Indexed OCR Text

Pages 701-720

تفسيرسورة
العصر

بسر طان الق الحميم.
١٠٣ سورة «المصر»
١ - سورة ((العصر)) وتسمى سورة ((والمصر) من السور المكية
عند جمهور المفسرين، وكان نزولها بعد سورة (( الانشراح)، وقبل سورة
((العاديات)) فهى السورة الثالثة عشرة فى ترتيب النزول ..
وقيل هى مدينة، والمعول عليه الأول، لأنه المنقول عن ابن عباس:
وابن الزبير وغيرهما ، وعدد آياتها ثلاث آيات.
٢ - وقد اشتملت على بيان من هم أهل الخمران، ومن هم أهل
السعادة . .
قال الآلوسى: وهى على قصرها جمعت من العلوم ما جمعت ، فقد
روى عن الشافعى أنه قال: لو لم ينزل من القرآن غير هذه السورة لكفته
الناس ، لأنها شملت جميع علوم القرآن .
وأخرج الطبرانى فى الأوسط ، والبيهقى فى الشعب عن أبى حذيفة
- وكانت له صحبة - أنه قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - إذا التقيا لم يتفرقا، حتى يقرأ أحدهما على
الآخر، سورة ((والعصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر)) (١) أى : عند
المفارقة - .
(١) تفسير القرطبي حـ ٢٠ ص ٠١٧٨

٧٠٣
سورة العصر
قال - تعالى -:
وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ إِلَّا الّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِي
- -
. والعلماء أقوال متعددة فى المقصود بالعصر هنا فمنهم من يرى أن
:المقصود به : الدهر كله ، لما فيه من العبر التى تدل دلالة واضحة على عظيم
نقدرة الله - تعالى -، ولما فيه من الأحداث التى يراها الناس بأعينهم،
ويعرفونها عن غيرهم . .
فهم يرون ويسمعون كم من غنى قد صار فقيرا ، وقوى قد صار
ضعيفا، ومرورا قد أصبح حزينا .. ورحم الله القائل.
أشاب الصغير وأفنى الكبير، كر الغداة ومر المشى .
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((والعصر، أى: الدهر، قاله ابن
عباس وغيره. فالعصر مثل الدهر .. وأقسم به - سبحانه - لما فيه
من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها .. ».
ومنهم من يرى أن المقصود به : وقت صلاة العصر ، وقد صدر
صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال: أقسم - سبحانه -
بصلاة العصر لفضلها، بدليل قوله - تعالى -: «حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى)، - وهى صلاة العصر -، وقوله - بَيٍ - : من
فائته صلاة العصر فكانما ويرِ أهَلَه ومالهَ))، ولأن التكليف فى أدائها
أشق اتهافت الناس فى تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار .... (١).
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٠٧٩٣

٧٠٤
الجزء الثلاثون
ومنهم من يرى أن المراد بالعصر هنا: عصر النبوة، لأفضليته بالنسبة-
۵ سبقه من عصور . ..
وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال: والصواب من القول ..
فى ذلك أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر، والعصر اسم للدهر، وهو
العشى، والليل والنهار ... ) (١).
وقوله - سبحانه -: ((إن الإنسان لفى خسر .. ، جواب القسم،.
والمراد بالإنسان: جنسه ويدخل فيه الكافر دخولا أو ليا، والخسر مثل ...
الخسران، كالكفر بمعنى الكفران . .
أى : إن جنس الإنسان لا يخلو من خسران ونقصان وفقدان للربح.
فى مساعيه وأعماله طوال عمره، وإن كان هذا الخسران بتفاوت قوة ...
وضعفا .
٠
فأخسر الأخرين هو الكافر الذى أشرك مع خالقه. إلها آخر فى
العبادة، وأقل الناس خسارة هو المؤمن الذى خاط عملا صالحا بآخر سيئا ..
ثم قاب إلى الله - تعالى - قوبة صادقة.
وجاء الكلام بأسلوب القسم، لتأكيد المقسم عليه، وهو أن جس.
الانسان فى خسر .
وقال - سبحانه - ((لفى خسر)) للإشعار بأن الإنسان كأنه مغمور
بالخسر، وأن هذا الخسران قد أحاط به من كل جانب ، وتنكير لفظ
(( خسر)) للتهويل. أى: لفى خسر عظيم .
(١) تفسير ابن جرير حـ ٣٠ ص ١٨٨.

