Indexed OCR Text
Pages 481-500
تَفَسَيْرُسُوَرَة البروج بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة (« البروج ) ١ - سورة ((البروج)) من السور المكية الخالصة، وتسمى سورة «السماء ذات البروج)) فقد أخرج الإمام أحمد عن أبى هريرة، أن رسول الله - راح - كان يقرأ فى العشاء الآخرة، بالسماء ذات البروج)). وعدد آياتها: اثنتان وعشرون آية. وكان نزولها بعد سورة ((والشمس وضحاها ، وقبل سورة ((والتين والزيتون .. )). ٢ - والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : تثبيت المؤمنين ، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم ، عن طريق ذكر جانب ما تحمله المجاهدون من قبلهم، فكان الله - تعالى - يقول النبي - صَ ل ـ ولأصحابه: اصبروا كما صبر المؤمنون السابقون، وأثبتوا كما ثبتوا، فإن العاقبة ستكون لكم . . كما أن السورة الكريمة ساقت الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، ونفاذ أمره . . ٤٨٣ سورة البروج قال - تعالى -: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ جٌ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴿ قُتِلَ أَعْحَبُ الْأُخْدُ وِ ®ِ النَّارِذَاتِ الْوَقُودِيُّ إِذْ هُمْ عَيْهَا قُعُودٌ (8) وَهُمْ عَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ تُهُودٌ (3) وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ي الَّذِى لَهُمْ مُلْكُ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضَِّ وَاللهُ عَى كُلِّشَىْءِشَهِدُ (﴾ إِنَّ الَّذِينَ. فَتَنُواْ أَلْمُؤْمِنِنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّلَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهُمْ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (َّ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِنْ تَحْهَا الْأَنْهَرُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ (8) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ اللَّهِ وَهُوَ الْغَفُورُ: الْوَدُودُ (*) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (﴿ فَعَّالُ لِّمَا يُرِيدُ ١٦ هُلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( فِرْعَوْنَ وَتَمُودَ (٨) بَلِ الَّذِينَ: · كَفَرُ واْ فِى تَكْذِيبٍ (٨) وَاللهُ مِن وَرَآِهِمْ تُحِيطٌ ( ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَ انٌ تَجِيدٌ ﴾ فِي لَوْجِ تَخْفُوظٍ ® والبروج : جمع برج . وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة . ويدل لذلك قوله - تعالى -: ((أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج حشيدة، أى = ولوكنتم فى قصور عظيمة محصنة . ٤٨٤ الجزء الثلاثون والمراد بها هنا : المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثناعشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدلو . والحوت. وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها. قال القرطبى: قوله: ((والسماء ذات البروج): قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال . أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور . . الثالث: ذات الخلق الحسن الرابعة: ذات المنازل .... وهى اثناعشر منزلا .. )،(١) . وقوله: (( واليوم الموعود ، المقصود به : يوم القيامة، لأن الله. - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساؤا بما عملوا، ويجازى .. الذين أحسنوا بالحسنى . وقوله: وشاهد ومشهود، قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالمشاهد هو الرائى لشىء،. أو المخبر غيره عما رآه وشاهده .. والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق . . فالمراد بالشاهد : من بحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين . وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور ... أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره ، من الشهادة على الخصم .. وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين ، ما يقرب من عشريزوجها ... - (١) تفسير القرطبى = ١٩ ص ٢٨٣ ٤٨٥ سورة البروج قال صاحب الكشاف: وقوله: ((وشاهد ومشهود)، يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه . والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم . وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه .. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيهما: فقيل: الشاهد والمشهود: محمد - عَِّّ - ويوم القيامة. وقبل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد - فِيَاء - وسائر الأمم. وقيل : يوم التروية ويوم عرفة . وقيل : يوم عرفة ويوم الجمعة . . وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل : الحفظة وبنوآدم .. ))(١). ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، والرائى لأهواله وعجائبه .. وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب - لها الولدان .. وقال - سبحانه - ((وشاهد ومشهود)) بالتنكير، لتهويل أمرهما، . وتفخيم شأنهما . وقوله - تعالى - : «قتل أصحاب الأخدود، جواب القسم بتقدير اللام وقد . أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد . والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود ، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم . والأخدود: وهو الحفرة العظيمة المستطيلة فى الأرض، كالخندق، (١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٧٢٩ ٠ ٤٨٦ الجزء الثلاثون وجمعه أخاديد ، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها. ويقال : تخددوجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد٠٠٠٠ ومنه قول الشاعر: ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه، نقى اللون لم يتحدد وقيل: إن جواب القسم محذوف ، دل عليه قوله - تعالى - :. (( قتل أصحاب الأخدود، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفارمكة المعونون كما لعن أصحابالأخدود . وأصحاب الأخدود = هم قوم من الكفار السابقين ، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض ، ثم أضرموها بالنار ، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده .. وقوله - سبحانه -: «النار ذات الوقود ، بدل اشتمال ما قبله. وهو الأخدود . والوقود : اسم لما توقد به النار كالخطب ونحوه . وذات الوقود : صفة للنار . أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الدين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها . والظرف فى قوله - تعالى - ((إذهم عليها قعود)، متعلق بقوله - تعالى - : ((قتل)). أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود ، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين . فالضمير ((هم)) يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين. ويجلسون على حافات الأخدود لیروهم وهم يحرقون بالنار، أولياً مرول أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك . ٤٨٧ سورة البروج و(«على» للاستعلاء المجازى، إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها ، لإلقاء المؤمنين فيها . وجملة («وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، فى موضع الحال من الضمير فى قوله : (( إذهم عليها مود)). أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار ، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين ، بل أضافوا إلى ذلك ، أنهم يشهدون تعذيهم ويرونه بأعينهم على سبيل النشفى منهم ، فقوله ((شهود )، بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم ، بأثهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين . . وهذا الفعل منهم . يدل على نهاية القسوة والظلم ، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة . قال الآلوسى: وقوله: (( وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون .. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك العمل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى -: ((يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)). وقيل : ((على)) بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم .. ، (١). ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: «وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . الذى له ملك السموات والأرض، والله على كل شىء شهيد)). ·والنقمة هنا بمعنى الإنكار والكراهية . يقال: نقم فلان هذا الشىء،. - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره .. (١) تفسير الآلوسي - ٣٠ ص ٩٠ ٤٨٨ الجزء الثلاثون أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب ، إلا لشىء واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم الله - تعالى- صاحب العزة التامة ، والحمد المطلق ، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شىء شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم . فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين ، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين ، لا لشىء إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإحراق بالنار. وهكذا النفوس عند ما يستحوذ عليها الشيطان ، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديماً قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام- ((أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون). والاستثناء فى قوله: ((إلا أن يؤمنوا بالله .... استثناء منصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، كما فى قول القائل : بهن فول من قراع الكتائب ولا عيب فيهم غير أن سیوفهم وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ((قل يا أهل الكتاب هل تنقمون . منا إلا أن آمنا بالله، وما أنزلنا إلينا، وما أنزل من قبل، وأن أكثركم فاسقون » . قال الإمام ابنكثير: وقد اختلفوافى أهل هذه القصة من هم ؟ فعن على ابن أبى طالب : أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه عدماؤهم ، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم ٠٠٠ i وعنه أنهم كانوا قوماً من اليمن ، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم ، فتغلب ٤٨٩ سورة المعارج مؤمنوهم على كفارهم ، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين ، فخدوا لهم :الأخاديد، وأحرقوهم فيها. ثم ذكر - رحمه الله - بعد ذلك جملة من الإثار فى هذا المعنى سفارجع إليها إن شئت (١). وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على . ما هم عليه من الإيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم ، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين ، - فعليهم أن يصبرواكما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين . ثم حدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا ؛ فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: (( إن الذين فتنوا المؤمنين .. والمؤمنات. ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)). وقوله: ((فتنوا)، من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول : . فتنت الذهب بالنار ، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته. . والمراد به هنا : التعذيب والتحريق بالنار . أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم ، ويرجعوا عن تعذيبهم المؤمنين والمؤمنات ، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم قار أخرى زائدة على غيرها فى الإحراق . والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات : كفار قريش ، كأبى جهل (١) سورة الماقدة . الآ ية ٥٩ (٢) راجع تفسير ابن كثير حـ٧ ص ٣٨٧ (م ٣٢ - جزء عم) ٤٩٠ الجزء الثلاثون وأمية بن خلف ، وغيرهما ، فقد عذبوا بلالا ، وعمار بن ياسر ، وأمه سمية . ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله. - تعالى -: ((ثم لم يتوبوا،، لأن هذه الجملة تحريض على التوبة». وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - . ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، ويدخل .. فيه أصحاب الأخدود ، وكفار قريش دخولا أوليا . وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم ، وبين عذاب الحريق ، لبيان أن العذاب لهم مضادف، بسبب طغيانهم وشركهم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب ... وعطاء كريم فقال: ((إن الذين آمنوا وعملوا، الأعمال ((الصالحات لهم)) أى: عند ربهم ((جنات تجرى من تحتها الأنهار،. أى تجرى من تحت. أشجارها وبساتينها الأنهار (, ذلك، العطاء هو «الفوز الكبير، الذى .. لا فوز بضارعه أو يقاربه . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيته ، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبراً على صيرهم فقال: «إن .. بطش ربك لشدید ». والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى : إن بطش ربك . - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة ، البالغ نهاية القوة والعنف ، فر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم. وحدهم ... ((إنه هو يبدى. ويعيد، أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولاً" فى الدنيا ، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو ٤٩١ سورة المعارج - سبحانه - وحده الذى يبدى. البطش بالكفار فى الدنيا ، ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى . . وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، بقصد العموم ، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما .... ((وهو الغفور الودود، أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه وأتبع هداه. ((ذو العرش المجيد)، أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم ، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه - ، وهو«المجيد» أى : العظيم فى ذاته وصفاته . (( فعال لما يريد، أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شيء يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع .... وجاءت كلمة (( فعال، بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته ـ، هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: ((إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)). فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطايا ..... ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ، ما يدل على شدة بطشه ، ونفاذ أمره فقال : ((هل أتاك حديث الجنود. فرعون ونمود .. )). والاستفهام هنا: التقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عنت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر. وقوله: , فرعون وثمود، بدل من الجنود . ٤٩٢ الجزء الثلاثون والمراد بفرعون وثمود : ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد. والضلالة على الهداية , والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طفى وبغى، وأتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم ، وآذوه ، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء ... وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع قدميراً شديداً ، جزاء كفرهم وبغيهم ... و خص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر ، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغياً وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرم ... وقوله - سبحانه -: ((بل الذين كفروا فى تكذيب . والله من وراتهم محيط ، اضراب انتقالى ، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - لم يتعظوا بمن سبقهم. أى : لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود ، الهلاك والدمار ، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيهم لك، وفى إعراضهم عنك ..... واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة قامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل ، فهم تحت قبضته وسلطانه ، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده ... وقوله - تعالى- ((بل هو قرآن مجيد. فى لوح محفوظ، إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيهم الحق ، إلى بيان أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ٤٩٣ سورة المعارج أى : ليس الأمر كما قال هؤلاء المشر كون فى القرآن من أنه أساطير الأولين ... بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة .. وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه، ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى - ، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه . . وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه . : وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ مساء الخميس ٢٩ من المحرم سنة ١٤٠٧ هـ القاهرة - مدينة نصر : ٣ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م نَفسِير سُورة الطارق ١٠, أ بسم الله الرحمن الرحيم سورة « الطارق ، ١ - سورة ((الطارق)) من السور المكية، وعدد آياتها سبع عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة («البلد)، وقبل سورة ((القمر)) وهى السورة. السادسة والثلاثون ، فى ترتيب النزول ، أما فى المصحف ، فهى السورة. السادسة والثمانون . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها كثيراً، فقد أخرج الإمام أحمد عن أبى هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرا فى. العشاء الآخرة، بالسماء ذات البروج. والسماء والطارق ). وأخرج - أيضاً - عن خالد بن أبى جبل العدوانى: ((أنه أبصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مشرق - بضم الميم - ثقيف . - أى فى سوق ثقيف - وهو قائم على قوس أو عصى. حين أنهم يبتغى عندهم النصر. فسمعته يقول: ((والسماء والطارق، حتى ختمها. قال: فوعيتها فى الجاهلية ثم قرأتها فى الإسلام . قال : فدعتنى ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا. الرجل؟ فقرأتها عليهم . فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا .. لو كنا نعلم أن ما يقول حقاً لاتبعناه (١). ٢ - والسورة الكريمة من مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية الله. - تعالى - ، وعلى كمال قدرته، وبلیغ حكمته، وسعة علمه، وإثبات أنه هذا القرآن من عنده - تعالى -، وأن العاقبة للمتقين .. (١) تفسير ابن كثير <ـ٧ ص ٣٩٥ ?. سورة الطارق ٤٩٧ قال - تعالى -: بسـ ٠ ٦ ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الطَّارِقُ ﴾ النَّجْمُ الثَّاقِبُ چٌ إِن كُلُّ نَفْسِ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (* فَلْيَنْظِآلْإِنْسَنُ ١ يِمْ خُلِقَ (َّ خُلِقَ مِنِ مَّآءٍ دَافِقٍ ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالَّآَيِّبِ يّ ◌ِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِّرُ هُ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآءُ ﴾ ◌َهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِ ◌ّ وَلَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعَ الَ وَلْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (٣) إِنَّهُ لَقَوْلُ فَصْلٌ ﴾ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾) إِنْهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (٢) وَأَكِيدُ كَبْدًا ﴾ فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ والطارق: اسم فاعل من الطروق . والمراد به هنا: النجم الذى يظهر ليلا فى السماء . قال القرطى ما ملخصه: الطارق: النجم ، اسم جنس ، سمى بذلك لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث: نهى النبنى - والله - أن يطرق المسافر أهله ليلا .. )) والعرب تسمى كل قاصد فى الليل طارقا. يقال: طرق فلان. ٤٩٨ -- الجزء الثلاثون إذا جاء ليلا .. وأصل الطرق: الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمى قاصد اليل طارقا، لاحتياجه فى الوصول إلى الدق .. وفى الحديث: أعوذبك من طوارق الليل والنهار، إلاطارا بطرق بخير يارحمن ... (١). وقوله - تعالى -: ((وما أدراك ما الطارق)) تنويه بشأنه إثر تفخيمه بالإقسام به، فالاستفهام مستعمل فى تعظيم أمره . . وقد جاء التعبير بقوله - تعالى - ((وما أدراك .. ثلاث عشرة مرة فى القرآن الكريم، كلها جاء الخبر بعدها - كما هنا -، وكما فى قوله - تعالى -: (( وما أدراك ما ستر. لا تبقى ولا تذر لواحة للبشر .. )). وكما فى قوله - سبحانه -: (( وما أدراك ما يوم الدين. يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً .. ، إلا واحدة لم بأت الخبر بعدها، وهى قوله-تعالى -: الحافة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة .... أما التعبير بقوله - تعالى -: ((وما يدريك .. )) فقد جاء ثلاث مرات، ولم يأت الخبر بعد واحدة من هذه المرات . قال - تعالى - : ((وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً، ((وما يدريك لعل الساعة قريب» «وما يدريك لعله يزكى)). قال القرطبى: قال سفيان : كل ما فى القرآن وما أدراك فقد أخبر به، وكل شئ. قال فيه: وما يدريك، لم يخبر به. وقوله (( النجم الثاقب) بيان وتفسير للطارق، والثاقب: أى: المضنى. الذى يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ فيه ، ويبدد . . . والجملة الكريمة مستأنفة، وهى جواب عن سؤال مقدر نشأ مما قبله ، كأنه قيل وما هو الطارق؟ فكان الجواب: هو النجم الثاقب . (١) راجع تفسير القرطبى حـ ٢٠ ص ٠٢ ٤٩٩ سورة الطارق وقوله - سبحانه -: ((إن كل نفس لما عليها حافظ)) جواب القسم وما بينهما كلام معترض لتنفخيم شأن المقسم به .. والحافظ: هو الذى يحفظ ما كلف بحفظه ، لمقصد معين . أى: وحق السماء البديعة الصنع، وحق النجم الذى يطلع فيها فيبدد ظلام الليل ، ماكل نفس من الأنفس، إلا وعليها من الملائكة من يحفظ عملها ويسجله سواء أكان هذا العمل خيرا أم شرا . قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : قرأ الجمهور بتخفيف الميم فى قوله (( لما)،، فتكون ((إن) مخففة من الثقيله، فيها ضمير الشأن المقدر، وهو أسمها، واللام هى الفارقه - بين ((إن، النافية، و((إن) المخففة من الثقيلة - وما مؤيدة: أى: إن الشأن كل نفس لعليها حافظ. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم فى قوله ((لما)، فتكون ((إن)) فافية، ولما بمعنى إلا. أى: ما كل نفس إلا عليها حافظ .. والحافظ : هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها .. وقيل: الحافظ هو الله - تعالى -. وقيل: هو العقل يرشدهم إلى المصالح . . والأول أولى، لقوله - تعالى -: ((ويرسل عليكم حفظة)، وقوله: (( وإن عليكم لحافظين)). وحفظ الملائكة إنما هو من حفظه - تعالى - ، لأنهم لا يحفظون إلا بأمره - عز وجل -)، (١). والمقصود من الآية الكريمة : تحقيق تسجيل أعمال الإنسان عليه ، وأنه سيحاسب عليها، وسيجازى عليها بما يستحقه من ثواب أو عقاب. وبعد أن بين - سبحانه - أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها (١) تفسير فتح القدير الشوكانى - • ص ٤١٩. ٥٠٠ الجزء الثلاثون أعمالها .. أتبع ذلك بأمر الإنسان بالتفكر فيما ينفعه، بأن يعتبر بأول نشأته، وليعلم أن من خلقه من ماء مهين ، قادر على إعادته إلى الحياة مرة. أخرى، فقال - تعالى -: « فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب .. ». والفاء فى قوله ((فلينظر .. )) للتفريع على ما تقدم، وهى بمعنى. الفصيحة . وقوله: « خلق من ماء دافق ، جواب الاستفهام فى قوله - سبحانه ــ ((مم خلق)): والمقصود بالاستفهام هنا: الحث والحض على التفكر والتدبر . . و (( دافق)) اسم فاعل من الدفق، وهو الصب للشىء بقوة وسرعة، يقال: تدفق الماء إذا سال باندفاع وسرعة. والمراد به هنا: الماء الذى. يخرج من الرجل ويصب فى رحم المرأة . والصلب : يطلق على فقار الظهر بالنسبة للرجل. والترائب: جمع تربية، وهى العظام التى تكون فى أعلى صدر المرأة، ويعبرون عنها بقولهم موضع القلادة من المرأة . أُی : إذا كان الأمر کما ذ کرت لکم۔۔ أيها الناس - ، من أن کل نفس. عليها حافظ يسجل عليها أقوالها وأفعالها .. فلينظر الإنسان منكم نظر تأمل وقدير واعتبار، وليسأل نفسه من أى شىء خلق؟ لقد خلقه الله - تعالى - بقدرته ، من ماء متدفق ، يخرج بقوة وسرعة من الرجل ، ليصب. فى رحم الأنثى . . وهذا الماء الدافق من صفاته أنه يخرج من بين صلب الرجل، ومن بين ترائب المرأة، حيث يختلط الماءان، ويتكون منهما الإنسان فى مراحله المختلفة بقدرة الله - تعالى - . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ماوجه اتصال قوله: «فلينظر، بما قيله؟: