Indexed OCR Text
Pages 161-180
المدخل إلى مُؤْسُوَة التَّقْسِيَةُ الْخَاتُورُ التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ١٦١ . وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىَّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَأَ﴾))(١). فهذا السبب صريح في السببية، وقد ورد عن ابن عباس (ت: ٦٨هـ)، وجمع من التابعين وأتباعهم، وقد ورد تفسير آخر يحمل المعنى على المجاز، قال أبو عبيدة (ت: ٢١٠هـ): ((أي: اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين))(٢). وهذا المعنى الذي ذكره أبو عبيدة محتمل لولا ورود هذا السبب الذي يقطع بأن المراد بالبيوت البيوت المسكونة، وأن المعنى متعلق بعادة من عادات بعض العرب في إحرامها للحج، فلا يصار إلى غيره مما لا يحتمله النص مع هذه السببية. ولا تخلو رواية التابعي أو تابع التابعي لأسباب النزول الصريحة من حالين: الأولى: أن يذكر الإسناد إلى الصحابي. الثانية: أن تكون رواية التابعي مرسلة، ورواية تابع التابعي مقطوعة لا يذكرون فيها الصحابي، وهذا كثير عندهم في هذا الباب. ومن أمثلة ذلك ما رواه الطبري عن مجاهد، قال: ((كانوا يسافرون ولا يتزودون، فنزلت: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]))(٣). وما كان من قبيل المرسل أو المقطوع في النوعين السابقين فإنه لا يقبل إذا كان فردًا، أما إذا تعددت طرقها فإنها تدل على وجود أصل صحيح للمروي، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((والمراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدًا أو الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعًا، فإن النقل إما أن يكون صدقًا مطابقًا للخبر، وإما أن يكون كذبًا تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقًا بلا ريب)) (٤). ثالثًا: ما يرويه التابعون عن الصحابة: وحكمه حكم تفسير الصحابي، إلا أنه بالنسبة للراوي من قبيل المنقول، وإن كان بالنسبة لقائله رأي. (١) رواه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير، باب ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَاْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، برقم (٤٥١٢). (٢) مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى ٦٨/١. (٣) تفسير الطبري ٤٩٦/٣. (٤) مقدمة في التفسير ص٦٨. التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ الخَاتُور : ١٦٢ %= رابعًا: ما يرويه أتباع التابعين عن التابعين: وحكمه حكم تفسير التابعي؛ إلا أنه بالنسبة للراوي من قبيل المنقول، وإن كان بالنسبة لقائله رأي . وهذا له أمثلة كثيرة لا حصر لها؛ لأن الأصل فيما روي عن الصحابة أن يكون من طريق التابعين، وما روي عن التابعين أن يكون من طريق أتباع التابعين، ووجود الانقطاع في السند لا يضعف هذا الأصل، والله أعلم. وما يكون طريقه الرواية المحضة كهذا، فإنه لا يمكن أن يكون فيه رأي؛ لأن الناقل ينقل ما بلغه فقط. النوع الثاني: تفسير السلف بالرأي: ١ - ما يكون له عندهم أكثر من وجه في المعنى. ٢ - ما يحكونه من أسباب النزول غير الصريحة (١). ٣ - ما يربطون الآية به من القصص. أولًا: ما يكون له أكثر من وجه عندهم (٢): هذا النوع من التفسير يرد عنهم كثيرًا، ووجوه التفسير قد تكون راجعةً إلى معنى واحد، وقد تكون راجعة إلى أكثر من معنى، والمقصود هنا ما كان راجعًا إلى أكثر من معنى؛ لأنه هو الذي يرد عليه الاحتمال، واختيار أحد المحتملات دون غيرها إنما يكون بالرأي والاجتهاد، وسبب هذا الاختلاف قد يكون مرجعه اللغة، وقد يكون السياق، وقد يكون التمثيل بالنزول غير الصريح، وقد يكون باختلاف المصدر المعتمد عليه في التفسير، وقد يكون غير ذلك. والمقصود هنا أن هذا الاختلاف يكون بسبب الرأي، ومن أمثلة ذلك عن الصحابة: ١ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، فقد ورد فيه قولان: الأول: أنها الخيل، ورد ذلك عن ابن عباس (ت: ٦٨هـ). (١) وضعنا في الموسوعة تحت نزول الآية كل ما عبر عنه بالنزول، وإن كان المراد به تفسير الآية؛ فلم نقتصر فيه على أسباب النزول؛ فلينتبه لذلك. (لجنة تحرير الموسوعة) (٢) وقوع الاحتمال هو الأصل الذي يوجب الاختلاف، وما سيأتي من الفقرتين بعده، فإنها يمكن أن تندرج فيه؛ إذا كان فيها تعدد في احتمال المعنى. المدخل إلى مُوْسُوعَةُ التَّقَنَِّي الْخَاتُور التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٦٣ % الثاني: أنها الإبل، ورد ذلك عن ابن مسعود (ت: ٣٢هـ)، وعلي بن أبي طالب (ت: ٤٠هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨هـ). وقد ورد عن ابن عباس ما يدل على رجوعه عن أن العاديات: الخيل، قال الطبري (ت: ٣١٠هـ): ((حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ حدثه قال: بينما أنا في الحجر جالس؛ أتاني رجل يسأل عن العاديات ضبحًا، فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ظُه، وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحًا، فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم. سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تُغِيرُ في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟! إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منى. قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ◌َظ ◌ُبه))(١). ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، ورد تفسيرات عن الصحابة: الأول: المسجور بمعنى: الْمُوقَدِ، وورد هذا عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠هـ). الثاني: الْمَمْلُوءُ، وورد هذا عن ابن عباس (ت: ٦٨هـ). الثالث: المحبوس، وورد هذا عن ابن عباس أيضًا(٢). ويأتي هذا النوع كثيرًا في تفسير التابعين وأتباعهم كذلك، وقد لا يأتي في الآية إلا حكاية أقوالهم، وقد تكون مع أقوال الصحابة، وتكون مخالفة لها، لكن على سبيل التنوع. ومن الأمثلة الواردة عنهم ما يأتي : ١ - في المراد بأهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن (١) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٢٧٢/٣٠ - ٢٧٣. (٢) تفسير الطبري ٢٢ /٤٥٨ - ٤٦٠. التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٦٤ % المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُورُ دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، قولان عن التابعين وأتباعهم : الأول: أنها نزلت في يهود الذين كانوا حول المدينة، ورد ذلك عن قتادة (ت: ١١٧ هـ)، والربيع (ت: ١٣٩هـ)، وابن جريج (ت: ١٥٠هـ). الثاني: أنها نزلت في وفد نصارى نجران، ورد ذلك عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت: ١١٢هـ)، والسدي (ت: ١٢٨هـ)، وابن زيد (ت: ١٨٢هـ)(١). الآية تحتمل القولين، كما قال الطبري (ت: ٣١٠هـ): ((وإنما قلنا عنى بقوله: ﴿يَأَهْلَ اٌلْكِنَبِ﴾ أهل الكتابين؛ لأنهما جميعًا من أهل الكتاب. ولم يخصص جل ثناؤه بقوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ بعضًا دون بعض، فليس بأن يكون موجهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهل التوراة بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحد الفريقين بذلك بأولى من الآخر؛ لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح، فالواجب أن يكون كل كتابي معنيًّا به؛ لأن إفراد العبادة لله وحده، وإخلاص التوحيد له واجب على كل مأمور منهي من خلق الله. وأهل الكتاب يعم أهل التوراة وأهل الإنجيل؛ فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا))(٢). ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًّا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ورد عدد من الأقوال: الأول: عن عكرمة (ت: ١٠٥هـ): أن قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوَ قَالَ أُوْجِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ نزلت في مسيلمة. وقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح. الثاني: عن السدي (ت: ١٢٨ هـ) أنها كلها نزلت في عبد الله بن أبي سرح. (١) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٣٠٢/٣. (٢) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٣٠٢/٣ - ٣٠٣. أقول: يحمل كلام السلف على التمثيل، ومن ثم لا يكون في الأمر اختلاف ولا أقوال متعددة، بل يكون راجعًا إلى معنى واحد. المدخل إلى فُوَسُوعَة التَّقْنَسِيرُ الْخَاتُور التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... : ١٦٥ % الثالث: عن قتادة (ت: ١١٧هـ) أنها كلها نزلت في مسيلمة. وورد عن ابن عباس (ت: ٦٨هـ) قول رابع، قال: ((زعم أنه لو شاء لقال مثله، يعني: الشعر))(١) . وهذه الأقوال كلها محتملة، وهي من اختلاف التنوع، من باب الأمثلة للمعنى العام المقول في الآية، فكل من زعم مثل هذه المزاعم، فإنه يدخل في معنى الآية . ثانيًا: ما يحكونه من أسباب النزول غير الصريحة: هذا النوع قسيم لأسباب النزول الصريحة، وهذا هو الأغلب في صيغ النزول، ويكثر بها حكاية نزوله في أعيان أو طوائف، والأغلب عليها أنها من باب الاجتهاد، وليست من باب السبب المباشر إلا إذا ظهر ما يدل على ذلك. وكثيرًا ما تكون الصيغة الواردة في ذلك: ((نزلت في كذا))، سواءً أكانت في موضوع معين، أم في رجل، أم في طائفة . وهذه الصيغة يجعلها البخاري (ت: ٢٥٦هـ) في التفسير المسند (أي: في حكم المرفوع إلى النبي (18)، لذا يوردها بالإسناد خلافًا لغيرها من التفسيرات الموقوفة على الصحابة التي يعلقها عنهم، ولا يورد فيها السند. قال البخاري (ت: ٢٥٦هـ): ((باب قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. قال ابن عباس: الأنفال: المغانم. قال قتادة: ﴿رِحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]: الْحَرْبُ. يقال: نافلة: عطية. حدثني محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر))(٢). في هذا المثال تجده علق تفسير الأنفال بالغنائم على ابن عباس (ت: ٦٨هـ)، ولم (١) تنظر الروايات في: تفسير الطبري، ط. الحلبي ٧/ ٢٧٣ - ٢٧٤. وينظر مثال في: تفسير الطبري، ط. الحلبي ٢١١/١٠. (٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ من سورة الأنفال، برقم (٤٦٤٥). التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٦٦ % المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقَسَّسَةُ الْخَاتُور يذكر إسناده، ولما أورد عنه قوله: نزلت في بدر؛ ساق الإسناد؛ لأنه اعتبر هذه الصيغة من المسند الذي في حكم المرفوع. والحكم عليها بأنها من المسند لا يعني أنها سبب نزول صريح، فهناك فرق بين الأمرين واضح، والمقصود هنا أن التفسير الذي يأتي بهذه الصيغة من قبيل الرأي والاجتهاد، وأنها لا تدل على سبب النزول المباشر إلا إذ حف بها قرائن تدل على ذلك. ومن الأمثلة التي تشير إلى وقوع الاجتهاد في هذه العبارة المثالان الآتيان: ١ - أخرج البخاري (ت: ٢٥٦) عن أنس (ت: ٩٣هـ) قال: «نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]))(١). ٢ - وروى ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت في الحرورية: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣](٢). والحرورية (الخوارج) لم يكونوا موجودين لما نزلت الآية، لكن سعدًا نزل الآية عليهم، ورأى أنهم يدخلون في حكمها . ومن أمثلة ما حفت به قرائن تدل على أنه سبب مباشر للنزول، له حكم الرفع، ما رواه البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَنَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، عن أنس بن مالك: أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة (٣). وهذا الذي قاله أنس لا خلاف فيه، فهو في حكم المسند. تعدد المحكي في النزول: ولما كان يرد بهذه الصيغة ما هو من قبيل الاجتهاد في التفسير، فإنه قد يتعدد المحكي في النزول، ويكون من باب اختلاف التنوع، ومن أمثلة ذلك: ١ - ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ, وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]، برقم (٤٧٨٣). (٢) ينظر: تفسير ابن كثير: تفسير الآية ٣٣ من سورة المائدة. (٣) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ من سورة الأحزاب، برقم (٤٧٨٧). المدخل إلى مَوَسُوعَة التَّفْسِِّيُ المَاتُون التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٦٧ %= فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] اختلاف بين الصحابة في من نزلت الآية بشأنه، فورد عن ابن مسعود (ت: ٣٢هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨هـ) أنها في بَلْعَمِ بْنِ بَاعُرَا من بني إسرائيل . وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥هـ) أنها نزلت في أمية بن أبي الصلت، قال عبد الملك بن عمير: ((تذاكروا في دمشق هذه الآية: ﴿فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾. فقال بعضهم: نزلت في بلعم بن باعوراء. وقال بعضهم: نزلت في الراهب. فخرج علينا عبد الله بن عمرو بن العاص، فقالوا: فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي)) (١). وإذا تأملت حال المذكورين ظهر لك أن الآية تنطبق عليهم وتشملهم، وليس بلازم أن يكون أحدهم هو المراد بعينه دون الآخر، بل هي عامة في كل من اتصف ـها . ٢ - ورد عن ابن عمر طَّهَا، أنه تلا هذه الآية ﴿أَمَنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُوْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ [الزمر: ٩]، قال: ((ذاك عثمان بن عفان. وفي لفظ: نزلت في عثمان بن عفان)). وورد عن ابن عباس رضيّها في قوله: ﴿أَمَنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيِّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ قال: ((نزلت في عمار بن ياسر)). وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: ((نزلت هذه الآية في ابن مسعود، وعمار، وسالم مولى أبي حذيفة ﴿))(٢). وهذه الآية كالسابقة لها، فاللفظ عام، وما ذكر من النزول، فهو مثال لمن تنطبق عليه الآية. ولم يكن ذكر سبب النزول مقتصرًا على الصحابة، بل تجد في تفسير التابعين وأتباعهم كثيرًا من عبارات النزول، وهي متفاوتة بين أن تكون من الأسباب الصريحة، أو أن تكون من غير الصريحة. أما أسباب النزول الصريحة، فالأصل أنها منقطعة؛ لأن التابعين وأتباع التابعين لم يحضروا النزول، وليسوا من أصحاب المشاهدة كما كان الحال في الصحابة . (١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ٢٥٢/١٣ - ٢٥٧. (٢) ينظر: الدر المنثور عند تفسير الآية المذكورة ١٢ / ٦٣٧. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيَةُ الْخَاتُورُ التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... : ١٦٨ : لكن هذا لا يعني عدم الاستفادة من تلك الروايات التي يحكم عليها بالضعف من هذه الجهة، بل قد يستفاد منها في التفسير، ويكون ذلك حسب المثال المطروح. ولو خالف سبب النزول الصريح المروي عن التابعين أو أتباعهم ما روي عن الصحابة، فإن قول الصحابة هو المقدم، كما هو الظاهر. والأصل أن يقدم كل ما يتعلق بأسباب النزول الصريحة من رواية الصحابي على ما يحكيه غيره؛ لأن الصحابي ممن شهد النزول، أو يكون أخذه عمن شهده من الصحابة . وقد أعمل الطبري هذه القاعدة في صيغة سبب النزول غير الصريحة، فضلًا عن الصريحة فقد ذكر في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكٌّْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]، فقد ورد أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام (ت: ٤٣هـ) الحبر اليهودي الذي أسلم، وأنه هو الشاهد المراد في الآية، ورد هذا عنه، وعن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥هـ)، وعن ابن عباس (ت: ٦٨هـ)، وجمع من التابعين. وقد ورد عن مسروق (ت: ٦٢هـ) والشعبي (ت: ١٠٤هـ) أن المراد بالشاهد موسى، واحتجا بكون السورة مكية، وخبر عبد الله بن سلام كان في المدينة، وهذا وجه من الترجيح حسن متين، غير أن ما ورد عن الصحابة يجعل القول الأول هو المعتبر. قال الطبري (ت: ٣١٠هـ): ((والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّوِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش واحتجاجًا عليهم لنبيِّه وَّ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلَّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى . غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله وَ ليه بأن ذلك عني به عبد الله بن سلام، وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به . فتأويل الكلام - إذا كان ذلك كذلك -: وشهد عبد الله بن سلام - وهو الشاهد من بني إسرائيل - على مثله؛ يعني: على مثل القرآن - وهو التوراة - وذلك شهادته أن المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسَِّةُ الجَاتُور التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ١٦٩ % محمدًا مكتوب في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوبًا عندهم في التوراة كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي)»(١). ثالثًا: ما يربطون الآية به من القصص: ورد في القرآن قصص كثير، وبعضها مما كانت أحداثه مصاحبة لوقت نزوله، ومنها ما كان قبل النبوة (٢) . ويلاحظ أن بعض أسباب النزول قد تكون من قصص الآي؛ كالخبر الوارد عن ابنِ عباس (ت: ٦٨هـ) في سبب نزول قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وهذا إذا كان من أسباب النزول الصريحة، فإنه يلحق بها، وليس هو المراد هنا . وهذه القصص إما أن تكون واردة عن النبي وَّ، وإما أن تكون مما تناقله العرب من أخبارهم، وإما أن تكون من أخبار بني إسرائيل. فإن كان الوارد عن النبي ولو على سبيل التفسير، فإنه يلحق بالتفسير النبوي من حيث القبول؛ كالخبرِ الوارد في قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَءَاذَوّْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. أخرج البخاري (ت: ٢٥٦هـ) عن أبي هريرة نظ نه (ت: ٥٧هـ)، قال: قال رسول الله وَله : ((إن موسى كان رجلاً حَبِيًّا سِتِّيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده؛ إما برص، وإما أُدْرَةٌ، وإما آفة. وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون. وقام الحجر، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فو الله إن بالحجر (١) تفسير الطبري، ط. الحلبي ١٢/٢٦. (٢) وطريقة ورود القصص في القرآن على قسمين: فمنها ما يأتي فيها شيء من التفصيل؛ كقصة آدم، وموسى، وهود، ويوسف علَّل، وقصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة ذي القرنين. ومنها ما تكون فيها الإشارة العابرة إلى القصة، كخبر الذي أوتي الآيات فانسلخ منها، وقصة الجسد الذي فتن به سليمان ظلّلا، وخبر المجادلة، وخبر الأنفال، وخبر النسيء في الأشهر الحرم الذي كان يعمله كفار العرب، وغيرها . المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٧٠ % لَنَدَبًّا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]))(١). وإن ذكر النبي ◌َّ قصة توافق ما ورد في القرآن من دون أن ينص على أنها تفسير للآية، فإن حمل الآية عليها - وإن كان الارتباط بينهما واضحًا - من اجتهاد المفسر، وذلك كاجتهاده في ربط القصص التي لم ترد عنه وَّر، أيًّا كان مصدرها. ومن القصص التي ذكرها النبي ◌ُّه، وربطها بعض المفسرين من الصحابة بما ورد من الخبر عن قصة بعض الأقوام؛ قصة أصحاب الأخدود التي رواها الإمام مسلم بسنده عن النبيِ وَّر، قال: ((كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فأبعث إلي غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا يعلمه، فكان - في طريقه إذا سلك - راهب، فقعد إليه، وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر؛ مر بالراهب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكى ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر ... )) إلى أن ورد فيها: ((فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟! قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه، فأحموه فيها أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة، ومعها صبي لها، فتقاعست (١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء من صحيحه، باب: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُخَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] رقم الحديث (٣٤٠٤). قال ابن حجر: ((قوله: فذلك قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُوْ كَلَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اَللَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾ [الأحزاب: ٦٩]: لم يقع هذا في رواية همام، وروى ابن مردويه من طريق عكرمة عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول الله وَّهِ: ﴿يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾ الآية، قال: إن بني إسرائيل كانوا يقولون: إن موسى آدر، فانطلق موسى إلى النهر يغتسل. فذكر نحوه)). فتح الباري ٦/ ٥٠٤. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَاتُوز التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٧١ % أن تقع فيه، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق)) (١). فهذه القصة - كما ترى - ليس فيها أنها تفسير لقصة أصحاب الأخدود التي وردت إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿ وَهُمْ في قوله تعالى: ﴿قُئِلَ أَضْحَبُ اٌلْأُخْدُودِ ﴿٣ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨]، مع أنه يتضح أنها مما يفسر هذه الآيات، وأن حملها عليها إنما كان من عمل المفسّر (٢). ولا شك أن تفسير الآية بما ذكره النبي وَّه هو أولى ما تفسر به. وإذا كان هذا هو الحال مع القصص الواردة عن المعصوم التي لم يشر إلى أنها تفسر آية ما، فإن غيرها مما يؤخذ من بني إسرائيل أو غيرهم من باب أولى أن يكون ربطها بالقرآن من باب الرأي واجتهاد المفسِّر. وهذا أصل مهم يحسن التنبه له، والاعتناء به . والمقصود هنا أن الصحابة قد ورد عنهم حمل بعض الآيات التي وردت فيها قصص أو إشارة إليها على بعض القصص الواردة عن بني إسرائيل أو غيرهم، ويحتمل أن يكون ما فسروا به من هذه القصص مأخوذًا عن النبي بَّه، ويحتمل أن يكون مأخوذًا عن غيره. وقد كان في حملهم عليها ضروب: - فضرب منها أتى بذكر الخبر مجملًا. - وضرب منها ذكر ما ورد من الخبر الذي جاء في القرآن، وزاد عليه تفاصيل أخرى. - وضرب منها حمله على قصة معروفة في كتب السابقين، وجعلها مفسرة للآية، وإن كان قد يقع فيها منازعة في كونها هي المعنية بما ورد في القرآن. ومن أمثلة ذلك: ١ - ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، فقد ورد عن ابن مسعود (١) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود، رقم الحديث (٣٠٠٥). (٢) ورد في التفسير عن بعض الصحابة والتابعين أقاويل في أصحاب الأخدود غير هذا المذكور في الحديث، فقد ورد أنهم من النبط، وورد أنهم مجوس أهل كتاب. ينظر: الدر المنثور للسيوطي ٣٣٣/١٥. المدخل إلى مُؤْسُوعُرُ التَّقْنِسَةُ الْخَاتُور التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ١٧٢ % (ت: ٣٢هـ)، قال: ((رجل من بني إسرائيل، يقال له: بَلْعَمُ بْنُ أَبُرَ))(١). وكذا ورد عن ابن عباس (ت: ٦٨هـ)، وزاد أنه أوتي كتابًا، فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتها وأموالها، لم ينتفع بما جاء به الكتاب(٢). ولم يرد عنهم تفاصيل قصة هذا الرجل، وهي مذكورة في كتب التفسير وغيرها، على اختلاف فيها كما هي العادة في مثل هذه الأخبار التي انقطع فيها السند، وعفى عليها الزمن من قصص الغابرين. ٢ - ما ورد من تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَقْرَأَتَيْنِ تَذُودَاتِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَّا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الزِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]. فقد ورد عن الصحابة في تفسير هذه الآية تفاصيل، منها : ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (ت: ٢٣هـ)، قال: ((إن موسى ظلَّلا لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه(٣)، ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا، حتى رويت (٤) الغنم)) (٤). (١) تنظر الرواية عنه في: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ٢٥٣/١٣ - ٢٥٤. (٢) ينظر في الرواية عن ابن عباس: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ١٥٤/١٣، ٢٥٥، ٢٦٩. (٣) لطيفة: قال ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٧: ((رأيت الصخرة، وشبرت، فكان بأصبعي شبران ومائة)) . (٤) أخرجه ابن أبي حاتم في كتاب التفسير ٢٩٦٤/٩، وقال عنه ابن كثير ٢٢٧/٦: ((إسناد صحيح)). وقد رواه غيره، ذكرهم السيوطي في الدر المنثور ٤٠٥/٦، وزاد فيها عن هذا الذي ذكره ابن أبي حاتم، قال: ((وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب ظُبه قال: إن موسى ظلّلا لما ورد ماء مدين؛ وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الصخرة، فرفعها وحده، ثم استقى، فلم يستق إلا دلوًا واحدًا حتى رويت الغنم، فرجعت المرأتان إلى أبيهما، فحدثتاه، وتولى موسى ظلَلا إلى الظل، فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، قال: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء؛ واضعة ثوبها على وجهها، ليست بِسَلْفَع مِنَ النِّس؛ خَرَّاجَةً وَلَّاجَةً، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فقام معها موسى ظنّلاً، فقال: لها امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك؛ فتصف جسدك، فلما انتهى إلى أبيها، قص عليه، فقالت إحداهما: يا أبت استأجره؛ إن خير من استأجرت القوي الأمين، قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته فرفعه الحجر، ولا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته فقال: امشي = المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنَّةُ الْخَاشُور التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٧٣ % وقد ورد تفاصيل أخرى عن ابن مسعود (ت: ٣٢هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨هـ) ذكرها المفسرون، وتتابع السلف على ذكرها أيضًا (١). ٣ - ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىّءٌ مِّنْكَ إِنِّيّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]. روى الطبري (ت: ٣١٠هـ) عن أمير المؤمنين علي (ت: ٤٠هـ)، قال: ((إن راهبًا تعبّد ستين سنة، وإن الشيطان أرداه، فأعياه. فعمد إلى امرأة، فَأَجَنَّهَا (٢)، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس، فيداويها . فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يومًا عندها إذا أعجبته، فأتاها، فحملت، فعمد إليها، فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت بك هذا، فأطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدةً، فسجد له، فلما سجد له قال: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِِّ بَرِىٌّ مِنْكَ إِنِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]))(٣). وكذا ورد عن ابن مسعود (ت: ٣٢هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨هـ) رض لها. ولا يلزم أن هذه القصة هي المرادة بعينها بهذه الآية، لكنها تصلح أن تكون تفسيرًا لها، فذكرها هؤلاء الكرام تفسيرًا لها، والربط - كما هو ظاهر - اجتهاد منهم، والله أعلم. = خلفي، وانعتي لي الطريق؛ فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك، فتصف لي جسدك، فزاده ذلك رغبة فيه، فقال: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَتَّيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] إلى قوله: ﴿سَنَجِدُفِىِ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]؛ أي: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت، قال موسى عليَّلها: ﴿ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَ عُدْوَنَ عَلَىّ﴾ [القصص: ٢٨]، قال: نعم، قال: (الله على ما نقول وكيل)، فزوجه، وأقام معه يكفيه، ويعمل له في رعاية غنمه، وما يحتاج إليه، وزوجه صَفُّورًا وأُخْتُهَا شَرْفًا، وهما التي كانتا تَذُودَانٍ)). (١) ينظر في هذه التفاصيل: تفسير الطبري، ط. الحلبي ٥٤/٢٠ وما بعدها، وابن أبي حاتم ٢٩٦١/٩ وما بعدها، وابن كثير ٢٢٦/٦ وما بعدها . ومن الطرائف المذكورة عنهم ما ورد عن ابن مسعود، قال: ((حثثت على جمل لي ليلتين حتى صبحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء ترف فأهوى إليها جملي، وكان جائعًا؛ فأخذها جملي، فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت الله لموسى ظلّلا، ثم انصرفت)). تفسير الطبري، ط. الحلبي ٥٨/٢٠. (٢) أي: أصابها بالجنون. (٣) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٤٩/٢٨. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيَةُ الْمَاتُونْ التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... : ١٧٤ % كما يلاحظ أنهم لم يرفعوا هذه القصة للنبي ◌َ﴾، وهذا يشعر بأنهم مما تلقوه عن غيره. ولا ضير في حمل هذه الآية على هذه القصة التي هي تمثيل للمعنى الوارد في الآية، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ): ((وقد ذكر بعضهم ههنا قصة لبعض عُباد بني إسرائيل؛ هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها))(١). ولا يقال في مثل هذا المقام: إن هذه إسرائيلية فلا تقبل؛ لأن المعنى الذي تحمله هذه الإسرائيلية ليس غريبًا، ولا نكارة فيه توجب ردّه، وما دام الأمر كذلك، فإنه يفسر بها، ويوضح المعنى كما يوضح بغيرها، والله أعلم. وكثرت رواية القصص المجملة في القرآن في طبقة التابعين وأتباع التابعين، وإن كان بعض مفسريهم أقل من بعض، لكن الحكم هنا عن جملة المروي عنهم من تفاصيل قصص الاي. ومما يلاحظ في بعض المروي عنهم أنه مليء بالغرائب، خصوصًا ما يرد عن السدي (ت: ١٢٧هـ)، وابن إسحاق (ت: ١٥٠هـ)، ووهب بن منبه (ت: ١١٤هـ)، والكلبي (ت: ١٤٦هـ)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ). والأمثلة في هذا كثيرة، وسردها يطول، لكن اكتفي بمثال في هذا المقام، وهو ما ورد عنهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَّا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الزِّعَاءُ وَأَبُنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنَزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤]: قال ابن جريج: حجرًا كان لا يطيقه إلا عشرة رهط . قال شريح: انتهى إلى حجر لا يرفعه إلا عشرة رجال، فرفعه وحده. قال السدي: رحمهما موسى حين ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها، حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوًا فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض. (١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة ٧٥/٨. فَوْسُبعَةُ التّفْسَِّةُ الْحَانُوز المدخل إلى التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... : ١٧٥ % قال قتادة: تصدق عليهما نبي الله وَّر، فسقى لهما، فلم يلبث أن أروى غنمهما. قال ابن إسحاق: أخذ دلوهما موسى، ثم تقدم إلى السقاء بفضل قوته، فزاحم القوم على الماء حتى أخّرهم عنه، ثم سقى لهما(١). (١) ينظر: تفسير الطبري عند تفسير الآيتين المذكورتين ٢١٤/١٨. التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٧٦ % فَوْسُعَبْ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور المدخل إلى المبحث السادس حجية تفسير القرآن بأقوال السلف لم يقع خلاف في أن ما يرويه السلف عن النبي وَ لّر من تفسيراته، وما يروونه من أسباب النزول الصريحة حجة في التفسير، وأن الأصل فيهما قبول ما رواه الصحابي وإعماله في التفسير؛ لأن الظاهر فيهما النقل المحض، ولو احتملت الآية معنى غيره، فإنه لا يمكن القول به ومخالفة المنقول من هذا النوع. ويلحق بهذين النوعين من حيث الحجية نوعان آخران: ١ - ما يقع عليه إجماعهم. ٢ - ما يكون له وجه واحد في المعنى لا غير. وسبب إدخال النوعين الأخيرين هنا أنه لا يمكن القول فيهما بالرأي؛ فأشبها الأولين في ذلك، وغالبًا ما يكون الرأي فيما تتعدد فيه الوجوه التفسيرية، ولم يكن من قبيل النوعين الأولين، أما إذا وقع الإجماع على معنى أو كانت اللفظة لا تحتمل إلا معنى واحدًا لا غير، فإنه لا مجال في هذا للرأي. وفيما يأتي بيان هذين النوعين: أولًا: ما يقع عليه إجماعهم: إذا ثبت الإجماع عن الصحابة فهو حجة؛ لأنهم لا يجمعون على خطأ أو باطل، وإن كانت حكاية الإجماع صعبة؛ إلا أن بعض الإجماعات التي يحكيها العلماء عنهم لا نجد فيها مخالفًا لهم من طبقتهم، وهذا يشمل العلوم بعمومها، والمعتنون بالتفسير يحكون الإجماع عنهم وعمن بعدهم من التابعين وتابعيهم، ومن ذلك : ١ - تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥]، فقد ورد عن ابن المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِيَةُ المَاتُون التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٧٧ % مسعود (ت: ٣٢هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨هـ) أن المراد بذلك الملائكة تلقي الذكر على الأنبياء، ولم يرد في طبقة الصحابة غير هذا القول، وهكذا سار عليه من جاء بعدهم، وقد حكى الإجماع في ذلك(١) ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ)، قال: ((يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري، ولا خلاف ههنا؛ فإنها تنزل بأمر الله على الرسل))(٢). ٢ - تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١]، فقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ه)، وابن عباس (ت: ٦٨هـ) أنها الرياح(٣). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ): ((وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد، ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك)) (٤). والأمر كما ترى، فإنه لم يرد قول آخر في معنى المراد بالذاريات في هذا الموطن، ومآل هذه الصورة من الحكاية لأقوالهم إلى الإجماع. ثانيًا: ما لا يحتمل تفسيره إلا معنى واحدًا: وهذا النوع حجة كذلك؛ لأنه لا يتصور فيه غير ما قيل، فهو لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وهو شبيه بالإجماع، بل إنه يؤول إليه، وإن لم يحك الإجماع في ذلك، فالمتقدمون والمتأخرون ليس عندهم مجال في تعدد الاحتمالات في هذا النوع، وأمثلته كثيرة، فكل ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا فالتفسير المذكور فيه حجة بلا ريب . وهذا النوع قد يكون من باب التفسير اللغوي، وقد يكون من باب بيان المعنى الجملي للآية، وقد يكون من باب بيان المراد باللفظ من جهة سياقه، وأيًّا ما كانت (١) ينظر في دراسة هذا الإجماع: كتاب الإجماع في التفسير، لمحمد بن عبد العزيز الخضيري ص ٤٤٣ - ٤٤٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة ٢٩٧/٨. (٣) ينظر: تفسير الطبري، ط. الحلبي ١٨٥/٢٦ وما بعدها، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة ٧/ ٤١٤، والدر المنثور ٧/ ٦١٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة ٤١٤/٧. وقد ذكر ابن كثير تفسيرًا يرفعه عمر إلى النبي ◌َّ، وقال عنه: ((فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر)). المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيُ الخَاتُونْ التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٧٨ . جهة بيانه، فإنه لا يكون له إلا معنى واحد فقط، ومن أمثلة ذلك: تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، فقد ورد عن أبي الدرداء (ت: ٣٢هـ)، وابن مسعود (ت: ٣٢هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨هـ)، تفسير الريب بالشك(١). ولا يوجد للريب معنى آخر(٢)، فيقع احتماله(٣)، لذا حكى بعض المفسرين الإجماع في ذلك (٤) . أما بقية أنواع تفسير السلف، وهي ما يرويه التابعون عن الصحابة، وما يرويه أتباع التابعين عن التابعين، وتفسير السلف بالرأي؛ فسأجعل الكلام في حجيتها في نقاط يترتب بعضها على بعض : ١ - لا يوجد في القرآن لفظ لا معنى له، ولا لفظة مجهولة المعنى، بل كل ألفاظ القرآن معلومة المعنى . ٢ - نزل القرآن بلغتهم (العربية)، وليس فيه شيء من المعاني بغيرها . وإذا كان لا يوجد فيه ما لا معنى له أو ما هو مجهول المعنى، فإن هذا يعني أن القرآن كله معلوم المعنى لكونه نزل بلغتهم. ولهذا لا يوجد لفظة توقفوا - جميعًا - في تفسيرها، بل إن الحروف المقطعة - وهي لا تدخل في الألفاظ - قد تكلموا فيها، مما يدل على أنها ليس مما استأثر الله بعلمه، بل هي مما يدخل تحت علمهم، وإلا لما تكلموا فيها . ٣ - هل يصح أن يقال: إن آية من الآيات لم يفهم معناها هؤلاء الكرام؟ (١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ١/ ٢٢٨، وفي تفسير ابن أبي حاتم خبر أبي الدرداء ٣٤/١. (٢) قال ابن فارس في مقاييس اللغة: ((الراء والياء والباء أصيل يدل على شك، أو شك خوف، فالريب: الشك. قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿الَّمّ ﴿ ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبَ فِهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢]؛ أي: لا شك. ثم قال الشاعر : فلا ريب أن قد كان ثم لحيم)). فقالوا : تركنا القوم قد حصروا به (٣) قد يظن بعضهم أن تحريرات بعض المتأخرين في مدلول اللفظ فيها مخالفة لما فسر به السلف، وليس الأمر كذلك، فقول الراغب الأصفهاني: ((فالريب: أن تتوهم بالشيء أمرًا ما، فينكشف عما تتوهمه))، وهذا تعبير عن الريب لا يخالف تفسيره بالشك، بل هو نوع من التحرير في التعبير عن اللفظ، وهو مما اعتنى به المتأخرون. (٤) قال ابن أبي حاتم: ((ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين؛ منهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والسدي، وإسماعيل بن خالد)). تفسير القرآن العظيم ٣٤/١. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَسِيرُ الْخَاتُور التفسير المأثور: تعريفه وبيان أهميته ومصادره ... ٥ ١٧٩ أو: هل يجوز أن يقع عندهم خطأ محض في فهم معنى من المعاني، بحيث يقال: إنهم أخطؤوا جميعًا في فهم هذه الجملة أو تلك؟ ولا ريب أن الجواب: إنه لا يصح ذاك ولا يجوز هذا؛ لأنه يلزم منه تجهيل الأمة بفهم كلام ربها، وأن هؤلاء المتقدمين لم يكونوا يفهمون معنى ذلك الكلام العربي الذي كان بلغتهم. ٤ - ومن ثم، فإنه إذا احتملت الآية أكثر من معنى، فإنه لا يتصور عدم وصولهم إلى معنى صحيح في الآية، ويصل إليه المتأخرون عنهم. فإذا جاء قول للمتأخرين يلزم منه عدم وصول السلف إلى معنى صحيح، فإن هذا يدل على بطلان القول الحادث؛ لأنه يلزم منه أن هذه الطبقات الثلاث قد جهلت معنى الآية، ولم تعلم بها . ٥ - وإذا كان كذلك، فالحق لا يمكن أن يخرج عن أقوالهم، ويكون عند من جاء بعدهم، بل الحق متحقق في أقوالهم بيقين، ثم قد يأتي عند من جاء بعدهم معان جديدة صحيحة تحتملها الآية، وهي غير مبطلة لما ورد عنهم، والحكم فيما كان هذا حاله - من حيث العموم - مقبول، لكن لا يلزم أن يكون على إطلاقه في كل مثال، بل كل مثال يناقش حسب حاله من الآية. وإذا صح هذا؛ كان القول بأن تفسير السلف حجة قولًا صحيحًا، والله الموفق.