٧٠٥
:سورة العصر
وقوله - سبحانه -: (( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ....
استثناء ما قبله، والمقصود بهذه الآية الكريمة تسلية المؤمنين الصادقين،
وتبشهرهم بأنهم ليسوا من هذا الفريق الخاسر .
وقوله - تعالى -: ((وتواصوا)) فعل ماض ، من الوصية وهى
تقديم النصح للغير مقرونا بالوعظ .
. والحق: هو الأمر الذى ثبتت صحته ثبوتا قاطعا ..
والصبر: قوة فى النفس تعينها على احتمال المكاره والمشاق ..
أى: أن جميع الناس فى خسران ونقصان .. إلا الذين آمنوا
بالله - تعالى - إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات، من صلاة وزكاة ..
وصيام وحج .. وغير ذلك من وجوه الخير ، وأوصى بعضهم بعضا
بالتمسك بالحق ، الذى على رأسه الثبات على الإيمان وعلى العمل الصالح ..
وأوصى بعضهم بعضا كذلك بالصبر على طاعة الله - تعالى - ، وعلى.
البلاياو المصائب والآلام .. التى لا تخلو عنها الحياة ..
فهؤلاء المؤمنون الصادقون ، الذين أوصى بعضهم بعضا بهذ الفضائل
ليسوا من بين الناس الذين هم فى خسران ونقصان، لأن إيمانهم الصادق.
وعملهم الصالح .. قد حماهم من الخسران.
قال بعض العلماء: وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على الوعيد
الشديد، وذلك لأنه - تعالى - حكم بالخسارة على جميع الناس، إلا من
كان متصفا بهذه الأشياء الأربعة، وهى: الإيمان ، والعمل الصالح،
والتواصى بالحق، والتواصى بالصبر ، فدل ذلك على أن النجاة معلقة

٧٠٦
الجوه الثلاثون
٨
بمجموع هذه الأمور، وأنه كما يجب على الإنسان أن يأتى من الأعمال
ما فيه الخير والنفع، يجب عليه - أيضاً - أن يدعو غيره إلى الدين،
وينصحه بعمل الخير والبر، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحب
لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يثبت على ذلك، فلا يحيد عنه، ولا يز حزحه
عن الدعوة إليه ما يلاقيه من مشاق .. ))(١).
. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أصحاب هذه الصفات؟
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهرة - مدينة نصر
١٣ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ
١٥ من نوفبر سنة ١٩٨٦ م
(١) تفسير جزء (عم، حـ ٣١٣ للشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد
- رحمه الله - .

( تفسير سورة )
الهمزة

بسم اللهالرحمن الرحيمْ
١٠٤ سورة ((الهُمزّة))
١ - سورة ((الهمزة)، من السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة
((القيامة)) وقيل سورة ((المرسلات)، وعدد آياتها تسع آيات.
٢ - ومن أهم أغراضها: التهديد الشديد من يعيب الناس، ويتهكم
بهم، ويتطاول عليهم ، بسبب كثرة ماله، وجحوده للحق .
وقد ذكروا أن هذه السورة الكريمة نزلت فى شأن جماعة من أغنياء
المشركين ، منهم: الوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف، وأبى بن خلف ..
كانوا يؤذون النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابة، ويشيعون
الأقوال السيئة عنهم ..
وهذا لا يمنع أن السورة الكريمة تشمل أحكامها كل من فعل مثل
هؤلاء المشركون، إذ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وقد افتتحت السورة الكريمة بقوله - تعالى - :
بِسْـ
وَيْلٌ لِكُلٍ هُمَزَةٍ ثُمَزَةٍ (*) الَّذِى جَمَعَ مَالَّا وَعَّدُهُ جْ تَحْسَبُ).
أَنَّ مَالَهُ ◌ٍ أَخْلَدَهُ, يْ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِ الْخُطْمَةِ () وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا
اَلْخُطَمَةُ يْ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (ي الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ ﴾
إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (* فِ عَمَدٍ ثُمَدَّدَةٍ ؟

