبًا وتنظيمًا، حتى أنها أودعت خزانة
الدولة، وهذا خلاف ما هو معهود في كتابة التفسير آنذاك بالكتابة للفائدة الشخصية
الخاصة، أو بإملاء الشيخ على تلاميذه.
٣ - أن سعيد بن جبير كتب نسخة من تفسير القرآن، ولم تبين الرواية مقدار ما
كتب، لكن يظهر من لفظ الرواية أنها نسخة كبيرة.
٤ - أن التفسير علم مستقل قائم بذاته منذ ذلك العهد وقبله، وهذا ينقض ما قيل
من أن التفسير لم يكن في هذه المرحلة إلا جزءًا من الحديث.
٥ - أن تلك النسخة ظلت محفوظة في ديوان الخلافة بدمشق حتى اطلع عليها
عطاء بن دينار (ت: ١٢٦هـ)، فأخذ نسخة منها ورواها عن سعيد مرسلة، وعطاء لم يلق
سعيدًا كما ذكر أبو حاتم الرازي.
٦ - أن هذه النسخة ربما تكون من أقدم نسخ التفسير التي وصلتنا! وذلك أن ابن
أبي حاتم يروي في تفسيره نسخة تفسيرية كبيرة عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ) من طريق
ابن لهيعة عن عطاء بن دينار (ت: ١٢٦هـ)، وهي مبثوثة في هذه الموسوعة نقلًا عما وُجد
من تفسير ابن أبي حاتم.
والناظر في مرويات تلك النسخة يجد أنها ذات تفسير تحليلي لألفاظ القرآن تتميز
بالتوسع والتفصيل حتى يفسر الواضح من الألفاظ، مما يدل أنها أُلفت للغير، وهذا
يشير إلى أن ذلك المنهج قديم، وليس كما ذُكر من أن الصحابة والتابعين كانوا لا
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣٣٢/٦.

فَوْسُوعَة التَّفْسِِّيَةُ المَاتُور
المدخل إلى
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
& ٢٦٩ %
يفسرون إلا ما يشكل، نعم قد يكون هذا هو المنهج الأغلب، لكن التفسير التحليلي
كان له حضور متقدم، وليس من بدع المتأخرين، وحسبك بهذه الفائدة العزيزة في
تاريخ التفسير (١).
علوم القرآن:
لم تكن نسخ التفسير مقتصرة على التفسير فحسب؛ بل ظهرت نسخ في بعض
علوم القرآن المتعلقة بالتفسير وبغيره فكانت من أوائل ما دُوِّن من تلك العلوم، ومن
أشهر تلك النسخ المدونة:
في الناسخ والمنسوخ: ((الناسخ والمنسوخ)) لقتادة (ت: ١١٧هـ)، ومثله للزهري
(ت: ١٢٤هـ)، وهما مطبوعان(٢)، وكذلك لزيد بن أسلم (ت: ١٣٦هـ)(٣).
في المكي والمدني: ((نزول القرآن)) للضحاك بن مزاحم (ت:١٠٤هـ)، ومثله لعكرمة
(ت: ١٠٥هـ)، وكذلك للحسن البصري (ت: ١١٠هـ) (٤)، وكتاب «تنزيل القرآن بمكة والمدينة
للزهري)) (ت: ١٢٤هـ)، وهو مطبوع(٥).
والخلاصة: أنه ظهرت في عصر التابعين نسخ التفسير المضمومة في كتب
مستقلة، مروية بإسناد واحد عن أحد مفسري الصحابة أو التابعين، ثم جاء
نقلة التفسير من أتباع التابعين ومن بعدهم فرووا تلك النسخ وجمعوها، ثم
جزؤها ورتبوها على ترتيب سور القرآن وآياته في مصنفات شاملة (٦)، فكانت اللبنة
(١) للتوسع ينظر: تفسير أتباع التابعين: ص٣١٩ - ٣١٢.
(٢) حققهما: د. حاتم الضامن في جزء لطيف مع كتابين آخرين في النسخ. وآثارهما مبثوثة في هذه
الموسوعة .
(٣) وهي نسخة نفيسة أوردها ابن وهب في جامعه، وتقدم الحديث عنها في مصادر الموسوعة. وآثارها
مبثوثة في هذه الموسوعة.
