Indexed OCR Text
Pages 741-760
٧٤١ سورة الكافرون قال - تعالى - : بِسـ ٦ قُلْ يَأَُّهَا الْكَفِرُونَ ( لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ وَلَا أَنُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ وَلَا أَنَاْعَبِدٌ مَّا عَبَدَ ثُمْ () وَلَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ رْ تَكُمْ دِنُكُمْ وَلَ دِينٍ (3) ٤٠٠دور أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين جاؤوك ليساوموك على أن تعبد آلهتهم مدة ، وهم يعبدون إلهك مدة أخرى . . قل لهم على سبيل الحزم والتأكيد «لا أعبد، أنا الذى تعبدونه من آلهة باظلة، ولا أنتم عابدون الإله الحق الذى أعبده ، لجهلكم وجهودكم ، بوعكوفكم على ما كان عليه آباؤكم من ضلال . وافتتحت السورة الكريمة بفعل الأمر ((قل، للاهتمام لما سيأتى بعده من كلام المقصود منه إبلاغه إليهم ، وتكليفهم بالعمل به . وفودوا بوصف الكافرين ، لأنهم كانوا كذلك، ولأن فى هذا النداء تقيرا واستخفاف بهم . و «ماء هنا موصولة بمعنى الذى، وأوثرت على ((من))، لأنهم ما كانوا يشكون فى ذات الآلهة التى يعبدونها ، ولا فى ذات الإله الحق الذى يعبده النبى - صلى الله عليه وسلم -. وإنما كانوا يشكون فى أو صافه - تعالى -، من زعمهم أن هذه الأصنام ما يعبدونها إلا من أجل التقرب إليه، ويقولون: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله، مع أن الله - تعالى - منزه عن . ذلك، فالمقصود من ، ما، هنا: الصفة، وليس الذات، فكأنه قال : ٧٤٢ الجزء الثلاثون لاأعبد الباطل الذى تعبدونه ؛ وأنتم لجهلكم لا تعبدون الإله الحق الذى أعبده . . وقوله - تعالى -: ((ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد .. )) تأكيد وتقرير لما اشتمل عليه الكلام السابق، , وما، هنا مصدرية، فكأنه قيل : ولا أنا عابد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتى . فالآ يتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه - صلى الله عليه وسلم - وبينهم فى المعبود، وهاتان الآيتان تنفيان الاتحاد فى العبادة، والمقصود من ذلك .. المبالغة التامة فى البراءة من معبوداتهم الباطلة؛ ومن عباداتهم الفاسدة ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنون، لا يعبدون إلا الله - عز وجل - ؛ وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة . وقوله - تعالى - : « لکم دینکم ولی دین ، تذییل مؤكد لما قبله . والدين : يطلق بمعنى العقيدة التى يعتقدها الإنسان ويدين بها ، وبمعنى. الملة التى تجرى أقواله وأفعاله على مقتضاها، وبمعنى الحساب والجزاء ، ومنه قولهم : دنت فلافا بما صنع ، أى : جازيته على صنيعه . واللفظ هنا شامل لکل ذلك ، أی : لکم۔ أیہا ،لـگافرون - دینکم وعقيدتكم التى تعتقدونها ولا تتجاوزكم إلى غير كم من المؤمنين الصادقين فضلا عن رسولطم ومرشدهم - صلى الله عليه وسلم -، ولی دینی وعقيدقى التى هى عقيدة التوحيد، والتى بايعنى عليها أتباعى المؤمنون ، وهى مقصورة علينا، وأنتم محرومون منها، وسقرون سوء عاقبة مخالفتكم لى. وقدم - سبحانه - المسند على المسند إليه، لإفادة القصد والاختصاص. فكأنه قيل: لكم دينكم لا لغير كم، ولى دينى لا لغيرى، والله - تعالى - هو أحكم الحاكمين بينى وبينكم. وبذلك نرى السورة الكريمة ، قد قطعت كل أمل قوم الكافرون. ٧٤٣ سورة الكافرون عن طريقه الوصول إلى مهادنة النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى. الاستجابة لشىء من مطالبهم الفاسدة ؛ وإنما هو - صلى الله عليه وسلم - برىء براءة قامة منهم ومن معبوداتهم وعباداتهم . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر صباح الجمعة ١٩ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ ه ٢١ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م تَفِرْسُورة النصر (م ٤٨ - جز. عم) بسم الله الرحمن الرحيم ١١٠ سورة ((النصر) ١ - سورة ((النصر) تسمى - أيضاً - سورة: إذا جاء نصر الله والفتح))، وقسمى سورة ((التوديع، وهى من السور المدنية، قيل: قيل: نزلت عند منصرف النبى - عَ لَّم - من غزوة خيبر، وقيل نزلت يمنى فى أيام التشريق، والنبى - وزيع - فى حجة الوداع، وقيل نزلت عند منصرفه - ◌ِدَّة - من غزوة حنين .. وكان نزولها بعد سورة ((الحشر))، وقبل سورة (النور))، وهى. ثلاث آيات . . ٢ - وقد تضافرت الأخبار رواية وقأوبلا، على أن هذه السورة قومى إلى قرب نهاية أجل النبى - صل له -.. وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الآثار فى هذا المعنى منها ما أخرجه- البيهقى عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة ((إذا جاء نصر الله والفتح))، دها رسول الله - عَظله - فاطمة وقال: ((قد نعيت إلى نفسى)، فبكت ثم ضحكت، وقالت : أخبرنى أنه نعيت إليه نفسه فيكيت . ثم قال: (أصبرى فإنك أول أهلى لحاقانى, فضحكت. وأخرج البخارى عن ابن عباس قال : كان عمر - رضى الله عنه - يدخلنى مع أشياخ بدر، فكان بعضهم قد وجد فى نفسه - أى : تغير وغضب - وقال: لما ذ! يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله. فقال عمر: إنه من علمتم . فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم .. فقال: ما تقولون فى قوله - تعالى - ((إذا جاء نصر الله والفتح .. ))، فقال بعضهم: أمرنا أن. نحمد الله ونستغفره، إذا نصر فاوفتح علينا، وسكت بعضهم .. فقاله. ٧٤٧ سورة النصر عمر : أكذلك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، فقال ما تقول ؟ فقلت: هو أجل رسول الله - ملح -، أعلمه له .. فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما نقول)). وأخرج الطبرانى عن ابن عباس أنه قال: ((آخر سورة نزلت من القرآن هذه السورة» (١). ٣ - والسورة الكريمة وعد منه - تعالى - أنجيه - رائع - بالنصر والفتح وبشارة بدخول أفراج الناس فى دين الله، وأمر منه - سبحانه - بالمواظبة على حمده واستغفاره . . قال - تعالى -: بشـ عــ ٠ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِي دِيرٍ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾ فَسَبِّحْ مَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًاً يٌ والنصر : التغلب على العدو ، والإعانة على بلوغ الغاية ، ومنه قولهم : قد نصر الغيث الأرض، أى : أعان على إظهار فياتها . . والمراد به هنا: إعانة الله - تعالى - لنبيه - رقم - على أعدائه، حتى حقق له النصر عليهم . والفتح: يطلق على فتح البلاد عنوة والتغلب على أهلها ، ويطلق على (١) راجع تفسير ابن كثير <ـ ٠٠٢٩٧ ٧٤٨ الجزء الثلاثون الفصل والحكم بين الناس، ومنه قوله - تعالى -: ((ربنا افتح بينناوبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين» .. والمراد به هنا: فتح مكة، وما ترقب عليه من إعزاز الدين ، وإظهار كامة الحق . . قال الإمام ابن كثير. والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت قتلوم - أى: تنتظر - بإسلامها فتح مكة ، يقولون : إن ظهر على قومه فهو نبى، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا فى دين الله أفواجا ، فلم تمض سنتان حتى استوسقت - أى: اجتمعت - جزيرة العرب على الإيمان ، ولم يبق فى سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة . . والأفواج: جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة من الناس . وقوله ((فسبح ٠٠٠)) جواب إذا. والمعنى: إذا أنم الله - عليك - أيها الرسول الكريم - وعلى أصحابك النصر، وصارت لكم المكلمة العليا على أعدائكم ، وفتح لكم مكة ، وشاهدت الناس يدخلون فى دين الإسلام ، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال بذكر .. إذا علمت ورأيت كل ذلك ، فداوم وواظب على تسبيح ربك ، وتنزيهه عن كل مالا يليق به، شكرا له على نعمه ، وداوم - أيضاً - على طلب مغفرته لك وللمؤمنين . . (((إنه، عز وجل - ((كان)، وما زال «نوابا، أى: كثير القبول لتوبه عباده التائبين إليه، كما قال - سبحانه -: «وهو الذى يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ؛ ويعلم ما تفعلون .. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة - مدينة نصر مساء الجمعة ١٩ من ربيع الأول سنة ١٤٠٨ هـ ٢١ مز ... فى سنة ١٩٨٦ هـ ( تفسير سورة ) المسد بسم الله الرحمن الرحيم ١١١ سورة (المسّد. ١ - سورة ((المسد)، تسمى - أيضا - بسورة , تبت ... وبسورة (( أنى لهب))، وبسورة ((اللهب)) وهى من أوائل السور التى نزات بمكة ، فهى السورة السادسة فى ترتيب النزول ، وكان نزولها بعد سورة ((الفاتحة))، وقبل سورة (التكوير))، وهى خمس آيات. ٢ - وقد ذكروا فى سبب نزول هذه السورة روايات منها : ما أخرجه البخارى عن ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى (( يا صباحاء)) - وهى كلمة ينادى بها الإنذار من عدو قادم -، فاجتمعت إليه قريش، فقال: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو مسيكم أ كنتم تصدقونى ؟ قالوا: نعم. قال : فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد . فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبالك، فأنزل الله - تعالى - هذه . السورة وفى رواية : أنه قام ينفض يدبه وجعل يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: تبالك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة (١). وأبو لهب: هو أحد أعمام النبى - صلى الله عليه وسلم -، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب إن هاشم ... وامر أته هى: أروى بنت حرب ابن أمية ، وكنيتها أم جميل. (١) تفسير ابن كثير حـ٧ ص ٥٣٤ ٠ ٧٥١ سورة المسد روى أنها لمما سمعت ما نزل فى زوجها وفيها من قرآن، أقت رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو جالس فى المسجد عند الكعبة . ومعه أبو بكر الصديق، وفى بدها فهر - أى: حجر - ، فلما وقفت أخذ الله - تعالى - بصرها عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا أبا بكر ، بلغنى أن صاحبك بهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر . خاء ... ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله أما تراها وأتك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما رأفنى، لقد أخذ اللّه بصرها عنى)) (١) قال - تعالى - . إِلَّهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ / تُبَّتْ يَدَآ أَبِى ◌َبِ وَتَبَّ ◌َجَ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَلُهُ, وَمَا كَسَبَ ( سَيَصْلَ نَارًا ذَاتَ تَبِ هِ وَأَمْرَأَتُهُو ◌ََّةَ الْخَطَبِ (@ --- a فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِنمَّدٍ چّ ومعنى ((تبت)، هلكت وخسرت، ومنه قوله - تعالى -: «وماكيد فرعون إلا فى تباب، وقوله - سبحانه -: ((ومازادوهم غير تنبيب)). وقوله: ((وقب، أى. وقد تب وهلك وخسر. فالجملة الأولى دعاء عليه بالهلاك والخسران ، والجملة الثانية : إخبار عن أن هذا الدعاء قد استجيب، وأن الخسران قد