-
سورة الهمزة
٧٠٩
والويل : لفظ يدل على الذم وعلى طلب العذاب والملكة .. وقيل:
امم اواد فى جهنم.
والهمزة من الهمز ، بمعنى الطعن فى أعراض الناس ، ورميهم بما
يؤذيهم . ...
واللهزة من اللمز ، بمعنى السخرية من الغير ، عن طريق الإشارة
باليد أو العين أو غيرهما .
قال الجمل: الهمزة واللمزة: م المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة
الباغون العيب للبرىء ، فعلى هذاهما بمعنى واحد .
وقيل : الهمزة الذى يعيبك فى الغيب ، واللهزة الذى يعيبك فى الوجه
وقيل : العكس .
وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى أصل واحد ، وهو الطعن وإظهار
العيب ، ويدخل فى ذلك من يحاكى الناس فى أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم
ليضحكوا منه، .. (١) .
و((همزة لمزة)) خبره. وهمزة ومزة وصفان لموصوف محذوف.
أى : عذاب شديد، وخزى عظيم ، لكل من يطعن فى أعراض الناس
ويغض من شأنهم، ويحقر أعمالهم وصفاتهم ، وبنسب إليهم ما هم بر١٠.
منه من عيوب .
والتعبير بقوله: «همزة ولمزة، يدل على أن تلك الصفات القبيحة،
كافت عادة متأصلة فيهم، لأن اللفظ الذى بزنة « فعلة، - بضم الفاء
وفتح العين - يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ديدنه ودأبه الإتيان
بهذا الوصف ، ومنه قولهم: فلان ضحكة: إذا كان يكثر من الضحك .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٥٨٤

٧١٠
الجزء الثلاثون
كما أن لفظ «فعلة، - بضم الفاء وسكون العين - يؤتى به الدلالة
على أن الموصوف به ، يكثر أن يفعل به ذلك ، ومنه قولهم : فلان
ضحكة، إذا كان الناس يكثرون الضحك منه .
وقوله - سبحانه -: ((الذى جمع مالا وعدده ، زيادة تشنيع.
وتقبيح الهمزة اللمزة . .
ومعنى ((عدده)): جعله عدته وذخيرته، وأكثر من عده وإحصائه.
لحرصه عليه ، والجملة الكريمة فى محل نصب على الذم .
أى: عذاب وهلاك لكل إنسان مكثر من الطعن فى أغراض الناس،
ومن صفاته الذميمة أنه فعل ذلك بسبب أنه جمع مالا كثيرا ، وأنفق
الأوقات الطويلة فى عده مرة بعد أخرى ، حبا له ، وشغفا به ، وتوهما
منه أن هذا المال الكثير هو مناط التفاضل بين الناس .
وقرأ إن عامر وحمزة والكسائى (( جمّع)) - بتشديد الميم - وهو
مبالغة فى (( جمع)) بتخفيف الحجم .
وقوله - تعالى -: ((يحسب أن ما له أخلده، صفة أخرى من
صفاته القبيحة ، والجملة يصح أن تكون مستأنفة استئنافا بيانياً، جوابه
بالسؤال مقدر، كانه قيل: ما باله يجمع المال ويهتم به؟ فكان الجواب:
يحسب أن ماله أخلد ..
ويصح أن تكون حالا من فاعل ((جمع)، أى: هذا الجاهل المغرور
جمع المال وعدده، حالة كونه يظن أن ماله بخلده فى الدنيا ، ويجعله فى
مأمن من حوادث الدهر . .
قال الأستاذ الإمام محمد عبده: أى أن الذى يحمل هذا الهمزةَ اللمرة
على الحظ من أقدار الناس، هو جمعه المال وتعديده .. فكلما نظر إلى
كثرة ما عنده منه، انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة ، بحيث يكون كل ذى.
٠