(٤) حققه: د. حاتم الضامن في جزء لطيف.
(٥) ذكر هذه الكتب الثلاثة ابن النديم في الفهرست ص ٤٠.
(٦) وهذا مثل صنيع المحدثين في نسخ الحديث وصحائفه المتقدمة، ونذكر مثالًا لذلك: الصحيفة الصحيحة
التي كتبها همام بن منبه عن أبي هريرة عن الرسول وَّ، تشتمل على نحو من مائة وأربعين حديثًا، تروى
بإسناد واحد، أودعت كاملة في مسند أحمد، وقطعت وفق الأبواب الفقهية في الصحيحين وغيرهما، ينظر:
تاريخ تدوين السُّنَّة ص٧٩، ٨٠. وهكذا نسخ التفسير المروية عن التابعين كسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة
والسُّدي قطعت مرتبة حسب الآيات، وأودعت في دواوين كتب التفسير المسندة كتفسير ابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم، لذا ترى أسانيدها المتكررة في ثنايا التفسير لا تكاد تغيب.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
& ٢٧٠ %=
المدخل إلى فَوَّسُوكَة التَّفْسِيَةُ الْمَانُونْ
الأولى والمصادر الرئيسة لكتب التفسير المأثور الشاملة، كما سنرى في المرحلة التالية.
المرحلة الثالثة: مرحلة التدوين الشامل للتفسير:
وذلك في عصر أتباع التابعين (١٣٢ - ٢٠٠هـ) وما بعده من القرن الثالث
الهجري، حيث تطور تدوين العلوم، من مجرد الجمع والتدوين إلى مرحلة التصنيف
والترتيب والجمع والتبويب، قال الذهبي: ((في سنة ثلاث وأربعين [أي: ومائة] شرع
علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنَّف ابن جريج
بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة
وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنَّف ابن إسحاق
المغازي، وصنَّف أبو حنيفة تَخْتُ الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنّف هشيم والليث
وابن لهيعة، ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه،
ودُوِّنت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة
يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة))(١).
ومن هذه العلوم التي تطور فيها التدوين علم التفسير، حيث وجدنا أن تدوين
التفسير المأثور في هذه المرحلة خطا خطوة واسعة من خلال التدوين الشامل
للتفسير، وذلك بظهور كتب تفسير مسندة، ضمت في ثناياها آثارًا تفسيرية عن عدد
من مفسري السلف، وليست مختصة بمفسر واحد كما في المرحلة السابقة حيث
النسخ التفسيرية، كما تميزت الكتب بطابع خاص من الترتيب والتصنيف، إذ جمعت
تحت كل آية آثار من فسرها من السلف، وذلك بقدر ما يرويه صاحب الكتاب كثرة
وقلة، ولا شك أنه كلما تأخر الزمن كان الكتاب أدق تصنيفًا وأكثر رواية بإدخال
مصادر جديد لم تكن لدى السابقين، لذا يمكننا أن نجعل هذه المرحلة على قسمين:
أ - التدوين الجزئي (في عصر أتباع التابعين: ١٣٢ - ٢٠٠هـ):
لا شك أن بداية أي عمل يكتنفه شيء من النقص والقصور ثم يتكامل تدريجيًّا،
من هنا نجد أن بداية هذه المرحلة في عصر أتباع التابعين (١٣٢ - ٢٠٠هـ) كان فيها
شيء من ذلك، حيث جُمعت عدد من نسخ التفسير في كتاب تفسير واحد، ولكن
بصورة جزئية، ومن ملامح تلك الصورة:
(١) تاريخ الخلفاء ص ١٩٤.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيرُ الْحَانُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢٧١
١ - اقتصار تلك المدونات على تفسير آيات معدودة في السورة الواحدة، وعدم
استيعاب معظمها .
٢ - ربما اختل ترتيب الآيات فيها أحيانًا، وكلا الأمرين واضح في تفسير الثوري
(ت: ١٦١ هـ) .