نزل به فعلا . أى : خسرت وخابت بدا أبى لهب، وقد نزل هذا الهلاك والخسران به، بسبب عداوته الشديدة الحق؛ الذى جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه - سبحانه -. (١) د/ جمع تفسير القرطبى حـ ٢٠ ص ٢٣١ ٧٥٢ الجزء الثلاثون والمراد باليدين هنا: ذاته ونفسه، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما فى قوله - تعالى -: «ذلك بما قدمت يداك)). ويجوز أن يكون المراد باليدين حقيقتهما ، وذلك لأنه كان يقول :- يعدنى محمد - صلى الله عليه وسلم - بأشياء، لا أدرى أنها كائنة، بزعم أنها بعد الموت، فلم يضع فى يدى شىء من ذلك، ثم ينفخ فى يديه ويقول. قبالكا ما أرى فيكا شيئا. وقوله - سبحانه -: «ما أغنى عنه ماله وما كسب، كلام مستأنفه للانتقال من ذمه والدعاء عليه بالهلاك .. إلى بيان أن ماله وجاهه ... لن يغنى عنه من عذاب الله - تعالى - شيئا . أى : أن أبا لهب لن يغنى عنه ماله الكثير ، وكسبه الوفير من حطام. الدنيا .. لن يغنى عنه شيئا من عذاب الله - تعالى -، أو شيئا من انتشار رسالة الله - تعالى - فى الأرض، فإن الله - سبحانه - ناصر فيه - صلى الله عليه وسلم - ، ويؤيده بروح منه . والتعبير بالماضى فى قوله: ((ما أغنى .. ))، لتحقيق وقوع عدم |الإغناء. والراجح أن ((ما، الأولى نافية، والثانية موصوله. أى: ما أغنى عنه شيئا ماله الذى ورثه عن أبيه، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذى جمعه واكتسبه هو بنفسه عن طريق التجارة وغيرها، وقوله - سبحانه -: «سيصلى نارا ذات لهب، بيان للعاقبة السيئة التى. تنتظره، بعد هذا الذم والتأنيب والوعيد . أى : سیلقی بأبى هب فى نار شديدة الحرارة ، تشوى الوجوه والأبدان، ووصف - سبحانه - النار بأنها «ذات لهب، لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وكفره، إذ هو معروف بأبى لهب، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد . ثم أعقب - سبحانه - ذلك ، بذم زوجه التى كانت تشار كه العداوة. ٧٥٣ سورة المسد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ولو أنه حمالة الحطب. فى. جيدها حبل من مسد » . وقوله: «وامرأته، معطوف على الضمير المستتر العائد على أبى أهب فى قوله ((سيصلى)، واقتصاب لفظ , حمالة، على الذم بفعل مضمر، لأن المقصود به هنا الذم. وقرأ الجمهور ((حمالة)) - بالرفع - على أنه صفة لها،. أو خبر لمبتدأ محذوف، أى : هى حمالة الحطب . والمقصود بقوله - تعالى - ((حمالة الحطب)) الحقيقة ، فقد روى أنها كانت تحمل بنفسها حزمة الشوك والحسك والعدان ، فتنثرها بالليل فى طريقه - صلى الله عليه وسلم - ، لإيذائه به ويصح أن يكون المراد بهذه الجملة الكتابة عن مشيها بين الناس بالنميمة ، وإشاعة السوء حول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يقال لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس. إنسان يحمل الخطب بين الناس ، أى : أنه يفسد بينهم . ويصح أن يكون المقصود بهذه الجملة : حملها الذنوب والخطايا ، من قولهم : فلان يحطب على ظهره ، إذا كان يكتسب الذنوب والخطا يا، فاستمير الحطب لذلك . وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول ، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه فى طريق النبى - صلى الله عليه وسلم (١). وقوله - سبحانه -: ((فى جيدها حبل من مسد، زيادة فى تبشيع. صورتها ( وتحقير هيئتها . والجيد: العنق. والمسد: الليف المتين الذى قتل بشده. يقال: حبل محسود، أى : مفتول فتلا قويا . (١) راجع تفسير ابن جرير حـ ٢٠ ص ٢٢٠ ٧٥٤ الجزء الثلاثون والمعنى : سيصلى أبو لهب فارا شديدة، وستصلى معه امرأته التى قضع الشوك فى طريق النبى - صلى الله عليه وسلم - هذه النار المشتعلة - أيضا -، وسيزيد الله - تعالى - فى إذلالها وتحقيرها، بأن يأمر ملائكته بأن تضع فى عنقها حبلا مفتولا فتلا قويا ، على سبيل الإذلال والإهانة لها، لأنها كانت فى الدنيا تزعم أنها من بنات الأشراف الأكابر . روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان لها قلادة ثمينة فقالت: لأبيعنها ولأنفقن ثمنها فى عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - فأبدلها الله عنها حبلا فى جيدها من مسد النار . والذى يتأمل هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة ، وأبلغ المعجزات الدالة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، فإن الله - تعالى - قد أخبر بشقاء أبى لهب وامرأته، وبأنهما سيصليان نارا ذات لهب .. وقد علما بما جاء فى هذه السورة من عقاب لهما .. ومع ذلك فقد بقيا على كفرهما حتى فارقا الحياة ، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد، - ولو فى الظاهر - ، فثبت أن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل - . نسأل الله - تعالى - أن يلحقنا بعباده الصالحين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر مساء الجمعة ١٩ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ ١١ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م ( تفسير سورة) ( (الإخلاص) * ١١٢ بسم اللهالرحمن الرحيم تفسير سورة «الإخلاص. ١ - سورة ((الإخلاص، من السور ذات الأسماء المتعددة ، وقد ذكرلها الجمل فى حاشيته عشرين اسما ، منها أنها تسمى : سورة التفزيد، والتجريد، والتوحيد ، والنجاة، والولاية، والمعرفة، والصمد، والأساس. والمانعة، والبراءة .. » (١). ٢ - وقد ورد فى فضلها أحاديث متعددة، منها ما أخرجه البخارى عن أبى سعيد الخدرى، أن رجلا سمع رجلا يقرأ هذه السورة، ويرددها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (( والذى نفسى. بيده إنها لتعدل ثلث القرآن)، (٢). قال بعض العلماء ومعنى هذا الحديث: أن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منها الأحكام، وثلث منها وعد ووعيد، وثلث منها الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات. ٣ - وقد ذكروا فى سبب نزولها روايات منها: أن المشركين قالوا: يا محمد، انسب لناربك، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة الكريمة (٣). وجمهور العلماء على أنها من السور المكية، وأن نزولها كان بعد سورة ((الناس، وقبل سورة ((النجم))، أى: أنها السورة الثانية والعشرون (١) راجع حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٦٠٢ ٠ (٢) راجع القرطبى = ٢٠ ص ٠٢٤٧ (٣) راجع تفسير ابن كثير - ٧ ص ٥٢٨. ٧٥٧ سورة الإخلاص فى ترتيب النزول . ويرى بعضهم أنها مدينة، والأول أرجح، لأنها جمعت أصل التوحيد، وهذا المعنى غالب فى السور المكية . وعدد آياتها خمس آيات فى المصحف الحجازى والشامى، وأربع آيات فى الكوفى والبصرى . قال - تعالى - : بسـ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ ◌َ اللهُ الصَّمَدُ ﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٣ وَلَمْ يَكُن لَّهُ, كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ ٤ /٢١ وقد افتتحت بفعل الأمر ((قل، لإظهار العناية بما بعد هذا الأمر من توجيهات حكيمة، ولتلقينه - صلى الله عليه وسلم - الرد على المشركين الذين -سألوه أن ينسب لهم ربه . و ((هو)) ضمير الشأن مبتدأ، والجملة التى بعده خبر عنه .. والأحد : هو الواحد فى ذاته وفی صفاته وفی أفعاله، وفی کل شان من شئونه، فهو منزله عن التركيب من