٧١١
سورة الهمزة
فضل ومذية دونه .. ويظن أن ما عنده من المال ، قد حفظ له حياته
التى هو فيها , وأرصدها عليه، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى ، يعاقب فيها
على ما كسب من سيء الأعمال .. ، (١).
ثم بين - سبحانه -- بعد ذلك سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور فقال :
« كلا أينبذن فى الحطمة. وما أدراك ما الحطمة .. ».
و«كلا، حرف زجروردع، والمراد به هذا إبطال ما توعمه هذا
المغرور من حسبانه أن ماله سبخلده، والنبذ: الطرح للشىء والإلقاء به مع
التحقير والتصغير من شأنه :
والحطمة من الخطم ، وهو كسر الشىء بشدة وقوة، ويقال: رجل
حطمة ، إذا كان شديدا فى تحطيمه وكسره، والمراد بالحطمة هنا : النار
الشديدة الاشتعال ، التى لا تبقى على شىء إلا وأحرقته ..
أى: كلا ليس الأمر كما زعم هذا الهمزة اللهذة، من أن ماسيخلده، بل
الحق أنه والله ليطر حن بسبب أفعاله القبيحة فى النار التى تحطم كل شىء
يلقى فيها، والتى لا يعرف مقدار شدتها واشتعالها إلا الله - تعالى -.
ء
فالمقصود بالاستفهام فى قوله - تعالى -: ((وما أدراك ما الحطمة)»
تهويل أمر هذه النار، وتفظيع شأنها، وبيان أن كنها لا تدركه
عقول البشر . .
وقوله - سبحانه -: ((فار الله الموقدة)) بيان للحطمة وتفصيل
لأمرما بعد إبها مها ..
أى: الحطمة هى نار الله - تعالى - الشديدة الإحراق، وإضيفت.
-
(١) تفسير جزءم ص ١٧٧ .

٧١٢
الجزء الثلاثون
إلى الله - تعالى -، لزيادة الترويع والتخويف منها، لأن خالقها
- عز وجل - هو الذى لا يعجزه شيء.
وقوله - تعالى -: ((التى تطلع على الأفئدة، صفة أخرى من
صفات هذه النار. وفوله «تطلع، من الاطلاع، بمعنى الوصول إلى الشىء
بسرعة ، والكشف عن خباياه، والنفاذ إلى منتهاه ..
أى: سيلقى بهذا الشقى فى فار الله - تعالى - الموقده، التى تصل
إلى أعماق الأفئدة والقلوب، فتحيط بها ، وتنفذ إليها، فتحرقها
إحراقاً تاما .
وخصت الأفئدة التى هى القلوب بالذكر ، لأن ألطف ما فى الأبدان
وأشدهاتاً لما بأدنى أذى يصيبها، أولأنها محل العقائد الزائفة، والنيات
الخبيثة ، ومنشأ الأعمال السيئة، التى استحق هذا الهمزة الهمزة بسببها
العقاب الشديدة .
ثم وصف - سبحانه - هذه النار بصفة ثالثة فقال: « إنها عليهم
مؤصدة، أى: إن هذه النار من صفائها - أيضاً - أنها مطبقة ومغلقة
عليهم، بحيث لا يستطيعون الخروج منها، فقوله ((مؤصدة، اسم مفعول
من قولك أوصدت الباب ، إذا أغلقته بشدة ، بحيث لا يستطاع
الخروج منه ..
وقوله - تعالى -: ((فى عمد معده، صفه رابعة من صفات هذه
النار الشديدة الاشتعال .
وقوله (( عُمد )) - بفتحتین - جمع عمود كاديم وآدم، وقيل: جمع
عماد، وقيل: هو اسم جمع لعمود، وليس جمعا له. والمراد بها:
الأوتار التى تشد بها أبواب النار .

٧١٢
سورة الهمزة
وقرأ بعض القراء السبعة: ((فى عمد، - بضمتين - جمع عمود.
كسرير وسرد ..
والمحددة: الطويلة الممدودة من أول الباب إلى آخره .
أى: أن هذه النار مغلقة عليهم بأبواب محكمة، هذه الأبواب قدشدت
بأوقاد من حديد، تمتد هذه الأوتاد من أول الأبواب إلى آخر ما، بحيث
لا يستطيع من بداخلها الفكاك منها . .
وبذلك نرى السورة الكريمة قد قوعدت هؤلاء المغرورين الجاهلين،
الطاعنين فى أعراض الناس .. بأشد ألوان العقاب، وأكثره إمالة
وخزيا لمن ينزل به .
نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من ذلك،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهر - مدينة نصر
صباح الأحد ١٤ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧هـ
١٦ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م
(م ٤٦ - جر. عم)

تَفسِير ◌ُسُورة
الفيل

بسم الله الرحمن الرحيم
١٠٥ سورة («الفيل))
١ - سورة («الفيل، وسماها بعضهم سورة ((ألم تر .. )) من السور
المكية الخالصة ، وعدد آياتها خمس آيات ، وكان نزولها بعد سورة «قل
يا أيها الكافرون)، وقبل سورة ((القيامة، فهى السورة التاسعة عشرة فى
ترتيب النزول من بين السور المكية .
٢ - ومن أهم مقاصدها: تذكير أهل مكة بفضل الله - تعالى -
عليهم، حيث منع كيد أعدائهم عنهم، وعن بيته الحرام ، وبيان أن هذا
البيت له مكافته السامية عنده - تعالى - ، وأن من أراده بسوء قصمه الله
- تعالى -، وتبشير النبى - روافع - بأنه - سبحانه - كفيل برعايته
ونصره على أعدائه، كما نصر أهل مكة على أبرهة وجيشه، وتثبيت المؤمنين
على الحق، لكى يزدادوا إيمانا على إيمانهم، وبيان أن الله - سبحانه -
غالب على أمره . .
٣ - وقصة أصحاب الفيل من القصص المشهوره عند العرب،
وملخصها : أن أبرهة الأشرم الحبشى أمير اليمن من قبل النجاشى ملك
الحبشة ، بنى كنيسة بصنعاء لم ير مثلها فى زمانها .. ، وأراد أن يصرف
الناس من الحج إلى بيت الحرام، إلى الحج إليها ... ثم جمع جيشا
عظيما قدم به لهدم الكعبة .. فأهلكه الله - تعالى - ، وأهلك من معه
من رجال وأفيال .. وكانت ولادته - صلى الله عليه وسلم - فى هذا
العام ٠٠٠٠ (١).
(١) راجع سيره ابر اسحاق ــ ١ ص٤٣. وتغير الآلومى =٣٠ ص٢٢٣

٧١٧
سورة الفيل
وفى شأنهم نزل قوله - تعالى - :
بشـ
◌َّ ◌َرْ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَعْخَبِ اَلْفِيِلِ ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى
أَتَضْلِيلٍ ﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِلَ يّ ◌َرْمِهِم بِحِجَارَةٍ
مِن ◌ِيلٍ ﴾ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ.
ـصـ
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ألم تر ... )، للتقرير بما تواتر نقله
وعلمه - صلى الله عليه وسم - وعلمه غيره علما مستفيضا، حتى إن العرب
كانوا يؤرخون بتلك الحادثة، فيقولون: هذا الأمر حدث فى عام الفيل،
أو بعده أو قبله .. والمراد بالرؤية هنا: العلم المحقق.
وعبر - سبحانه - عن العلم بالرؤية، لأن خبر هذه القصة - كما أشرنا -
كان من الشهرة بمكان ، فالعلم الحاصل بها مساو فى قوة الثبوت الرؤية
والمشاهدة . . .
والمعنى: لقد علمت - أيها الرسول الكريم - علما لا يخالطه
ريب أو لبس ، ما فعله ربك بأصحاب الفيل ، الذين جاؤا لهدم الكعبة ،
حيث أهلكتهم إهلا كاشنيعا، كانت فيه العبرة والعظة ، والدلالة الواضحة
على قدرتنا ، وعلى حمايتنا لبيتنا الحرام ..
وأوقع - سبحانه - الاستفهام عن كيفية ما أنزله بهم، لا عن
الفعل ذاته، لأن الكيفية أكثر دلالة على قدرته - تعالى - ، وعلى أنه
- سبحانه - لا يعجزه شيء . .
- وفى التعبير بقوله: «فعل ربك .. ، إشارة إلى أن هذا الفعل لا يقدر

٧١٨
الجزء الثلاثون
عليه أحد سواه - سبحانه - ، فهو الذى ربى نبيه - صلى الله عليه وسلم-
وتعهده بالرعاية، وهو الكفيل بنصره على أعدائه ، كما نصر أهل مكة ،
على جيوش الحبشة .. وهم أصحاب الفيل.
ووصفوا بأنهم (( أصحاب الفيل))، لأنهم أحضروا معهم الفيلة،
ليستعينوا بها على هدم الكعبة، وعلى إذلال أهل مكة ..
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((ألم يجعل كيدهم فى تضليل))
للتقرير - أيضاً -، أى: لقد جعل الله - تعالى - مكر أصحاب الفيل
وسعيهم لتخريب الكعبة، فى ((تضليل، أى: فى تحير وإبطال وتضييع)،
بأن تبرهم - سبحانه تتبيرا، ودمرهم قدميرا .
والكيد : إرادة وقوع الإضرار بالغير فى خفية، وسمى - سبحانه -
ما فعله أبرهه وجيشه كيدا ، مع أنهم جاءوا لهدم الكعبة جهارا نهارا ..
لأنهم كانوا يضمرون من الحقد والحسد والعداوة لأهل مكة ، أكثر مما
كانوا يظهرونه، فهم - كما قال - تعالى -: ((قد بدت العداوة من أفواههم،
وما تخفى صدورهم أكبر ....
!
والمقصود بالتضليل هنا: التضييع والإبطال، تقول: ضللت كيدفلان
إذا جعلته باطلا ضائعا .
ثم بين - سبحانه - مظاهر إبطاله لكيدهم فقال: ((وأرسل عليهم
طيرا أبابيل » .
والطير : اسم جمع لكل ما من شأنه أن يطير فى الهواء ، وتتكيرة
للتنويع والتهويل والأبابيل: اسم جمع لا وأحد له من لفظه . وقيل هو
جمع إبالة، وهى حزمة الحطب الكبيرة، شبهت بها الجماعة من الطير فى
تضامها وتلاصقها .
أى: لقد جعل الله - تعالى - كيد هؤلاء المعتدين فى تضيع وتخسير

٧١٩
سورة الفيل
. . بأن أرسل عليهم جماعات عظيمة من الطير ، أنتهم من كل جانب فى
تتابع، فكانت سبباً فى إهلاكهم والقضاء عليهم، ((وما يعلم جنود
.ربك إلا هو)).
وجملة ,ترميهم بحجارة من سجيل، بيان لما فعلته تلك الطيور بإذن الله
- تعالى -، وهى حال من قوله ((طيرا»، والسجيل: الطين اليابس
بالمستحجر ...
-
قال بعض العلماء: قوله: «ترميهم بحجارة من سجيل) أى: من طين
- مستحجر محرق. أو بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون فى الجيل
وهو الديوان الذى كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن السجين هو الديوان
الذى كتبت فيه أعمالهم . واشتقاقه من الإسجال بمعنى الإرسال.
وعن عكرمة : كانت ترميهم بحجارة معها كالخمصة، فإذا أصاب أخدمم
حجر منها ، خرج به الجدرى ، وكان ذلك أول يوم رئى فيه الجدرى
بأرض العرب .
وقال ابن عباس: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده ـ
أى: احترق -، فكان ذلك أول الجدرى . وقيل: إن أول ما رؤيت
الحصبة والجدرى بأرض العرب ذلك العام.
وقال ابن جزى فى تفسيره: إن الحجر كان يدخل من رأس أحدهم
.ويخرج من أسفله .
ووقع فى سائرهم الجدرى والأسقام، وانصرفوا وماتوا فى الطريق
متفرقين، وتمزق أبرهة قطعة قطعة .. ))(١) .
(١) تفسير ((صفوة البيان، ح ٢ ص ٠٥٦٩
لاشیخ حسنین محمد مخلوف

٧٢٠
الجزء الثلاثون
وقوة - سبحانه - ((فجعلهم كعصف مأكول)) بيان للآثار
النظيسة التى ترتبت على ما فعلته الحجارة التى أرسلتها الطيور عليهم بإذن.
2 -تعالى -.
والعصف: ورق الزرع الذى يبقى فى الأرض بعد الحصاد، وتعصفه
الرياح فتأكله الحيوانات . أو هو التبن الذى تأكله الدواب . .
أى: ساط الله - تعالى - عليهم طيرا ترميهم بحجارة من طين متحجر،
فساروا بسبب ذلك صرعى هالكين، حالهم فى تمزقهم وتناثرهم كحال.
أوراق الأشجار اليابسة أو التبن الذى تأكله الدواب .
وهكذا نرى السورة الكريمة قد ساقت من مظاهر قدرة الله - تعالى -
ما يريد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وثباتا على ثباتهم، وما يحمل الكافرين.
على الاهتداء إلى الحق، والاقلاع عن الشرك والجحود او كانوا يعقلون ..
نسأل الله - تعالى - أن يهدينا إلى صراطه المستقيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهرة - مدينة نصر
صباح الثلاثاء ١٦ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ
١٨ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م