٣ - يدور أغلبها حول نسخة تفسيرية واحدة، ومفسر واحد، يظهر ذلك جليًّا في
تفسير عبد الرزاق (ت: ٢١١هـ) الذي كان أغلبه في تفسير قتادة من طريق معمر، ومثله
تفسير الفريابي (ت: ٢١٢هـ) الذي أغلبه في تفسير مجاهد من طريق ابن أبي نجيح(١)،
وكذا تفسير آدم بن أبي إياس (ت: ٢٢٠هـ) الذي أغلبه في تفسير مجاهد من طريق ورقاء
عن ابن أبي نجيح.
أضف إلى ذلك أن مصادرهم كانت أقل ممن بعدهم، فمن ألَّف في ذلك من كبار
أتباع التابعين اقتصر على مصادر السُّنَّة والصحابة والتابعين، كما هو الحال في تفسير
مقاتل بن سليمان وسفيان الثوري ممن وقفنا على تفسيره، ولا شك أنه كذلك عند
من لم نقف على تفسيره كالكلبي وابن جريج ومقاتل بن حيان، بينما نجد أن من
جاء بعدهم من نقلة التفسير أضاف مصدرًا آخر وهو تفسير كبار التابعين وأواسطهم،
كما هو الحال في تفسير يحيى بن سلام (ت: ٢٠٠هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١هـ).
لذا زاد حجم تفسيرهم على الطبقة التي قبلهم.
ونختم بأن ما سبق من أمثلة لتفسير ذلك العهد هو مما طبع حتى الآن، وهناك
الكثير مما هو في حكم المفقود، ومن ذلك(٢):
١ - تفسير زائدة بن قدامة (ت: ١٦١هـ)(٣).
٢ - تفسير مالك بن أنس (ت: ١٧٩هـ) (2).
(١) ينظر: الإتقان ٢٣٤٠/٦.
(٢) ينظر: تفسير أتباع التابعين، ص٢٦٨.
(٣) أبو الصلت الكوفي ثقة ثبت، روى له الجماعة، قال الذهبي: ((وقد كان صنف حديثه، وألف في
القراءات، وفي التفسير والزهد)). ينظر: سير أعلام النبلاء ٣٧٥/٧. وتفسيره مبثوث في تفسير ابن جرير
الطبري .
(٤) أبو عبد الله الأصْبحي، المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وأما تفسيره فهو تفسير مسند،
قال الداودي: ((وهو أول من صنَّف ((تفسير القرآن)) بالإسناد على طريقة ((الموطأ))، تبعه الأئمة، فقلَّ حافظ
إلا وله تفسير مسند)) . طبقات المفسرين ٢٩٩/٢. وهو أحد موارد السيوطي في الدر المنثور، ينظر: مقدمة
تفسير الدر المنثور، للسيوطي بين المخطوط والمطبوع، للدكتور حازم سعيد حيدر ص٢٥٢، ففيه معلومات
نفيسة عن هذا التفسير.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
فَوْسُكَبُ التَّقْسِيَةُ الْخَاتُور
المدخل إلى
٥ ٢٧٢ .
٣ - تفسير وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧هـ)(١).
٤ - تفسير سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨هـ)(٢).
٥ - تفسير يزيد بن هارون الواسطي (ت: ٢٠٦هـ)(٣).
هذا في كتب التفسير الروائية المسندة، أما كتب التفسير التي جمعت بين الرواية
والاجتهاد فقد وصل بين أيدينا كتابان - هما تفسير مقاتل بن سليمان وتفسير يحيى بن
سلّام - شاهدان على أن تدوين التفسير في عصر أتباع التابعين بلغ مبلغًا متكاملًا،
بشمول جميع السور والآيات وأغلب الألفاظ، ولم يكن كصورة كتب التفسير الروائية
السابقة من حيث القصور في الترتيب والنقص، ولا غرو في ذلك فلدى منهج مؤلفي
هذه التفاسير مصدر مهم قصرت عنه مناهج كتب التفسير الروائية، وهو الاجتهاد في
التفسير، الذي يُمكِّن المفسر من تفسير الآيات التي لم يرد إليه تفسيرها عمن قبله،
دون الاقتصار على ما بلغه عنهم، كما تقدم.