جواهر متعددة ، أو من مادة معينة، كما أنه - عز وجل - منزه عن الجسمية والتحيز ، ومشابهة غيره .. وفى الإيتان بضمير الشأن هنا: إشارة إلى فخامة مضمون الجملة ، مع ما فى ذلك من زيادة التحقيق والتقرير، لأن الضمير يشير إلى شىء مبهم قترقبه النفس ، فإذا جاء الكلام من بعده زال الإبهام، وتمكن الكلام من النفس فضل تمكن . وجىء بالخبر فكرة وهو لفظ ((أحد،، لأن المقصود الإخبار عن الله - تعالى - بأنه واحد ولو قيل: اللّه الأحد، لأفاد أنه لا واحد ٧٥٨ الجزء الثلاثون -واه، وليس هذا المعنى مقصودا هنا، وإنما المقصود إثبات أنه واحد فى ذاته وصفاته وأفعاله .. ونفى ما زعمه المشركون وغيرهم، من أنه - تعالى - مركب من أصول مادية أو غير مادية، أو من أنه له شريك فى ملكه . . وقوله - سبحانه -: ((الله الصمد، أى: اللّه تعالى - هو الذِى بَصْمُد إليه الخلق فى حوائجهم، ويقصدونه وحده بالسؤال والطلب .. مأخوذ من قولهم صمد فلان إلى فلان ، بمعنى توجه إليه بطلب العون والمساعده .. قال صاحب الكشاف: ((والصمد فعَل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو - سبحانه - المصمود إليه فى الحوائج . والمعنى: هو الله الذى تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض، وخالقكم وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذى يصمد إليه كل مخلوق، لا يستغنون عنه، وهو الغنى عمهم .. )) (١). وجاء لفظ ((الصمد، محلى بأل، لإفادة الحصر فى الواقع ونفس الأمر فإن قصد الخلق إليه - سبحانه - فى الحوائج، أعم من القصد الإرادى، والقصد الطبيعى ، والقصد بحسب الاستعداد الأصلى، الثابت لجميع المخلوقات، إذ الكل متجه إليه - تعالى - طوعا وكرها .. وقوله - سبحانه -: ((لم بلد، تنزيه له - تعالى - عن أن يكون له ولد أو بنت، لأن الولادة تقتضى انفصال مادة منه، وذلك يقتضى التركيب المنافى للأحدية والصمدية. أو لأن الولد من جنس أبيه، وهو - تعالى - منزه عن مجانسة أحد . . وقوله: (( ولم يولد)) تنزيه له - تعالى - عن أن يكون له أب أو أم » (١) تفسير الكشاف - ٤ ص ٠٨١٨ ٧٥٩ سورة الإخلاص لأن المولودية تقتضى - أيضاً - التركيب المنافى الأحدية والصمدية». أو لا قتضائها سبق العدم، أو المجانسة، وكل ذلك مستحيل عليه - تعالى - فهو سبحانه -: ((الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شىء عليم ، . وقوله - عز وجل -: (( ولم يكن له كفوا أحد ، تنزيه له - تعالى - عن الشبيه والنظير والمماثل . . والكفؤ: هو المكافىء والمائل والمشابه لغيره فى العمل أو فى القدرة . أى: ولم يكن أحد من خلقه مكافئا ولا مشاكلا ولا مناظرا له -تعالى- فى ذاته أو صفاته، أو أفعاله، فهو كما قال - تعالى -: « ليس کثله شىء وهو السميع البصير). وبذلك نرى أن هذه السورة الكريمة قد تضمنت نفى الشرك بجميع ألوانه . . . فقد نفى - سبحانه - عن ذاته التعدد بقوله: «الله أحد)، ونفى عن ذاته النقص والاحتياج بقوله : ((الله الصمد))، ونفى عن ذاته أن يكون والدا أو مولودا بقوله: ((لم يلد ولم يولد،، ونفى عن نفسه الأنداد والأشياء بقوله: (( ولم يكن له كفوا أحد)). كما نراها قد تضمنت الرد على المشركين وأهل الكتاب ، وغيرهم من أصحاب الفرق الضالة، الذين يقولون، بالتثليث؛ وبأن هناك آلهة أخرى. تشارك الله - تعالى - فى ملكه . ٧٦٠ الجزء الثلاثون - وبغير ذلك من الأقاويل الفاسدة؛ والعقائد الزائفة .. ( سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا)). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ القاهرة - مدينة نصر صباح الأحد ٢١ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧هـ ١١/٢٣ سنة ١٩٨٦ م