وتطور تدوين التفسير في عصر أتباع التابعين لم يقتصر على هذا الجانب فحسب؛
بل وجدت جوانب أخرى تدل على أن هذه المرحلة التاريخية مرحلة فارقة في تاريخ
تدوين التفسير؛ خطا فيها خطوات واسعة نحو التكامل الذي وصل إليه فيما بعد،
فمن تلك الجوانب (٤):
١ - تصدير الكتاب بمقدمة علمية: كما في تفسير يحيى بن سلام وعبد الرزاق.
٢ - افتتاح السورة قبل تفسيرها بمقدمة عن بعض علومها: وهو واضح جلي في
تفسير مقاتل بن سليمان، وبصورة أقل عند يحيى بن سلام.
٣ - التصنيف في علوم التفسير استقلالاً، فمن ذلك:
- علم الوجوه والنظائر: حيث ألّف فيه مقاتل بن سليمان كتابًا مستقلًّا، فكان أوَّل
(١) أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الاعلام، الحافظ الثبت، محدِّث العراق، روى له الجماعة. انظر:
سير أعلام النبلاء ٩/ ١٤١. وتفسيره كتاب رواية كما يفهم من خلال ما أورد عنه إبراهيم الحربي حيث قال:
((لما قرأ وكيع التفسير، قال: خذوه، فليس فيه عن الكلبي، ولا عن ورقاء شيء)). ينظر: سير أعلام النبلاء
٧/ ٤٢١، وقد اعتمده السيوطي ضمن مصادره في الدر المنثور ينظر: مقدمة تفسير الدر المنثور للسيوطي بين
المخطوط والمطبوع ص ٢٥٢. وهو مبثوث في تفسير ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم.
(٢) تقدم الحديث عنه في مصادر الموسوعة.
(٣) السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، أحد أعلام الحفاظ، من صغار أتباع التابعين، ولد عام ١١٧ هـ،
وقيل: ١١٨ هـ، روى له الجماعة، ينظر: تهذيب التهذيب.
(٤) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص٣٤٣ - ٣٥٢.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيُ الخَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢٧٣ %=
من ألَّف فيه(١)، هذا إضافة إلى اعتنائه الكبير بهذا العلم في تفسيره كما تقدم.
كذلك ممن ألف فيه استقلالًا؛ الحسين بن واقد المروزي (ت: ١٥٩م)، وابنه علي بن
الحسين (ت: ٢١١هـ)، وهارون بن موسى الأعور (ت: ١٧٠هـ)(٢)، ويحيى بن سلّام
(ت: ٢٠٠هـ) (٣).
- علم أحكام القرآن ((التفسير الفقهي)): ظهر في هذا العصر بتأليف مقاتل بن
سليمان لكتابه الذي أطلق عليه: ((تفسير الخمسمائة آية من القرآن)) (٤)، ورتّبه بحسب
الموضوعات الفقهية، وذلك بأن يجمع الآيات الواردة في موضوع الباب، ويذكر ما
يتعلق بها من أحكام فقهية، مستدلًّا بالأحاديث النبوية وأقوال الصحابة وبعض
التابعين(٥)، وهو أوَّل كتاب أُلَّف في هذا العلم(٦)، وطريقة ترتيب الكتاب هي عين
ما يعرف اليوم بـ(التفسير الموضوعي)) في معناه الظاهر من جمع الآيات في
الموضوع الواحد وتفسيرها، مما يمكننا القول بأن مقاتل من أوائل من صنّف في
التفسير الموضوعي إن لم يكن أولهم.
ب - التدوين الكلي (في القرن الثالث الهجري وما بعده):
توسع تدوين التفسير بصورة كبيرة وبلغ مرتبة التكامل، وظهر نوعان من الكتب
المعتنية بالتفسير المأثور، هما :
أولًا: كتب التفسير الجامعة: وقد تميزت بمحاولة الاستيعاب والاستقصاء؛
لأسباب ومزايا، منها :
(١) ينظر: البرهان للزركشي ١٠٢/١. وقد وصلنا هذا الكتاب، وطبع بعنوان ((الأشباه والنظائر)) من تحقيق:
الدكتور عبد الله شحاتة، كما صدر بعنوانه الصحيح ((الوجوه والنظائر)) بتحقيق: الدكتور حاتم الضامن.
(٢) وكتابه مطبوع بتحقيق: د. حاتم الضامن.
(٣) وكتابه مطبوع بعنوان ((التصاريف: تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه))، بتحقيق: د.هند
شلبي، الشركة التونسية، ١٩٧٩م. كما طبع بتحقيق: د. أنور محمود المرسي خطاب، دار الصحابة،
طنطا، ط١، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م، ورجح أن الكتاب ليس لابن سلّام! وإنما لحفيده يحيى بن محمد بن
يحيى بن سلام! ينظر: ص١٦، ١٧. وينظر في ذلك: تفسير أتباع التابعين ص٣٥١ - ٣٥٢.
(٤) حُقق الكتاب عام ١٤٠٩ هـ -١٩٨٩ م في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، في رسالة ماجستير مقدمة
من الباحث عبيد بن علي العبيد.
كما حققه الباحث نشأت صلاح الدين الدورى عام ١٩٩٩م، في رسالة دكتوراه بجامعة بغداد، ثم نشره في
مركز البحوث والدراسات الإسلامية، ديوان الوقف السُّنِّي، ببغداد، في ٥٢٦ صفحة، لكنها طبعة محدودة.
(٥) ينظر في بيان منهجه فيه: تفسير أتباع التابعين ص ٨٠ - ٨٤.
(٦) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه ٢٣٠/٨.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
مُؤْسُكَبِ التَّفْسِي الْجَاتُور
المدخل إلى
: ٢٧٤ :
١ - اشتمال مصادرها على أحاديث السُّنَّة وتفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم
بجميع طبقاتهم .
٢ - شمولها تفسير جميع سور القرآن وأغلب آياته.
٣ - احتواؤها نسخًا تفسيرية كثيرة عن عدد كبير من مفسري السلف.
٤ - امتيازها بحسن الترتيب والتصنيف، فكانت أكثر ترتيبًا وأدق تصنيفًا من ذي قبل .
كل هذه الميزات تظهر جليًّا في تفسير ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠هـ)، ثم في تفسير
ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ)، وأيضًا تفسير ابن المنذر (ت: ٣١٨هـ)، وقبلهم تفسير عبد بن
حميد (ت: ٢٤٩هـ)، ومن هنا أشاد بها الحافظ ابن حجر فقال: ((فهذه التفاسير الأربعة
فَلَّ أن يَشُدَّ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن
التابعين))(١) .
ويندرج ضمن هذه المجموعة تفسير إسحاق البستي (ت: ٣٠٧هـ)، وتفسير أبي الشيخ
(ت: ٣٦٩هـ)، وتفسير ابن مردويه (ت: ٤١٠هـ)، وكل هذه التفاسير من مصادر الموسوعة
المباشرة وغير المباشرة، وقد تحدثت عن كلٍّ منها مع بيان شيء من مزاياها بما
يغني عن إعادته، وذلك في مبحث مصادر الموسوعة.
ثانيًا: كتب السُّنَّة الجامعة لعلوم الشريعة، وقد أفردت ضمن أبوابها كتابًا للتفسير،
وتفاوتت في حجمها ومصادرها، ومنها :
١ - ((جامع ابن وهب)) (ت: ١٩٧هـ)، الذي ضم قسمًا في تفسير القرآن، وتفرد بأسانيد
عالية وآثارًا عزيزة عن عدد من السلف (٢).
٢ - ((سنن سعيد بن منصور)) (ت: ٢٢٧هـ)، وقد ضم بابًا كبيرًا في التفسير اعتنى فيه
بتفسير الصحابة والتابعين إضافة إلى الأحاديث المرفوعة.
٣ - ((صحيح الإمام البخاري)) (ت: ٢٥٦هـ) الذي اعتنى بتفسير الصحابة والتابعين
إضافة إلى الآثار المرفوعة.
(١) العجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٣، وعقّب على ذلك بقوله: ((وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب
أشياء لم يشاركوه فيها، كاستيعاب القراءات والإعراب والكلام في أكثر الآيات على المعاني، والتصدي
الترجيح بعض الأقوال على بعض، وكل من صنف بعده لم يجتمع له ما اجتمع فيه؛ لأنه في هذه الأمور في
مرتبة متقاربة، وغيره يغلب عليه فن من الفنون فيمتاز فيه، ويقصر في غيره)). وقد تقدم الحديث عن هذه
التفاسير وغيرها في مصادر الموسوعة مع ذكر ميزات كل منها .
(٢) وقد تقدم الحديث عنه في مصادر الموسوعة، مع بيان مزاياه، وما حفظ لنا من تفاسير السلف.

ضُوَسُ عَبْ التَّفْسَسِيرُ الْجَاتُور
المدخل إلى
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٧٥ %=
٤ - ((جامع الإمام الترمذي)) (ت: ٢٧٩هـ): وقد اقتصر فيه على آثار التفسير المرفوعة.
٥ - ((السنن الكبرى النسائي)) (ت: ٣٠٣هـ)، ومن ضمنها باب كبير في تفسير القرآن،
طبع مستقلًا باسم تفسير النسائي.
ويندرج ضمن هذه الكتب مصنف عبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١هـ)، ومصنف ابن أبي
شيبة (ت: ٢٣٤هـ). اللذان حويا ثروة تفسيرية كبيرة عن الصحابة والتابعين لا سيما فيما
يتعلق بآيات الأحكام.
وفي هذا الباب الكثير من دواوين السُّنَّة، مما يطول المقام باستقصائها .
: المرحلة الرابعة: مرحلة اختصار الأسانيد (١):
قال السيوطي واصفًا المرحلة السابقة التي جمع فيها تفسير السلف مسندًا :
(( ... ثم بعد هذه الطبقة أُلِّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين كتفسير
سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون،
وعبد الرزاق، وآدم بن أبي إياس، وإسحاق بن راهويه، وروح بن عبادة، وعبد بن
حميد، وسعيد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وآخرين، وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه
أجلّ التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه،
وأبو الشيخ بن حبان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين
وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك؛ إلا ابن جرير فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح
بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوقها بذلك)).
ثم قال واصفًا المرحلة التي تليها من اختصار الأسانيد عند المتأخرين: ((ثم ألّف
في التفسير خلائق فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بترًا، فدخل من هنا الدخيل،
(١) كانت بداية السؤال عن الإسناد في عهد كبار التابعين؛ ((لكن الإلحاح في طلبه ازداد بعد جيل الصحابة
وكبار التابعين بسبب شيوع الوضع واتساع نطاقه على مر الزمن، فأصبح الإسناد ضرورة لا مناص للمحدث
من ذكره إذا أراد لرواياته القبول حتى إن الزهري أحد صغار التابعين (ت: ١٢٤ هـ) اعتبر إغفال الإسناد جرأة
على الله تعالى)). [بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص ٥٠]، وهكذا شاع الإسناد في أوائل القرن الثاني
الهجري إلى حدود القرن الخامس والتزم به المحدثون، ويعكس لنا أهمية الإسناد ما قاله نقاد الحديث
وأئمته كعبد الله بن المبارك (ت: ١٨٧ هـ) الذي قال: ((الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما
شاء)). [صحيح مسلم ١/ ١٥، وينظر: المرجع السابق ص٥٣]، وفي المقابل كان الرواة الذين لا يسندون
متهمين، ورواياتهم مرفوضة، ولم يقتصر طلب الإسناد على الأحاديث المرفوعة بل أيضًا اعتُني به في
مرويات التفسير، باعتبار أن رواة التفسير هم رواة الحديث.

المدخل إلى مُؤْسُوَةُ التَّقْسِيَةُ الْخَاتُورُ
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٠ ٢٧٦ %
والتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء
يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظانًا أن له أصلًا، غير ملتفت إلى تحرير
ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير، حتى رأيت من حكى في
تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] نحو عشرة أقوال،
وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم،
حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافًا بين المفسرين)) (١).
وظاهر كلام السيوطي أن اختصار الأسانيد انتشر كظاهرة في القرن الرابع
الهجري، لكن بداياتها كانت قبل ذلك، ويمكن القول: إنها مرت بصور عديدة
متداخلة زمنيًّا، حتى استقرت على الحال المعروفة من حذف الأسانيد بصورة كاملة،
فمن تلك الصور والمراحل:
١ - دمج الأسانيد بعضها في بعض في إسناد واحد بحيث لا يتميز القائل وقوله،
وهذا واضح عند السدي (ت: ١٢٧ هـ) في النسخة التي جمعها من تفسير ابن مسعود
وناس من الصحابة من طريق مرة الهمداني، وتفسير ابن عباس من طريق أبي صالح
وأبي مالك، وقد انتقد الإمام أحمد هذه الطريقة فقال عن السدي: ((إنه ليحسن
الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا، واستكلفه))(٢).
٢ - حذف الإسناد أثناء التفسير، وكذلك القائل أيضًا عند البعض، وهو واضح
وصريح عند مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠هـ) في تفسيره الكبير، وربما يكون أول من فتح
باب حذف أسانيد التفسير(٣)، وقد عيب عليه ذلك الصنيع، فقال عبد الله بن المبارك
حين وقف على تفسيره: ((يا له من علم لو كان له إسناد))(٤) .
٣ - اختصار الأسانيد أثناء التفسير: وهو جلي عند يحيى بن سلام (ت: ٢٠٠هـ) في
تفسيره، حيث يسقط بعض رجال السند أحيانًا. فمثلًا تجده أحيانًا يسند عن قتادة،
فيذكر الواسطة وكثيرًا ما يحذفها (٥).
٤ - الالتزام بالإسناد في بعض الروايات، وحذفها في البعض الآخر اختصارًا،
وهذا منهج التزمه ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ) في تفسيره، حيث قال في مقدمته: ((سألني
(١) الإتقان ٢٣٤٣/٦.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٧٧.
(٢) تهذيب التهذيب ٣١٤/١٠.
(٤) تهذيب التهذيب ٢٧٩/١٠.
(٥) تنظر أمثلة لذلك في: تفسيره ٥٤/١، ٥٨، ٥٣٦/٢، ٥٤١.

فَوْنُ عَبْ التَّفَسَّسَةُ الْخَاتُور
المدخل إلى
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٧٧
جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرًا بأصح الأسانيد، وحذف الطرق
والشواهد والحروف والروايات، وتنزيل السور ... فتحريت إخراج ذلك بأصح
الأخبار إسنادًا، وأشبهها متنًا، فإذا وجدت التفسير عن رسول الله وَّ لم أذكر معه
أحدًا من الصحابة ممن أتى بمثل ذلك، وإذا وجدته عن الصحابة فإن كانوا متفقين
ذكرته عن أعلاهم درجة بأصح الأسانيد، وسميت موافقيهم بحذف الإسناد. وإن
كانوا مختلفين ذكرت اختلافهم وذكرت لكل واحد منهم إسنادًا، وسميت موافقيهم
بحذف الإسناد، فإن لم أجد عن الصحابة ووجدته عن التابعين عملت فيما أجد عنهم
ما ذكرته من المثال في الصحابة، وكذا أجعل المثال في أتباع التابعين وأتباعهم)) (١).
٥ - الاكتفاء بذكر الأسانيد في المقدمة: كما هو الحال لدى الثعلبي (ت: ٤٢٧هـ)،
الذي أورد عشرات الأسانيد في مقدمة كتابه عن معظم مفسري السلف ومَنْ بعدهم،
وفيهم من أورد له عدة أسانيد من طرق مختلفة، منها الصحيح ومنها الضعيف،
خصوصًا ابن عباس ◌ّها، لكن ذلك لم يتميز أثناء تفسيره، فكثيرًا ما يورد القول عن
ابن عباس دون بيان طريقه، مما سبّب التباس الصحيح بالضعيف، وعدم تميز كل
منهما. وقد صنع مقاتل بن سليمان في تفسيره ما يقارب هذا الصنيع، لكنه لم ينسب
الأقوال إلى قائليها في أغلب تفسيره، والله أعلم.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٤.

٢٧٩ %
مفسرو السلف
ومراتبهم في التفسير
إعداد
د. خالد بن يوسف الواصل